أخبار محمد بن عبد الملك الزيات ونسبه

أخبار محمد بن عبد الملك الزيات ونسبه

هو محمد بن عبد الملك الزيات بن أبان بن أبي حمزة الزيات، وأصله من جبل ويكنى أبا جعفر، وكان أبوه تاجراً من تجار الكرخ المياسير، فكان يحثه على التجارة وملازمتها، فيأبى إلا الكتابة وطلبها، وقصد المعالي، حتى بلغ منها أن وزر ثلاث دفعات، وهو أول من تولى ذلك وتم له.

أخبرني الأخفش علي بن سليمان قال: حدثني عمر بن محمد بن عبد الملك قال: كان جدي موسرأ من تجار الكرخ، وكان يريد من أبي أن يتعلق بالتجارة، ويتشاغل بها، فيمتنع من ذلك ويلزم الأدب وطلبه، ويخالط الكتاب، ويلازم الدواوين، فقال له ذات يوم: والله ما أرى ما أنت ملازمه ينفعك؛ وليضرنك؛ لأنك تدع عاجل المنفعة، وما أنت فيه مكفي، ولك ولأبيك فيه مال وجاه، وتطلب الآجل الذي لا تدري كيف تكون فيه، فقال: والله لتعلمن أينا ينتفع بما هو فيه؛ أ أنا أم أنت؟ ثم شخص إلى الحسن بن سهل بفم الصلح ، فامتدحه بقصيدته التي أولها:

كأنها حين تنـاءى خـطـوهـا

 

أخنس موشي الشوى يرعى القلل

فأعطاه عشرة آلاف درهم، فعاد بها إلى أبيه، فقال له أبوه: لا ألومك بعدها. على ما أنت فيه.
أخبرني جحظة والصولي، قالا: حدثنا ميمون بن هارون: قال: لما مدح محمد بن عبد الملك الحسن بن سهل، ووصله بعشرة آلاف درهم مثل بين يديه وقال له:

لم امتدحك رجاء المـال أطـلـبـه

 

لكن لتلبسني التحجـيل والـغـررا

ولـيس ذلـك إلا أنـنـي رجــل

 

لا أطلب الورد حتى أعرف الصدرا

وكان محمد بن عبد الملك شاعراً مجيداً، لا يقاس به أحد من الكتاب، وإن كان إبراهيم بن العباس مثله في ذلك، فإن إبراهيم مقل وصاحب قصار ومقطعات، وكان محمد شاعراً يطيل فيجيد، ويأتي بالقصار فيجيد، وكان بليغاً حسن اللفظ إذا تكلم وإذا كتب.

فحدثني عمي رحمه الله قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال: جلس أبي يوماً للمظالم، فلما انقضى المجلس رأى رجلاً جالساً، فقال له: ألك حاجة؟ قال: نعم تدنيني إليك؛ فإني مظلوم. فأدناه، فقال: إني مظلوم، وقد أعوزني الإنصاف، قال: ومن ظلمك؟ قال: أنت، ولست أصل إليك؛ فأذكر حاجتي؟ قال: ومن يحجبك عني وقد ترى مجلسي مبذولاً؟ قال: يحجبني عنك هيبتي لك وطول لسانك؛ وفصاحتك، واطراد حجتك، قال: ففيم ظلمتك؟ قال: ضيعتي الفلانية أخذها وكيلك غصباً بغير ثمن، فإذا وجب عليها خراج أديته باسمي لئلا يثبت لم اسم بملكها، فيبطل ملكي، فوكيلك يأخذ غلتها، وأنا أؤدي خراجها، وهذا مما لم يسمع في الظلم مثله، فقال محمد: هذا قول تحتاج عليه إلى بينة وشهود وأشياء، فقال له الرجل: أيؤمنني الوزير من غضبه، حتى أجيب؟ قال: قد أمنتك، قال: البينة هم الشهود، وإذا شهدوا فليس يحتاج معهم إلى شيء، فما معنى قولك: بينة وشهود وأشياء، أيش هذه الأشياء إلا العي والحصر والتغطرس ؟ فضحك، وقال: صدقت، والبلاء موكل بالمنطق، وإني لأرى فيك مصطنعاً، ثم وقع له برد ضيعته وبأن يطلق له كر حنطة وكر شعير ومائة دينار يستعين بها على عمارة ضيعته، وصيره من أصحابه، واصطنعه.

أخبرني الصولي: قال: حدثني أحمد بن محمد الطالقاني قال: حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال:  

لما وثب إبراهيم بن المهدي على الخلافة، اقترض من مياسير التجار مالاً، فأخذ من جدي عبد الملك عشرة آلاف درهم ، وقال له: أنا أردها إذا جاءني مال، ولم يتم أمره فاستخفى، ثم ظهر ورضي عنه المأمون، فطالبه الناس بأموالهم، فقال: إنما أخذتها للمسلمين، وأردت قضاءها من فيئهم، والأمر الآن إلى غيري، فعمل أبي محمد بن عبد الملك قصيدة يخاطب فيها المأمون، ومضى بها إلى إبراهيم بن المهدي، فأقرأه إياها وقال: والله لئن لم تعطني المال الذي اقترضته من أبي لأوصلن هذه القصيدة إلى المأمون، فخاف أن يقرأها المأمون، فيتدبر ما قاله، فيوقع به، فقال له: خذ مني بعض المال، ونجم علي بضعه، ففعل أبي ذلك بعد أن حلفه إبراهيم بأوكد الإيمان ألا يظهر القصيدة في حياة المأمون، فوفى أبي له بذلك، ووفى إبراهيم بأداء المال كله.
والقصيدة قوله:

ألم تر أن الشيء لـلـشـيء عـلة

 

تكون له كالنار تقـدح بـالـزنـد

كذلك جـربـت الأمـور وإنـمـا

 

يدلك ما قد كان قبل على الـبـعـد

وظني بـإبـراهـيم أن مـكـانـه

 

سيبعث يوماً مثل أيامـه الـنـكـد

رأيت حسيناً حين صـار مـحـمـد

 

