أخبار نبيه ونسبه

أخبار نبيه ونسبه

نسبه

هو نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب؛ وأمه وأم أخيه منبه أروى بنت عميلة بن السباق بن عبد الدار بن قصي.

قتل هو وأخوه يوم بدر مشركين

وكان نبيه بن الحجاج وأخوه من وجوه قريش وذوي النباهة فيهم، وقتلا جميعاً يوم بدر مشركين، ولهما يقول أعشى بني تميم – وهو ابن النباش بن زرارة، وكان أخوه أبو هالة بن النباش زوج خديجة أم المؤمنين في الجاهلية، ولها منه أولاد عقب إلى الآن – وكان الأعشى مداحاً لهم، وفيهم يقول، وهي قصيدة طويلة :

لله در بني الحـجـاج إذ نـدبـوا

 

لا يشتكي فعلهم ضيف ولا جـار

إن يكسبوا يطعموا من فضل كسبهم

 

وأوفياء بعقـد الـجـار أحـرار

وفي نبيه يقول أيضاً :

إن نبيهاً أبا الرزام أفضـلـهـم

 

حلماً وأجودهم، والجود تفضيل

ليس لفعل نبيه إن مضى خلـف

 

ولا لقول أبي الرزام تـبـديل

ثقف كلقمان، عدل في حكومته

 

سيف إذا قام وسط القوم مسلول

وإن بيت نبيه منـهـج فـلـج

 

مخضر بالندى ما عاش مأهول

من لا يعر ولا يؤذي عشيرتـه

 

ولا نداه عن المعتر مـعـدول

وله أيضاً فيهما مراث قالها فيهما لما قتلا ببدر لم أستجز ذكرها؛ لأنهما قتلا مشركين محاربين الله ورسوله.

شعره في زوجتيه وقد سألتاه الطلاق

وكان نبيه من شعراء قريش، وهو القائل وقد سألته زوجتاه الطلاق، ذكر ذلك الزبير بن بكار :

تلك عرساي تنطقان بهـجـر

 

وتقولان قـول زور وهـتـر

تسألاني الطلاق أن رأتـانـي

 

قل مالي، قد جئتماني بنـكـر

فلعلي أن يكثر المال عـنـدي

 

ويخلى من المغارم ظـهـري

ويرى أعـبـد لـنـا وجـياد

 

ومناصيف من ولائد عـشـر

ويكأن من يكن لن نشب يحـب

 

ب ومن يفتقر بعش عيش ضر

ويجنب يسر الأمـور ولـكـن

 

ذوي المال حضر كـل يسـر

شعر آخر له أخبرني الطوسي والحرمي، قالا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني علي بن صالح: أن عامر بن صالح أنشده لنبيه بن الحجاج:

قصر العدم بي ولو كنت ذا ما

 

ل كثير لأجلب الناس حولي

ولقالوا: أنت الكريم علـينـا

 

ولحطوا إلى هواي وميلـي

ولكلت المعروف كيلاً هنـيا

 

يعجز الناس أن يكيلوا ككيلي

قال الزبير: قال علي بن صالح: وأنشدني عامر بن صالح لنبيه بن الحجاج أيضاً:

قالت سليمى إذ طرقت أزورها:

 

لا أبتغي إلا امـرأً ذات مـال

لا أبتغـي إلا امـرأً ذا ثـروة

 

كيما يسد مفاقري وخـلالـي

فلأحرصن على اكتساب محبب

 

ولأكسبن في عـفة وجـمـال

أخبرني الطوسي والحرمي، قالا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي مصعب، قال: نزل نبيه بن الحجاج قديداً يريد الشام، فغيب بعض بني بكر ناقته، يريد أخذ الجعالة عليها منه، فقال نبيه في ذلك:

وردت قديداً فالتوى بذراعها

 

ذؤبان بكر كل أطلس أفحج

رجل صديق ما بدت لك عينه

 

فإذا تغيب فاحتفظ من دعلج

قال الزبير: الدعلج: الكلب والذئب، وكل مختلس من السباع فهو دعلج، ويقال لاختلاسه: الدعلجة، وأنشد :

باتت كلاب الحي تسري بيننا

 

يأكلن دعلجة ويشبع من ثوى

يعني بالدعلجة السرقة.

