أخبار معن بن أوس ونسبه

أخبار معن بن أوس ونسبه

نسبه، وهو شاعر فحل مخضرم: هو معن بن أوس بن نصر بن زياد بن أسعد بن أسحم بن ربيعة بن عدي بن ثعلبة بن ذؤيب بن عداء بن عثمان بن مزينة بن أد بن طابخة بن مضر بن نزارٍ. ونسبوا إلى مزينة وهي امرأة: مزينة بنت كلب بن وبرة، وأبوهم عمرو بن أد بنة طابخة .

أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي وهاشم بن محمد الخزاعي وعمي قالوا: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: مزينة بنت كلب بن وبرة، تزوجها عمرو بن أد بن طابخة، فولدت له عثمان وأوساً، فغلبت أمهما على نسبهما. فعلى هذا القول عداء هو ابن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة .

ومعن شاعر مجيد فحل، من مخضرمي الجاهلية والإسلام وله مدائح في جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورحمهم، منهم عبد الله بن جحش، وعمر بن أبي سلمة المخزومي. ووفد إلى عمرو بن الخطاب رضي الله تعالى عنه مستعيناً به على بعض أمره، وخاطبه بقصيدته التي أولها:

تأوبه طيف بذات الجراثم

 

فنام رفيقاه وليس بنـائم

وعمر بعد ذلك إلى أيام الفتنة بين عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم .

أشعر الإسلاميين من مزينة: أخبرني محمد بن خلفٍ وكيع قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن يحيى بن عبد الله بن ثوبان عن علقمة بن محجنٍ الخزاعي عن أبيه قال: كان معاوية يفضل مزينة في الشعر، ويقول: كان أشعر أهل الجاهلية منهم وهو زهير، وكان أشعر أهل الإسلام منهم وهو ابنه كعب، ومعن بن أوس .
كان مئناثاً وقال شعراً في فضل الإناث: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة قال حدثنا العتبي قال: كان معن بن أوس مئناثاً ، وكان يحسن صحبة بناته وتربيتهن؛ فولد لبعض عشيرته بنت فكرهها وأظهر جزعاً من ذلك؛ فقال معن:

رأيت رجالاً يكرهون بناتـهـم

 

وفيهن لا تكذب نساء صوالح

وفيهن والأيام تعثر بالفـتـى

 

نوادب لا يملـلـنـه ونـوائح

مر به عبيد الله بن العباس، وقد كف بصره، فبعث إليه بهبة فمدحه: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا العنزي يعني الحسن بن عليل قال حدثني أحمد بن عبد الله بن علي بن سويد بن منجوفٍ عن أبيه قال: مر عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب بمعن بن أوس المزني وقد كف بصره فقال له: يا معن، كيف حالك؟ فقال له: ضعف بصري وكثر عيالي وغلبني الدين. قال: وكم دينك؟ قال: عشرة آلاف درهم. فبعث بها إليه. ثم مر به من الغد فقال له: كيف أصبحت يا معن؟ فقال:

أخذت بعين المال حتى نـهـكـتـه

 

وبالـدين حـتـى مـا أكـاد أدان

وحتى سألت القرض عند ذوي الغنى

 

ورد فـلان حـاجـتـي وفـلان

فقال له عبيد الله: الله المستعان، إنا بعثنا إليك بالأمس لقمةً فمالكتها حتى انتزعت من يدك، فأي شيء للأهل والقرابة والجيران! وبعث إليه بعشرة آلاف درهم أخرى. فقال معن يمدحه:

إنك فرع مـن قـريش وإنـمـا

 

تمج الندى منها البحور الفـوارع

ثووا قادةً للناس بطـحـاء مـكةٍ

 

لهم وسقايات الحجيج الـدوافـع

فلما دعوا للموت لم تبك منـهـم

 