بغير أمـان فـي يديه ولا عـقـد

فلو كان أمضى السيف فيه بضـربة

 

فصيره بالقاع منـعـفـر الـخـد

إذا لم تكن للـجـنـد فـيه بـقـية

 

فقد كان ما خبرت من خبر الجنـد

هم قتلوه بـعـد أن قـتـلـوا لـه

 

ثلاثين ألفاً من كهول ومـن مـرد

وما نصروه عن يد سـلـفـت لـه

 

ولا قتلوه يوم ذلـك عـن حـقـد

ولكنه الغدر الـصـراح وخـفة ال

 

حلوم وبعد الرأي عن سنن القصـد

فذلك يوم كان لـلـنـاس عـبـرة

 

سيبقى بقاء الوحي في الحجر الصلد

وما يوم إبراهيم إن طـال عـمـره

 

بأبعد في المكروه من يومه عنـدي

تذكر أمير المؤمـنـين مـقـامـه

 

وأيمانه في الهزل منه وفي الجـد

أما والذي أمسيت عـبـداً خـلـيفة

 

له شر أيمان الخلـيفة والـعـبـد

إذا هز أعواد المنـابـر بـاسـتـه

 

تغنى بليلـى أو بـمـية أو هـنـد

فوالله ما من تـوبة نـزعـت بـه

 

إلـيك ولا مـيل إلـــيك ولا ود

ولكن إخلاص الضمـير مـقـرب

 

إلى الله زلفى ى تخيب ولا تكـدي

أتاك بها طـوعـاً إلـيك بـأنـفـه

 

على رغمه واستأثر الله بالحـمـد

فلا تتركن للناس موضـع شـبـهة

 

فإنك مجزي بحسب الذي تـسـدي

فقد غلطوا للناس في نصب مثـلـه

 

ومن ليس للمنصور بابن ولا المهدي

فكيف بمن قد بايع الناس والتـقـت

 

ببيعته الركبان غوراً إلـى نـجـد

ومن سك تسليم الخلافة سـمـعـه

 

ينادى به بين السماطين من بـعـد

وأي امرئ سمى بها قط نـفـسـه

 

ففارقها حتى يغيب في الـلـحـد

وتزعـم هـذي الـنـابـتـية أنـه

 

إمام لها فيما تسـر ومـا تـبـدي

يقـولـون سـنـي وأية ســـنة

 

تقوم بجون اللون صعل القفا جعـد

وقد جعل رخص الطعام بـعـهـده

 

زعيماً له باليمن والكوكب السـعـد

إذا ما رأوا يومـاً غـلاء رأيتـهـم

 

يحنون تحناناً إلى ذلـك الـعـهـد

وإقباله في العـيد يوجـف حـولـه

 

وجيف الجياد واصطفاق القنا الجرد

ورجالة يمشون بالبـيض قـبـلـه

 

وقد تبعوه بالقضـيب وبـالـبـرد

فإن قلت قد رام الـخـلافة غـيره

 

فلم يؤت فيما كان حاول مـن جـد

فلم أجزه إذ خـيب الـلـه سـعـيه

 

على خطإ إذ كان منه ولا عـمـد

ولم أرض بعد العفو حتى رفعـتـه

 

وللعم أولى بالتـعـهـد والـرفـد

فليس سواء خـارجـي رمـى بـه

 

إليك سفاه الرأي والرأي قـد يردى

تعاوت له من كـل أوب عـصـابة

 

متى يوردوا لا يصدروه عن الورد

ومن هو في بيت الخلافة تلـتـقـي

 

به وبك الآباء في ذروة الـمـجـد

فمولاك مـولاه وجـنـدك جـنـده

 

وهل يجمع القين الحسامين في غمد؟

وقد رابني من أهل بـيتـك أنـنـي

 

رأيت لهم وجـداً بـه أيمـا وجـد

يقولون لا تبعـد مـن ابـن مـلـمة

 

صبور عليها النفس ذي مرة جـلـد

فدانا وهانت نفسـه دون مـلـكـنـا

 

عليه لذي الحال التي قل من يفـدي

على حين أعطى الناس صفق أكفهـم

 

علي بن موسى بالولاية والـعـهـد

فما كان فينا من أبى الضـيم غـيره

 

كريم كفى ما في القبول وفي الـرد

وجرد إبراهيم للـمـوت نـفـسـه

 

وأبدى سلاحاً فوق ذي ميعة نـهـد

وأبلى ومن يبلغ من الأمـر جـهـده

 

فليس بمذمـوم وإن كـان لـم يجـد

فهذي أمور قد يخاف ذوو الـنـهـى

 

مغبتها والـلـه يهـديك لـلـرشـد          

أخبرني الصولي، قال: حدثني عبد الله بن الحسين القطربلي، عن جعفر بن محمد بن خلف قال: قال لي المعلى بن أيوب: كيف كان محل يحيى بن خاقان عند محمد بن عبد الملك ومقداره؟ فقلت له: سمعت محمداً يذكره، فقال: هو مهزول الألفاظ، عليل المعاني سخيف العقل، ضعيف العقدة ، واهي العزم مأفون الرأي.

قال عبد الله: ولما تولى محمد بن عبد الملك الوزارة، اشترط ألا يلبس القباء، وأن يلبس الدراعة ويتقلد عليها سيفاً بحمائل، فأجيب ذلك.

أخبرني الصولي: قال: حدثني أبو ذكوان، قال: حدثني طماس، قال ميمون بن هارون: كان محمد بن عبد الملك يقول: الرحمة خور في الطبيعة، وضعف في المنة، ما رحمت شيئاً قط. فكانوا يطعنون عليه في دينه بهذا القول، فلما وضع في الثقل والحديد قال: ارحموني، فقالوا له: وهل رحمت شيئاً قط فترحم! هذه شهادتك على نفسك وحكمك عليها.

