أخبار محمد بن حازم ونسبه

أخبار محمد بن حازم ونسبه

هو محمد بن حازم بن عمرو الباهلي. ويكنى أبا جعفر. وهو من ساكني بغداد مولده ومنشؤه البصرة. أخبرني بذلك ابن عمار أبو العباس عن محمد بن داود بن الجراح عن حسن بن فهم.

وهو من شعراء الدولة العباسية، شاعر مطبوع، إلا أنه كان كثير الهجاء للناس، فاطرح، ولم يمدح من الخلفاء إلا المأمون، ولا اتصل بواحد منهم، فيكون له نباهة طبقته. وكان ساقط الهمة، متقللاً جداً، يرضيه اليسير، ولا يتصدى لمدح ولا طلب.
حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسدٍ قال: سمعت محمد بن حازم الباهلي في منزلنا يقول: بعث إلي فلانٌ الطاهري – وكنت قد هجوته فأفرطت – بألف دينارٍ وثياب، وقال: أما ما قد مضى فلا سبيل إلى رده، ولكن أحب ألا تزيد عليه شيئاً. فبعثت إليه بالألف الدينار والثياب، وكتبت:

لا ألبس النعماء من رجلٍ

 

ألبسته عاراً على الدهر

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أبو علي – وسقط اسمه من كتابي – قال قرأت في كتاب عمي: قال لي محمد بن حازم الباهلي: مر بي أحمد بن سعيد بن سالم وأنا على بابي فلم يسلم علي سلاماً أرضاه، فكتبت رقعةً وأتبعته بها، وهي:

وباهلـيٍّ مـن بـنـي وائلٍ

 

أفـاد مـالاً بـعـد إفـلاس

قطب في وجهي خوف القرى

 

تقطيب ضرغامٍ لدى البـاس

وأظهر التـيه فـتـايهـتـه

 

تيه امرىءٍ لم يشق بالنـاس

أعرته إعراض مستـكـبـرٍ

 

في موكب مـر بـكـنـاس

أخبرني ابن عمار قال حدثني أبو علي قال: لقيت محمد بن حازم في الطريق فقلت له: يا أبا جعفر، كيف ما بينك وبين صديقك سعد بن مسعود اليوم وهو أبو إسحاق بن سعد، وكان يكتب للنوشجاني فأنشدني:

راجع بالعتبى فأعتـبـتـه

 

وربما أعتبك الـمـذنـب

وإن في الدهر على صرفه

 

بين الصديقين لمستعتـب

أخبرني محمد بن القاسم الأنباري وابن الوشاء جميعاً قالا حدثنا أحمد بن يحيى ثعلبٌ قال: قال ابن الأعرابي: أحسن ما قال المحدثون من شعراء هذا الزمان في مديح الشباب وذم الشيب:

لا حين صبرٍ فخل الدمع ينهمـل

 

فقد الشباب بيوم المرء متـصـل

سقياً ورعياً لأيام الـشـبـاب وإن

 

لم يبق منه له رسمٌ ولا طـلـل

جر الزمان ذيولاً في مفـارقـه

 

وللزمان على إحسانـه عـلـل

وربما جر أذيال الصبـا مـرحـاً

 

وبين برديه غصنٌ ناعمٌ خضـل

يصبي الغواني ويزهاه بشـرتـه

 

شرخ الشباب وثوبٌ حالكٌ رجل

لا تكذبن فما الدنيا بأجـمـعـهـا

 

من الشبـاب بـيومٍ واحـدٍ بـدل

كفاك بالشيب عيباً عنـد غـانـيةٍ

 

وبالشباب شفيعاً أيهـا الـرجـل

بان الشباب وولى عنك باطـلـه

 

فليس يحسن منك اللهو والغـزل

أما الغواني فقد أعرضن عنك قلًى

 

وكان إعراضهن الدل والخجـل

أعرنك الهجر ما لاحت مطـوقةٌ

 

فلا وصالٌ ولا عهـدٌ ولا رسـل

ليت المنايا أصابتني بأسهمهـا

 

فكن يبكين عهدي قبل أكتهـل

عهد الشباب لقد أبقيت لي حزناً

 

ماجد ذكرك إلا جد لي ثكـل

إن الشباب إذا مـا حـل رائده

 

