أخبار ناهض بن ثومة ونسبه

أخبار ناهض بن ثومة ونسبه

هو ناهض بن ثومة بن نصيح بن نهيك بن إمام بن جهضم بن شهاب بن أنس بن ربيعة بن كعب بن بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. شاعر بدويٌّ فارس فصيح، من الشعراء في الدولة العباسية، وكان يقدم البصرة فيكتب عنه شعره، وتؤخذ عنه اللغة. روى عنه الرياشي، وأبو سراقة، ودماذ وغيرهم من رواة البصرة. وكان يهجوه رجلٌ من بني الحارث بن كعبٍ، يقال له: نافع بن أشعر الحارثي، فأثرى عليه ناهض فمما قاله في جواب قصيدةٍ هجا بها قبائل قيسٍ، قصيدة ناهضٍ التي أولها:

ألا يا أسلـمـا يأيهـا الـطـلـلان

 

وهل سالمٌ باقٍ علـى الـحـدثـان

أبينا لنا حـبـيتـمـا الـيوم إنـنـا

 

مبينان عن مـيلٍ بـمـا تـسـلان

متى العهد من سلمى التي بتت القوى

 

وأسماء إن العهـد مـنـذ زمـان

ولا زال ينهل الغمام عـلـيكـمـا

 

سبيل الربـى مـن وابـلٍ ودجـان

فإن أنتما بينتـمـا أو أجـبـتـمـا

 

فلا زلتما بـالـنـبـت تـرتـديان

وجر الحرير والفرند عـلـيكـمـا

 

بأذيال رخصات الأكـف هـجـان

نظرت ودوني قيد رمحين نـظـرةً

 

بعينين إنسـانـاهـمـا غـرقـان

إلى ظعن بالـعـاقـرين كـأنـهـا

 

قرائن من دوح الكـثـيب ثـمـان

لسلمى وأسماء اللـتـين أكـنـتـا

 

بقلبي كنـينـي لـوعةٍ وضـمـان

عسى يعقب الهجر الطويل تـدانـيا

 

ويا رب هجرٍ معقـبٍ بـتـدانـي

خليلي قد أكثرتما اللـوم فـاربـعـا

 

كفاني ما بي لو تركت كـفـانـي

إذا لم تصل سلمى وأسماء في الصبا

 

بحبليهما حبلي فـمـن تـصـلان

فدع ذا ولكن قد عجبـت لـنـافـع

 

ومعواه من نجران حيث عـوانـي

عوى أسـداً لا يزدهـيه عــواؤه

 

مقـيمـاً بـلـوذي يذبـلٍ وذقـان

لعمري لقد قال ابن أشعـر نـافـعٌ

 

مقالة موطوء الـحـريم مـهـان

أيزعم أن العـامـري لـعـفـلـه

 

بعاقـبةٍ يمـرى بـه الـرجـوان

ويذكـر إن لاقـاه زلة نـعـلــه

 

فجيء للذي لم يسـتـبـن بـبـيان

كذبت ولكن بابن علـبة جـعـفـرٍ

 

فدع ما تمنـى زلـت الـقـدمـان

أصيب فلم يعقل وطـل فـلـم يقـد

 

فذاك الـذي يخـزى بـه الأبـوان

وحق لمن كان ابن أشـعـر ثـائراً

 

به الطل حتى يحشـر الـثـقـلان

ذليلٌ ذليل الرهط أعمـى يسـومـه

 

بنو عامر ضيمـاً بـكـل مـكـان

فلم يبـق إلا قـولـه بـلـسـانـه

 

وما ضر قولٌ كـاذبٌ بـلـسـان

هجا نافعٌ كـعـبـاً لـيدرك وتـره

 

ولم يهج كـعـبٌ نـافـعـاً لأوان

ولم تعف من آثار كعبٍ بـوجـهـه

 

قوارع مـنـهـا وضـحٌ وقـوان

وقد خضبوا وجه ابن علبة جعـفـرٍ

 

خضاب نجيع لا خـضـاب دهـان

فلم يهج كعباً نافـعٌ بـعـد ضـربةٍ

 