أخبرني الصولي: قال: حدثني أبو ذكوان، قال: حدثني طماس، قال: جاء أبو دنقش الحاجب إلى محمد بن عبد الملك برسالة من المعتصم ليحضر، فدخل ليلبس ثيابه، ورأى ابن دنقش الحاجب غلماناً لهم روقة فقال: وهو يظن أنه لا يسمع:

وعلى اللواط فلا تلومن كاتباً

 

إن اللواط سجية الكـتـاب

فقال محمد له:

وكما اللواط سجية الكتـاب

 

فكذا الحلاق سجية الحجاب

فاستحيا ابن دنقش، واعتذر إليه، فقال له: إنما يقع العذر لو لم يقع الاقتصاص فأما وقد كافأتك فلا.
أخبرني الصولي، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: أنشدني الحسن بن وهب لمحمد بن عبد الملك أبياتاً، يرثي بها سكرانة أم ابنه عمر، وجعل الحسن يتعجب من جودتها، ويقول:

يقول لي الخلان لو زرت قبرها

 

فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر

على حين لم أحدث فأجهل قدرها

 

ولم أبلغ السن التي معها الصبر

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثني عبد الرحمن بن سعيد الأزرقي، قال: استبطأ عبد الله بن طاهر محمد بن عبد الملك في بعض أموره، واتهمه بعدوله عن شيء أراده إلى سواه، فكتب إليه محمد بن عبد الملك يعتذر من ذلك، وكتب في آخر كتابه يقول:

أتزعم أنني أهوى خلـيلاً

 

سواك على التداني والبعاد

جحدت إذاً موالاتي علـياً

 

وقلت بأنني مولـى زياد

قرأت في بعض الكتب: كان عبد الله بن الحسن الأصبهاني يخلف عمرو بن مسعدة على ديوان الرسائل، فكتب إلى خالد بن يزيد بن مزيد: إن المعتصم أمير المؤمنين ينفخ منك في غير فحم، ويخاطب أمراً غير ذي فهم، فقال محمد بن عبد الملك: هذا كلام ساقط سخيف؛ جعل أمير المؤمنين ينفخ بالزق كأنه حداد، وأبطل الكتاب ثم كتب محمد بن عبد الملك إلى عبد الله بن طاهر: وأنت تجري أمرك على الأربح فالأربح، والأرجح فالأرجح، تسعى بنقصان، ولا تميل برجحان، فقال عبد الله الأصبهاني: الحمد لله، قد أظهر من سخافة اللفظ ما دل على رجوعه إلى صناعته من التجارة بذكره ربح السلع، ورجحان الميزان، ونقصان الكيل، والخسران من رأس المال. فضحك المعتصم، وقال:

أسرع ما انتصف الأصبهاني من محمد، وحقدها عليه ابن الزيات، حتى نكبه.

أخبرني الأخفش عن المبرد قال:  

نظر رجل كان يعادى يونس النحوي إليه وهو يهادى بين اثنين من الكبر، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، أبلغت ما أرى؟ فعلم يونس أنه قال له ذلك شامتاً، فقال: هذا الذي كنت أرجو فلا بلغته، فأخذه محمد بن عبد الملك الزيات: فجعله في شعر فقال:

وعائب عابني بـشـيب

 

لم يعد لما ألم وقـتـه

فقلت إذ عابني بشيبـي:

 

يا عائب الشيب لا بلغته

وذكر أبو مروان الخزاعي أن أبا دهمان المغني سرق من محمد بن عبد الملك منديلاً دبقياً فجعله تحت عمامته، وبلغ محمداً، فقال له:

ونديم سـارق خـاتـلـنـي

 

وهو عندي غير مذموم الخلق

ضاعف الكور على هامـتـه

 

وطوى منديلنا طي الخـرق

يا أبا دهمان لو جامـلـتـنـا

 

لكفيناك مئونـات الـسـرق

أخبرنا أبو مسلم محمد بن بحر الأصبهاني، قال: كنت عند أبي الحسين بن أبي البغل لما انصرف عن بغداد بعد إشخاصه إليها للوزارة وبطلان ما نذره من ذلك ورجوعه، فجعل يحدثنا بخبره، ثم قال: لله در محمد بن عبد الملك الزيات حيث يقول:

ما أعجب الشيء ترجوه فتحرمه

 

قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي

مالي إذا غبت لم أذكر بصالـحة

 

وإن مرضت فطال السقم لم أعد

أخبرني الصولي، قال: حدثني عون بن محمد الكندي، قال: حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع، قال: وصفني محمد بن عبد الملك للمعتصم، وقال: ما له نظير في ملاحة الشعر والغناء والعلم بأمور الملوك، فلقيته فشكرته، وقلت: جعلت فداءك! أتصف شعري وأنت أشعر الناس؟ ألست القائل:

ألـم تـعـجـب لـمـكـــتـــئب حـــزين

 

خدين صـبـابة وحـــلـــيف صـــبـــر

يقول إذا سألت به : بخيروكيف يكون مهجور بخير؟

 

 

قال: وأين هذا، من قولك؟

يقول لي كيف أصـب

 

حت كيف يصبح مثلي

ماء ولا كصداء ، ومرعى ولا كالسعدان .
أخبرني الصولي، قال: حدثني عون بن محمد: قال: لقي الكنجي محمد بن عبد الملك فسلم عليه فلم يجبه، فقال الكنجي:

هذا وأنت ابن زيات تصغـرنـا

 

فكيف لو كنت يا هذا ابن عطار؟

فبلغ ذلك محمداً، فقال: كيف ينتصف من ساقط أحمق، وضعه رفعه، وعقابه ثوابه.

أخبرني الصولي، قال: أخبرني عبد الله بن محمد الأزدي، قال: حدثني يعقوب بن التمار، قال: قال محمد بن عبد الملك لبعض أصحابه: ما أخرك عنا؟ قال: موت أخي، قال: بأي علة؟ قال: عضت أصبعه فأرة، فضربته الحمرة ، فقال محمد: ما يرد القيامة شهيد أخس سبباً، ولا أنذل قاتلاً، ولا أضيع ميتة، ولا أظرف قتلة من أخيك.