في منهلٍ راد يقفو إثره أجل

قال ابن الوشاء خاصةً: وما أساء ولا قصر عن الأولى، حيث يقول في هذا المعنى:

أبكى الشباب لندمـانٍ وغـانـيةٍ

 

وللمغاني وللأطلال والكـثـب

وللصريح وللآجام في غـلـسٍ

 

وللقنا السمر والهندية القضـب

وللخيال الذي قد كان يطرقـنـي

 

وللندامى وللـذات والـطـرب

يا صاحباً لم يدع فقدي له جلـداً

 

أضعت بعدك إن الدهر ذو عقب

وقد أكون وشعبانا معـاً رجـلاً

 

يوم الكريهة فراجاً عن الكـرب

أخبرني ابن عمار عن العنزي قال: كان محمد بن حازم الباهلي مدح بعض بني حميد فلم يثبه وجعل يفتش شعره فيعيب فيه الشيء بعد الشيء، وبلغه ذلك فهجاه هجاءً كثيراً شنيعاً، منه قوله:

عدواك المكارم والـكـرام

 

وخلك دون خلتك الـلـئام

ونفسك نفس كلبٍ عند زورٍ

 

وعقبى زائر الكلب التـدام

تهر على الجليس بلا احترامٍ

 

لتحشمه إذا حضر الطعـام

إذا ما كانت الهمم المعالـي

 

فهمك ما يكون به المـلام

قبحت ولا سقاك الله غيثـاً

 

وجانبك التحية والـسـلام

قال: فبعثت إليه ابن حميد بمالٍ واعتذر إليه وسأله الكف، فلم يفعل، ورد المال عليه، وقال فيه:

موضع أسرارك المريب

 

وحشو أثوابك الـعـيوب

وتمنع الضيف فضل زادٍ

 

ورحلك الواسع الخصيب

يا جامعاً مانعـاً بـخـيلاً

 

ليس له في العلا نصيب

أبالرشا يستمال مثـلـي؟

 

كلا ومن عنده الغـيوب

لا أرتدي حلةً لـمـثـنٍ

 

بوجهه من يدي نـدوب

وبين جنبيه لـي كـلـومٌ

 

داميةٌ ما لهـا طـبـيب

ما كنت في موضع الهدايا

 

منك ولا شعبنـا قـريب

أني وقد نشت المكـاوي

 

عن سمةٍ شأنها عجـيب

وسار بالذم فيك شعـري

 

وقيل لي محسنٌ مصيب

مالك مال اليتيم عـنـدي

 

ولا أرى أكلـه يطـيب

حسبك من موجزٍ بـلـيغ

 

يبلغ ما يبلغ الخـطـيب

حدثني عمي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني علي بن الحسين الشيباني قال: بعث الحسن بن سهلٍ محمد بن حميد في وجهةٍ، وأمره بجباية مالٍ، وبحرب قوم من الشراة، فخان في المال وهرب من الحرب، فقال فيه محمد بن حازم الباهلي:

تشبه بالأسد الـثـعـلـب

 

فغادره معنقـاً يجـنـب

وحاول ما ليس في طبعـه

 

فأسلمه الناب والمخلـب

فلم تغن عنه أبـاطـيلـه

 

وحاص فأحرزه المهرب

وكان مضيًّا علـى غـدره

 

فعيب والغـادر الأخـيب

أيا بن حميدٍ كفرت النعـي

 

م جهلاً ووسوسك المذهب

ومنتك نفسك ما لا يكـون

 

وبعض المنى خلبٌ يكذب

وما زلت تسعى على منعمٍ

 

ببغيٍ وتنهى فلا تعـتـب

فأصبحت بالبغي مستبـدلاً

 

رشاداً وقد فات مستعتـب

قال: وقال فيه لما شخص إلى حيث وجهه الحسن بن سهلٍ:

إذا استقلت بك الـركـاب

 

فحيث لا درت السحـاب

زالت سراعاً وزلت يجري

 

ببينك الظبي والـغـراب

بحيث لا يرتـجـى إيابٌ

 

وحيث لا يبلغ الكـتـاب

فقبل معروفك امـتـنـانٌ

 

ودون معروفك العـذاب

وخير أخلاقك اللـواتـي

 

