أخبار موسى شهوات ونسبه

الثالث

أخبار موسى شهوات ونسبه

وخبره في هذا الشعر

نسبه وسبب لقبه

هو موسى بن يسار مولى قريش، ويختلف في ولائه فيقال: إنه مولى بني سهم، ويقال: مولى بني تيم بن مره، ويقال: مولى بني عدي بن كعب؛ ويكنى أبا محمد، وشهوات لقبل غلب عليه.

وحدثني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: إنما لقب موسى شهوات لأنه كان سؤولاً ملحفاً، فكان كلما رأى مع أحد شيئاً يعجبه من مال أو متاع أو ثوب أو فرس، تباكى، فإذا قيل له: مالك؟ قال: اشتهي هذا؛ فسمي موسى شهوات. قال: وذكر آخرون أنه كان من أهل أذربيحان وأنه نشأ بالمدينة وكان يجلب إليه القند والسكر، فقالت له امرأة من أهله: مايزال موسى يجيئنا بالشهوات؛ فغلبت عليه. أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كان محمد بن يحيى يقول: موسى شهوات مولى بني عدي بن كعب، وليس ذاك بصحيح، هو مولى تيم بن مرة. وذكر عبد الله بن شبيب عن الحزامي: أنه مولى بني سهم.

وأخبرني وكيع عن أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب ومحمد بن سلام قال: موسى شهوات مولى بني سهم

عشق جارية فأعطى بها عشرة آلاف

وأخبرني محمد نب الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: هوي موسى شهوات جارية فاستهيم بها وساوم مولاها فيها فاستام بها عشرة آلاف درهم، فجمع كل مايملكه واستماح إخوانه فبلغ أربعة آلاف درهم، فأتى إلى سعيد بن خالد العثماني فأخبره بحاله واستعان به، وكان صديقه وأوثق الناس عنده، فدافعه واعتل عليه فخرج من عنده؛ فلما ولي تمثل سعيد قول الشاعر:

كتبت إلي تستهدي الجواري

 

لقد أنعظت من بلد بعـيد

أتى سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد يستعينه في ثمن الجارية فأعانه فمدحه: فأتى سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فأخبرره بقصته فأمر له بستة آلاف درهم، فلما قبضها ونهض قال له: اجلس، إذا ابتعتها بهذا المال وقد أنفدت كل ماتملك فبأي حالٍ تعيشان ثم دفع إليه ألفي درهم وكسوة وطيباً، وقال: أصلح بهذا شأنكما؛ فقال فيه:

أبا خالد أعني سعـيد بـن خـالـد

 

أخا العرف لاأعني ابن بنت سعيد

ولكنني أعني ابـن عـائشة الـذي

 

أبـو أبـويه خـالـد بـن أسـيد

عقيد الندى ماعاش يرضى به الندى

 

فإن مات لم يرض الندى بعـقـيد

دعوه دعوه إنـكـم قـد رقـدتـم

 

وماهو عن أحسابـكـم بـرقـود

قتلت أناساً هكذا في جـلـودهـم

 

من الغيظ لم تقتـلـهـم بـحـديد

رأى سعيد بن خالد العثماني في مدحه لسميه الذي أعانه هجوا له فشكاه: قال: فشكاه العثماني إلى سليمان بن عبد الملك، فأحضر موسى وقال له: ياعاض كذا وكذا، أتهجو سعيد بن خالد فقال: والله ياأمير المؤمنين ماهجوته ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو، ثم أخبره بالقصة؛ فقال للعثاني: قد صدق، إنما نسب من مدحه إلى أبيه ليعرف. قال: وكان سليمان إذا نظر إلى سعيد بن خالد بن عبد الله يقول: لعمري والله ماأنت عن أحسابنا برقود.

وأخبرني محمد بن عبد الله اليزيدي قال حدثنا سليمان بن أبي شسخ قال حدثنا مصعب بن عبد الله بهذا الحديث فذكر نحو ماذكر أبو عبيدة وقال فيه: وكان سعيد بن خالد هذا تأخذه الموتة في كل سنة، فأرادوا علاجه، فتكلمت صاحبته على لسانه وقالت: أنا كريمته بنت ملحان سيد الجن، وإن عالجتموه قتلتموه، فوالله لو وجدت أكرم منه لهويته.