أخبرني عمي عن أبي العيناء، قال: كان محمد بن عبد الملك يعادي أحمد بن أبي داود، ويهجوه، فكان أحمد يجمع الشعراء، ويحرضهم على هجائه ويصلهم، ثم قال فيه أحمد بيتين، كانا أجود ما هجي به، وهما:

أحسن من خمسين بيتاً سدى

 

جمعك إياهن فـي بـيت

ما أحوج الناس إلى مطرة

 

تذهب عنهم وضر الزيت

وكان ابن أبي داود يقول: ليس أحد من العرب وهو يقدر على قول الشعر، طبعاً ركب فيهم، قل قوله أو كثر.
أخبرنا الصولي، قال: حدثنا محمد بن موسى عن الحسن بن وهب، قال: أنشد أبو تمام محمد بن عبد الملك قصيدته التي يقول فيها:

لهان علينا أن نقول وتفعلا

فأثابه عليها ووقع عليه:

رأيتك سهل البيع سمحاً وإنمـا

 

يغالى إذا ما ضن بالشيء بائعه

فأما الذي هانت بضائع بـيعـه

 

فيوشك أن تبقى عليه بضائعـه

هو الماء إن أجممته طاب ورده

 

ويفسد منه أن تباح شـرائعـه

فأجابه أبو تمام وقال:

أبا جعفر إن كنت أصبحت شاعراً

 

أسامح في بيعي له من أبايعـه

فقد كنت قبلي شاعراً تاجراً بـه

 

تساهل من عادت عليك منافعـه

فصرت وزيراً والوزارة مكـرع

 

يغص به بعد اللذاذة كـارعـه

وكم من وزير قد رأينا مسلـطـاً

 

فعاد وقد سدت عليه مطالـعـه

ولله قوس لا تطيش سهـامـهـا

 

ولله سيف لا تفل مقـاطـعـه

حدثني الصولي، قال: حدثني أبي، قال: حج محمد بن عبد الملك في آخر أيام المأمون، فلما قدم إليه كتب راشد الكاتب قوله:  

تنس عـهـدي ولا مـودتـيه

 

واشتق إلى طلعتـي ورؤيتـيه

إن غبت عنا فلم تغب كثـرة ال

 

ذكر فلا تغـفـلـن هـديتـيه

التمر والنقل والمساويك والقـس

 

ب وخير النعال حـسـن شـيه

فإن تجاوزت ما أقول إلى العص

 

ب فذاك المأمول مـنـك لـيه

فأجابه محمد بن عبد الملك:

إنك مني بحيث يطرد الناظر من تحت ماء دمعـتـيه

 

ولا ومن زادني تودده

 

علـى صـحـابـي بـفـضـل غـيبـــتـــيه

ما أحـسـن الـتـرك والـخــلاف لـــمـــا

 

تريد مـنـــي ومـــا تـــقـــول لـــيه

يا بـأبـي أنـت مـا نــســـيتـــك فـــي

 

يوم دعـــائي ولا هـــــــديتـــــــيه

ناجيت بالذكر والدعاء لك الله لدى البيت رافعـاً يديه

 

 

حتى إذا ما ظننت بالملك الق

 

ادر أن قـــد أجـــاب دعـــوتــــــيه

قمـت إلـى مـوضـع الـنـــعـــال وقـــد

 

أقـمـت عـشـرين صـاحـبــاً مـــعـــيه

وقـلــت لـــي صـــاحـــب أريد لـــه

 

نعـلاً ولـو مـن جــلـــود راحـــتـــيه

فانـقـطـع الـقــول عـــنـــد واحـــدة

 

قال الـذي اخـتـــار يا بـــشـــارتـــيه

فقلت عندي لك البشارة والشكر وقلا في جنب حاجتيه

 

 

ثم تخيرت بعد ذاك من العص

 

ب الـيمـانـي بـفـضـل خـــبـــرتـــيه

موشــية لـــم أزل بـــبـــائعـــهـــا

 

أرغـب حـتـى زهــا عـــلـــي بـــيه

يرفـع فـــي ســـومـــه وأرغـــبـــه

 

حتـى الـتـقـى زهـده ورغـــبـــتـــيه

وقـــد أتـــاك الـــذي أمـــرت بــــه

 

فاعـذر بـكـثـر الإنـعـام قـــلـــتـــيه.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، قال: كان لمحمد بن عبد الملك برذون أشهب لم ير مثله فراهة وحسناً، فسعى به محمد بن خالد حيلويه إلى المعتصم، ووصف له فراهته ، فبعث المعتصم إليه فأخذه منه، فقال محمد بن عبد الملك يرثيه:

كيف العزاء وقد مضى لسبـيلـه

 

عنا فودعنا الأحـم الأشـهـب!

دب الوشاة فأبـعـدوك وربـمـا

 

بعد الفتى وهو الأحب الأقـرب

لله يوم نأيت عـنـي ظـاعـنـاً

 

وسلبت قربك أي علق أسـلـب

نفس مفـرقة أقـام فـريقـهـا

 

ومضى لطيته فـريق يجـنـب

فالآن إذ كملت أداتـك كـلـهـا

 

ودعا العيون إليك لون معجـب

وأختير من سر الحدائد خـيرهـا

 

لك خالصاً ومن الحلي الأغـرب

وغدوت طنان اللجـام كـأنـمـا

 

في كل عضو منك صنج يضرب

وكأن سرجك إذ علاك غـمـامة

 

وكأنما تحت الغمامة كـوكـب

ورأى علي بك الصـديق جـلالة

 

وغدا العدو وصدره يتـلـهـب

أنساك لا زالـت إذاً مـنـسـية

 

نفسي ولا زالت يميني تنـكـب

أضمرت منك اليأس حين رأيتني

 

وقوى حبالي من قواك تقضـب

ورجعت حين رجعت منك بحسرة

 

لله ما فـعـل الأصـم الأشـيب

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان – رضوان الله عليه – قال: حدثني محمد بن ناصح رحمة الله عليه، قال: لحقت غلات أهل البت آفة أيام محمد بن عبد الملك من جراد وعطش، فتظلم إليه جماعة منهم، فوجه ببعض أصحابه ناظراً في أمرهم، وكان في بصره ضعف، فكتب إليه محمد بن علي البتي:

أتيت أمراً يا أبا جعـفـر

 

لم يأته بر ولا فـاجـر

أغثت أهل البت إذ أهلكوا

 

بناظر ليس له نـاظـر

فبلغه، فضحك ورد الناظر ووقع لهم بما سألوا بغير نظر.