بسيف ولم يطعـنـهـم بـسـنـان

فما لك مهجىً يا بن أشعر فاكتـعـم

 

على حجر واصبر لـكـل هـوان

إذا المرء لم ينهض فيثأر بـعـمـه

 

فليس يجلى الـعـار بـالـهـذيان

أبي قيس عيلانٍ وعمي خنـدفٌ

 

ذوا البذخ عند الفجر والخطران

إذا ما تجمعنا وسارت حـذاءنـا

 

ربيعة لم يعدل بـنـا أخـوان

أليس نبي الله منـا مـحـمـد

 

وحمزة والعباس والعـمـران

ومنا ابن عباسٍ ومنا ابن عمـه

 

عليٌ إمامٌ الحق والحـسـنـان

وعثمان والصديق منـا وإنـنـا

 

لنعلم أن الـحـق مـا يعـدان

ومنا بنو العباس فضلاً فمن لكم

 

هلموه أولا ينـطـقـن يمـان          

قال: فأنشد ناهضٌ هذه القصيدة أيوب بن سليمان بن علي بالبصرة، وعنده خالٌ له من الأنصار، فلما ختمها بهذا البيت قال الأنصاري: أخرسنا أخرسه الله! وكان جده نصيحٌ شاعراً، وهو الذي يقول:

ألا من لقلبٍ في الحجاز قسيمه

 

ومنه بأكناف الحجاز قـسـيم

معاود شكوى أن نأت أم سالـمٍ

 

كما يشتكي جنح الظلام سلـيم

سليمٌ لصلٍّ أسلمته لـمـا بـه

 

رقًى قل عنه دفعها وتـمـيم

فلم ترم الدار البريصاء فالصفا

 

صفاها فخلاها فـأين تـريم

وقفت عليها بازلاً نـاهـجـيةً

 

إذا لم أزعها بالزمام تـعـوم

كنازاً من اللاتي كأن عظامها

 

