أخبار محمد بن صالح العلويّ ونسبه

أخبار محمد بن صالح العلويّ ونسبه

هو محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب. ويكنى أبا عبد الله، شاعر حجازي ظريف، صالح الشعر، من شعراء أهل بيته المتقدّمين. وكان جده موسى بن عبد الله أخا محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن حسن الحجازيين الخارجين في أيام المنصور، أمهم جميعاً هند بنت أبي عبيدة.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء الطوسي قالا: حدثنا الزبير بن بكار، وأخبرني أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال: حدثنا يحيى بن الحسن العلوي. قال: حدثني الزبير بن بكار: أن هنداً حملت بموسى بن عبد الله ولها ستون سنة. قال: ولا تحمل لستين إلا قرشية، ولا تحمل لخمسين إلا عربية. قال: وكان موسى آدم شديد الأدمة، وله تقول أمه هند:

إنك أن تكون جوناً أنـزعـا

 

أجدر أن تضرّهم وتنفـعـا

وتسلك العيش طريقاً مهيعـا

 

فرداً من الأصحاب أو مشيّعا

وكان موسى أستتر بعد قتل أخويه زماناً، ثم ظفر به أبو جعفر، فضربه بالسوط، وحبسه مدة، ثم عفا عنه وأطلقه. وله أخبار كثيرة ليس هذا موضعها.

وكان محمد بن صالح خرج على المتوكل مع من بيّض في تلك السنة، فظفر به وبجماعة من أهل بيته أبو الساج، فأخذهم وقيدهم، وقتل بعضهم، وأخرب سويقة، وهي منزل للحسنيين، ومن جملة صدقات أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وقعر بها نخلاً كثيراً، وحرق منازل لهم بها، وأثر فيهم وفيها أثاراً قبيحة، وحمل محمد بن صالح فيمن حمل منهم إلى سرّ من رأى، فحبس ثلاث سنين، ثم مدح المتوكل، فأنشده الفتح قصيدته بعد أن غنّي في شعره المذكور، فطرب، وسأل عن قائله فعرفه، وتلا ذلك إنشاد الفتح قصيدته، فأمر بإطلاقه.

وأخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثني أحمد بن أبي خيثمة قال: أنكر موسى بن عبد الله بن موسى على ابن أخيه محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى، بعض ما ينكره العمومة على بني أخيهم، في شيء من أمور السلطان، وكان محمد بن صالح قد خرج بسويقة، فصار أبو الساج إلى سويقة، فأسلمه عمه موسى وبنوه بعد أن أعطاه أبو الساج الأمان، فطرح سلاحه، ونزل إليه فقيده، وحمله إلى سُرّ من رأى، فلم يزل محبوساً بها ثلاث سنين، ثم أطلق، وأقام بها إلى أن مات. وكان سبب موته أنه جُدِر، فمات في الجدريّ، وهو الذي يقول في الحبس:

طرب الفؤاد وعاودت أحزانه

 

وتشعبت شعبا به أشـجـانـه

وبدا له من بعد ما اندمل الهوى

 

برق تألّق مؤهنا لمـعـانـه

يبدو كحاشية الـرداء ودونـه

 

صعب الدّرا متمنع أركـانـه

فدنا لينظر كيف لاح فلم يطـق

 

نظـراً إلـيه ورده سـجـانـه

فالنار ما اشتملت عليه ضلوعـه

 

والماء ماسحّت به أجـفـانـه

ثم استعاذ مـن الـقـبـيح وردَّه

 

نحو العزاء عن الصّبا إيقـانـه

وبدا لـه أن الـذي قـد نـالـه

 

ما كـان قـدّره لـه ديّانــه

حتى اطمأن ضميره وكـأنـمـا

 

هتك العلائق عامل وسـنـانـه

يا قلب لا يذهب بحلمك بـاخـل

 

بالنّيل بـاذل تـافـه مـنّـانـه

يعد القضاء وليس ينجز موعـداً

 

ويكون قبل قـضـائه لـيانـه

خدل الشوى حسن القوام مخصّر

 