قال الزبير: ولا عقب للحجاح أبي نبيه ومنبه إلا من ولد نبيه؛ فإن العقب من ولد أبي سلمة إبراهيم بن عبد الله بن عفيف بن نبيه، وفي ريطه بنت منبه؛ فإن عمرو بن العاص تزوجها فولدت له عبد الله بن عمرو .

انتزع امرأة من أبيها فلجأ إلى حلف الفضول فخلصوها منه

وهذا الشعر الذي فيه الغناء يقوله في امرأة كان غلب أباها عليها، فاستغاث أبوها بالحلفاء من قريش، والحلف المعروف بحلف الفضول؛ فانتزعوها من نبيه وردوها إلى أبيها.

أخبرني الطوسي، قال حدثني الزبير بن بكار، قال: حدثني غير واحد من قريش، منهم عبد العزيز بن عمر العنبسي عن مغن ، واسمه عيينة بن عبد الله بن عنبسة:  أن رجلاً من خثعم قدم مكة تاجراً، ومعه ابنة له يقال لها القتول، أوضأ نساء العالمين وجهاً، فعلقها نبيه بن الحجاج بن عامر بن حذيفة بن سعد بن سهم، فلم يبرح حتى نقلها إليه، وغلب أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول؛ فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيه بن الحجاج، فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ متبد بناحية مكة وهي معه، فقال: لا أفعل، قالوا: فإنا من قد عرفت، فقال: يا قوم متعوني بها الليلة، فقالوا: قبحك الله، ما أجهلك! لا والله ولا شخب لقحة، وهي أوسع أحابيك من السائل، فأخرجها إليهم فأعطوها أباها، وركبوا، وركب معهم الخثعمي، فلذلك يقول نبيه بن الحجاج : شعره في ذلك:

راح صحبي ولم أحي القتولا

 

لم أودعهم وداعـاً جـمـيلا

إذ أجد الفضول أن يمنعوهـا

 

قد أراني ولا أخاف الفضولا

لا تخالي أني عشية راح الرك

 

ب هنتم عـلـي ألا أقـولا

إنني والذي تحج له شـمـط

 

إياد وهـلـلـوا تـهـلـيلا

لا تبرأت من قتـيلة بـالـنـا

 

س وهل تبتغون إلا القتـولا

لم أخبر عن الحـديث ولا أب

 

دأ رس الحديث والتقـبـيلا

ومبيتاً بذي المجـاز ثـلاثـاً

 

ومتى كان حجنا تـحـلـيلا

لن أذيع الحديث عنهـا ولا أن

 

قاد لو أبيت فـيهـا فـتـيلا

أتلوى بها كـمـا تـتـلـوى

 

حية الماء بـالأبـاء طـويلا

ثم عدواً عداء نـخـلة مـا يد

 

رك منهم أدنى رعيل رعيلا

وبنو غالب أولـئك قـومـي

 

ومتى يفزعوا تراهم قـبـيلا

وندامى بيض الوجوه كهـول

 

وشباب أسهرت ليلاً طـويلا

غير هجم ولا لـئام ولا تـع

 

رف منهم إلا فتى بهـلـولا

وفي ذلك يقول نبيه بن الحجاج :

حي الدوييرة إذ نأت

 

منا على عدوائهـا

لا بالفراق تنيلـنـا

 

شيئاً ولا بلقـائهـا

أخذت حشاشة قلبـه

 

ونأت فكيف بنائهـا

حلت تهـامة خـلة

 

من بيتها ووطائهـا

ولها بمكة مـنـزل

 

من سهلها وحرائها

رفعوا المحلة فوقها

 

واستعذبوا من مائها

تدعو شهاباً حولهـا

 

وتعم في حلفائهـا

لولا الفضول وأنـه

 

لا أمن من عدوائها

لدنوت من أبياتـهـا

 