تعاف أمثالها الـكـلاب

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني أبي قال: قال يحيى بن أكثم لمحمد بن حازم الباهلي: ما نعيب شعرك إلا أنك لا تطيل، فأنشأ يقول:

أبى لي أن أطيل الشعر قصدي

 

إلى المعنى وعلمي بالصواب

وإيجازي بمختـصـرٍ قـريبٍ

 

حدفت به الفضول من الجواب

فأبعثهن أربـعةً وخـمـسـاً

 

مثقـفةً بـألـفـاظٍ عـذاب

خوالد ما حدا لـيلٌ نـهـاراً

 

وما حسن الصبا بأخي الشباب

وهن إذا وسمت بهن قـومـاً

 

كأطواق الحمائم في الرقاب

وهن إذا أقمت مسـافـراتٌ

 

تهادتها الرواة مع الركـاب

حدثني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا علي بن محمد بن سليمان النوفلي قال: كان بالأهواز رجلٌ يعرف بأبي ذؤيب من التتار، وكان مقصد الشعراء وأهل الأدب، فقصده محمد بن حازم، فدخل عليه يوماً وعليه ثيابٌ بذة، وهيئة رثة، ولم يعرفه نفسه، وصادفهم يتكلمون في شيء من معاني الشعر، وأبو ذؤيب يتكلم متحققاً بالعلم بذلك. فسأله محمد بن حازم – وقد دخل عليه يوماً – عن بيتٍ من شعر الطرماح جهله، فرد عليه جواباً محالاً كالمستصغر له وازدراه، فوثب عن مجلسه مغضباً. فلما خرج قيل له: ماذا صنعت بنفسك وفتحت عليها من الشر؟ أتدري لمن تعرضت؟ قال: ومن ذاك؟ قيل: محمد بن حازم الباهلي، أخبث الناس لساناً وأهجاهم. فوثب إليه حافياً حتى لحقه، فحلف له أنه لم يعرفه، واستقاله فأقاله، وحلف أنه لا يقبل له رفداً ولا يذكره بسوء مع ذلك أبداً، وكتب إليه بعد أن افترقا:

أخطا ورد علي غير جـوابـي

 

وزرى علي وقال غير صواب

وسكنت من عجبٍ لذاك فزادني

 

فيما كرهت بظنه المـرتـاب

وقضى علي بظاهرٍ من كسـرةٍ

 

لم يدر ما اشتملت عليه ثيابـي

من عفةٍ وتـكـرمٍ وتـحـمـلٍ

 

وتجلدٍ لـمـصـيبةٍ وعـقـاب

وإذا الزمان جنى علي وجدتنـي

 

عوداً لبعض صفائح الأقـتـاب

ولئن سألت ليخبـرنـك عـالـمٌ

 

أني بحـيث أحـب مـن آداب

وإذا نبا بي مـنـزلٌ خـلـيتـه

 

قفراً مجال ثـعـالـبٍ وذئاب

وأكون مشترك الغنى متـبـدلاً

 

فإذا افترقت قعدت عن أصحابي

لكنه رجعـت عـلـيه نـدامةٌ

 

لما نسبت وخاف مض عتابـي

فأقلتـه لـمـا أقـر بـذنـبـه

 

ليس الكريم على الكريم بنـاب

أخبرني حبيب بن نصر قال: حدثنا النوفلي قال: كان سعد بن مسعود القطربلي: أبو إسحاق بن سعد صديقاً لمحمد بن حازم الباهلي، فسأله حاجةً فرده عنها، فغضب محمد وانقطع عنه، فبعث إليه بألف درهم وترضاه، فردها وكتب إليه:

متسع الصدر مطيقٌ لـمـا

 

يحار فيه الحول القـلـب

راجع بالعتبى فأعتـبـتـه

 

وربما أعتبك الـمـذنـب

أجل وفي الدهر على أنـه

 

موكل بالبين مستـعـتـب

سقياً ورعياً لزمانٍ مضـى

 

عني وسهم الشامت الأخيب

قد جاءني منك مويلٌ فـلـم

 

أعرض له والحر لا يكذب

أخذي مالاً منك بعـد الـذي

 

أودعتنيه مركبٌ يصـعـب

أبيت أن أشرب عند الرضـا

 

