أخبار محمد بن أمية وأخيه

أخبار محمد بن أمية وأخيه

علي بن أمية وما يغنى فيه من شعرهما:

نسب محمد بن أمية: سألت أحمد بن جعفرٍ جحظة عن نسبه قلت له: إن الناس يقولون ابن أمية وابن أبي أمية، فقال: هو محمد بن أمية بن أبي أمية .

منادمته إبراهيم بن المهدي: قال: وكان محمد كاتباً وشاعراً ظريفاً، وكان ينادم إبراهيم بن المهدي، وربما عاشر علي ابن هشام، إلا أن انقطاعه كان إلى إبراهيم، وربما كتب بين يديه. وكان حسن الخط والبيان. وكان أمية بن أبي أمية يكتب للمهدي على بيت المال. وكان إليه ختم الكتب بحضرته، وكان يأنس به لأدبه وفضله، ومكانه من ولائه، فزامله أربع دفعاتٍ حجها في ابتدائه ورجوعه .

قال جحظة: وحدثني بذلك أبو حشيشة .

إعجاب أبي العتاهية به في حضرة إبراهيم بن المهدي: وحدثني جحظة قال حدثني أبو حشيشة عن محمد بن علي بن أمية قال حدثني عمي محمد بن أمية قال: كنت جالساً بين يدي إبراهيم بن المهدي، فدخل إليه أبو العتاهية وقد تنسك ولبس الصوف وترك قول الشعر إلا في الزهد، فرفعه إبراهيم وسر به، وأقبل له أبو العتاهية: أيها الأمير بلغني خبر فتًى في ناحيتك ومن مواليك يعرف بابن أمية يقول الشعر، وأنشدت له شعراً أعجبني، فما فعل؟ فضحك إبراهيم ثم قال: لعله أقرب الحاضرين مجلساً منك. فالتفت إلي فقال لي: أنت هو فديتك؟ فتشورت وخجلت وقلت له: أنا محمد بن أمية جعلت فداءك! وأما الشعر فإنما أنا شاب أعبث بالبيت والبيتين والثلاثة كما يعبث الشاب؛ فقال لي: فديتك، ذلك والله زمان الشعر وغبانه، وما قيل فيه فهو غرره وعيونه، وما قصر من الشعر وقيل في المعنى الذي تومئ إليه أبلغ وأملح. ومازال ينشطني ويؤنسني حتى أرى أني قد أنست به، ثم قال لإبراهيم بن المهدي: إن رأى الأمير أكرمه الله أن يأمره بإنشادي ما حضر من الشعر. فقال لي إبراهيم: بحياتي يا محمد أنشده. فأنشدته:

رب وعد منك لا أنساه لـي

 

أوجب الشكر وإن لم تفعلي

وذكر الأبيات الأربعة. قال: فبكى أبو العتاهية حتى جرت دموعه على لحيته وجعل يردد البيت الأخير منها وينتحب، وقام فخرج وهو يردده ويبكي حتى خرج إلى الباب .

هو وخداع جارية خال المعتصم وأشعاره فيها: أخبرني عمي قال حدثني يعقوب بن إسرائيل قرقارة قال حدثني محمد بن علي بن أمية قال: كان عمي محمد بن أمية يهوى جاريةً مغنيةً يقال لها خداع كانت لبعض جواري خال المعتصم، فكان يدعوها، ويعاشره إخوانه إذا دعوه بها أتباعاً لمسرته. وأراد المعتصم الخروج والتأهب للغزو، وأمر الناس جميعاً بالخروج والتأهب، فدعاه بعض أخوانه قبل خروجهم بيوم، فلما أضحى النهار جاء من المطر أمر عظيم لم يقدر معه أحد أن يطلع رأسه من داره، فكاد محمد أن يموت غماً، فكتب إلى صديقه الذي دعاه وقد كان ركب إليه ثم رجع لشدة المطر ، ولم يقدر على لقائه:

تمادى القطر وانقطع السبيل

 

من الإلفين إذ جرت السيول

على أني ركبت إليك شوقـاً

 

ووجه الأرض أودية تجول

وكان الشوق يقدمني دلـيلاً

 

وللمشتاق معتزمـاً دلـيل

فلم أجد للسبيل إلى حـبـيبٍ

 

أودعه وقد أفد الـرحـيل

وأرسلت الرسول فغاب عني

 

فيالله ما فعل الـرسـول!