جبرن على كسرفهن عثـوم

أخبرني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدثني الفضل بن العباس الهاشمي من ولد قثم بن جعفر بن سليمان عن أبيه، قال:  كان ناهض بن ثومة الكلابي يفد على جدي قثم فيمدحه، ويصله جدي وغيره، وكان بدوياً جافياً كأنه من الوحش، وكان طيب الحديث، فحدثه يوماً: أنهم انتجعوا ناحية الشام، فقصد صديقاً له من ولد خالد بن يزيد بن معاوية كان ينزل حلب، فإذا نزل نواحيها أتاه فمدحه، وكان براً به، قال: فمررت بقرية يقال لها قرية بكر بن عبد الله الهلالي، فرأيت دوراً متباينة وخصاصاً قد ضم بعضها إلى بعض، وإذا بها ناسٌ كثير مقبلون ومدبرون، عليهم ثيابٌ تحكي ألوان الزهر، فقلت في نفسي: هذا أحد العيدين: الأضحى أو الفطر. ثم ثاب إلي ما عزب عن عقلبي، فقلت: خرجت من أهلي في بادية البصرة في صفر، وقد مضى العيدان قبل ذلك، فما هذا الذي أرى؟ فبينا أنا واقفٌ متعجب أتاني رجل فأخذ بيدي، فأدخلني داراً قوراء، وأدخلني منها بيتاً قد نجد في وجهه فرش ومهدت، وعليها شابٌ ينال فروع شعره منكبيه، والناس حوله سماطان، فقلت في نفسي: هذا الأمير الذي حكي لنا جلوسه على الناس وجلوس الناس بين يديه، فقلت وأنا ماثل بين يديه: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. فجذب رجلٌ يدي، وقال: اجلس فإن هذا ليس بأمير. قلت: فما هو؟ قال: عروس. فقلت: واثكل أماه، لرب عروسٍ رأيته بالبادية أهون على أهله من هن أمه. فلم أنشب أن دخل رجالٌ يحملون هناتٍ مدوراتٍ، أما ما خف منها فيحمل حملاً، وأما ما كبر وثقل فيدحرج فوضع ذلك أمامنا، وتحلق القوم عليه حلقاً، ثم أتينا بخرقٍ بيضٍ فألقيت بين أيدينا، فظننتها ثياباً، وهممت أن أسأل القوم منها خرقاً أقطعها قميصاً، وذلك أني رأيت نسجاً متلاحماً لا يبين له سدًى ولا لحمة، فلما بسطه القوم بين أيديهم إذا هو يتمزق سريعاً، وإذا هو – فيما زعموا – صنفٌ من الخبز لا أعرفه، ثم أتينا بطعام كثيرٍ بين حلوٍ وحامضٍ، وحار وباردٍ، فأكثرت منه وأنا لا أعلم ما في عقبه من التخم والبشم، ثم أتينا بشرابٍ أحمر في عساس، فقلت: لا حاجة لي فيه، فإني أخاف أن يقتلني. وكان إلى جانبي رجل ناصح لي أحسن الله جزاءه، فإنه كان ينصح لي من بين أهل المجلس، فقال: يا أعرابي إنك قد أكثرت من الطعام، وإن شربت الماء همى بطنك. فلما ذكر البطن تذكرت شيئاً أوصاني به أبي والأشياخ من أهلي، قالوا: لا تزال حياً ما كان بطنك شديداً فإذا اختلف فأوص. فشربت من ذلك الشراب لأتداوى به، وجعلت أكثر منه فلا أمل شربه، فتداخلني من ذلك صلفٌ لا أعرفه من نفسي، وبكاءٌ لا أعرف سببه ولا عهد لي بمثله، واقتدارٌ على أمري أظن معه أني لو أردت نيل السقف لبلغته، ولو ساورت الأسد لقتلته، وجعلت ألتفت إلى الرجل الناصح لي فتحدثني نفسي بهتم أسنانه وهشم أنفه، وأهم أحياناً أن أقول له: يا ابن الزانية! فبنا نحن كذلك إذ هجم علينا شياطين أربعة، أحدهم قد علق في عنقه جعبة فارسية مشنجة الطرفين دقيقة الوسط، مشبوحة بالخيوط شبحاً منكراً، ثم بدر الثاني فاستخرج من كمه هنةً سوداء كفيشلة الحمار، فوضعها في فيه، وضرط ضراطاً لم أسمع – وبيت الله – أعجب منه، فاستتم بها أمرهم، ثم حرك أصابعه على أجحرةٍ فيها فأخرج منها أصواتاً ليس كما بدأ تشبه بالضراط ولكنه أتى منها لما حرك أصابعه بصوتٍ عجيبٍ متلائم متشاكل بعضه لبعض، كأنه، علم الله، ينطق. ثم بدا ثالث كزٌ، مقيت عليه قميص وسخ، معه مرآتان، فجعل يصفق بيديه إحداهما على الأخرى فخالطتا بصوتهما ما يفعله الرجلان، ثم بدا رابع عليه قميص مصون وسراويل مصونة وخفان أجذمان لا ساق لواحدٍ منهما، فجعل يقفز كأنه يثب على ظهور العقارب، ثم التبط به على الأرض، فقلت: معتوهٌ ورب الكعبة! ثم ما برح مكانه حتى كان أغبط القوم عندي. ورأيت القوم يحذفونه بالدراهم حذفاً منكراً، ثم أرسل النساء إلينا: أن أمتعونا من لهوكم هذا. فبعثوا بهم، وجعلنا نسمع أصواتهن من بعدٍ، وكان معنا في البيت شابٌ لا آبه له، فعلت الأصوات بالثناء عليه والدعاء، فخرج فجاء بخشبةٍ عيناها في صدرها، فيها خيوطٌ أربعة، فاستخرج من خلالها عوداً فوضعه خلف أذنه، ثم عرك آذانها وحركها بخشبة في يده فنطقت – ورب الكعبة – وإذا هي أحسن قينةٍ رأيتها قط وغنى عليها، فأطربني حتى استخفني من مجلسي، فوثبت فجلست بين يديه، وقلت: بأبي أنت وأمي، ما هذه الدابة فلست أعرفها للأعراب وما أراها خلقت إلا قريباً. فقال: هذا البربط؟ فقلت بأبي أنت وأمي، فما هذا الخيط الأسفل؟ قال: الزير. قلت: فالذي يليه؟ قال: المثنى. قلت: فالثالث؟ المثلث. قلت: فالأعلى؟ قال: البم. قلت: آمنت بالله أولاً، وبك ثانياً، وبالبرط ثالثاُ، وبالبم رابعاً.