أخبرني وكيع عن أبي حمزة أنس بن خالد الأنصاري عن قبيضة بن عمر بن حفص المهلبي عن أبي عبيدة قالك حدثني الحارث بن سليمان الهجيمي، -وهو أبو خالد بن الحارث المحدث-قال: وكان عنده رؤبة بن العجاج، قال: شهدت مجلس أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك وأتاه سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، فقال: ياأيمر المؤمنين، أتيتك مستعدياً، قال: ومن بك؟ قال: موسى شهوات، قال: وماله؟ قال: سمع بي واستطال في عرضي، فقال: ياغلام، علي بموسى فأتني به، فقال: ويلك أسمعت به واستطلت في عرضه؟ قال: مافعلت ياأمير المؤمنين ولكني مدحت ابن عمه فغضب هو، قال: وكيف ذلك؟ قال: علقت جارية لم يبلغ ثمنها جدتي، فأتيته وهو صديقي فشكوت إليه ذلك، فلم أصب عنده شيئاً، فأتيت ابن عمه سعيد بن خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد فشكوت إليه ماشكوته إلى هذا، فقال: تعود إلي، فتركته ثلاثاً ثم أتيته فسهل من إذني، فلما استقر بي المجلس قال: ياغلام، قل لقيمتي: هاتي وديعتي، ففتح باباً بين بيتين وإذا بجارية، فقال ليك أهذه بغيتك؟ قلت: نعم فداك أبي وأمي قال: اجلس ثم قال: ياغلام، قل لقيمتي: هاتي ظبية نفقتي، فأتى بظبية فنثرت بين يديه فإذا فيها مائة دينار ليس في غيرها فردت الظبية، ثم قال: عتيدة طيبي، فأتى بها، فقال: ملحفة فراشي، فأتى بها، فصير مافي الظبية ومافي العتيدة في حواشي الملحفة، ثم قال: شأنك بهواك واستعن بهذا عليه؛ فقال له سليمان بن عبد الملك: فذلك حين تقول ماذا؟ قلت: ذكر طائفة من أبيات القصيدة التي مدح بها سعيد بن خالد:  

أنا خالد أعني سعـيد بـن خـالـد

 

أخا العرف لاأعني ابن بنت سعيد

ولكنني أعني ابـن عـائشة الـذي

 

أبـو أبـويه خـالـد بـن أسـيد

عقيد الندى ماعاش يرضى به الندى

 

فإن مات لم يرض الندى بعـقـيد

دعوه دعوه إنـكـم قـد رقـدتـم

 

وماهو على أحسابكـم بـرقـود

فقال سليمان: علي ياغلام لسعيد بن خالد، فأتي به، فقال: أحق ماوصفك له موسى؟ قال: وماذاك ياأمير المؤمنين.؟ فأعاد عليه، فقال: قد كان ذلك ياأمير المؤمنين، قال: فما طوقتك هذه الأفعال؟ قال: دين ثلاثين ألف دينار؛ فقال: قد أمرت لك بمثلها وبمثلها وبمثلها وبثلث مثلها، فحملت إليه مائة ألف دينار”؛ قال: فلقي سعيد ين خالد بعد ذلك فقلت له: ما فعل المال الذي وصلك به سليمان؟ قال: ماأصبحت والله أملك منه إلا خمسين ديناراً؛ قلت: مااغتاله؟ قال: خلة من صديق أو فاقة من ذي رحم.

أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة عن مصعب الزبيري ومحمد بن سلام قال: عشق مويى شهوات جارية بالمدينة فأعطى بها عشرة آلاف درهم؛ ثم ذكر باقي الحديث مثل حديث سليمان بن أبي شيخ؛ وقال وفيه: أما والله لئن مدحته وهو سميك وأبوه سمي أبيك ولم أفرق بينكما ليقولن للناس: أهذا أم هذا، ولكن والله لأقولن لايشك فيه. وتمام هذه الأبيات التي مدح بها سعيداً بعد الأربعة المذكورة منها:

فدى للكريم العبشمي ابن خـالـد

 

بني ومالي طارفـي وتـلـيدي

على وجهه تلقى الأيامن واسمـه

 

وكل جواري طيره بـسـعـود

أبان وما استغنى عن الثدي خيره

 

أبان به في المهد قبل قـعـود

دعوه دعوه إنكـم قـد رقـدتـم

 