وقال في ذلك أيضاً:

مجلس يشفى به الوطـر

 

عاق عنه الغيم والمطر

رب خذ لي منهما فهمـا

 

رحمة عمت ولي ضرر

ما على مولاي معـتـبة

 

عذره بادٍ ومسـتـتـر

شغلت عيني بعبرتـهـا

 

واستمالت قلبي الفكـر

قال: ثم بيعت خداع هذه فاشتراها بعض ولد المهدي وكان ينزل شارع الميدان، فحجبت عنه وانقطع ما بينهما إلا مكاتبةً ومراسلةً .
قال محمد بن علي فأنشدني يوماً عمي محمد لنفسه فيها:

خطرت الهوى بـذكـر خـداعٍ

 

هجن شوقي لا دارسات الطلول

حجبت أن ترى فلسـت أراهـا

 

وأرى أهلها بـكـل سـبـيل

وإذا جاءها الـرسـول رآهـا

 

ليت عيني مكان عين الرسـول

قد أتاك الرسول ينعت مـا بـي

 

فاسمعي منه ما يقول وقولـي

وقال فيها أيضاً:

بناحية الـمـيدان درب لـو أنـنـي

 

أسميه لم أرشد وإن كان مفـسـدي

أخاف على سكانـه قـول حـاسـدٍ

 

يشير إليهم بالـجـفـون وبـالـيد

وصائف أبكـار وعـون نـواطـق

 

بألسنةٍ تشفي جوى الهائم الـصـدي

يقاربن أهل الود بالقول في الهـوى

 

وما النجم من معروفهن بـأبـعـد

يزدن أخا الدنيا مـجـونـاً وفـتـنة

 

ويشغفن قلب الناسك المـتـعـبـد

وليلة وافى النوم طيف سـرى بـه

 

إلي الهوى منهـن بـعـد تـجـرد

فقاسمته الأشجان نصفـين بـينـنـا

 

وأوردته من لوعة الحب مـوردي

ونلت الذي أملت بـعـد تـمـنـع

 

وعاهدته عهد امـرئ مـتـوكـد

فلما افترقنا خاس بالعهـد بـينـنـا

 

وأعرض إعراض العروس من الغد

فواندمـا ألا أكـون ارتـهـنـتـه

 

لأخبره في حفظ عهـدٍ ومـوعـد

إعجاب أبي العتاهية بشعره: أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني حذيفة بن محمد قال قال لي محمد بن أبي العتاهية: سمع أبي يوماً مخارقاً يغني:

أحـبـك حـبـاً لـو يفـض يسـيره

 

على الخارق مات الخلق من شدة الحب

وأعلـم أنـي بـعـد ذاك مـقـصـر

 

لأنك في أعلى المراتب من قـلـبـي

فطرب ثم قال له: من يقول هذا يا أبا المهنا؟ قال: فتى من الكتاب يخدم الأمير إبراهيم بن المهدي. فقال: تعني محمد بن أمية؟ قال: نعم. قال أحسن والله، وما يزال يأتي بالشيء المليح يبدو له .

مزاحه مع مسلم بن الوليد: أخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن أبي طاهرٍ قال حدثني أحمد بن أمية بن أبي أمية قال: لقي أخي محمد بن أمية مسلم بن الوليد وهو يمشي وطويلته مع بعض رواته، فسلم عليه ثم قال له: قد حضرني شيء؛ فقال: على أنه مزاح لا يغضب منه؛ قال: هاته ولو أنه شتم. فقال:

من رأى فيما خلا رجلاً

 

تيهه يربي على جدتـه

يباهـى راجـلاً ولـه

 

شاكري في قلنسـيتـه

فسكت عنه مسلم ولم يجبه، وضحك منه محمد وافترقا .

مداعبة مسلم له حين نفق برذونه: قال: وكان لمحمد بن أمة برذون يركبه، فلقيه مسلم وهو راجل فقال: ما فعل برذونك؟ قال: نفق. قال: الحمد لله، فنجازيك إذاً على ما كان منك إلينا. ثم قال مسلم:

قل لابن ميٍ لا تكن جازعاً

 

لن يرجع البرذون باللـيت

طامن أحشاؤك فـقـدانـه

 

وكنت فيه عالي الصـوت

وكنت لا تزال عن ظهـره

 

ولو من الحش إلى البـيت

ما مات من حتف ولكـنـه

 