أخبرني الصولي رضي الله عنه قال: حدثني محمد بن يحيى بن أبي عباد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قال علي بن جبلة يهجو محمد بن عبد الملك الزيات، وكان قد قصد أبا دلف القاسم بن عيسى في بعض أمره:

يا بائع الزيت عرج غير مرموق

 

لتشغلن عن الأرطال والسـوق

من رام شتمك لم ينزع إلى كذب

 

في منتماك وأبداه بتـحـقـيق

أبوك عبد وللأم التي فـلـقـت

 

عن أم رأسك هن غير محلوق

إن أنت عددت أصلاً لا تسب به

 

يوماً فأمك مني ذات تطـلـيق

ولن تطيق بحول أن تزيل شجـاً

 

أثبته منك في مستنزل الـريق

الله أنشاك من نوك ومن كـذب

 

لا تعطفن إلى لؤم لمخـلـوق

ماذا يقول امرؤ غشاك مدحته

 

إلا ابن زانية أو فرخ زنديق؟

فأجابه محمد:

اشمخ بأنـفـك يا ذا الـسـيئ الأدب

 

ما شئت واضرب قذال الأرض بالذنب

وارفع بصوتك تدعو من بـذي عـدن

 

ومن بقالي قلا بـالـويل والـحـرب

ما أنت إلا امرؤ أعطـى بـلاغـتـه

 

فضل العذار ولم يربـع عـلـى أدب

فاجمح لعلك يوماً أن تعـض عـلـى

 

لجم دلاصية تثـنـيك مـن كـثـب

إني اعتذرت فما أحسنت تسمـع مـن

 

عذري ومن قبل ما أحسنت في الطلب

صبراً أبا دلـف فـي كـل قـافـية

 

كالقدر وقفاً على الجارات بالعـقـب

يا رب إن كان ما أنشأت مـن عـرب

 

شروى أبي دلف فاسخط على العرب

إن التعصـب أبـدى مـنـك داهـية

 

كانت تحجب دون الوهم بالـحـجـب

فأجابه علي بن جبلة:

نبهت عن سنة عينيك فاصطـبـر

 

واسحب بذيلك هل تقفو على أثر؟

إن ير حض الله عني عار مطلبي

 

إليك رفداً ألا فانجـد بـه وغـر

إني ودعواك أن تأتي بمـكـرمة

 

كمنبض القوس عن سهم بلا وتر

فاردد جفونك حسرى عن أبي دلف

 

ولا ملامة أن تعشى عن القمـر

لا يسخطن امرؤ إن ذل من حسب

 

فالله أنزله في محكـم الـسـور

لم آت سوءاً ولم أسخط على أحـد

 

إلا على طلبي في مجتدى عسـر

أقصر أبا جعفر عن سطوة جمحت

 

إن لم تقصر بها مالت إلى القصر

فأجابه محمد بن عبد الملك:

يا أيها العائبي ولم ير لـي

 

عيباً أما تنتهي فتزدجـر!

هل لك وتر لدي تطلـبـه

 

فأنت صلد ما فيك معتصر

فالحمد والمجد والثناء لنـا

 

وللحسود التراب والحجر

وهي طويلة يقول فيها:

تعيش فينـا ولا تـلائمـنـا

 

كما تعيش الحمير والبقـر

تغلي علينا الأشعار منك وما

 

عندك نفع يرجى ولا ضرر

أخبرني عمي – رحمه الله – قال: حدثني عمر بن نصر الكاتب، قال: حدثني عمي علي بن الحسن بن عبد الأعلى، قال محمد: اجتاز بديع غلام عمير المأموني بمحمد بن عبد الملك الزيات، وكان أحسن خلق الله وجهاً، وكان محمد يحبه ويجن به جنوناً فقال:

راح علينا راكباً طـرفـه

 

أغيد مثل الرشـأ الآنـس

قد لبس القرطق واستمسكت

 

كفاه من ذي بـرق يابـس

وقلد السيف على غنـجـه

 

كأنه في وقعة الـداحـس

أقول لما أن بدا مـقـبـلاً

 

يا ليتني فارس ذا الفـارس

أخبرني الأخفش، قال: حدثني محمد بن يزيد قال: دامت الأمطار بسرى من رأى، فتأخر الحسن بن وهب عن محمد بن عبد الملك الزيات، وهو يومئذ وزير، والحسن يكتب له، فاستبطأه محمد بن عبد الملك، فكتب إليه الحسن يقول:

أوجب العذر في تراخي اللقاء

 

ما توالى من هـذه الأنـوار

لست أدري ماذا أقول وأشكو

 

من سماء تعوقني عن سماء

غير أني أدعو على تلك بالثك

 

ل وأدعو لهذه بـالـبـقـاء

فلام الإلـه أهـديه غـضـا

 

لك مني يا سـيد الـوزراء

أخبرني الصولي، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: اعتل الحسن بن وهب، فتأخر عن محمد بن عبد الملك أياماً كثيرة، فلم يأته رسول، ولا تعرف خبره، فكتب إليه الحسن قوله:

أيهـذا الـوزير أيدك الـــل

 

ه وأبقاك لي بـقـاء طـويلا

أجميلاً تـراه يا أكـرم الـنـا

 

س لكيما أراه أيضاً جـمـيلا

إنني قد أقمت عشراً عـلـيلاً

 