والسخط إلا مشرباً يعـذب

أعزني اليأس وأغنى فـمـا

 

أرجو سوى الله ولا أهرب

قارون عندي في الغنى معدمٌ

 

وهمتي ما فوقها مـذهـب

فأي هاتين تـرانـي بـهـا

 

أصبو إلى مالك أو أرغب؟

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي وعيسى بن الحسين الوراق، واللفظ له، قالا:حدثنا الخليل بن أسدٍ النوشجاني، قال، حدثنا حماد بن يحيى قال: حدثنا أحمد بن يحيى قال: آخر ما فارقت عليه محمد بن حازم أنه قال: لم يبق شيءٌ من اللذات إلا بيع السنانير. فقلت له: سخنت عينك! أيش لك في بيع السنانير من اللذات؟ قال: يعجبني أن تجيئني العجوز الرعناء، تخاصمني وتقول: هذا سنوري سرق مني، وأخاصمها وأشتمها وتشتمني، وأغيظها وأباغضها، ثم أنشدني:

صل خمرةً بخمـارٍ

 

وصل خماراً بخمر

وخذ بحظك منـهـا

 

زاداً إلى حيث تدري

قال: قلت: إلى أين ويحك؟ قال: إلى النار يا أحمق.

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني الحسن بن ابي السري قال: كان إسحاق بن أحمد بن أبي نهيك آنساً بمحمد بن حازم الباهلي يدعوه ويعاشره مدة. فكتب إليه يستزيره ويعاتبه عتاباً أغضبه، وبلغه أنه غضب، فكتب إليه:

ما مستزيرك فـي ودٍّ رأى خـلـلاً

 

في موضع الأنس أهلاً منك للغضب

 

قد كنت توجب لي حقًّا وتعـرف لـي

 

قدري وتحفظ منـي حـرمة الأدب

ثم انحرفت إلى الأخرى فأحشمـنـي

 

ما كان منك بلا جـرمٍ ولا سـبـب

وإن أدنى الذي عنـدي مـسـامـحةٌ

 

في حاجتي بعد أن أعذرت في الطلب

فاختر فعندي مـن ثـنـتـين واحـدةٌ

 

عذرٌ جميلٌ وشكرٌ ليس بالـلـعـب

فإن تجدد كما قد كـنـت تـفـعـل

 

……………………….            

حدثني محمد بن يونس الأنباري المعروف بمحصنة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: قال محمد بن حازم الباهلي: عرضت لي حاجةٌ في عسكر أبي محمد الحسن بن سهلٍ، فأتيته، وقد كنت قلت في السفينة شعراً، فلما دخلت على محمد بن سعيد بن سالم انتسبت له، فعرفني، فقال: ما قلت فيه شيئاً؟ فقال له رجل كان معي: بلى، قد قال أبياتاً وهو في السفينة، فسألني أن أنشده، فأنشدته قولي:

وقالوا لو مدحت فتًى كريمـاً

 

فقلت وكيف لي بفتًى كريمٍ؟

بلوت الناس مذ خمسين عاماً

 

وحسبك بالمجرب من علـيم

فما أحـدٌ يعـد لـيوم خـيرٍ

 

ولا أحدٌ يعـود ولا حـمـيم

ويعجبني الفتى وأظن خـيراً

 

فأكشف منه عن رجل لـئيم

تقيل بعضهم بعضاً فأضحـوا

 

بني أبـوين قـداً مـن أديم

فطاف الناس بالحسن بن سهلٍ

 

طوافهم بزمزم والحـطـيم

وقالوا سيدٌ يعطـي جـزيلا

 

ويكشف كربة الرجل الكظيم

فقلت مضى بذم القوم شعري

 

وقد يؤتى البريء من السقيم

وما خبرٌ ترجمه ظـنـونـي

 

بأشفى من معاينة الحـلـيم

فجئت وللأمور مبـشـراتٌ

 

ولن يخفى الأغر من البهـيم

فإن يك ما تنشر عنه حـقًّـا

 

رجعت بأهبة الرجل المقـيم

وإن يك غير ذاك حمدت ربي

 

وزال الشك عن رجلٍ حكيم

وما الآمال تعطفني عـلـيه

 