قال: فضحك أبي، والله، حتى سقط، وجعل ناهضٌ يعجب من ضحكه، ثم كان بعد ذلك يستعيده هذا الحديث، ويطرف به إخوانه فيعيده ويضحكون منه.

وقد أخبرني بهذا الخبر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا علي بن محمد النوفلي، عن أبيه، قال: كان محمد بن خالد بن يزيد بن معاوية بحلب، فأتاه أعرابيٌ، فقال له: حدث أبا عبد الله – يعني الهيثم بن النخعي – بما رأيت في حاضر المسلمين. فحدثه بنحوٍ من هذا الحديث، ولم يسم الأعرابي باسمه، وما أجدره بأن يكون لم يعرفه باسمه ونسبه أو لم يعرفه الذي حدث به النوفلي عنه.

نسخت من كتاب لعلي بن محمد الكوفي فيه شعر ناهض بن ثومة قال: كان رجلٌ من بني كعب قد تزوج امرأة من بني كلاب، فنزل فيهم ثم أنكر منها بعض ما ينكره الرجل من زوجته فطلقها، وأقام بموضعه في بني كلاب، وكان لا يزالون يتسخفون به ويظلمونه، وإن رجلاً منهم أورد إبله الماء فوردت إبل الكعبي عليها، فزاحمته، لكنها ألقته على ظهره فتكشف، فقام مغضباً بسيفه إلى إبل الكعبي، فعقر منها عدةً، وجلاها عن الحوض، ومضى الكعبي مستصرخاً بني كلاب على الرجل، فلم يصرخوه، فساق باقي إبله واحتمل بأهله حتى رجع إلى عشيرته، فشكا ما لقى من القوم واستصرخهم، فغضبوا له، وركبوا معه حتى أتوا حلة بني كلاب، فاستاقوا إبل الرجل الذي عقر لصاحبهم، ومضى الرجل فجمع عشيرته، وتداعت هي وكعبٌ للقتال، فتحاربوا في ذلك حرباً شديداً، وتمادى الشر بينهم، حتى تساعى حلماؤهم في القضية، فأصلحوها على أن يعقل القتلى والجرحى، وترد الإبل، وترسل من العاقر عدة الإبل التي عقرها للكعبي، فتراضوا بذلك واصطلحوا، وعادوا إلى الألفة، فقال في ذلك ناهض بن ثومة:

أمن طلل بأخطـب أبـدتـه

 

نجاء الوبل والديم النـضـاح

ومر الدهر يومـاً بـعـد يوم

 

فما أبقى المساء ولا الصباح

فكل محلة عنيت بسـلـمـى

 

لريدات الرياح بهـا نـواح

تطل على الجفون الحزن حتى

 

دموع العين ناكـزةٌ نـزاح

وهي طويلةٌ يقول فيها:

هنيئاً للعـدى سـخـطٌ ورغـمٌ

 

وللفرعين بينهمـا اصـطـلاح

وللعين الرقاد فـقـد أطـالـت

 

مساهرةً وللقلـب انـتـجـاح

وقد قال العـداة نـرى كـلابـاً

 

وكعباً بين صحلهما افـتـتـاح

تداعوا للسـلام وأمـر نـجـح

 

وخير الأمر ما فيه الـنـجـاح

ومدوا بينهم بـحـبـال مـجـدٍ

 

وثـديٍ لا أجـد ولا ضــياح

ألم تر أن جمع القوم يحـشـى

 

