أخبار مجنون بني عامر ونسبه

الثاني

الجزء الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبار مجنون بني عامر ونسبه

نسبه وتصحيح اسمه

 

هو – على ما يقوله من صحح نسبه وحديثه – قيسٌ، وقيل: مهدي، والصحيح أنه قيس بن الملوح بن مزاحم بن عدس بن ربيعة بن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ومن الدليل على أن اسمه قيسٌ قول ليلى صاحبته فيه:

ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌ

 

متى رحل قيس مستقلٌ فراجع

وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال: سمعت من لا أحصي يقول: اسم المجنون قيس بن الملوح.

قيل كانت به لوثة ولم يكن مجنوناً

وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا الرياشي، وأخبرني الجوهري عن عمر بن شبة أنهما سمعا الأصمعي يقول – وقد سئل عنه -: لم يكن مجنوناً ولكن كانت به لوثة كلوثة أبي حية النميري.

اختلاف الرواة في وجوده

وأخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري عن ابن شبة عن الحزامي قال حدثني أيوب بن عباية قال: سألت بني عامرٍ بطناً بطناً عن مجنون بني عامر فما وجدت أحداً يعرفه.

وأخبرني عمي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن دأبٍ قال: قلت لرجل من بني عامر: أتعرف المجنون وتروي من شعره شيئاً؟ قال: أو قد فرغنا من شعر العقلاء حتى نروي أشعار المجانين! إنهم لكثيرٌ! فقلت: ليس هؤلاء أعني، إنما أعني مجنون بني عامر الشاعر الذي قتله العشق، فقال: هيهات! بنو عامر أغلظ أكباداً من ذاك، إنما يكون هذا في هذه اليمانية الضعاف قلوبها، السخيفة عقولها، الصعلة رؤوسها، فأما نزار فلا.

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: رجلان ما عرفا في الدنيا قط إلا بالاسم: مجنون بني عامر، وابن القرية، وإنما وضعهما الرواة.

وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عبد الله بن أبي سعد عن الحزامي قال: ولم أسمعه من الحزامي فكتبته عن ابن أبي سعد قال أحمد: وحدثنا به ابن أبي سعد عن الحزامي قال حدثنا عبد الجبار بن سعيد بن سليمان بن نوفل بن مساحقٍ عن أبيه عن جده قال: سعيت على بني عامر فرأيت المجنون وأتيت به وأنشدني.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني قال: المجنون المشهور بالشعر عند الناس صاحب ليلى قيس بن معاذ من بني عامر، ثم من بني عقيل، أحد بني نمير بن عامر بن عقيل، قال: ومنهم رجل آخر يقال له: مهدي بن الملوح من بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

قيل إن فتى من أمية نحله شعره وأخبرني عمي عن الكراني قال حدثنا ابن أبي سعد عن علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: حدثت أن حديث المجنون وشعره وضعه فتىً من بني أمية كان يهوى ابنة عم له، وكان يكره أن يظهر ما بينه وبينها، فوضع حديث المجنون وقال الأشعار التي يرويها الناس للمجنون ونسبها إليه.

أخبرني الحسين بن يحيى وأبو الحسن الأسدي قالا: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: اسم المجنون قيس بن معاذ أحد بني جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

وأخبرني أبو سعد الحسن بن علي بن زكريا العدوي قال حدثنا حماد بن طالوت بن عباد: أنه سأل الأصمعي عنه، فقال: لم يكن مجنوناً، بل كانت به لوثةٌ أحدثها العشق فيه، كان يهوى امرأةً من قومه يقال لها ليلى، واسمه قيس بن معاذ.

 

وذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه أن اسمه قيس بن معاذ.

وذكر شعيب بن السكن عن يونس النحوي أن اسمه قيس بن الملوح، قال أبو عمرو الشيباني: وحدثني رجل من أهل اليمن أنه رآه ولقيه وسأله عن اسمه ونسبه، فذكر أنه قيس بن الملوح.