عذب لـمـاه طـيّب أردانـه

وأقنع بما قسم الإلـه فـأمـره

 

ما لا يزال على الفتى إتـيانـه

والبؤس ماض ما يدوم كما مضى

 

عصر النعيم وزال عنك أوانـه

أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: كنت مع أبي عبد الله محمد بن صالح في منزل بعض إخواننا، فأقمنا إلى أن أنتصف الليل، وأنا أرى أنه يبيت، فإذا هو قد قام، فتقلد سيفه، وخرج، فأشفقت عليه من خروجه في ذلك الوقت، وسألته المقام والمبيت، وأعلمته خوفي عليه، فألتفت إليّ مبتسماً وقال:

إذا ما اشتملت السيف والليل لم أهل

 

لشيء ولم تقرع فؤادي القـوارع

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدّثني أحمد بن أبي طاهر قال: مرّ محمد بن صالح بقبر لبعض ولد المتوكل، فرأى الجواري يلطمن عنده، فأنشدني لنفسه:

رأيت بسامرّا صبيحة جـمـعة

 

عيوناً يروق الناظرين فتورهـا

تزور العظام الباليات لدى الثرى

 

تجاوز عن تلك العظام غفورها

فلولا قضاء الله أن تعمر الثرى

 

إلى أن ينادي يوم ينفخ صورها

لقلت عساها أن تعيش وأنـهـا

 

ستنشر من جراعيون تزورهـا

أسيلات مجرى الدامع إما تهللت

 

شؤون المآقي ثم سح مطيرهـا

بوبل كأتوام الجمـان يفـيضـه

 

على نحرها أنفاسها وزفيرهـا

فيا رحمة ما قد رحمت بواكيها

 

ثقالاً تواليها لطافاً خصورهـا

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني إبارهيم بن المدبر قال: جاءني محمد بن صالح الحسني، فسألني أن أخطب عليه بنت موسى بن أبي خالد الحري،? أو أخته حمدونة ففعلت ذلك، وصرت إلى عيسى فسألته أن يجيبه، فأبى، وقال لي: لا أكذبك، والله ما أرده لأني لا أعرف أشرف وأشهر منه لمن يصاهره، ولكني أخاف المتوكل وولده عبده على نعمتي ونفسي، فرجعت إليه، فأخبرته بذلك، فأضرب عن ذلك مدة، ثم عاودني بعد ذلك، وسألني معاودته ورفقت به، حتى أجاب فزوجه أخته، فأنشدني بعد ذلك:

خطب إلى عيسى بن موسى فردني

 

فلله وإلى حـرة وعـلـيقـهـا

لقد ردني عيسى ويعـلـم أنـنـي

 

سليل بنات المصطفى وعريقهـا

وإن لنـا عـبـد الـولادة نـبـعة

 

نبي الإله صنوها وشـقـيقـهـا

فلما أبى بخلاً بهـا وتـمـنـعـاً

 

وصيرني ذا خـلة لا يطـيقـهـا

سمي خلـيل الـلـه وابـن ولـيه

 

وحمال أعباء العلا وطـريقـهـا

ويا نعمة لابن المدبـر عـنـدنـا

 

يجد على كر الزمـان أنـيقـهـا

قال ابن مهرويه: قال لي إبراهيم بن المدبر فلما نقلت حمدونة إليه شغف بها، وكانت امرأة جميلة عاقلة، فأنشدني لنفسه فيها:

لعمر حـمـدونة إنـي بـهـا

 

لمغرم القلب طويل السـقـام

مجاوز للقدر فـي حـبـهـا

 

مباين فيهـا لأهـل الـمـلام

مطرح للعذل مـاضٍ عـلـى

 

مخافة النفس وهول المـقـام

مشايعي قلب يخاف الـخـنـا

 

وصارم يقطع صم العـظـام

جشمني ذلـك وجـدي بـهـا

 

وفضلها بين النساء الـوسـام

ممـكـورة الـسـاق ردينـيّة

 

مع الشوى الخدل وحسن القوام

صامتة الحجل خفوق الحـشـا

 

مائرة الساق ثـقـال الـقـيام

ساجية الطرف نئوم الضحى

 

منيرة الوجه كبرق الغمام

زينها الله ومـا شـانـهـا

 

وأعطيت منيتها من تمـام

تلك التي لولا غرامي بهـا

 

كنت بسامرّا قليل المقـام

هكذا روى ابن مهرويه عن ابن المدبر، في خبر محمد بن صالح وتزويجه حمدونة.