ولطفت حول خبائها

ولجئتها أمشي بـلا

 

هاد لدى ظلمائهـا

فشربت فضلة ريقها

 

ولبت في أحشائهـا

فسلي بمكة تخبـري

 

أنا من أهل وفائهـا

قدماً وأفضل أهلهـا

 

منا على أكفـائهـا

نمشي بألوية الوغى

 

ونموت في أودائها

حلف الفضول

سبب حلف الفضول أخبرنا به الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة قال: كان سبب حلف الفضول أن رجلاً من أهل اليمن قدم مكة ببضاعة فاشتراها رجل من بني سهم، فلوى الرجل بحقه؛ فسأله متاعه فأبى عليه، فقام في الحجر، فقال:

يال قصي لمظلوم بضاعـتـه

 

ببطن مكة نائي الدار والنفـر

وأشعث محرم لم يقض حرمته

 

بين المقام وبين الركن والحجر

وروى بعض الثقات تماماً لهذين البيتين، وهو:

أقائم من بني سهم بـذمـتـهـم

 

أم ذاهب في ضلال مال معتمر

إن الحرام لمن تمت حرامـتـه

 

ولا حرام لثوب الفاجر الغـدر

قال: وقال بعض العلماء: إن قيس بن شيبة السلمي باع متاعاً من أبي بن خف، فلواه وذهب بحقه، فاستجار برجل من بني جمح، فلم يقم بجواره، فقال:

يال قصي كيف هذا في الحرم

 

وحرمة البيت وأعلاق الكرم

أظلم لا يمنع مني من ظلـم

 

 

قال: وبلغ الخبر العباس بن مرداس السلمي، فقال:

إن كان جارك لم تنفعك ذمـتـه

 

وقد شربت بكأس الغل أنفـاسـا

فائت البيوت وكن من أهلها صددا

 

لا تلف ناديهم فحشاً ولا بـاسـا

وثم كن بفناء البيت معتـصـمـاً

 

تلق ابن حرب وتلق المرء عباسا

قرمى قريش وحلا في ذؤابتهـا

 

بالمجد والحزم ما حازا وما ساسا

ساقي الحجيج وهذا ياسر فـلـج

 

والمجد يورث أخماساً وأسداسـا

فقام العباس وأبو سفيان حتى ردا عليه. واجتمعت بطون قريش، فتحالفوا على رد الظلم بمكة، وألا يظلم رجل بمكة إلا منعوه، وأخذوا له بحقه، وكان حلفهم في دار ابن جدعان، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لقد شهدت حلفاً في دار ابن جدعان ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به لأجبت”.

فقال قوم من قريش: هذا والله فضل من الحلف؛ فسمى حلف الفضول.

قال: وقال آخرون: تحالفوا على مثل حلف تحالف عليه قوم من جرهم في هذا الأمر ألا يقروا ظلماً ببطن مكة إلا غيروه، وأسماؤهم الفضل بن شراعة، والفضل بن قضاعة، والفضل بن سماعة .

قال: وحدثني محمد بن فضالة، عن عبد الله بن سمعان، عن ابن شهاب، قال: كان شأن حلف الفضول أن بدء ذلك أن رجلاً من بني زبيد قدم مكة معتمراً في الجاهلية ومعه تجارة له، فاشتراها منه رجل من بني سهم، فأواها إلى بيته، ثم تغيب، فابتغى متاعه الزبيدي، فلم يقدر عليه، فجاء إلى بني سهم يستعديهم عليه، فأغلظوا عليه، فعرف أن لا سبيل إلى ماله؛ فطوف في قبائل قريش يستعين بهم، فتخاذلت القبائل عنه، فلما رأى ذلك أشرف على أبي قبيس حين أخذت قريش مجالسها في المسجد، ثم قال:

يا آل فهر لمظلوم بضاعـتـه

 

ببطن مكة نائي الدار والنفـر

ومحرم شعث لم يقض عمرتـه

 

يا إل فهر وبين الحجر والحجر

أقائم من بني سهم بخفرتـهـم

 