ولكن الكريم أخو الـكـريم

قال: فلما أنشدته هذا الشعر، قال لي: بمثل هذا الشعر تلقى الأمير! والله لو كان نظيرك لما جاز أن تخاطبه بمثل هذا! فقلت: صدقت، فكذلك قلت، إنني لم أمدحه بعد، ولكنني سأمدحه مدحاً يشبه مثله. قال: فافعل، وأنزلني عنده ودخل إلى الحسن فأخبره بخبري وعجبه من جودة البيت الأخير فأعجبه، فأمر بإدخالي إليه بغير مدح، فأدخلت إليه. فأمرني أن أنشد هذا الشعر، فاستعفيته فلم يعفني، وقال: قد قنعنا منك بهذا القدر إذا لم تدخلنا في جملة من ذممت، وأرضيناك بالمكافأة الجميلة. فأنشدته إياه، فضحك وقال: ويحك! ما لك والناس تعمهم بالهجاء؟ حسبك الآن من هذا النمط وأبق عليهم. فقلت: وقد وهبتهم للأمير. قال: قد قبلت، وأنا أطالبك بالوفاء مطالبة من أهديت إليه هديةٌ فقبلها وأثاب عليها. ثم وصلني فأجزل وكساني. فقلت في ذلك وأنشدته:

وهبت القوم للحسن بن سهل

 

فعوضني الجزيل من الثواب

وقال دع الهجاء وقل جمـيلاً

 

فإن القصد أقرب للـثـواب

فقلت له: برئت إليك منهـم

 

فليتهم بمنقطـع الـتـراب

ولولا نعمة الحسنٍ بن سهـلٍ

 

علي لسمتهم سوء العـذاب

بشعرٍ يعجب الشعراء منـه

 

يشبه بالهجاء وبالـعـتـاب

أكيدهم مـكـايدة الأعـادي

 

وأختلهم مخـاتـلة الـذئاب

بلوت خيارهم فبلوت قومـاً

 

كهولهم أخس من الشبـاب

وما مسخوا كلاباً غير أنـي

 

رأيت القوم أشباه الكـلاب

قال: فضحك وقال: ويحك! الساعة ابتدأت بهجائهم وما أفلتوا منك بعد. فقلت: هذه بغيةٌ طفحت على قلبي، وأنا كافٌ عنهم ما أبقى الله الأمير.

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني علي بن الحسن الشيباني قال: كان لمحمد بن حازمٍ الباهلي صديقٌ على طول الأيام، فنال مرتبةً من السلطان وعلا قدره، فجفا محمداً وتغير له، فقال في ذلك محمد بن حازم:

وصل الملوك إلى التعالي

 

ووفا الملوك من المحال

مالـي رأيتـك لا تـدو

 

م على المودة للرجـال

إن كـان ذا أدبٍ وظـر

 

فٍ قلت ذاك أخو ضلال

أو كان ذا نـسـكٍ ودي

 

نٍ قلت ذاك من الثقال

أو كان في وسطٍ من ال

 

أمرين قلت يريغ مالي

فبمثل ذا ثكلتـك أمـك

 

تبتغي رتب المعالـي؟

حدثني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال: حدثني الحسن بن علي الشيباني قال: كان محمد بن حازم الباهلي قد نسك وترك شرب النبيذ، فدخل يوماً على إبراهيم بن المهدي، فحادثه وناشده وأكل معه لما حضر الطعام، ثم جلسوا للشراب، فسأله إبراهيم أن يشرب، فأبى وأنشأ يقول:

أبعد خمسين أصبـو؟

 

والشيب للجهل حرب

سنٌّ وشيبٌ وجهـلٌ!

 

أمرٌ لعمرك صعـب

يا بن الإمام فـهـلا

 

أيام عودي رطـب!