مات من الشوق إلى الموت

تعلقه بإحدى الجواري وما كان بينهما: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا يعقوب بن إسرائيل قال حدثني محمد بن علي ابن أمية قال حدثني حسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن أمية منزل نخاس بالرقة أيام الرشيد وعنده جارية تغني فوقعت عينها على محمد، ووقعت عينه عليها، فقال لها: يا جارية، أتغنين هذا الصوت:

خبريني من الرسـول إلـيك

 

واجعليه من لا ينـم عـلـيك

وأشيري إلي من هو بـالـح

 

ظ ليخفى على الـذين لـديك

وأقلي المزاح في المجلس اليو

 

م فإن الـمـزاح بـين يديك

فقالت له: ما أعرفه، وأشارت إلى خادمٍ كان على رأسها واقفاً. فمكثا زماناً والخادم الرسول بينهما. قال: تغنى بشعر له عمرو الغزال فتطير إبراهيم بن المهدي وعلم من في المجلس بنكبة البرامكة: حدثني جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني بعض من كان يختلط بالبرامكة قال: كنت عند إبراهيم بن المهدي، وقد اصطبحنا وعنده عمرو بن بانة، وعبيد الله بن أبي غسان، ومحمد بن عمرو الرومي، وعمرو الغزال، ونحن في أطيب ما كنا عليه إذ غنى عمرو الغزال، وكان إبراهيم بن المهدي يستثقله، إلا أنه كان يتخفف بين يديه ويقصده، ويبلغه عنه تقديم له وعصبية، فكان يحتمل ذاك منه، فاندفع عمرو الغزال، فتغنى في شعر محمد بن أمية:

ماتم لي يوم سرورٍ بـمـن

 

أهواه مذ كنت إلى الـلـيل

أغبط ما كنت بما نـلـتـه

 

منه أتتني الرسل بـالـويل

لا والذي يعلـم كـل الـذي

 

أقول ذي العزة والـطـول

ما رمت مذ كنت لكم سخطةً

 

بالغيب في فعل ولا قـول

قال: فتطير إبراهيم، ووضع القدح من يده، وقال: أعوذ بالله من شر ما قلت. فوالله ما سكت وأخذنا نتلافى إبراهيم إذ أتى حاجبه يعدو فقال: مالك ؟ فقال: خرج الساعة مسرور من دار أمير المؤمنين حتى دخل إلى جعفر بن يحيى، فلم يلبث أن خرج ورأسه بين يديه وقبض على أبيه وإخوته . فقال إبراهيم: ” إنا لله وإنا إليه راجعون ” ارفع يا غلام ارفع. فرفع ما كان بين أيدينا، وتفرقنا فما رأيت عمراً بعدها في داره .

كان يستطيب الشراب عند هبوب الجنوب: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى الكاتب قال حدثني محمد بن يحيى بن بسخنر قال: كنت عند إبراهيم بن المهدي بالرقة وقد عزمنا على الشراب ومعنا محمد بن أمية في يوم من حزيران، فلما هممنا بذلك هبت الجنوب، وتلطخت السماء بغيم ، وتكدر ذلك اليوم، فترك إبراهيم بن المهدي الشرب ولحقه صداع، وكان يناله ذلك مع هبوب الجنوب، فافترقنا؛ فقال لي محمد بن أمية: ما أحب إلي ما كرهتموه من الجنوب! فإن أنشدتك بيتين مليحين في معناهما تساعدني على الشرب اليوم؟ قلت: نعم. فأنشدني:

إن الجنوب إذا هبت وجدت لها

 

طيباً يذكرني الفردوس إن نفحا

لما أتت بنسيم منـك أعـرفـه

 

شوقاً تنفست واستقبلتها فرحـا

فانصرفت معه إلى منزله، وغنيت في هذين البيتين وشربنا عليهما بقية يومنا .

ما قاله في تفاحة أهدتها إليه خداع: وجدت في بعض الكتب بغير إسنادٍ: أهدت جارية يقال لها خداع إلى محمد بن أمية، وكان يهواها تفاحةً مفلجةً منقوشةً مطيبةً حسنةً، فكتب إليها محمد:

خداع أهـديت لـنـا خـدعةً

 

تفـاحة طـيبة الـنـشــر

ما زلت أرجوك وأخشى الهوى

 

معتصماً باللـه والـصـبـر

حتى أتتني منـك فـي سـاعةٍ

 

زحزحت الأحزان عن صدري

حشوتها مسكا ونـقـشـتـهـا

 

ونقش كفيك مـن الـنـحـر

سقياً لـهـا تـفـاحة أهـديت

 