فعادل أم ضلال مال معـتـم

الحلف ينعقد في دار عبد ابن جدعان ورسول الله معهم فلما نزل أعظمت قريش ذلك، فتكلموا فيه، فقال المطيبون: والله لئن قمنا في هذا ليغضبن الأحلاف، وقال الأحلاف: والله لئن تكلمنا في هذا ليغضبن المطيبون، وقال ناس من قريش: تعالوا فليكن حلفا فضولاً دون المطيبين ودون الأحلاف، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، وصنع لهم طعاماً يومئذ كثيراً، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ معهم، قبل أن يوحي الله إليه، وهو ابن خمس وعشرين سنة. فاجتمعت بنو هاشم وأسد وزهرة وتيم، وكان الذي تعاقد عليه القوم: تحالفوا على ألا يظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه، حتى يأخذوا له بحقه، ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم، ثم مدوا إلى ماء من زمزم فجعلوه في جفنة، ثم بعثوا، به إلى البيت، فغسلت به أركانه، ثم أتوا به فشربوه.

النبي يشيد بحلف الفضول قال: فحدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلف الفضول، أما لو دعيت إليه اليوم لأجبت، وما أحب أن لي به حمر النعم، وأني نقضته”.

قال: وحدثني عمر بن عبد العزيز العنبسي أن الذي اشترى من الزبيدي المتاع العاص بن وائل السهمي.

أهل الحلف وعلى أي شيء تحالفوا وقال: أهل حلف الفضول بنو هاشم، وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزى، وبنو زهرة، وبنو تيم، تحالفوا بينهم ألا يظلم بمكة أحد إلا كنا جميعاً مع المظلوم على الظالم، حتى نأخذ له مظلمته ممن ظلمه شريفاً أو وضيعاً، منا أو من غيرنا.

ثم انطلقوا إلى العاص بن وائل، ثم قالوا: والله لا نفارقك حتى تؤدي إليه حقه، فأعطى الرجل حقه، فمكثوا كذلك لا يظلم أحد حقه بمكة إلا أخذوه له. وكان عتبة بن ربيعة بن عبد شمس يقول: لو أن رجلاً وحده خرج من قومه لخرجت من عبد شمس، حتى أدخل في حلف الفضول. وليس عبد شمس في حلف الفضول.

وحدثني محمد بن حسن، عن محمد بن طلحة، عن موسى بن عبد الله بن إبراهيم، عن أبيه، وعن محمد بن فضالة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، وعن إبراهيم بن محمد، وعن أبي عبد الله بن الهاد: أن بني هاشم وبني المطلب وبني أسد بن عبد العزى وتيم بن مرة اختلفوا على ألا يدعوا بمكة كلها، ولا في الأحابيش مظلوماً يدعوهم إلى نصرته إلا أنجدوه، حتى يرجوا عليه مظلمته، أو يبلوا في ذلك عذراً، أو على ألا يتركوا لأحد عند أحد فضلاً إلا أخذوه، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – وبذلك سمي حلف الفضول – بالله الغالب أن اليد على الظالم حتى يأخذوا للمظلوم حقه ما بل بحر صوفة ، وعلى التأسي في المعاش.
قال محمد بن الحسن: قال محمد بن طلحة في حديثه، عن موسى بن محمد عن أبيه، وعن محمد بن فضالة، عن أبيه، قال: لم يكن بنو أسد بن عبد العزى في حلف الفضول، قال: وكان بعد عبد المطلب.

قال: وحدثني محمد بن الحسن، عن عيسى بن يزيد بن دأب، قال: أهل حلف الفضول: هاشم، وزهرة، وتيم. قال: وقيل له: فهل لذلك شاهد من الشعر؟ قال: نعم، قال: أنشدني بعض أهل العلم قول بعض الشعراء:

تيم بن مرة إن سالـت وهـاشـم

 

وزهرة الخير في دار ابن جدعان

متحالفون على الندى ما غـردت

 

ورقاء في فنن من جزع كتمـان

فقيل له: وأين كتمان؟ فقال: واد بنجران ؛ فجاء بيتين مضطربين مختلفي النصفين.

وحدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: تداعى بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد بن عبد العزى وبنو زهرة بن كلاب وتيم بن مرة إلى حلف الفضول، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، فتحالفوا عنده، وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها ولا من غيرهم إلا قاموا معه على من ظلمه حتى يردوا مظلمته. وشهد النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحلف قبل أن يبعث، فهذا حلف الفضول.

قال: وحدثني إبراهيم بن حمزة عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه، قال: إنما سمي حلف الفضول لأنه كان في جرهم رجال يردون المظالم يقال لهم: فضيل وفضال وفضل ومفضل قال: فلذلك سمي حلف الفضول، تعاقدوا أن يردوا المظالم.

قال: فتحالفوا بالله الغالب لنأخذن للمظلوم من الظالم، وللمقهور من القاهر، وما بل بحر صوفة.

قال: وقال أبي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فشهدت حلفاً في دار عبد الله بن جدعان لم يزده الإسلام إلا شدة، ولهو أحب إلي من حمر النعم”، قال: وقال غيره: “لو دعيت إليه لأجبت”.

رواية أخرى في سبب تسميته قال: وحدثني محمد بن حسن، عن نوفل بن عمارة عن إسحاق بن الفضل قال: إنما سمت قريش هذا الحلف حلف الفضول؛ لأن نفراً من جرهم يقال لهم: الفضل وفضال والفضيل، تحالفوا على مثل ما تحالفت عليه هذه القبائل.
قال: وحدثني رجل عن محمد بن حسن، عن محمد بن فضالة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لقد شهدت في دار ابن جدعان حلف الفضول، أما لو دعيت إليه لأجبت، وما أحب أني نقضته، وأن لي حمر النعم”.

قال الزبير: وحدثين علي بن صالح عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده، لقد شهدت في الجاهلية حلفاً – يعني حلف الفضول – أما لو دعيت إليه لأجبت، لهو أحب إلي من حمر النعم، لا يزيده الإسلام إلا شدة”.

قال: وحدثني أبو الحسن الأثرم، عن أبي عبيدة، قال: حدثني رجل عن محمد بن يزيد الليثي، قال: سمعت طلحة بن عبد الله بن عوف الزبيري، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى إليه في الإسلام لأجبت”.

قال: وحدثني محمد بن حسن، عن نصر بن مزاحم، عن معروف بن خربوذ، قال: تداعت بنو هاشم وبنو المطلب وأسد وتيم، فاختلفوا على ألا يدعوا بمكة كلها ولا في الأحابيش مظلوماً يدعوهم إلى نصرته إلا أنجدوه، حتى يردوا إليه مظلمته، أو يبلوا في ذلك عذراً. وكره ذلك سائر المطيبين والأحلاف من أمره ، وسموه حلف الفضول، عيباً له، وقالوا: هذا من فضول القوم، فسموه حلف الفضول.

قال: وحدثني محمد بن حسن، عن إبراهيم بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، قال: كان حلف الفضول بين بني هاشم وبني أسد وبني زهرة وبني تيم.

قال: فحدثني أبو خيثمة زهير بن حرب، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن محمد بن حبيب، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “شهدت مع عمومتي حلف المكيين، فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه”.

قال: وحدثني محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة، عن عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي: أنه بلغه أن الذي بدأ بحلف الفضول من هذه القبائل أمر الغزال الذي سرق من الكعبة.

ابن جبير بن مطعم وعبد الملك حدثني محمد بن الحسن، قال: حدثنا محمد بن طلحة، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أبيه، قال: قدم ابن جبير بن مطعم على عبد الملك بن مروان، وكان من حلفاء قريش.

بنو عبد شمس وبنو نوفل لم يدخلاه فقال له عبد الملك: يا أبا سعيد، لم يكن بنو عبد شمس وأنتم – يعني بني نوفل – في حلف الفضول، قال: وأنتم أعلم يا أمير المؤمنين، قال: لتحدثني بالحق من ذلك، قال: لا والله يا أمير المؤمنين، لقد خرجنا نحن وأنتم منه، ولم تكن يدنا ويدكم إلا جميعاً في الجاهلية والإسلام.