وذكر هشام بن محمد الكلبي أنه قيس بن الملوح، وحدث أن أباه مات قبل اختلاطه، فعقر على قبره ناقته وقال في ذلك:

عقرت على قبر الملوح ناقـتـي

 

بذي السرح لما أن جفاه الأقارب

وقلت لها كوني عقيراً فـإنـنـي

 

غداً راجلٌ أمشي وبالأمس راكب

فلا يبعدنك اللـه يابـن مـزاحـمٍ

 

فكلٌّ بكأس الموت لاشك شارب

وذكر إبراهيم بن المنذر الحزامي وأبو عبيدة معمر بن المثنى أن اسمه البحتري بن الجعد.

وذكر مصعب الزبيري والرياشي وأبو العالية أن اسمه الأقرع بن معاذ. وقال خالد بن كلثوم: اسمه مهدي ابن الملوح.

وأخبرني الأخفش عن السكري عن أبي زياد الكلابي، قال: ليلى صاحبة المجنون هي ليلى بنت سعد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

أخبرني محمد بن خلفٍ وكيعٌ، قال حدثنا أبو قلابة الرقاشي، قال حدثني عبد الصمد بن المعذل، قال: سمعت الأصمعي وقد تذاكرنا مجنون بني عامر يقول: لم يكن مجنوناً وإنما كانت به لوثةٌ، وهو القائل:

أخذت محاسن كـل مـا

 

ضنت محاسنه بحسنـه

كاد الغزال يكـونـهـا

 

لولا الشوى ونشوز قرنه

لقب بالمجنون كثيرٌ غيره وكلهم كان يشبب بليلى

وأخبرني عمر بن عبد الله بن جميلٍ العتكي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال: سألت أعرابياً من بني عامر بن صعصعة عن المجنون العامري فقال: عن أيهم تسألني؟ فقد كان فينا جماعةٌ رموا بالجنون، فعن أيهم تسأل؟ فقلت: عن الذي كان يشبب بليلى، فقال: كلهم كان يشبب بليلى، قلت: فأنشدني لبعضهم، فأنشدني لمزاحم بن الحارث المجنون:

ألا أيها القلب الذي لج هائمـاً

 

بليلى وليداً لم تقطع تمائمـه

أفق قد أفاق العاشقون وقد أنى

 

لك اليوم أن تلقى طبيباً تلائمه

أجدك لا تنسيك ليلى مـلـمةٌ

 

تلم ولا عهدٌ يطول تقـادمـه

قلت: فأنشدني لغيره منهم، فأنشدني لمعاذ بن كليبٍ المجنون:

ألا طالما لاعبت ليلى وقـادنـي

 

إلى اللهو قلبٌ للحسان تـبـوع

وطال امتراء الشوق عيني كلما

 

نزفت دموعاً تستـجـد دمـوع

فقد طال إمساكي على الكبد التي

 

بها من هوى ليلى الغداة صدوع

قلت: فأنشدني لغير هذين ممن ذكرت، فأنشدني لمهدي بن الملوح:

لو أن لك الدنيا وما عدلت به

 

سواها وليلى بائنٌ عنك بينها

لكنت إلى ليلى فقيراً وإنمـا

 

يقود إليها ود نفسك حينهـا

قلت له: فأنشدني لمن بقي من هؤلاء، فقال: حسبك! فوالله إن في واحد من هؤلاء لمن يوزن بعقلائكم اليوم.
أخبرني محمد بن خلفٍ وكيعٌ قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال قال ابن الأعرابي: كان معاذ بن كليب مجنوناً، وكان يحب ليلى، وشركه في حبها مزاحم بن الحارث العقيلي، فقال مزاحمٌ يوماً للمجنون:

كلانا يا معـاذ يحـب لـيلـى

 

بفي وفيك من ليلى الـتـراب

شركتك في هوى من كان حظي

 

وحظك من مودتها الـعـذاب

لقد خبلت فـؤادك ثـم ثـنـت

 

بقلبي فهو مخبـولٌ مـصـاب

قال فيقال: إنه لما سمع هذه الأبيات التبس وخولط في عقله.

 

وذكر أبو عمرو الشيباني: أنه سمع في الليل هاتفاً يهتف بهذه الأبيات، فكانت سبب جنونه.

وذكر إبراهيم بن المنذر الحزامي عن أيوب بن عباية: أن فتى من بني مروان كان يهوى امرأةً منهم فيقول فيها الشعر وينسبه إلى المجنون، وأنه عمل له أخباراً وأضاف إليها ذلك الشعر، فحمله الناس وزادوا فيه.