ما ترى مرسلاً إلي رسـولا

إن يكن موجب التعمد في الص

 

حة منا علي مـنـك طـويلا

فهو أولى يا سيد النـاس بـرا

 

وافتقاداً لمن يكـون عـلـيلا

فلماذا تركتني عرضة الظـن

 

من الحاسدين جيلاً فـجـيلا؟

ألذنب فما علمت سوى الشـك

 

ر قريناً لـنـيتـي ودخـيلا؟

أم ملال، فما علمتك للـصـا

 

حب مثلي على الزمان ملولا؟

قد أتى الله بالشفاء فـمـا أع

 

رف مما أنكرت إلا قـلـيلا

وأكلت الدراج وهـو غـذاء

 

أفلت علتـي عـلـيه أفـولا

بعد ما كنت قد حملت من العل

 

ة عبثاً على الطبـاع ثـقـيلا

ولعلي قدمت قبلـتـك آتـي

 

ك غداً إن وجدت فيه سبـيلا

فأجابه محمد بن عبد الملك:

دفع اللـه عـنـك نـائبة الـده

 

ر وحاشاك أن تكون عـلـيلا

أشهد الله ما علـمـت ومـا ذا

 

ك من العذر جائزاً مقـبـولا

ولعمري أن لو علمت فلا زمت

 

ك حولاً لكان عنـدي قـلـيلا

إنني أرتجي وإن لم يكـن مـا

 

كان مما نقمـت إلا جـلـيلا

أن أكون الذي إذا أضمـر الإخ

 

لاص لم يلتمس عليه كـفـيلا

ثم لا يبـذل الـمـودة حـتـى

 

يجعل الجهد دونهـا مـبـذولا

فإذا قال كان مـا قـال إذ كـا

 

ن بعيداً من طبعـه أن يقـولا

فاجعلن لي إلى التعلق بالـعـذ

 

ر سبيلاً إن لم أجد لي سبـيلا

فقديماً ما جاد بالصفح والعـف

 

و وما سامح الخليل الخـلـيلا

قال: وكتب محمد بن عبد الملك إلى الحسن بن وهب وقد تأخر عنه:

قالوا جفاك فلا عهد ولا خـبـر

 

ماذا تراه دهاه قـلـت: أيلـول

شهر تجذ حبال الوصل فيه فمـا

 

عقد من الوصل إلا وهو محلول

قال: وكان محمد قد ندبه لأن يخرج في أمر مهم فأجابه الحسن فقال:

إني بحول امرئ أعليت رتـبـتـه

 

فحظه منك تعـظـيم وتـبـجـيل

وأنت عدتـه فـي نـيل هـمـتـه

 

وأنت في كل ما يهـواه مـأمـول

ما غالني عنـك أيلـول بـلـذتـه

 

وطيبه ولنعـم الـشـهـر أيلـول

الليل لا قـصـر فـيه ولا طـول

 

والجو صاف وظهر الكأس مرحول

والعدو مستنطق عن كل معـجـبة

 

يضحي بها كل قلب وهو متـبـول

لكن توقع وشك البـين عـن بـلـد

 

تحله فوكاء الـعـين مـحـلـول

مالي إذا شمرت بي عنك مبتـكـراً

 

دهم البغال أو الهوج المـراسـيل

إلا رعاياتك اللاتـي يعـود بـهـا

 

حد الحوادث عني وهو مـفـلـول

قال: وكان الحسن بن وهب يساير محمداً على مسناة ، فعدل عن المسناة لئلا يضيق لمحمد الطريق، فظن محمد أنه أشفق على نفسه من المسناة، فعدل عنها، ولم يساعده على طريقه، وظن بنفسه أن يصيبها ما يصيبه، فقال له محمد:

قد رأيناك إذ تركت المسنـا

 

ة وحاذيتني يسار الطـريق

ولعمري ما ذاك منك وقد جد

 

بك الجد من فعال الشفـيق

فقال له الحسن:

إن يكن خوفي الحتـوف أرانـي

 

أن تراني مشبهاً بـالـعـقـوق

فلقد جارت الظنون على المـش

 

فق والظن مولع بـالـشـفـيق

غرر السـيد الأجـل وقـد سـا

 

ر على الحرف من يمين الطريق

فأخذت الشمال بقيا على الـسـي

 

د إذ هالني سلوك الـمـضـيق

إن عنـدي مـودة لـك حـازت

 

ما حوى عاشق من المعـشـوق

طود عز خصصت منـه بـبـر

 

صار قدري به مـع الـعـيوق

وبنفسي وإخـوتـي وأبـي الـب

 

ر وعمي وأسرتي وصـديقـي

من إذا ما روعت أمـن روعـي

 

وإذا ما شرقـت سـوغ ريقـي

أخبرني علي بن سليمان الأخفش الصولي، قال: حدثنا المبرد، قال: استسقى الحسن بن وهب من محمد بن عبد الملك نبيذاً ببلد الروم، وهو مع المعتصم فسقاه وكتب إليه:

لم تلق مثلي صـاحـبـاً

 

أبدى يداً وأعلـم جـودا

يسقي النديم بـقـفـرة

 

لم يسقي فيها الماء عودا

صفراء صافـية كـأن

 

بكأسهـا دراً نـضـيدا

وأجود حـين أجـود لا

 

حصراً بذاك ولا بلـيدا

وإذا استقل بشـكـرهـا

 

أوجبت بالشكر المـزيدا

خذها إلـيك كـأنـمـا

 

كسيت زجاجتها عقـودا

واجعل عليك بأن تـقـو

 

م بشكرها أبداً عهـودا

أخبرني الصولي، قال: حدثني أحمد بن محمد الأنصاري، قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك، قال: دعا محمد بن عبد الملك قبل وزارته الحسن ن وهب في آخر أيام المأمون، فجاءه ودخلا حماماً له، وأقاما على لهوهما، ثم طلب الحسن بن وهب لعمل احتيج فيه إليه، فمضى، وبطل يومهم ، فكتب الحسن إليه:

سقياً لنضر الوجه بسـامـه

 