الوليد بن عتبة ينصف الحسين بن علي قال: وحدثني محمد بن حسن، عن إبراهيم بن محمد بن يزيد بن عبد الله بن الهاد الليثي أن محمد بن الحارث التيمي أخبره: أنه كان بين الحسين بن علي وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كلام – والوليد يومئذ أمير المدينة في زمن معاوية بن أبي سفيان – في مال كان بينهما بذي المروة ، فقال الحسين بن علي: استطال علي الوليد بن عتبة في حقي بسلطانه، فقلت: اقسم بالله لتنصفني في حقي أو لآخذن سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لأدعون بحلف الفضول، قال: فقال عبد الله بن الزبير – وكان عند الوليد لما قال الحسين ما قال -: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعاً. فبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك، فبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك. فلما بلغ الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.

قال: وحدثني أبو الحسن الأثرم علي بن المغيرة، عن أبي عبيدة، قال: حدثني رجل عن يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثي: أن محمد بن إبراهيم التيمي حدثه مثل حديث محمد بن حسن الذي قبل هذا.

الحسين ينازع معاوية في أرض له قال: وحدثني إبراهيم بن حمزة، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه أن الحسين بن علي كان بينه وبين معاوية كلام في أرض له، فقال له الحسين: اختر خصلة من ثلاث خصال: إما أن تشتري مني حقي، وإما أن ترده علي، أو تجعل بيني وبينك ابن الزبير وابن عمر، والرابعة الصيلم، قال: وما الصيلم؟ قال: أن أهتف بحلف الفضول، قال: فلا حاجة لنا بالصيلم.

قال: فخرج وهو مغضب، فمر بعبد الله بن الزبير فأخبره، فقال: والله لئن لم ينصفني لأهتفن بحلف الفضول، فقال عبد الله بن الزبير: والله لئن هتفت به وأنا مضطجع لأقعدن أو قاعد لأقومن، ولئن هتفت به وأنا ماش لأسعين، ثم لينفدن روحي مع روحك، أو لينصفنك.
قال: فخرج عبد الله بن الزبير فدخل على معاوية فباعه منه، وخرج عبد الله فجاء إلى الحسين، فقال: أرسل فانتقد مالك، فقد بعته لك.

قال: وحدثني علي بن صالح، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه، قال: خرج الحسين من عند معاوية، فلقي عبد الله بن الزبير، والحسين مغضب، فذكر الحسين أن معاوية ظلمه في حق له، فقال الحسين: أخيره في ثلاث خصال، والرابعة الصيلم: أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه، أو يقر بحقي، ثم يسألني فأهبه له، أو يشتريه مني، فإن لم يفعل فوالذي نفسي بيده لأهتفن بحلف الفضول.

قال ابن الزبير: والذي نفسي بيده لئن هتفت به وأنا قاعد لأقومن أو قائم لأمشين، أو ماش لأشتدن، حتى تفنى روحي مع روحك أو ينصفك.

قال: ثم ذهب ابن الزبير إلى معاوية، فقال: لقيني الحسين فخيرك في ثلاث خصال، والرابعة الصيلم. قال معاوية: لا حاجة لنا بالصيلم؛ إنك لقيته مغضباً، فهات الثلاث، قال: تجعلني أو ابن عمر بينك وبينه، قال: فقد جعلتك بيني وبينه أو ابن عمر أو جعلتكما، قال: أو تقر له بحقه وتسأله إياه، قال: أنا أقر له بحقه وأسأله إياه، قال: أو تشتريه منه، قال: وأنا أشتريه منه، قال: فلما انتهى إلى الرابعة قال لمعاوية كما قال للحسين: إن دعاني إلى حلف الفضول لأجبته، فقال معاوية: لا حاجة لنا بهذا. رجل من ثمالة يشكو حلف الفضول قال: وبلغني أن عبد الرحمن بن أبي بكرة والمسور بن مخرمة قالا للحسين بن علي مثل ما قال ابن الزبير، فبلغ ذلك معاوية وعنده جبير بن مطعم ، فقال له معاوية: يا أبا محمد، أكنا في حلف الفضول؟ قال: لا، قال: فكيف كان؟ قال: قدم رجل من ثمالة فباع سلعة له من أبي بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح، فظلمه، وكان يسيء المخالطة فآتى الثمالي إلى أهل حلف الفضول فأخبرهم، فقالوا: اذهب فأخبره أنك أتيتنا، فإن أعطاك حقك وإلا فارجع إلينا، فأتاه فأخبره بما قال له أهل حلف الفضول، قال: فأخرج إليه ماله، وأعطاه إياه بعينه، وقال:

أيأخذني في بطـن مـكة ظـالـمـاً

 

أبي ولا قومي لدي ولا صـحـبـي

وناديت قومي صارخاً لـيجـيبـنـي

 

وكم دون قومي من فياف ومن سهب

ويأبى لكم حلف الفضول ظلامـتـي

 

بني جمح والحق يؤخذ بالغـصـب

القيني يستصرخ عبد الله بن جدعان وقد روى إبراهيم بن المنذر الحزامي في أمر حلف الفضول غير ما رواه الزبير، قال إبراهيم: حدثني عبد العزيز بن عمران، قال: قدم أبو الطمحان القيني الشاعر، واسمه حنظلة بن الشرقي، فاستجار عبد الله بن جدعان التيمي ومعه مال له من الإبل، فعدا عليه قوم من بني سهم فانتحروا ثلاثة من إبله، وبلغه ذلك فأتاهم بمثلها، فقال: أنتم لها ولأكثر منها أهل، فأخذوها فانتحروها، ثم أمسكوا عنه زماناً، ثم جلسوا على شراب لهم، فلما انتشوا غدوا على إبله فأساقوها كلها، فأتى عبد الله بن جدعان يستصرخه، فلم يكن فيه ولا في قومه قوة ببني سهم، فأمسك عنهم ولم ينصره، فقال أبو الطمحان :

ألا حنت المرقال واشتاق ربهـا

 

تذكر أرماماً وأذكر معشـري

ولو علمت صرف البيوع لسرها

 

بمكة أن تبتاع حمضاً بـإذخـر

أجدبني الشرفـي أن أخـاهـم

 

متى يعتلق جاراً وإن عز يغدر

إذا قلت واف أدركتـه دروكـه

 

فيا موزع الجيران بالغي أقصر

ثم ارتحل عنهم.

لميس بن سعد يستجير بقريش من ظلم أبي بن خلف ووفد لميس بن سعد البارقي مكة، فاشترى منه أبي بن خلف سلعة، فظلمه إياها، فمشى في قريش فلم يجزه أحد، فقال:

أيظلمنـي مـالـي أبـي سـفـاهة

 

وبغياً ولا قومي لدي ولا صحـبـي

وناديت قومي بارقاً لـتـجـيبـنـي

 

وكم دون قومي من فياف ومن سهب

رجل آخر من زبيد يستجير بقريش ثم قدم رجل من بني زبيد، فاشترى منه رجل من بين سهم يقال له: حذيفة سلعة، وظلمه حقه، فصعد الزبيدي على أبي قبيس، ثم نادى بأعلى صوته:

يا آل فهر لمظلوم بضاعـتـه

 

ببطن مكة نائي الحي والنفـر

يا آل فهر لمظلوم ومضطهـد

 

بين المقام وبين الركن والحجر

إن الحرام لمن تمت حرامتـه

 