وماهو عن أحسابكـم بـرقـود

ترى الجند والجناب يغشون بابـه

 

بحاجاتهم مـن سـيد ومـسـود

فيعطي ولايعطى ويغشى ويجتدى

 

ومابابه للمـجـتـدي بـسـديد

قتلت أناساً هكذا في جلـودهـم

 

من الغيظ لم تقتلـهـم بـحـديد

يعيشون ماعاشوا بغيظ وإن تحن

 

مناياهم يوماً تحـن بـحـقـود

فقل لبغاة العرف قد مات خالـد

 

ومات الندى إلا فضول سـعـيد

قال وكيع في خبرة: أما قوله: ” لاأعني ابن بنت سعيد” فإن أم سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان آمنة بنت سعيد بن العاصي، وعائشة أم عقيد الندى بنت عبد الله بن خلف الخواعية أخت الخزاعية أخت طلحة الطلحات، وأمها صفية بنت الحارث بن طلحة بن أبي طلحة من بني عبد الدار بن قصي، وأم أبي عقيد الندى رملة بنت معاوية بن أبي سفيان.

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال: لما أنشد موسى شهوات سليمان بن عبد الملك شعره في سعيد بن خالد قال له: اتفق اسماهما واسما أبويهما، فتخوفت أن يذهب شعري باطلاً ففرقت بينهما بأمهما، فأغضبه أن مدحت ابن عمه، فقال له سليمان: بلى والله لقد هجوته وماخفي علي ولكني لاأجد إليك سبيلاً، فأطلقه.

عمل شعراً في مدح حمزة ابن عبد الله بن الزبير وقبل معبد أن يغنيه له ويكون عطاؤه بينهما:

أخبرني وكيع قال حدثني أحمد بن زهير قال حدثنا محمد بن سلام قال حدثنا محمد بن سلمة الثقفي قال: قال موسى شهوات لمعبد: أأمدح حمزة بن عبد الله بن الزبير بأبيات وتغني فيها ويكون مايعطينا بيني وبينك؟ قال: نعم؛ فقال موسى:

حمزة المبتاع بالمـال الـثـنـا

 

ويرى في بيعه أن قد غـبـن

فهو إن أعطى عطاء فاضـلاً

 

ذا إخـاء لـم يكـدره بـمـن

وإذا مـاسـنة مـجـحــفة

 

برت الناس كبرى بالـسـفـن

حسرت عنه نقـيا عـرضـه

 

ذا بلاء عند مخناهـا حـسـن

نور صدق بين فـي وجـهـه

 

لم يدنس ثوبـه لـون الـدرن

كنت للناس ربيعـاً مـغـدقـاً

 

ساقط الأكناف إن راح ارجحن

قال أحمد بن زهير: وأول قصيدة عن غير ابن سلام:

شاقني اليوم حبيب قد ظعن

 

ففؤادي مستهام مرتهـن

إن هنداً تيمتنـي حـقـبة”

 

ثم بانت وهي للنفس شجن

فتنة الحقها الـلـه بـنـا

 

عائذ بالله من شر الفتـن

عارض فاطمة بنت الحسين لما زفت إلى عبد الله بن غعمرو بشعر فأجيز

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرني الطلحي قال أخبرني عبد الرحمن بن حماد عن عمران بن مويى بن طلحة قال: لما زفت فاطمة بنت الحسين رضوان الله عليه إلى عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، عارضها موسى شهوات:

طلحة الخير جدكم

 

ولخير الفواطـم

أنت للطاهرات من

 

فرع تيم وهاشـم

أرتجيكم لنفعـكـم

 

ولدفع المظـالـم

فأمر له بكسوة ودنانير وطيب.

هجا داود بن سليمان لما تزوج فاطمة بنت عبد الملك:

قال حدثنا الكراني قال حدثنا العنزي عن العتبي قال: كانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز، فلما مات عنها تزوجها داود بن سليمان بن مروان وكان قبيح الوجه، فقال في ذلك موسى شهوات:

أبعد الأغر ابن عبد العزيز

 

قريع قـريش إذا يذكـر

تزوجت داود مـخـتـاة

 

ألا ذلك الخلف الأعـور

فكانت إذا سخطت عليه تقول: صدق والله موسى، إنك لأنت الخلف الأعور، فيشتمه داود.