وشيب رأسي قـلـيلٌ

 

ومنهل الحب عـذب

وإذ سهامي صـيابٌ

 

ونصل سيفي عضب

وإذ شفاء الغـوانـي

 

مني حديثٌ وقـرب

فالآن لما رأى بي ال

 

عذال لي ما أحبـوا

وأقصر الجهل منـي

 

وساعد الشيب لـبٌّ

وآنس الرشد مـنـي

 

قومٌ أعاب وأصبـو

آليت أشرب كـأسـاً

 

ما حج للـه ركـب

حدثني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني الحسن بن أبي السري قال: وعد النوشجاني محمد بن حازمٍ شيئاً سأله إياه ثم مطله، وعاتبه فلم ينتفع بذلك، واقتضاه، فأقام على مطله، فكتب إليه:

أبا بشرٍ تطاول بي الـعـتـاب

 

وطال بي التردد والـطـلاب

ولم أترك مـن الأعـذار شـيئاً

 

ألام به وإن كثر الـخـطـاب

سألتك حاجةً فطويت كشـحـاً

 

على رغمٍ وللدهر انـقـلاب

وسمتني الدنية مـسـتـخـفًّـا

 

كما خزمت بآنفها الصـعـاب

كأنك كنت تطلبـنـي بـثـأرٍ

 

وفي هذا لك العجب العجـاب

فإن تك حاجتي غلبت وأعـيت

 

فمعذورٌ وقد وجب الـثـواب

وإن يك وقتها شيب الـغـراب

 

فلا قضيت ولا شاب الغـراب

رجوتك حين قيل لي ابن كسرى

 

وإنك سر ملكهـم الـلـبـاب

فقد عجلت لي من ذاك وعـداً

 

وأقرب من تناوله السـحـاب

وكلٌّ سوف ينشر غـير شـكٍّ

 

ويحلمه لطـيتـه الـكـتـاب

أخبرني الحسن قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني الحسن بن أبي السري قال: قصد محمد بن حازمٍ بعض ولد سعيد بن سالمٍ وقد ولي عملاً، واسترفده، فأطال مدته ولم يعطه شيئاً، وانصرف عنه وقال:

أللدنيا أعـدك يا بـن عـمـي

 

فأعلم أم أعدك للـحـسـاب

إلى كم لا أراك تنيل حـتـى

 

أهزك قد برئت من العتـاب

وما تنفك من جمـعٍ ووضـعٍ

 

كأنك لست تـوقـن بـالإياب

فشرك عن صديقك غير نـاءٍ

 

وخيرك عند منقطع التـراب

أتيتك زائراً فأتـيت كـلـبـاً

 

فحظي من إخائك للـكـلاب

فبئس أخو العشيرة ما علمنـا

 

وأخبث صاحبٍ لأخي اغتراب

أيرحل عنك ضيفك غير راضٍ

 

ورحلك واسعٌ خصب الجناب

فقد أصبحت من كرمٍ بـعـيداً

 

ومن ضد المكارم في اللبـاب

وما بي حاجةٌ لجـداك لـكـن

 

أردك عن قبيحك للـصـواب

حدثني عمي قال: حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال: كنا عند المتوكل يوماً وقد غاضبته قبيحةٌ، فخرج إلينا فقال: من ينشدني منكم شعراً في معنى غضب قبيحةٍ علي، وحاجتي أن أخضع لها حتى ترضى؟ فقلت له: لقد أحسن محمد بن حازمٍ الباهلي يا أمير المؤمنين حيث يقول:

صفحت برغمي عنك صفح ضرورةٍ

 

إليك وفي قلبي ندوبٌ من العـتـب

خضعت وما ذنبي إن الحب عزنـي

 

فأغضب صفحاً عن معالجة الحـب

وما زال بي فقـرٌ إلـيك مـنـازعٌ

 

يذلل مني كل ممتـنـع صـعـب

إلى الله أشكو أن ودي مـحـصـلٌ

 

وقلبي جميعاً عند مقتسم الـقـلـب

والغناء لعبيدة الطنبورية رملٌ بالوسطى قال: أحسنت وحياتي يا يزيد! وأمر بأن يغنى فيه، وأمر لي بألف دينار.
حدثني الحسن بن علي قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثنا علي بن خالد البرمكي قال: سافر محمد بن حازم الباهلي سفراً، فمر بقومٍ من بني نميرٍ، فسلوا منه بعيراً له عليه ثقله، فقال يهجوهم:

نمير: أجبناً حيث يختلف الـقـنـا

 

ولؤماً وبخلاً عـنـد زادٍ ومـزود

ومنع قرى الأضياف من غير علةٍ

 