وحدتني عمي عن أبي جعفر بن الدّهقانة النديم قال: حدثني إبراهيم بن المدبر قال: جاءني يوما محمد بن صالح الحسني العلوي بعد أن أطلق من الحبس، فقال لي: إني أريد المقام عندك اليوم على خلوة، لأبثك من أمري شيئا لا يصلح أن يسمعه غيرنا. فقلت: أفعل. فصرفت من كان بحضرتي، وخلوت معه، وأمرت برد دابته، وأخذ ثيابه؛ فلما اطمأن وأكلنا واضطجعنا، قال لي: أعلمك أني خرجت في سنة كذا وكذا ومعي أصحابي على القافلة الفلانية، فقاتلنا من كان فيها، فهزمناهم وملكنا القافلة، فبينا أنا أحوزها وأنيخ الجمال، إذ طلعت عليّ امرأة من العمارية، ما رأيت قط أحسن منها وجها، ولا أحلى منطقاً، فقالت: يا فتى، إن رأيت أن تدعو لي بالشريف المتولِّي أمر هذا الجيش، فقلت: وقد رأيته وسمع كلامك. فقالت: سألتك بحق الله وحق رسوله صلى الله عليه وسلم أنت هو؟ فقلت: نعم وحق الله وحق رسوله إني لهو. فقالت: أنا حمدونة بنت عيسى بن موسى بن أبي خالد الحرّي، ولأبي محل من سلطانه، ولنا نعمة، إن كنت ممن سمع بها فقد كفاك ما سمعت، وإن كنت لم تسمع بها فسل عنها غيري، ووالله لا استأثرت عنك بشيء أملكه، ولك بذلك عهد الله وميثاقه علي، وما أسألك إلا أن تصونني وتسترني، وهذه ألف دينار معي لنفقتي، فخذها حلالاً، وهذا حلي علي من خمس مئة دينار، فخذه وضمّنّي ما شئت بعده، آخذه لك من تجار المدينة أو مكة أو أهل الموسم، فليس منهم أحد يمنعني شيئاً أطلبه، وادفع عني، واحمني من أصحابك، ومن عار يلحقني. فوقع قولها من قلبي موقعاً عظيماً؛ فقلت لها: قد وهب الله لك مالك وجاهك وحالك، ووهب لك القافلة بجميع ما فيها. ثم خرجت فناديت في أصحابي، فاجتمعوا، فناديت فيهم: إني قد أجرت هذه القافلة وأهلها، وخفرتها وحميتها، ولها ذمة الله وذمة رسوله وذمتي، فمن أخذ منها خيطاً أو عقالاً فقد أذنته بحرب. فانصرفوا معي، وانصرفت.

فلما أخذت وحبست، بينا أنا ذات يوم في محبسي إذ جاءني السجّان وقال لي: إن بالباب امرأتين تزعمان أنهما من أهلك، وقد حظر عليّ أن يدخل عليك أحد، إلا أنهما أعطتاني دملج ذهب، وجعلتاه لي إن أوصلتهما إليك، وقد أذنت لهما، وهما في الدهليز، فاخرج إليهما إن شئت. ففكرت فيمن يجيئني في هذا البلد وأنا به غريب، لا أعرف أحداً، ثم قلت: لعلهما من ولد أبي أو بعض نساء أهلي، فخرجت إليهما، فإذا بصاحبتي، فلما رأتني بكت لما رأت من تغير خلقي، وثقل حديدي، فأقبلت عليها الأخرى فقالت: أهو هو؟ فقالت: إي والله، إنه لهو هو، ثم أقبلت علي فقالت: فداك أبي وأمي، والله لو استطعت أن أقيك مما أنت فيه بنفسي وأهلي لفعلت، وكنت بذلك مني حقيقاً، ووالله لا تركت المعاونة لك، والسعي في حاجتك، وخلاصك بكل حيلة ومال وشفاعة، وهذه دنانير وثياب وطيب، فاستعن بها على موضعك، ورسولي يأتيك في كل يوم بما يصلحك، حتى يفرّج الله عنك. ثم أخرجت إلي كسوة وطيباً ومائتي دينار، وكان رسولها يأتيني في كل يوم بطعام نظيف، وتواصل برّها بالسجان، فلا يمتنع من كل شيء أريده.