مهذب الأخلاق قمقـامـه

تكسبه شكراً علـى أنـهـا

 

مطبقة السـن لـلـوامـه

زرناه في يوم عـلا قـدره

 

من سائر الأيام في عامـه

أسعده الله وأحـظـى بـه

 

وجاده الغيث بإرهـامـه

فكان مسروراً بـنـا بـاذلاً

 

لرحله الرحب وهمـامـه

نخدمه وهـو لـنـا خـادم

 

بفضله من دون خـدامـه

ثم سقانـا قـهـوة لـم يدع

 

أطيب منها بقرى شـامـه

صهباء دلت علـى دنـهـا

 

وحدثت عن ضعف إسلامه

فأجابه محمد بن عبد الملك رحمه الله تعالى:

وزائر لـــذ لـــنـــا يومـــــــه

 

لو سـاعـد الـدهـر بـإتــمـــامـــه

ماذا لـــقـــينـــا مـــن دواوينـــه

 

وخـطـه فـيهــا بـــأقـــلامـــه؟

أسـر مـا كـنــا فـــمـــن مـــازح

 

أو شـارب قـد عـب فــي جـــامـــه

فارقـنـا فـالـنـفــس مـــطـــروفة

 

بواكـف الـدمــع وســـجـــامـــه

وعـاد بـالـمـدح لـنـا مـنـعـــمـــاً

 

به إلـى سـالـــف إنـــعـــامـــه

ليت وأني لي بها منية لو كنت فيه بعض قوامه

 

 

يشكر ما نال على أنه

 

لا يشـكـر الـحـر لـحــمـــامـــه

أمـســحـــه فـــيه وأدنـــو لـــه

 

من خـلـفــه طـــوراً وقـــدامـــه

جعـلـت نـفـسـي جـنة لـلـصــبـــا

 

وبـعـت إسـلامـي بـــإســـلامـــه

فصـار مـــا يشـــرب حـــلالـــه

 

وصـرت مـأخــوذاً بـــآثـــامـــه

أخبرني الحسن بن القاسم الكاتب، قال: سمعت القاسم بن ثابت يحدث عن أبيه، قال: قال أحمد الأحول: لما قبض على محمد بن عبد الملك الزيات تلطفت في الوصول إليه، فرأيته في حديد ثقيل، فقلت له: أعزز علي ما أرى، فقال:

سل ديار الحي ما غيرها

 

ومحاها ومحا منظرها؟

وهي اللاتي إذا ما انقلبت

 

صيرت معروفها منكرها

إنما الدنـيا كـظـل زائل

 

نحمد الله كـذا قـدرهـا

في هذه الأبيات رمل طنبوري لا أدري لمن هو؟ ومما يغنى فيه شعر محمد بن عبد الملك الزيات:

ظالمني ما علمتـه

 

معتد لا عدمـتـه

مطمعي بالوصال مم

 

تنع حين رمـتـه

مرصد بالخلاف وال

 

منع من حيث سمته

هاجر إن وصلـتـه

 

صابر إن صرمتـه

كم وكم قد طويت ما

 

بي وكم قد كتمتـه

رب هم طويت في

 

ك وغيظ كظمتـه

وحياة سـئمـتـهـا

 

والهوى ما سئمتـه

رمت شيئاً هـويتـه

 

ليس لي ما حرمته

قال إذ صرح البكـا

 

ء بما قد ستـرتـه

لو بكى طول دهره

 

بدم ما رحـمـتـه

الغناء لأبي العبيس بن حمدون ثقيل بالبنصر.

إذا أحببـت لـم أسـل

 

وإن واصلت لم أقطع

وإن عاتبني الـنـاس

 

تصاممت فلم أسمـع

وقد جربت مـا ضـر

 

وقد جربت ما ينفـع

فما مثل الهـوى أنـه

 

ك للجسم ولا أضرع

ولا كالهجر في القرب

 

إلى الموت ولا أسرع

وإن أوجعني الـعـذل

 

فنيران الهوى أوجـع

وهذا عدم الـعـقـل

 

فما أستطيع أن أصنع

ولا والله ما عـنـدي

 

لما قد حل بي مدفـع

ولا في لـهـجـران

 

ك لولا ظلمكم موضع

الغناء لعريب لحنان: خفيف ثقيل بالبنصر، وهزج بالوسطى.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، قال: حدثني الحسن بن رجاء، قال: قدم محمد بن عبد الملك على الحسن بن سهل إلى فم الصلح، وامتدحه بقصيدته التي أولها:

كأنها حـين تـنـاءى خـطـؤه

 

أخنس موشي الشوي يرعى القلل

وقال فيها:

إلى الأمير الحسن استنجدتها

 

أي مراد ومناخ ومـحـل

سيف أمير المؤمنين المنتضـى

 

وحصن ذي الرياستين المقتبـل

آباؤك الغـر الألـى جـدهـم

 

كسرى أنو شروان والناس همل

من كل ذي تاج إذا قال مضـى

 

كل الذي قال وإن هم فـعـل

فأين لا أين وأنـى مـثـلـكـم

 

أنتم الأملاك والـنـاس خـول

فأمر له بعشرة آلاف درهم.

قال: ومرض الواثق، فدخل إليه الحسن بن سهل عائداً، ومحمد بن عبد الملك يومئذ وزيره، والحسن بن سهل متعطل، فجعل الحسن بن سهل يتكلم في العلة وعلاجها وما يصلح للواثق من الدواء والعلاج والغذاء أحسن كلام، قال: فحسده محمد بن عبد الملك، وقال له: من أين لك هذا العلم يا أبا محمد؟ قال: إني كنت أستصحب من أهل كل صنعة رؤساء أهلها، وأتعلم منهم، ثم لا أرضى إلا ببلوغ الغاية، فقال له محمد -وكان حسوداً: ومتى كان ذلك؟ قال: في زمان قلت في:

فأين لا أين وأنى مثلكـم

 

أنتم الأملاك والناس خول

فخجل محمد بن عبد الملك، وأطرق، وعدل عن الجواب.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني حماد بن إسحاق قال: حدثني ميمون بن هارون بن خلف قال: كنت أسير بالقرب من محمد بن عبد الملك الزيات، وهو يريد يومئذ منزله، حتى مر بدار إبراهيم بن رباح، فرأى فيها قبة مشيدة، فقال:

أما القباب فقد أراها شـيدت

 

وعسى أمور بعد ذاك تكـون

عبد عرت منه خلائق جهلـه

 

إذ راح وهو من الثراء سمين

فما كان إلا أيام حتى أوقع به.