ولا عـدمٍ إلا حـذار الـتـعـود

وبغياً على الجار الغريب إذا طـرا

 

عليكم وختل الراكب المـتـفـرد

على أنكم ترضون بالذل صاحـبـاً

 

وتعطون من لا حاكم الضيم عن يد

أما وأبي إنا لـنـعـفـو وإنـنـا

 

على ذاك أحياناً نجور ونعـتـدي

نكيد العدا بالحلـم مـن غـير ذلةٍ

 

ونغشى الوغى بالصدق لا بالتوعد

نفى الضيم عنا أنفـسٌ مـضـريةٌ

 

صراحٌ وطعن الباسل المتـمـرد

وإنا لمن قيس بن عيلان في التـي

 

هي الغاية القصوى بعزٍّ وسـودد

وإن لنا بالترك قبـراً مـبـاركـاً

 

وبالصين قبراً عز كـل مـوحـد

وما نابنا صرف الزمـان بـسـيدٍ

 

بكينا عـلـيه أو يوافـي بـسـيد

ولو أن قوماً يسلمون مـن الـردى

 

سلمنا ولكن المنـايا بـمـرصـد

أبى الله أن يهدي نميراً لرشـدهـا

 

ولا يرشد الإنسان إلا بـمـرشـد

حدثني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن القاسم ورجلٌ من ولد البختكان من الأهوازيين. أن محمد بن حامد ولي بعض كور الأهواز في أيام المأمون، وأن محمد بن حازمٍ الباهلي قدم عليه زائراً ومدحه، فوصله وأحسن إليه، وكتب له إلى تستر بحنطةٍ وشعير، فمضى بكتابه، وأخذ ما كتب له به، وتزوج هناك امرأةً من الدهاقين، فزرع الحنطة والشعير في ضيعتها، وولى محمد بن حامدٍ رجلاً من أهل الكوفة الخراج بتستر، فوكل بغلة محمد بن حازمٍ، وطالبه بالخراج فأداه، فقال يهجوه:

زرعنا فلما سلم الله زرعـنـا

 

وأوفى عليه منجلٌ بحـصـاد

بلينا بكوفيٍّ حلـيف مـجـاعةٍ

 

أضر علينا مـن دبـاً وجـراد

أتى مستعداً مـا يكـذب دونـه

 

ولج بـإرغـام لـه وبـعـاد

فطوراً بإلحاحٍ علي وغـلـظةٍ

 

وطوراً بخبـطٍ دائم وفـسـاد

ولولا أبو العباس أعنى ابن حامدٍ

 

لرحلته عن تسـتـرٍ بـسـواد

فكفوا الأذى عن جاركم وتعلموا

 

بأني لكم في العالمين منـادي

فبعث محمد بن حامدٍ إلى عامله فصرفه عن الناحية، وقال له: عرضتني لما أكره، واحتمل خراج محمد بن حازم.
أخبرني محمد بن الحسين بن الكندي المؤدب قال: حدثنا الرياشي قال: سمعت الأصمعي يقول: قال هذا الباهلي محمد بن حازمٍ في وصف الشيب شيئاً حسناً، فقال له أبو محمد الباهلي: تعني قوله:

كفاك بالشيب ذنباً عند غانيةٍ

 

وبالشباب شفيعاً أيها الرجل

فقال: إياه عنيت. فقال له الباهلي: ما سمعت لأحدٍ من المحدثين أحسن منه.
حدثني عمي قال: حدثنا حسين بن فهم قال: حدثني أبي قال: دخل محمد بن حازم على محمد بن زبيدة وهو أمير، فدعاه إلى أن يشرب معه، فامتنع وقال:

أبعد خمسين أصـبـو

 

والشيب للجهل حرب

سنٌّ وشيبٌ وجـهـلٌ

 

أمرٌ لعمرك صعـب

يا بن الإمام فـهـلا

 

أيام عـودي رطـب

وشيب رأسي قـلـيلٌ

 

ومنهل الحب عـذب

وإذ شفاء الغـوانـي

 

مني حديثٌ وشـرب

الآن حـين رأى بـي

 

عواذلي ما أحـبـوا

آليت أشرب كـأسـاً

 

ما حج للـه ركـب

قال: فأعطاه محمد بن زبيدة ووصله.