فمن الله بخلاصي، ثم راسلتها فخطبتها، فقالت: أما من جهتي فأنا لك متابعة مطيعة، والأمر إلى أبي، فأتيته، فخطبتها إليه، فردني، وقال: ما كنت لأحقق عليها ما قد شاع في الناس عنك في أمرها، وقد صيرتها فضيحة، فقمت من عنده منكساً مستحياً، وقلت له في ذلك:

رموني وإياها بشنعاء هم بها

 

أحق أدال الله منهم فعجّـلا

بأمر تركناه وربِّ محـمـد

 

عيانا فإما عفّة أو تجمـلا

فقلت له: إن عيسى صنيعة أخي، وهو لي مطيع، وأنا أكفيك أمره.

فلما كان من الغد لقيت عيسى في منزله، وقلت له: قد جئتك في حاجة لي؟ فقال: مقضية، ولو كنت استعملت ما أحبه لأمرتني فجئتك، وكان أسرّ إلي. فقلت له: قد جئتك خاطباً إليك ابنتك. فقال: هي لك أمة، وأنا لك عبد، وقد أجبتك. فقلت: إني خطبتها على من هو خير مني أباً  وأماً، وأشرف لك صهراً ومتّصلاً، محمد بن صالح العلوي. فقال لي: يا سيدي، هذا رجل قد لحقتنا بسببه ظنة، وقيلت فينا أقوال. فقلت: أفليست باطلة؟ قال: بلى، والحمد لله. قلت: فكأنها لم تقل، وإذا وقع النكاح زال كل قول وتشنيع، ولم أزل أرفق به حتى أجاب، وبعثت إلى محمد بن صالح فأحضرته، وما برحت حتى زوجته، وسقت الصداق عنه.
قال أبو الفرج الأصبهاني: وقد مدح محمد بن صالح إبراهيم بن المدبر مدائح كثيرة، لما أولاه من هذا الفعل، ولصداقة كانت بينهما، فمن جيد ما قاله فيه قوله:

أتخبر عنهم الدمن الدثور

 

وقد ينبي إذا سئل الخبير

وكيف تبين الأنبـاء دارٌ

 

تعاقبها الشمائل والدبور

يقول فيها في مدحه:

فهلا في الذي أولاك عرفـا

 

تسدي من مقالك ما تـنـير

ثناءٌ غير مختلـق ومـدحـا

 

مع الركبان يتجد أو يغـور

أخ واساك في كلب الليالـي

 

وقد خذل الأقارب والنصير

حفاظاً حين أسلمك الموالـي

 

وضن بنفسه الرجل الصبور

فإن تشكر فقد أولى جمـيلاً

 

وإن تكفر فإنك للكـفـور

وما في آل خاقان اعتصـامٌ

 

إذا ما عمم الخطب الكبـير

لئام الناس إثـراء وفـقـراً

 

وأعجزهم إذاحمى القتـير

قويم لايزوجـهـم كــريمٌ

 

ولا تسنى لنسوتهم مـهـور

وانما ذكر آل خاقان ههنا لأن عبيد الله بن يحيى قصر به وتحامل عليه، وكان يقول ما يكره، ويؤكد ما يوجب حبسه، وكا فيه وفي ولده نضب شديد.