على حادث الدهر العيون الدوامع

شيء من خلقه ورحلته إلى الشام: أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني الفضل بن العباس القرشي عن سعيد بن عمرو الزبيري قال: كان لمعن بن أوس امرأةً يقال لها ثور ومان لها محباً، وكانت حضرية نشأت بالشام، وكانت في معن أعرابية ولوثة ، فكانت تضحك من عجرفيته . فسافر إلى الشام في بعض أعوامه ، فضلت الرفقة عن الطريق وعدلوا عن الماء، فطووا منزلهم وساروا يومهم وليلتهم، فسقط فرس معن في وجار ضبٍ دخلت يده فيه، فلم يستطع الفرس أن يقوم من شدة العطش حتى حمله أهل الرفقة حملاً فأنهضوه، وجعل معن يقوده ويقول:

لو شهدتني وجـوادي ثـور

 

والرأس فيه مـيل ومـور

لضحكت حتى يميل الكور

 

 

قدم على ابن الزبير بمكة فلم يحسن ضيافته، وأكرمه ابن عباس وابن جعفر فمدحهما وذم ابن الزبير: أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد الكراني قال حدثنا العمري عن العتبي قال: قدم معن بن أوسٍ مكة على ابن الزبير فأنزله دير الضيفان، وكان ينزلها الغرباء وأبناء السبيل والضيفان، فأقام يومه لم يطعم شيئاً؛ حتى إذا كان الليل جاءهم ابن الزبير بتيسٍ هرمٍ هزيلٍ فقال: كلوا من هذا، وهم نيف وسبعون رجلاً؛ فغضب معن وخرج من عنده، فأتى عبيد الله بن العباس، فقراه وحمله وكساه، ثم أتى عبد الله بن جعفر وحدثه حديثه، فأعطاه حتى أرضاه، وأقام عنده ثلاثاً ثم رحل . فقال يهجو ابن الزبير ويمدح ابن جعفر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين :

ظللنا بمـسـتـن الـرياح غـديةً

 

إلى أن تعلى اليوم في شر محضر

لدى ابن الزبير حابسين بـمـنـزلٍ

 

من الخير والمعروف والرفد مقفر

رمانا أبو بكرٍ وقد طـال يومـنـا

 

بتيسٍ من الشاء الحجازي أعـفـر

وقال اطعموا منه ونـحـن ثـلاثة

 

وسبعون إنساناً فيالـؤم مـخـبـر

فقلت له لا تقـرنـا فـأمـامـنـا

 

جفان ابن عباس العلا وابن جعفر

وكن آمناً وانعق بـتـيسـك إنـه

 

له أعنز ينزو علـيهـا وأبـشـر

أنشده الفرزدق بيتاً في هجاء مزينة فرد عليه بهجاء تميم: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن معاوية الأسدي قال: قدم معن بن أوس المزني البصرة، فقعد ينشد في المربد، فوقف عليه الفرزدق فقال: يا معن من الذي يقول:

لعمرك ما مزينة رهط معنٍ

 

بأخفاف يطأن ولا سـنـام

فقال معن: أتعرف يا فرزدق الذي يقول:

لعمرك ما تميم أهل فلجٍ

 

بأرداف الملوك ولا كرام

فقال الفرزدق: حسبك إنما جربتك . قال: قد جربت وأنت أعلم. فانصرف وتركه .
تمثل أحد أبناء روح بشعر له وهو على فاحشة: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي أبو دلف قال حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي قال: دخلت خضراء روحٍ ؛ فإذا أنا برجلٍ من ولده على فاحشة يوماً ، فقلت: قبحك الله! هذا موضع كان أبوك يضرب فيه الأعناق ويعطي اللهى وأنت تفعل فيه ما أرى! فالتفت إلي من غير أن يزول عنها وقال:

ورثنا المجد عن آباء صدق

 

أسأنا في ديارهم الصنيعـا

إذا الحسب الرفيع تواكلتـه

 

بناة السوء أوشك أن يضيعا

قال: والشعر لمعن بن أوس المزني .