لو لم تكن من خدع الـدهـر

التقى بجارية يهواها وشعره في ذلك: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن جعفر اليقطيني قال: حدثني أبي جعفر بن علي بن يقطين قال: كنت أسيراً أنا ومحمد بن أمية في شارع الميدان، فاستقبلتنا جارية كان محمد يهواها ثم بيعت وهي راكبة، فكلمها، فأجابته بجواب أخفته فلم يفهمه، فأقبل علي وقد تغير لونه فقال:

يا جعفر بن علي وابن يقـطـين

 

أليس دون الذي لاقيت يكفـينـي

هذا الذي لم تزل نفسي تخوفنـي

 

منها فأين الذي كانت تمنـينـي

خاطرت إذ أقبلت نحوي وقلت لها

 

تفديك نفسي فداءً غير ممـنـون

فخاطبتني بما اخفته فانصرفـت

 

نفسي بظنين مخشي ومـأمـون

تمثل المنتصر ببيت له: حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال: كنت بين يدي المنتصر جالساً فجاءته رقعة لا أعلم ممن هي، فقرأها وتبسم ثم إنه أقبل علي وأنشد:

لطافة كاتبٍ وخشوع ضبٍ

 

وفطنة شاعرٍ عند الجواب

ثم أقبل علي فقال: من يقول هذا يا يزيد؟ فقلت: محمد بن أمية يا أمير المؤمنين. فضحك وقال: كأنه والله يصف ما في هذه الرقعة .

عاتبه أخوه وابن قنبر لما لحقه من وله كالجنون لبيع جارية يحبها: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني حذيفة بن محمد قال: كنت أنا وابن قنبر عند محمد بن أمية بعقب بيع جاريةٍ كان يحبها وقد لحقه عليها وله كالجنون، فجعل ابن قنبرٍ وأخوه علي بن أمية يعاتبانه على ما يظهر منه، فأقبل بوجهه عليهما ثم قال:

لو كنت جربت الهوى يا بن قـنـبـرٍ

 

كوصفك إياه لألهاك عـن عـذلـي

أنا وأخي الأدنى وأنت لـهـا الـفـدا

 

وإن لم تكونا في مودتهـا مـثـلـي

أأن حجبت عني أجـود لـغـيرهـا

 

بودي وهل يغري المحب سوى البخل

أسر بأن قـالـوا تـضـن بـودهـا

 

عليك ومن ذا سر بالبخل من قـبـل

قال: فضحك ابن قنبر، وقال: إذا كان الأمر هكذا فكن أنت الفداء لها، وإن ساعدك أخوك فاتفقا على ذلك، وأما أنا فلست أنشط لأن أساعدك على هذا. وافترقنا .

قطع الصوم بينه وبين خداع فقال شعراً: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني محمد بن الحسن بن الحزور لمحمد بن أمية في جارية كان يهواها وقطع الصوم بينهما؛ فقال يخاطب محمد بن عثمان بن خريمٍ المري:

قفا فابكيا إن كنـتـمـا تـجـدان

 

كوجدي وإن لم تبكيا فـدعـانـي

ففي الدمع مما تضمر النفس راحة

 

إذا لم أطق إظهاره بلـسـانـي

أغص بأسراري إذا ما لقـيتـهـا

 

فأبهت مشدوهاً أعض بـنـانـي

فيابن خريم يا أخي دون إخـوتـي

 

ومن هو لي مثلي بكل مـكـان

تأمل أحظي من خداع وحبـهـا

 

سوى خدع تذكي الهوى وأماني

وأصبح شهر الصوم قد خال بيننا

 

فيا ليت شوالا أتـى بـزمـان

شعر له فيها استحسنه ابن المعتز: أنشدني جعفر بن قدامة قال أنشدني عبد الله بن المعتز قال أنشدني أبو عبد الله الهشامي لمحمد بن أمية، وفيه غناء لمتيم، قال واستحسنه عبد الله: صوت:

عجباً عجبت لمذنبٍ متغـضـب

 

لولا قبيح فعالـه لـم أعـجـب

أخداع، طال الفراش تقـلـبـي

 

وإليك طول تشوفي وتطـربـي

لهفي عليك وما يرد تلـهـفـي

 

قصرت يداي وعز وجه المطلب

الغناء لمتيم، فيه لحنان: رمل عن ابن المعتز، وخفيف رمل عن الهشامي. وهذا من شعر محمد فيها بعد أن بيعت. قال: وغنتنا هزار هذا الصوت يومئذ .