ولمحمد بن صالح في آل المدبر مدائح كثيرة، لا معنى لذكرها في هذا الكتاب.

أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال: حدثني عبد الله بن طالب الكاتب قال: كان محمد بن صالح العلوي حلو اللسان، ظريفاً أديباً، فكان بسر من رأى مخالطاً لسراة الناس، ووجوه أهل البلد، وكان لا يكاد يفارق سعيد بن حميد، وكانا يتقارضان الأشعار، ويتكاتبان بها. وفي سعيد يقول محمد بن صالح العلوي:

أصاحب من صاحبت ثمت أنثنـي

 

إليك أبا عثمان عطشان صـاديا

أبى القلب أن يزوى بهم وهو حائمٌ

 

إليك وإن كانوا الفروع العوالـيا

ولكن إذا جئناك لم نبغ مشـربـاً

 

سواك وروينا العظام الصمـواديا

قال عبد الله بن طالب: وكان بعض بني هاشم دعاه، فمض إليه، وكتب سعيد إليه يسأله المصير إليه، فأخبر بموضعه عند الهاشمي، فلما عاد عرف خبر سعيد وإرساله إليه، فكتب إليه بهذه الأبيات.

قال عبد الله: وشرب يوماً هو وسعيد بن حميد، فسكر محمد بن صالح قبله، فقام لينصرف، والتفت إلى سعيد وقال له:

لعمرك إنني لما افترقنـا

 

أخو ضن بخلصاني سعيد

تبقته المدام وأزعجتـنـي

 

إلى رحلي بتعجل الورود

قال: وتوفى محمد بن صالح بسر من رأى، وكان يجهد في أن يؤذن له في الرجوع إلى الحجاز، فلا يجاب إلىذلك، فقال سعيد يرثيه:

بأي يد أسطو على الدهر بعـدمـا

 

أبان يدي عضب الدنابين قاضـب

وهاض جناحي حادث جل خطبـه

 

وسدت عن الصبرالجميل المذاهب

ومن عادة الأيام أن صـروفـهـا

 

إذا سر منها جانب ساء جـانـب

لعمري لقد غال التجـلـد أنـنـا

 

فقدناك فقد الغيث والعام جـادب

فمـا أعـرف الأيام إلا ذمــيمة

 

ولا الدهر إلا وهو بالثأر طالـب

ولا لي من الإخوان إلا مكـاشـر

 

فوجه له راض ووجه مغاضـب

فقدت فتى قد كان لـلأرض زينة

 

كما زينت وجه السماء الكواكـب

لعمري لئن كان الردى بك فاتنـي

 

وكل امرىء يوماً إلى الله ذاهـب

لقد أخذت مني النوانب حكمـهـا

 

فما تركت حقاً علـي الـنـوائب

ولا تركتني أرهب الدهـربـعـده

 

لقد كل عني نابه والمـخـالـب

سقى جدثا أمسى الكريم ابن صالح

 

يحل به دان من المزن سـاكـب

إذا بشر الرواد بالغـيث بـرقـه

 

مرته الصبا واستحلبته الجـنـائب

فغادر باقي الدهر تأثير صـوبـه

 

ربيعاً زهت منه الربا والمذانـب

أخبرني أحمد بن جعفر جخظة قال: حذثني المبرد قال: لم يزل محمد بن صالح محبوساً حتى توصل بنان له، بأن غنى بين يدي المتوكل في شعره:

وبدا له من بعد ما اندمل الهوى

 

برق تألق موهناً لمـعـانـه

فاستحسن المتوكل الشعر واللحن، وسأل عن قائله، فأخبر به، وكلم في أمره، وأحسنت الجماعة رقده، وقام الفتح بأمره قياماً تاما. فأمر بإطلاقه من حبسه، على أن يكون عند الفتح وفي يده، حتى يقيم كفيلاً بنفسه ألا يبرح من سر من رأى، فأطلق، وأخذ عليه الفتح الأيمان الموثقة ألا يبرح من سر من رأى إلا بإذنه، ثم أطلقه.