أخبرني عمي قال: حدثني الحسن بن علي بن عبد الأعلى عن أبيه قال: كان الواثق قد أصلح بين محمد بن عبد الملك الزيات وبين أحمد بن أبي داود، فكف محمد عن ذكره، وجعل بن أبي داود يخلو بالواثق، ويغريه به، حتى قبض عليه، وكان فيما بلغه عنه أنه قد عزم على الفتك به والتدبير عليه. فقبض الواثق عليه، ثم أطلقه بعد مدة، ثم وزر للمتوكل، وكان محمد بن عبد الملك أشار بابن الواثق، وأشار ابن أبي داود بالمتوكل، وقام وقعد في أمره حتى ولى، وعممه بيده، وألبسه البردة، وقبل بين عينيه، وكان المتوكل قبل ذلك يدخل على محمد بن عبد الملك في حياة الواثق يشكو إليه جفاءه له فيتجهمه محمد، ويغلظ له الرد، إلى أن قال يوماً بحضرته: ألا تعجبون إلى هذا العاصي، يعادي أمير المؤمنين، ثم يسألني أن أصلح له قلبه! اذهب، ويلك فأصلح نفسك له، حتى يصلح لك قلبه. فكان موقع ذلك يحسن عند الواثق، فدخل إليه يوماُ، وقد كان قال للواثق: إن جعفراً يدخل إلي وله شعر قفاً وطرة مثل النساء، فقد فضحك فأمره بأن يحلقهما، وبضرب بشعرهما وجهه، فلما دخل إليه المتوكل فعل ذلك به، وتجهمه بالقبيح، فلما ولي الخلافة خشي إن نكبه عاجلاً أن يستتر أسبابه فتفوته بغيته فيه، فاستوزره وخلع عليه، وجعل ابن أبي داود يغريه به ويجد عنده لذلك موقعاً واستماعاً، حتى قبض عليه وقتله، فلم يجد له من أملاكه كلها من عين وورق وأثاث وضيعة إلا ما كانت قيمته مائة ألف دينار، ولم يجد منه عوضاً، وكان أمره مما يعتد على أحمد بن أبي داود، ويقول: أطمعتني في باطل، وحملتني على أمر لم أجد منه عوضاً.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: زعم محمد بن عيسى الفساطيطي، أن محمد بن عبد الملك اجتاز بدندن الكاتب، وعليه خلع الوزارة للمتوكل لما وزر له، فقال دندن:

راح الشقي بخلعة النكر

 

مثل الهدي لليلة النحـر

لا تم شهر بعد خلعـتـه

 

حتى تراه طافي الجمر

ويرى يطاين من إساءته

 

يهوي له بقواصم الظهر

فكان الأمر كما قال.
قال علي بن الحسين بن عبد الأعلى: فلما قبض عليه المتوكل استعمل له تنور جديد، وجعل فيه مسامير لا يقدر معها أن يتحرك إلا دخلت في جسده، ثم أحماه له وجعله فيه، فكان يصيح: ارحموني! فيقال له: اسكت، أنت كنت تقول: ما رحمت أحداً قط، والرحمة ضعف في الطبيعة، وخور في المنة، فاصبر على حكمك! وخرج عليه عبادة، فقال: أردت أن تشويني، فشووك.

أخبرني طاهر بن عبد الله بن طاهر الهاشمي: قال: قال العباس بن طومار:  

أمر المتوكل عبادة أن يدخل إلى محمد بن عبد الملك الزيات – وقد أحمى تنور حديد، وجعله فيه – فيكايده، فدخل إليه فوقف بإزائه، ثم قال: اسمع يا محمد، كان في جيراننا حفار يحفر القبور، فمرضت مخنثة من جيراني، وكانت صاحبة لي، فبادر فحفر لها قبراً من الطمع في الدراهم، فبرأت هي ومرض هو بعد أيام، فدخلت إليه صاحبتي وهو بالنزع، فقالت: وي يا فلان؟ حفرت لي قبراً وأنا في عافية، أو ما علمت أنه من حفر بئر سوء وقع فيها، وحياتك يا محمد، لقد دفناه في ذلك القبر، والعقبى لك. قال: فوالله ما برح من إزاء محمد، عبد الملك يؤذيه، ويكايده إلى أن مات.

قال الصولي: وقال الحسن بن وهب يرثي محمد بن عبد الملك، وكان في حياته ينتفي منها، ويجحدها، ثم شاعت بعد ذلك، ووجدت بخطه:

يكاد القلب من جـزع يطـير

 

إذا ما قيل قد قـتـل الـوزير

أمير المؤمنين هدمت ركـنـاً

 

عليه رحاكم كـانـت تـدور

سيبلى الملك من جزع عـلـيه

 

ويخرب حين تضطرب الأمور

فمهلاً يا بني العبـاس مـهـلاً

 

فقد كويت بفعلكم الـصـدور

إلى كم تنكبون الناس ظلـمـاً

 

لكم في كل ملحـمة عـقـير

جزيتم ناصراً لكـم الـمـنـايا

 

وليس كذلكم يجزى النـصـير

فكنتم سـائقـاً أرسـا إلـيكـم

 

وذلك من فعالـكـم شـهـير

وكأن صلاحه لو شـئتـمـوه

 

قريباً لا يحاولـه الـبـصـير

كأن الله صيركـم مـلـوكـاً

 

لئلا تعدلـوا ولأن تـجـوروا