وأن حريم واحـدهـم مـبـاح

وأن القدح حـين يكـون فـردا

 

فيهصر لا يكون لـه اقـتـداح

وإنك إن قبضت بها جـمـيعـاً

 

أبت ما سمت واحدها الـقـداح

أنا الخطار دون بـنـي كـلاب

 

وكعبٍ إن أتيح لـهـم مـتـاح

أنا الحامي لهـم ولـكـل قـرمٍ

 

أخٌ حامٍ إذا جـد الـنـضـاح

أنا الـلـيث الـذي لا يزدهـيه

 

عواء العاويات ولا الـنـبـاح

سل الشعراء عني هـل أقـرت

 

بقلبي أو عفت لهم الـجـراح

فما لكواهـل الـشـعـراء بـدٌ

 

من القتب الذي فـيه لـحـاح

ومن توريك راكبـه عـلـيهـم

 

وإن كرهوا الركوب وإن ألاحوا

ونسخت من هذا الكتاب الذي فيه شعره، أن وقعةً كانت بين بني نمير وبني كلاب بنواحي ديار مضر، وكانت لكلاب على بني نمير، وأن نميراً استغاثت ببني تميم، ولجأت إلى مالك بن زيدٍ سيد تميم يومئذٍ بديار مضر، فمنع تميماً من إنجادهم، وقال: ما كنا لنلقى بين قيس وخندف دماءً نحن عنها أغنياء، وأنتم وهم لنا أهلٌ وإخوة، فإن سعيتم في صلح عاونا، وإن كانت حمالة أعنا، فأما الدماء فلا مدخل لنا بينكم فيها. فقال ناهض بن ثومة في ذلك:

سلام الـلـه يا مـال بـن زيد

 

عليك وخير ما أهدى السلامـا

تعـلـم أينـا لـكـم صـديق

 

فلا تستعجلوا فينا الـمـلامـا

ولكنـا وحـي بـنـي تـمـيم

 

عداةٌ لا نرى أبـداً سـلامـا

وإن كنا تكـافـفـنـا قـلـيلا

 

كحرف السيف ينهار انهدامـا

وهيض العظم يصبح ذا انصداع

 

وقد ظن الجهول به التـئامـا

فلن ننسى الشباب المرد مـنـا

 

ولا الشيب الجحاجح والكراما

ونوح نوائح مـنـا ومـنـهـم

 

مآتم ما تجف لهم سـجـامـا

فكيف يكون صلحٌ بعـد هـذا

 

يرجي الجاهلون لهم تمـامـا

ألا قل للقـبـائل مـن تـمـيم

 

وخص لمالكٍ فيها الكـلامـا

فزيدوا يا بـنـي زيدٍ نـمـيرا

 

هوانا إنه يداني الـفـطـامـا

ولا تبقوا على الأعـداء شـيئاً

 

أعز الله نـصـركـم ودامـا

وجدت المجد في حيي تـمـيم

 

ورهط الهذلق الموفي الذماما

نجوم القوم مـا زالـوا هـداةً

 

وما زالوا لآبـيهـم زمـامـا

هم الرأس المقدم مـن تـمـيم

 

وغاربها وأوفاهـا سـنـامـا

إذا ما غاب نـجـمٌ آب نـجـم

 

أغر نرى لطلعته ابتـسـامـا

فهذي لابن ثومة فانسـبـوهـا

 

إليه لا اختفاء ولا اكتـتـامـا

وإن رغمت لذاك بنو نـمـيرٍ

 

فلا زالت أنوفهـم رغـامـا

قال: يعني بالهذلق الهذلق بن بشير، أخا بني عتيبة بن الحارث بن شهاب، وابنيه علقمة وصباحاً.
قال: وكانت بنو كعب قد اعتزلت الفريقين فلم تصب كلاباً ولا نميراً، فلما ظفرت كلابٌ قال لهم ناهض:

ألا هل أتى كعباً على نأي دراهـم

 

وخذلانهم أنا سررنا بني كـعـب

بما لقيت منا نميرٌ وجـمـعـهـا

 