مدح يزيد بن خالد بن يزيد بن معاوية فأجازه:

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن لقيط قال: أقام موسى شهوات ليزيد بن خالد بن معاوية على بابه بدمشق، وكان فتى” جواداً سمحاً، فلما ركب وثب إليه فأخذ بعنان دابته، ثم قال:

قم فصوت إذا أتيت دمشقاً:

 

يايزيد بن خالد بـن يزيد

يايزيد بن خالد إن تجبنبـي

 

يلقني طائري بنجم السعود

فأمر له بخمسة آلاف وكسوة، وقال له: كلما شئت فنادنا نجبك.

تزوج بنت داود ابن أبي حميدة فلما سئل عن جلوتها قال شعراً:

أخبرنا وكيع قال حدثني أحمد ين زهير قال حدثنا مصعب الزبيري قال: زوج موسى شهوات بنت موبى لمعن بن عبد الرحمن بن عوف يقال له: داود بن أبي حميدة، فلما جليت عليه قال داود: ماللجلوة؟ فأنشأ يقول:

تقول لي النساء غداة تجلى

 

حميدة يافتى لـلـجـلاء

فقلت لهم سمرقند وبلـخ

 

ومابالصين من نعم وشاء

أبوها حاتم إن سيل خـيراً

 

وليث كريهة عند اللقـاء

هجا أبا بكر بن عبد الرحمن حين حكم عليه ومدح سعيد بن سليمان:

أخبرني وكيع قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب قال: قضى أبو بكر بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب على موسى شهوات بقضية، وكان خالد بن عبد الملك استقضاه في أيام هشام بن عبد الملك، فقال موسى يهجوه:

وجدتك فها في القضاء مخلطـاً

 

فقدتك من قاضٍ ومن متـأمـر

فدع عنط كاشـيدتـه ذات رخة

 

أذى الناس لاتحسرهم كل محشر

ثم ولي القضاء سعيد بن سليمان ابن زيد بن ثابت الأنصاري، فقال يمدحه:

من سره الحكم صـرفـاً لامـزاج لـه

 

من القضاة وعـدل غـير مـغـمـوز

فليأت دار سـعـيد الـخـير إن بـهـا

 

أمضى على الحق من سيف ابن جرموز

هجاؤه سعد بن إبراهيم وإلى المدينة

قال: وكان سعد بن إبرايهم بن عبد الرحمن بن عوف، قد ولي المدينة واشتد على السفهاء والشرعاء والمغنين، ولحق موسى شهوات بعض ذلك منه، وكان قبيح الوجه، فقال موسى يهجوه:

قل لسعد وجه العجوز لقدكن

 

ت لما قد أوتيت سعداً مخيلاً

إن تكن ظالماً جهولاً فقد كـا

 

ن أبوك الأدنى ظلوماً جهولاً

وقال يهجوه:

لعن الله والعباد ثطـيط ال

 

وجه لايرتجى قبيح الجوار

يتقي الناس فحـشـه وإذاه

 

مثل مايتقون بول الحمـار

لاتغرنك سجدة بين عينـي

 

ه حذار منها ومنه حـذار

إنها سجدة بها يخدع الـنـا

 

س، عليها من سجدة بالدبار

مدح عبد الله بن عمرو بن عثمان حين نفحه بعطية:

أخبرني عمي قال أخبرني ثعلب عن عبد الله بن شبيب قال: ذكر الحزامي أن موسى شهوات سأل بعض آل الزبير حاجة” فدقعه عنه، وبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن عثمان، فبعث إليه بما كان التمسه من الزبيري من غير مسألة؛ فوقف عليه موسى وهو جالس في المسجد، ثم أنشا قول:

ليس فيما بدا لما منك عيب

 

عابه الناس غير أنك فاني

أنت نعم المتاع لو كنت تبقى

 

غير أن لابقاء للإنـسـان

والشعر المذكور فيه الغناء

يقوله موسى شهوات في حمزة بن عبد الله بن الزبير، وكان فتى” كريماً جواداً على هوج كان فيه، وولاه أبوه العراقين وعزل مصعباً لما تزوج سكينة بنت الحسين رضي الله عنه وعائشة بنت طلحة وأمهر كل واحدة منهما ألف ألف درهم سبب عزل ابن الزبير لأخيه مصعب عن البصرة وتوليته ابنه حمزة: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا سليمان بن أبي شيخ بن مصعب الزبيري، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة، وأخبرني عبيد الله بن محمد الرازي والحسين بن علي: قال عبيد الله حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني، وقال الحسين حدثنا الحارث بن أبي أسامة عن المدائني عن أبي محنف: أن أنس بن زنيم الليثي كتب إلى عبد الله بن الزبير:

أبلغ أمير المؤمنين رسـالة”

 

من ناصح لك لايريك خداعا

بضع الفتاة بألف ألف كاملٍ

 

وتبيت قادات الجيوش جياعا

لو لأبي حفص أقول مقالتي

 

وأبث ماأبثثتكـم لارتـاعـا

فلما وصلت الأبيات إليه جزع ثم قال: صدق والله، لو لأبي حفص يقول: إن مصعباً تزوج امرأتين بألفي ألف درهم لارتاع، إنا بعثنا مصعباً إلى العارق فأغمد سيفه وسل أيره وسنعزله، فدعا بابنه حمزة، وأمه بنت منظور بن زيان الفزاري وكان منه محل لطيف، فولاه البصرة وعزل مصعباً. فبلغ قوله عبد الملك في أخيه مصعب، فقال: لكن أبا خبيب أغمد سيفه وأيره وخيره.
عزل ابن الزبير ابنه حمزة لهوجه وحمقه وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال: هذه الأبيات لعبد الله بن همام السلولي.

قالوا جميعاً: فلما ولي ابنه حمزة البصرة أساء السيرة وخلط تخليطاً شديداً، وكان جواداً شجاعاً أهوج، فوفدت إلى أبيه الوفود في أمره، وكتب إليه الأحنف بأمره وماينكره الناس منه وأنه يخشى أن تفسد عليه طاعتهم؛ فعزله عن البصرة.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا المدائني قال: لما قدم حمزة بن عبد الله البصرة والياً عليها، وكان جواداً شجاعاً مخلطاً: يجود أحياناً حتى لايدع شيئاً يملكه إلا وهبه ويمنع أحياناً والايمنع من مثله، فظهرت منه بالبصرة خفة وضعف. وركب يوماً إلى فيض البصرة، فلما رآه قال: إن هذا الغدير إن رفقوا به ليكفينهم صيفتهم هذه، فلما كان بعد ذلك ركب إليه فوافقه جازراً فقال: قد رأيته ذات يوم فظننت أن لن يكفيهم؛ فقال له الأحنف: إن هذا ماء يأتينا ثم يغيض عنا ثم يعود. وشخص إلى الأهواز فرأى جبلها، فقال: هذا قيقعان -وقيقعان: جبل بمكة- فلقب ذلك الجبل بقيقعان.

قال أبو زيد: وحدثني غير المدائني أنه سمع بذكر الجبل بالبصرة، فدعا بعامله فقال له: ابعث فأتنا بخراج الجبل؛ فقال له: إن الجبل ليس ببلد فأتيك بخراجه. وبعث إلى مردانشاه فاستحثه بالخراج فأبطأ به، فقام إليه بسيفه فقتله؛ فقال له الأحنف: ماأحد سيفك أيها الأمير! وهم بعبد العزيز بن شبيب بن خياط أن يضربه بالسياط؛ فكتب إلى الزبير بذلك وقال له: إذا كنت لك بالبصرة حاجة فاصرف ابنك عنها وأعد إليها مصعباً؛ ففعل ذلك. وقال بعض الشعراء يهجو حمزة ويعيبه بقوله في أمر الماء الذي رآه قد جزر:

يابن الزبير بعثت حمزة عاملاً

 

ياليت حمزة كان خلف عمان

أزرى بدحلة حين عب عبابها

 

وتقاذفت بزواخر الطوفـان

نفار النوار من الفرزدق والتجاؤها لابن الزبير وشفاعة الفرذق بابنه حمزة:

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: خطب النوار ابنة أعين المجاشعية رجل من قومها، فجعلت أمرها إلى الفرزدق، وكان ابن عمهما دنية، ليزوجها منه، فأشهد عليها بذلك وبأن أمرها إليه شهوداً عدولاً؛ فلما أشهدتهم على نفسها قال لهم الفرزدق: فإني أشهدكم أني قد تزوجتها، فمنعته النوار نفسها وخرجت إلى الحجاز إلى عبد الله بن الزبير، فاستجارت بامرأه بنت منظور بن زبان، وخرج الفرزدق فعاذ بابنه حمزة، وقال يمدحه:

ياحمز هل لك في ذي حاجةٍ، غرضت

 

أنضاؤه بمكـان غـير مـمـطـور

فأنت أولى قريش أن تـكـون لـهـا

 

وأنت بين أبي بـكـر ومـنـظـور

فجعل أمر النوار يقوى وأمر الفرذدق يضعف؛ فقال الفرزدق في ذلك:

أمابنوه فلم تنفع شفاعـتـهـم

 

وشفعت بنت منظور بن زبانا

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً

 

مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

فبلغ ابن الزبير شعره، ولقيه على باب المسجد وهو خارج منه فضغط حلقه حتى كاد يقتله، ثم خلاه وقال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً

 

ولو رضيت رمح استه لاستقرت

ثم دخل إلى النوار فقال لها: إن شئت فرقت بينك وبينه ثم ضربت عنقه فلا يهجونا أبداً، وأن شئت أمضيت نكاحه فهو ابن عمك وأقرب الناس إليك، وكانت امرأة” صالحة”، فقالت: أوما غير هذا؟ قال: لا؛ قالت: ماأحب أن يقتل ولكني أمضي أمره فلعل الله أن يجعل في كرهي إياه خيراً؛ فمضت إليه خيراً؛ فمضيت إليه وخرجت معه إلى البصرة.

غنى معبد حمزة بشعره فأجازه أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه الزبيري: أن حمزة بن عبد الله كان جواداً، فدخل إليه معبد يوماً قد أرسله ابن قطن مولاه يقترض له من حمزة ألف دينار فأعطاه ألف دينار، فلما خرج من عنده قيل له: هذا عبد ابن قطن وهو يروي فيك شعر موسى شهوات فيحسن روايته، فأمر برده فرد، وقال له ماحكاه القوم عنه، فغناه معبد الصوت فأعطاه أربعين ديناراً؛ ولما كان بعد ذلك رد ابن قطن عليه المال فلم يقبله، وقال له: إنه إذا خرج عني مال لم يعد إلى ملكي. وقد روي أن الداخل على حمزة والمخاطب في أمره بهذه المخاطبة لابن سريج، وليس ذلك بثبت، هذا هو الصحيح، والغناء لمعبد. أنشد حمزة بن عبد الله شعراً وغناه إياه معبد فأجازهما: أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة عن محمد بن يحيى الغساني: أن موسى شهوات أملق، فقال لمعبد: قد قلت في حمزة بن عبد الله شعراً فغن فيه حتى يكون أجزل لصلتنا؛ ففعل ذلك معلد وغنى في هذه الأبيات، ثم دخلا على حمزة فأنشده إياها موسى ثم غناه فيها معبد، فأمر لكل واحد منهما بمائتي دينار.

كان من شعراء الحجاز وكان خلفاء بني أمية يحسنون إليه:

أخبرني محمد بن خلف بن المزربان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عبد الله عن عبد الله بن عياش قال: كان موسى شهوات مولى لسليمان بن أبي خيثمة بن حذيفة العدوي، وكان شاعراً من شعراء أهل الحجاز، وكان الخلفاء من بني أمية يحسنون إليه ويدرون عطاءه وتجيئه صلاتهم إلى الحجاز.

هجا داود بن سليمان بن مروان الذي تزوج فاطمة بنت عبد الملك بعد وفاة روجها عمر بن عبد العزي:

وكانت فاطمة بنت عبد الملك بن مروان تحت عمر بن عبد العزيز، فلما مات عنها تزوجها داود بن سليمان بن مروان وكان دميماً قبيحاً، فقال موسى شهوات في ذلك:

أبعد الأغر ابن عبد العزي

 

قريع قـريش إذا يذكـر

تزوجنت داود مخـتـارة

 

إلا ذلك الخلف الأعـور

فغلب عليه في بني مروان، فكان يقال له: الخلف الأعور

صوت من المائة المختارة

عوجاً خليلي على المحـضـر

 

والربع من سلامة المقـفـر

عوجاً به فاستنطـقـاه فـقـد

 