سافر إلى الشام وخلف ابنته في جوار ابن أبي سلمة وابن عمر بن الخطاب وقال شعراً: أخبرني محمد بن جعفر النحوي صهر المبرد قال حدثنا أحمد بن عبيدٍ أبو عصيدة عن الحرمازي قال: سافر معن بن أوس إلى الشام وخلف ابنته ليلى في جوار عمر بن أبي سلمة وأمه أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وفي جوار عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. فقال له بعض عشيرته: على من خلفت ابنتك ليلى بالحجاز وهي صبية ليس لها من يكفلها؟ فقال معن رحمه الله تعالى:

لعمرك مال ليلى بدار مضـيعةٍ

 

وما شيخها أن غاب عنها بخائف

وإن لها جارين لن يغدرا بـهـا

 

ربيب النبي وابن خير الخلائف

قال عبد الملك بن مروان عنه إنه أشعر الناس: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليلٍ العنزي قال حدثني مسعود بن بشر عن عبد الملك بن هشام قال: قال عبد الملك بن مروان يوماً وعنده عدة من أهل بيت وولده: ليقل كل واحد منكم أحسن شعرٍ سمع به؛ فذكروا لامرئ القيس والأعشى وطرفة فأكثروا حتى أتوا على محاسن ما قالوا فقال عبد الملك: أشعرهم والله الذي يقول:

وذي رحمٍ قلمت أظفار ضغـنـه

 

بحلمي عنه وهو ليس له حـلـم

إذا سمته وصل القرابة سامـنـي

 

قطيعتها، تلك السفاهة والظـلـم

فاسعى لكي أبني ويهدم صالحـي

 

وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم

يحاول رغمي لا يحـاول غـيره

 

وكالموت عندي أن ينال له رغم

فما زلت في لينٍ له وتعـطـفٍ

 

عليه كما تحنو على الـولـد الأم

لأستل منه الضغن حتى سللـتـه

 

وإن كان ذا ضغنٍ يضيق به الحلم

قالوا: ومن قائلها يا أمير المؤمنين؟ قال: معن بن أوسٍ المزني .

خروجه إلى البصرة وزواجه من ليلى وطلاقها وقصة ذلك: أخبرني عيسى بن حسين الوراق قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني سليمان بن عياش السعدي عن أبيه قال: خرج معن بن أوس المزني إلى البصرة ليمتار منها ويبيع إبلاً له؛ فلما قدمها نزل بقومٍ من عشيرته، فتولت ضيافته امرأة منهم يقال لها ليلى، وكانت ذات جمالٍ ويسارٍ، فخطبها فأجابته فتزوجها، وأقام عندها حولاً في أنعم عيشٍ، فقال لها بعد حولٍ: يابنة عم، إني قد تركت ضيعةً لي ضائعةً، فلو أذنت لي فاطلعت طلع أهلي ورممت من مالي! فقالت: كم تقيم؟ قال: سنةً، فأذنت له. فأتى أهله فأقام فيهم وأزمن عنها أي طال مقامه فلما أبطأ عليها رحلت إلى المدينة فسألت عنه، فقيل لها: إنه بعمقٍ وهو ماء لمزينة فخرجت، حتى إذا كانت قريبة من عمقٍ نزلت منزلاً كريماً . وأقبل معن في طلب ذودٍ له قد أضلها وعليه مدرعة من صوفٍ وبت من صوفٍ أخضر قال: والبت: الطيلسان وعمامة غليظة. فلما رفع له القوم مال إليهم ليستسقي، ومع ليلى ابن أخٍ لها ومولى من مواليها جالس أمام خباءٍ له. فقال له معن: هل من ماءٍ؟ قال: نعم، وإن شئت سويقاً، وإن شئت لبناً؛ فأناخ. وصاح مولى ليلى: يا منهلة وكانت منهلة الوصيفة التي تقوم على معنٍ عندهم بالبصرة فلما أتته بالقدح وعرفها وحسر عن وجهه ليشرب عرفته وأثبتته ، فتركت القدح في يده وأقبلت مسرعةً إلى مولاتها فقالت: يا مولاتي، هذا والله معن إلا أنه في جبة صصوفٍ وبت صوفٍ. فقالت: هو والله عيشهم، الحقي مولاي فقولي له: هذا معن، فاحبسه. فخرجت الوصيفة مسرعة فأخبرت. فوضع معن القدح وقال له: دعني حتى ألقاها في غير هذا الزي. فقال: لست بارحاً حتى تدخل عليها. فلما رأته قالت: أهذا العيش الذي نزعت إليه يا معن ؟! قال: إي والله يا بنة عم! أما إنك لو أقمت إلى أيام الربيع حتى ينبت البلد الخزامى والرخامى والسخبر والكمأة، لأصبت عيشاً طيباً. فغسلت رأسه وجسده، وألبسته ثياباً لينة، وطيبته، وأقام معها ليلته أجمع يهرجها ، ثم غدا إلى عمقٍ حتى أعد لها طعاماً ونحر ناقةٍ وغنماً . وقدمت على الحي، فلم تبق فيهم امرأة إلا أتتها وسلمت عليها، فلم تدع منهن امرأة حتى وصلتها. وكانت لمعنٍ امرأة بعمقٍ يقال لها أم حقة. فقالت لمعن: هذه والله خير لك مني، فطلقني، وكانت قد حملت فدخله من ذلك وقام. ثم إن ليلى رحلت إلى مكة حاجّةً ومعن معها. فلما فرغا من حجهما انصرفا، فلما حاذيا منعرج الطريق إلى عمقٍ قال معن: يا ليلى، كأن فؤادي ينعرج إلى ما ها هنا. فلو أقمت سنتنا هذه حتى نحج من قابلٍ ثم نرحل إلى البصرة! فقالت: ما أنا ببارحةً مكاني حتى ترحل معي إلى البصرة أو تطلقني. فقال: أما إذ ذكرت الطلاق فأنت طالق. فمضت إلى البصرة ، ومضى إلى عمقٍ، فلما فارقته وتبعتها نفسه، فقال في ذلك:

توهمت ربعاً بالمعبر واضحـاً

 

أبت قرتاه اليوم إلا تـراوحـا

أربت عليه رادة حضـرمـية

 

ومرتجز كأن فيه المصابحـا

إذا هي حلت كربلاء فلعلـعـاً

 

فجوز العذيب دونها فالنوابحـا

وبانت نواها من نواك وطاوعت

 

مع الشانئين الشامتات الكواشحا

فقولا لليلى هل تعوض نادمـاً

 

له رجعة قال الطلاق ممازحا

فإن هي قالت لا فقولا لها بلى

 

ألا تتقين الجاريات الذوابـحـا

وهي قصيدة طويلة. فلما انصرف وليست ليلى معه قالت له امرأته أم حقة: ما فعلت ليلى؟ قال: طلقتها. قالت والله لو كان فيك خير ما فعلت ذلك، فطلقني أنا أيضاً. فقال لها معن:

أعاذل أقصري ودعي بياتي

 

فإنك ذات لوماتٍ حـمـات

فإن الصبح منتظـر قـريب

 

وإنك بالملامة لن تفـاتـي

نأت ليلى فليلى لا تـواتـي

 

وضنت بالمودة والبـتـات

وحلت دارها سفوان بعـدي

 

فذا قارٍ فنخرق الـفـرات

تراعى الريف دائبةً عليهـا

 

ظلال ألف مختلط النبـات

فدعها أو تناولها بـعـنـسٍ

 

من العيدي في قلص شخات

وهي قصيدة طويلة. قال: وقال لأم حقة في مطالبتها إياه بالطلاق:

كأن لم يكـن يا أم حـقة قـبـل ذا

 

بميطان مصطاف لنـا ومـرابـع

وإذ نحن في غصن الشباب وقد عسا

 

بنـا الآن أن يعـوض جـــازع

فقد أنـكـرتـه أم حـقة حـادثـاً

 

وأنكرها ما شـئت والـود خـادع

ولو آذنتنا أم حـقة إذ بـنـا

 

شباب وإذ لما ترعنا الروائع

لقلنا لها بيني بليلٍ حـمـيدةً

 

كذاك بلا ذم تؤدي الـودائع

صوت:

أعابد حييتم على النأي عابـدا

 

سقاك الإله المنشآت الرواعدا

أعابد ما شمس النهار إذا بدت

 

بأحسن مما بين عينيك عابـدا

ويروى:

أعابد ما شمس النهار بدت لنا

ويروى:

أعابد ما الشمس التي برزت لنا

 

بأحسن مما بين ثوبيك عابـدا

الشعر للحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب. والغناء لعطرد ثاني ثقيلٍ بالبنصر. وفيه ليونس لحن من كتابه غير مجنس .