أشعاره فيها إذ فقدها وحين وجدها: حدثني عمي قال حدثنا أحمد بن محمد الفيرزان قال حدثني شيبة بن هشام قال: دعانا محمد ابن أمية يوماً ووجه إلى جاريةٍ كان يحبها فدعاها، وبعث إلى مولاها يحدرها مع رسوله، فأبطأ الرسول حتى انتصف النهار ثم عاد وليست معه وقال: أخذوا مني الدراهم ثم ردوها علي، ورأيتهم مختلطين، ولهم قصة لم يعرفونيها، وقاولوا: ليست ها هنا فإن عادت بعثنا بها إليكم. فتنغص عليه يومه وتغير وجهه وتجمل لنا؛ ثم بكرنا من غد بأجمعنا إلى منزل مولاها فإذا هي قد بيعت، فوجم طويلاً ، وسار حتى إذا خلا لنا الطريق اندفع باكياً. فما أنسى حرقة بكائه وهو ينشدني:

تخطى إلي الدهر من بين من أرى

 

وسوء مقـاديرٍ لـهـن شـؤون

فشتت شملي دون كل أخي هـوىً

 

وأقصدني بل كلـهـم سـيبـين

ومهما تكن من ضحكة بعد فقدها

 

فإني وإن أظهرتـهـا لـحـزين

سلام على أيامـنـا قـبـل هـذه

 

إذ الدار دار والسـرور فـنـون

قال ومضت على ذلك مدة. ثم أخبرني أنه اجتاز بها، وهي تنظر من وراء شباك، فسلم عليها فأومأت بالسلام إليه ودخلت، فقال:

تطالعني على وجلٍ خـداع

 

من الشبك التي عملت حديدا

مطالعتي قفي بالله حـتـى

 

أزود مقلتي نظـراً جـديدا

فقالت: إن سها الواشون عنا

 

رجونا أن تعود وان نعـودا

وأنشدني أيضاً في ذلك: صوت:

يا صاحب الشبك الذي اس

 

تخفى مكانك غير خاف

أفـمـا رأيت تـلـددي

 

بفناء قصرك واختلافـي

أو ما رحمت تخشـعـي

 

وتلفتي بعد انصـرافـي

صوت:

إن الرجال لهم إلـيك وسـيلة

 

إن يأخذوك تكحلي وتخضبـي

وأنا امرؤ إن يأخذوني عـنـوةً

 

أقرن إلى سير الركاب وأجنب

ويكون مركبك القعود وحدجـه

 

وابن النعامة يوم ذلك مركبي

عروضه من الكامل. قال ابن العرابي في تفسير قوله:

وابن النعامة يوم ذلك مركبي

ابن النعامة: ظل الإنسان أو الفرس أو غيره. قال جرير:

إذ ظل يحسب كل شيءٍ فارسا

 

وير نعامة ظلـه فـيحـول

يعني بنعامة ظله جسده. وقال أبو عمرو الشيباني: النعامة ما يلي الأصابع في مقدم الرجل. يقول: مركبي يومئذٍ رجلي. وقال الجاحظ: ذكر علماؤنا البصريون: أن النعامة اسم فرسه. يقول: إني أشد على ركابي السرج فإذا صار للفرس وهو الذي يسمى النعامة ظل وأنا مقرون إليه صار ظله تحتي فكنت راكباً له. وجعل ظلها ها هنا ابنها .

الشعر للحارث بن لوذان بن عوف بن الحارث بن سدوس بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة. وقال ابن سلام: لخزز لوذان. ومن الناس من ينسب هذا الشعر إلى عنترة، وذلك خطأ. وأحد من نسبه إليه إسحاق الموصلي. والغناء لعزة الميلاء. وأول لحنها:

لمن الديار عرفتها بالشربب

 

ذهب الذين بها ولما تذهب

وبعده إن الرجال .
وطريقته من خفيف الثقيل الأول بالبنصر من روايتي حمادٍ وابن المكي. وفيه للهذيل خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي. وفيه لعريب خفيف رمل. وفيه لعزة المرزوقية لحن. وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: هذا اللحن لريق، سلخت لحن ومخنث شهد الزفاف وقبله فجعلته لهذا، وهو لحن يشبه صنعة ابن سريج وصنعة حكم في محركاتهما، فمن هنا يغلط فيه ويظن أنه قديم الصنعة . ابن أبي عتيق يعجب بغناء عزة الميلاء: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثت عن صالح بن حسان قال: كان ابن أبي عتيق معجباً بغناء عزة الميلاء كثير الزيارة لها، وكان يختار عليها قوله:

لمن الديار عرفتها بالشربب

فسألها يوماً زيارته فأجابته إلى ذلك ومضت نحوه، فقال لها بعد أن استقر بها المجلس: يا عزة، أحب أن تغنيني صوتي الذي أنا له عاشق. فغنته هذا الصوت، فطرب كل الطرب وسر غاية السرور .