ذكرني ما كنـت لـم أذكـر

ذكرني سـلـمـى وأيامـهـا

 

إذ جاورتنا بلوى عـسـجـر

بالربع من ودان مـبـدا لـنـا

 

ومحوراً تناهيك من مـحـور

في محضر كنا به نلـتـقـي

 

ياحبذا ذلك مـن مـحـضـر

إذ نحن والـحـي بـه جـيرة

 

فيما مضى من سالف الأعصر

 الشعر للوليد بن يزيد، وقيل: إنه لعمر بن أبي ربيعة، وقيل: إنه للعرجي، وهو الوليد صحيح، والغناء واللحن المختار لابن سريج خفيف رمل بالبنصر في مجراها، وفيه لشارية خفيف رمل آخر عن ابن المعتز، وذكر الهشامي أن فيه لحكم الوداي خفيف رملٍ أيضاً.

عتب عمرو بن عثمان على زوجه سكينة بنت الحسين فأرسلت إليه أشعب:

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن المدائني قال: كان زيد بن عمرو بن عثمان قد تزوج سكينة بنت الحسن رضي تعالى عنه، فعتب عليها يوماً، فخرج إلى مال له، فذكر أشعب أن سكينة دعته فقالت له: إن ابن عثمان خرج عاتباً فاعلم له حاله، قلت: لاأستطيع أن أذهب إليه الساعة، فقال ت: أنا أعطيك ثلاثين ديناراً، فأعطتني إياها فأتيته ليلاً دخلت الدار، فقال: انظروا من في الدار، فأتوه فقالوا: أشعب، فنزل عن فرشه وصار إلى الأرض فقال: أشعيب؟ قلت: نعم، قال: ماجاء بك؟ قلت: أرسلتني سكينة لأعلم خبرك، أتذكرت منها ماتذكرت منك؟ وأنا أعلم أنك قد فعلت حين نزلت عن فرشك وصرت إلى الأرض، قال: دعني من هذا وغنني:

عوجاً به فاستنطقاه فقد

 

ذكرني ما كنت لم أذكر

فغنيته فلم يطرب، ثم قال: غنني ويحك غي رهذا، فإن أصبت مافي نفسي فلك حلتي هذه وقد اشتريتها آنفاً بثلثمائة دينا، فغنيته: صوت

علق القلب بعض ماقد شـجـاه

 

من حبيب أمسى موانـا هـواه

ماضراري نفسي بهجران من لي

 

س مـسـيئاً ولابـعـيد نـواه

واجتنابي بيت الحبيب وماالخـل

 

د بأشهـى إلـي مـنـأن أراه

فقال: ما عدوت ما في نفسي، خذ الحلة، فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصصت عليها القصة، فقالت: وأين الحلة؟ قلت: معي، فقالت: وأنت الآن تريد أن تلبس حلة ابن عثمان لا والله ولا كرامة فقلت: قد أعطانيها، فأي شيء تريدين مني فقالت: أنا اشتريها منك، فبعتها إياها بثلثمائة دينار الشعر المذكور في هذا الخبر لعمر ابن أبي ربيعة، والغناء للدرامي خفيف ثقيل بالخنصر في مجرى الوسطى، وذكر عمرو بن بانة أنه للهذلي، وفيه لابن جامع ثاني ثقيل بالوسطى غاضب رجل جارية كان يهزاها فغنت مغنية من شعره فاصطلحا: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن أبيه أن رجلاً كانت له جارية يهواها وتهواه فغاضبها يوماً وتمادى ذلك بينهما، واتفق أن مغنية دخلت فغنتهما:

ما ضراري نفسي بهجران من لي

 

س مـسـيئاً ولا بـعـيداً نـواه

فقالت الجارية: لا شيء والله إلا الحمق، ثم قامت إلى مولاها فقبلت رأسه واصطلحا.

صوت من المائة المختارة

يا ويح نفسي لو أنه أقـصـر

 

ما كان عيشي كما أرى أكدر

يا من عديري ممن كلفت بـه

 

يشهد قلبي بـأنـه يسـحـر

يا رب يوم رأيتنـي مـرحـاً

 

آخذ في اللهو مسبل المـئزر

بين ندامى تحث كـأسـهـم

 

عليهم كـف شـادن أحـور

الشعر لأبي العتاهية والغناء لفريدة

خفيف رمل بالبنصر.