غداة أتينا في كتائبنـا الـغـلـب

فيا لك يوماً بالحمى لا نـرى لـه

 

شبيهاً وما في يوم شيبان من عتب

أقامت نمير بالحمى غـير رغـبة

 

فكان الذي نالت نمير من النهـب

رؤوسٌ وأوصالٌ يزايل بـينـهـا

 

سباعٌ تدلت من أبانين والهضـب

لنا وقعاتٌ في نمير تـتـابـعـت

 

بضيمٍ على ضيم ونكبٍ على نكب

وقد علمت قيس بن عيلان كلـهـا

 

وللحرب أبناءٌ بأنا بنو الـحـرب

ألم ترهم طراً علينـا تـحـزبـوا

 

وليس لنا إلا الردينى من حـزب

وإنا لنقتاد الجياد علـى الـوجـى

 

لأعدائنا من لا مدان ولا صقـب

ففي أي فجٍّ ما ركزنا رمـاحـنـا

 

مخوفٍ بنصب للعدا حين لا نصب

أخبرنا جعفر بن قدامة بن زيادٍ الكاتب، قال: حدثني أبو هفان، قال: حدثني غرير بن ناهض بن ثومة الكلابي، قال: كان شاعر من نمير يقال له: رأس الكبش، قد هاجى عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير زماناً، وتناقضا الشعر بينهما مدة، فلما وقعت الحرب بيننا وبين بني نمير قال عمارة يحرض كعباً وكلاباً ابني ربيعة على بني نمير في هذه الحرب التي كانت بينهم، فقال:

رأيتكما يا بني ربيعة خرتـمـا

 

وعولتما والحرب ذات هرير

وصدقتما قول الفرزدق فيكمـا

 

وكذبتما بالأمسر قول جـرير

فإن أنتما لم تقذعا الخيل بالقنـا

 

فصيرا مع الأنباط حيث تصير

تسومكما بغيا نميرٌ هـضـيمةً

 

ستنجد أخبارٌ بهـم وتـغـور

قال: فارتحلت كلابٌ حين أتاها هذا الشعر، حتى أتوا نميراً وهم في هضبات يقال لهن وارداتٌ، فقتلوا واجتاحوا، وفضحوا نميراً، ثم انصرفوا، فقال ناهض بن ثومة يجيب عمارة عن قوله:

يحضضنا عمارة في نـمـير

 

ليشغلهم بنـا وبـه أرابـوا

ويزعم أننـا حـزنـا وأنـا

 

لهم جار المقربة المصـاب

سلوا عن نميراً هل وقعـنـا

 

بنزوتها التي كانت تـهـاب

ألم تخضع لهم أسـدٌ ودانـت

 

لهم سعد وضبة والـربـاب

ونحن نكرها شعثاً علـيهـم

 

عليها الشيب منا والشـبـاب

رغبنا عن دماء بنـي قـريع

 

إلى القلعين إنهما اللـبـاب

صبحناهم بأرعن مكفـهـرٍّ

 

يدف كأن رأيته الـعـقـاب

أجش من الصواهل ذي دوي

 

تلوج البيض فيه والحـراب

فأشعل حين حـل بـواردات

 

وثار لنقعه ثم انـصـبـاب

صبحناهم بها شعث النواصي

 

ولم يفتق من الصبح الحجاب

فلم تغمد سيوف الهند حتـى

 

تعيلت الحليلة والـكـعـاب

أعرفت من سلمى رسوم ديار

 

بالشط بين مخفقٍ وصحـار

وكأنما أثر النعاج بجـوهـا

 

بمدافع الركبين ودع جواري

وسألتها عن أهلها فوجدتهـا

 

عمياء جاهلةً عن الأخبـار

فكأن عيني غرب أدهم داجنٍ

 

متعود الإقـبـال والإدبـار

الشعر للمخبل السعدي، والغناء لإبراهيم، هزجٌ بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. قال الهشامي: فيه لإبراهيم ثقيلٌ أول، ولعنان بنت خوطٍ خفيف رمل.