ولا حرام لثوب الفاجر الغدر

فأعظم الزبير بن عبد المطلب ذلك، وقال: يا قوم، إني والله لأخشى أن يصيبنا ما أصاب الأمم السالفة من ساكني مكة، فمشى إلى ابن جدعان، وهو يومئذ شيخ قريش، فقال له في ذلك، وأخبره بظلم بني سهم وبغيهم، وقد كان أصاب بني سهم أمران لا يشك أنهما للبغي: احتراق المقاييس منهم، وهم قيس ومقيس وعبد قيس بصاعقة، وأقبل منهم ركب من الشام، فنزلوا بماء يقال له القطيعة ، فصبوا فضلة خمر لهم في إناء، وشربوا ثم ناموا، وقد بقيت منهم بقية فكرع منها حية أسود، ثم تقيأ في الإناء، فهب القوم فشربوا منه، فماتوا عن آخرهم، فأذكره هذا ومثله، فتحالف بنو هاشم وبنو المطلب وبنو زهرة وبنو تيم: بالله الغالب ، إنا ليد واحدة على الظالم، حتى يرد الحق.

وخرج سائر قريش من هذا الحلف. إلا أن ابن الزبير ادعاه لبني أسد في الإسلام. قال: فأخبرني الواقدي وغيره أن محمد بن جبير بن مطعم دخل على عبد الملك بن مروان، فسأله عن حلف الفضول فقال: أما أنت وأنت يا أمير المؤمنين فلسنا فيه، فقال: صدقت والله، إني لأعرفك بالصدق، قال: فإن ابن الزبير يدعيه، فقال: ذاك هو الباطل.

قال: وكان عتبة بن ربيعة يقول: لو أن رجلاً خرج عن قومه إلى غيرهم لكرم حلف لخرجت عن قومي إلى حلف الفضول.

أقوال أخرى في سبب تسمية الحلف  قال الواقدي: قد اختلف فيه، لم سمي حلف الفضول؛ فقيل: إنه سمي بذلك لأنهم قالوا: لا ندع لأحد عند أحد فضلاً إلا أخذناه منه، وقيل: بل سمع بهذا بعض من لم يدخل فيه، فقال: هذا فضول من الأمر.

وقال الواقدي: والصحيح أن قوما من جرهم يقال لهم فضل وفضالة وفضال ومفضل تحالفوا على مثل هذا في أيامهم، فلما تحالفت قريش هذا الحلف سموا بذلك.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

يا للرجال لمظلوم بضاعتـه

 

ببطن مكة نائي الدار والنفر

إن الحرام لمن تمت حرامته

 

ولا حرام لثوبي لابس الغدر

غناه ابن عائشة، ثقيل أول بالبنصر، عن حبش.

يزيد أول من سن الملاهي في الإسلام أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا المدائني، عن ابن أبي سبرة، عن لقيط بن نصر المحاربي، قال: كان يزيد بن معاوية أول من سن الملاهي في الإسلام من الخلفاء، وآوى المغنين، وأظهر الفتك وشرب الخمر، وكان ينادم عليها سرجون النصراني مولاه والأخطل، وكان يأتيه من المغنين سائب خاثر فيقيم عنده، فيخلع عليه ويصله، فغناه يوماً:

يا للرجال لمظلوم بضاعتـه

 

ببطن مكة نائي الأهل والنفر

فاعترته أريحية، فرقص حتى سقط، ثم قال: اخلعوا عليه خلعا يغيب فيها حتى لا يرى منه شيء، فطرحت عليه الثياب والجباب والمطارف والخز حتى غاب فيها.

صوت

اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفـقـاً

 

في رأس غمدان داراً منك محلالا

تلك المكارم لا قعبان مـن لـبـن

 

شيبا بماء فعـادا بـعـد أبـوالا

عروضه من البسيط.

المرتفق: المتكىء على مرفقه. وغمدان: اسم قصر كان لسيف بن ذي يزن باليمن. والمحلال. الدار التي يحل فيها، أي يقيم فيها. وشيبا: معناه خلطا. والشوب: الخلط، يقال: شاب كذا بكذا إذا خلطهما.

الشعر لأمية بن أبي الصلت الثقفي ، وقيل: بل هو للنابغة الجعدي، وهذا خطأ من قائله؛ وإنما أدخل النابغة البيت الثاني من هذه الأبيات في قصيدة له على جهة التضمين. والغناء لسائب خائر خفيف رمل بالوسطى، من رواية حماد عن أبيه، وفيه لطويس من كتاب يونس الكاتب غير مجنس .