جارية ابن أبي عتيق ومعابثة فتى لها: وكانت له جارية، وكان فتى من أهل المدينة كثيراً ما يعبث بها؛ فأعلمت ابن أبي عتيق بذلك؛ فقال لها: قولي له: وأنا أحبك؛ فإذا قال لك: وكيف لي بك؟ فقولي له: مولاي يخرج غداً إلى مال له، فإذا خرج أدخلتك المنزل. وجمع ابن أبي عتيق ناساً من أصحابه فأجلسهم في بيته ومعهم عزة الميلاء ، وأدخلت الجارية الرجل. وقال لعزة: غني فأعادت الصوت. وخرجت الجارية فمكثت ساعة ثم دخلت البيت كأنها تطلب حاجة، فقال لها: تعالي. فقالت: الآن آتيك. ثم عادت فدعاها ، فوثب فضرب بها الحجلة ، فوثب ابن أبي عتيق عليه هو وأصحابه، فقال لهم وهو غير مكترث: يا فساق ما يجلسكم ها هنا مع هذه المغنية! فضحك ابن أبي عتيق من قوله وقال له: استر علينا ستر الله تعالى عليك. فقالت له عزة: يابن الصديق ، ما أظرف هذا لولا فسقه! فاستحيا الرجل فخرج، وبلغه أن ابن أبي عتيق قد آلى إن هو وقع في يده أن يصير به إلى السلطان. فأقبل يعبث بها كلما خرجت، فشكت ذلك إلى مولاها، فقال لها: أو لم يرتدع من العبث بك! قالت: لا. قال: فهيئي الرحى وهيئي من الطعام طحين ليلةٍ إلى الغداة. فقالت: أفعل يا مولاي. فهيأت ذلك على ما أمرها به ثم قال لها: عديه الليلة فإذا جاء فقولي له: إن وظيفتي الليلة طحن هذا البر كله ثم اخرجي من البيت واتركيه. ففعلت، فلما دخل طحنت الجارية قليلاً، ثم قالت له: إن كفت الرحى فإن مولاي جاءٍ إلي أو بعض من وكله بي، فاطحن حتى نأمن أن يجيئنا أحد، ثم أصير إلى قضاء حاجتك. ففعل الفتى ومضت الجارية إلى مولاها وتركته. وقد أمر ابن أبي عتيق عدة من مولياته أن يتراوحن على سهر ليلتهن ويتفقدن أمر الطحين ويحثثن الفتى عليه كما أمسك؛ ففعلن، وجعلن ينادينه كلما كف: يا فلانة إن مولاك مستيقظ؛ والساعة يعلم أنك كففت عن الطحن، فيقوم إليك بالعصا كعادته مع من كانت نوبتها قبلك إذا هي نامت وكفت عن الطحن. فلم يزل الفتى كلما سمع ذلك الكلام يجتهد في العمل والجارية تتعهد وتقول: قد استيقظ مولاي. والساعة ينام فأصير إلى ما تحب. فلم يزل الرجل يطحن حتى أصبح وفرغ من جميع القمح. فلما فرغ وعلمت الجارية أتته فقالت: قد أصبحت فانج بنفسك. فقال: أوقد فعلتها يا عدوة الله! فخرج تعباً نصباً فأعقبه ذلك مرضاً شديداً أشرف منه على الموت، وعاهد الله تعالى ألا يعود إلى كلامها، فلم تر منه بعد ذلك شيئاً ينكر.
صوت:

أجد اليوم اليوم جيرتك احتمالاً

 

وحث حداتهم بهم عـجـالا

وفي الأظعان آنسة لـعـوب

 

ترى قتلى بغـير دمٍ حـلالا

عروضه من الوافر. الشعر للمتوكل الليثي، والغناء لابن محرز ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن مسجح ثاني ثقيل آخر بالخنصر في مجرى البنصر عنه. وذكر حبش أن هذا اللحن لابن سريج، وفيه لإسحاق هزج .