ولمحمد بن صالح في المتوكل والمنتصر مدائح جياد كثيرة، منها قوله في المتوكل:

ألف التقى ووفى بنذر الـنـاذر

 

وأبى الوقوف على المحل الداثر

ولقد تهيج له الـديار صـبـابة

 

حيناً وتكلف بالخليط الـسـائر

فرأى الهـداية أن أنـاب وأنـه

 

قصر المديح على الإمام العاشر

يا بن الخلائف والذين بهـديهـم

 

ظهر الوفاء وبان غدر الغـادر

وابن الذين حووا تراث محـمـد

 

دون الأقارب بالنصيب الوافـر

نطق الكتاب لكم بذاك مصـدقـاً

 

ومضت به سنن النبي الطاهـر

ووصلت أسبساب الخلافة بالهدى

 

إذ نلتها وأنمت عين السـاهـر

أحييت سنة من مضى فتجـددت

 

وأبنت بدعة ذي الضلال الخاسر

فافخر بنفسك أو بجدك معلـنـاً

 

أو دع فقد جاوزت فخر الفاخر

ما للمكارم غـيركـم مـن أول

 

بعد النبي وما لهـا مـن اخـر

إني دعوتك فاستجبت لدعـوتـي

 

والموت مني قيد شبر الشابـر

فانتشتني من قعر موردة الردى

 

أمنا ولم تسمع مقـالة زاجـر

وفككت أسري والبلاء مـوكـل

 

وجبرت كسراً ما له من جابـر

وعطفت بالرحم التي ترجو بهـا

 

قرب المحل من المليك القـادر

وأنا أعوذ بفضل عفوك أن أرى

 

غرضاً ببابك للملم الـفـاقـر

أو أن أضيع بعدما أنقـذتـنـي

 

من ريب مهلكة وجد عـاثـر

ولقد مننت فكنت غير مـكـدر

 

ولقد نهضت بها نهوض الشاكر

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، ومحمد بن خلف وكيع قالا: حدثنا الفضل بن سعيد بن أبي حرب قال: حدثني أبو عبد الله الجهني قال: دخلت على محمد بن صالح الحسني في حبس المتوكل، فأنشدني لنفسه يهجو أبا الساج:

ألم يحزنك يا ذلـفـاء أنـي

 

سكنت مساكن الأموات حيا

وأن حمائلي ونجاد سـيفـي

 

علون مجدعا أشروسـنـيا

فقصرهن لما طلن حتى اس

 

توين عليه لا أمسى سـويا

أما والراقصات بذات عرق

 

تريد البيت تحسبها قـسـيا

لو أمكنني غـداتـئذ جـلاد

 

لألفوني به سمحاً سـخـيا

قال ابن عمار: وأنشدني عبيد الله بن طاهر أبو محمد لمحمد بن صالح أيضاً:

نظرت ودوني ماء دجله موهـنـاً

 

بمطروفة الإنسان محسورة جـداً

لتؤنس لي ناراً بـلـيل تـوقـدت

 

وتالله ماكلفتها نـظـراً قـصـداً

فلو أنها منها لمقلـت كـأنـنـي

 

أرى النار قد أمست تضيء لناهنداً

تضيء لنا منها جبيناً ومـحـجـراً

 

ومبتسماً عذباً وذا غـدر جـعـداً

انقضت أخباره.

ياعدياً لقلبك الـمـهـتـاج

 

أن عفا رسم منزل بالنبـاج

غيرته الصبا وكـل مـلـث

 

دائم الودق ذي أهاضيب داج

وحملنا غلامنا ثـم قـلـنـا

 

هاجر العيس ليس منك بناج

فانتحى مثل ما انتحى بازدجن

 

جوعته القناص لـلـدراج

الشعر لأبي دواد الإيادي. والغناء لحنين، ثاني ثقيل بالبنصر في مجراها، عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنه لابن عائشة. وفيه لعريب هزج. وفيه ثقيل أول، ينسب إلى يزيد الحذاء، وإلى أحمد النصيبي.