إنكار وجوده والقول بأن شعره مولد عليه

وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن العتبي عن عوانة أنه قال: المجنون اسم مستعارٌ لا حقيقة له، وليس له في بني عامر أصلٌ ولا نسبٌ، فسئل من قال هذه الأشعار؟ فقال: فتى من بني أمية.

وقال الجاحظ: ما ترك الناس شعراً مجهول القائل قيل في ليلى إلا نسبوه إلى المجنون، ولا شعراً هذه سبيله قيل في لبنى إلا نسبوه إلى قيس بن ذريح.

وأخبرني محمد بن خلفٍ وكيعٌ قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني أبو أيوب المديني قال حدثني الحكم بن صالح قال: قيل لرجل من بني عامر: هل تعرفون فيكم المجنون الذي قتله العشق. فقال: هذا باطلٌ، إنما يقتل العشق هذه اليمانية الضعاف القلوب.
أخبرنا أحمد بن عمر بن موسى قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال حدثني أيوب بن عبابة قال حدثني من سأل بني عامرٍ بطناً بطناً عن المجنون فما وجد فيهم أحداً يعرفه.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا أحمد بن الحارث عن ابن الأعرابي أنه ذكر عن جماعة من بني عامر أنهم سئلوا عن المجنون فلم يعرفوه، وذكروا أن هذا الشعر كله مولد عليه.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه عن محمد ابن الحكم عن عوانة قال: ثلاثةٌ لم يكونوا قط ولا عرفوا: ابن أبي العقب صاحب قصيدة الملاحم، وابن القرية، ومجنون بني عامر.

أخبرني أبوالحسن الأسدي قال حدثنا الرياشي قال سمعت الأصمعي يقول: الذي ألقي على المجنون من الشعر وأضيف إليه أكثر مما قاله هو.

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: أنشدت أيوب بن عباية هذين البيتين:  

وخبرتمانـي أن تـيمـاء مـنـزلٌ

 

لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا

فهذي شهور الصيف عنا قد انقضت

 

فما للنوى ترمي بليلى المـرامـيا

وسألته عن قائلهما، فقال: جميلٌ، فقلت له: إن الناس يروونهما للمجنون، فقال: ومن هو المجنون؟ فأخبرته، فقال: ما لهذا حقيقةٌ ولا سمعت به.

وأخبرني عمي عن عبد الله بن شبيب بن هارون بن موسى الفروي قال: سألت أبا بكر العدوي عن هذين البيتين فقال: هما لجميل، ولم يعرف المجنون، فقلت: فهل معهما غيرهما؟ قال: نعم، وأنشدني:

وإني لأخشى أن أموت فـجـاءةً

 

وفي النفس حاجاتٌ إليك كما هي

وإني لينسيني لقـاؤك كـلـمـا

 

لقيتك يوماً أن أبـثـك مـا بـيا

وقالوا بـه داءٌ عـياءٌ أصـابـه

 

وقد علمت نفسي مـكـان دوائيا

وأنا أذكر مما وقع إلي من أخباره جملاً مستحسنةً، متبرئاً من العهدة فيها، فإن أكثر أشعاره المذكورة في أخباره ينسبها بعض الرواة إلى غيره وينسبها من حكيت عنه إليه، وإذا قدمت هذه الشريطة برئت من عيب طاعنٍ ومتتبع للعيوب.

بدء تعشقه ليلى

أخبرني بخبره في شغفه بليلى جماعةٌ من الرواة، ونسخت ما لم أسمع من الروايات وجمعت ذلك في سياقه خبره ما اتسق ولم يختلف، فإذا اختلف نسبت كل رواية إلى راويها.

فممن أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي، قالا: حدثنا عمر بن شبة عن رجاله وإبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، ونسخت أخباره من رواية خالد بن كلثوم وأبي عمرو الشيباني وابن دأبٍ وهشام بن محمد الكلبي وإسحاق بن الجصاص وغيرهم من الرواة.

قال أبو عمرو الشيباني وأبو عبيدة: كان المجنون يهوى ليلى بنت مهدي بن سعد بن مهدي بن ربيعة ابن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة وتكنى أم مالكٍ، وهما حينئذ صبيان، فعلق كل واحد منهما صاحبه وهما يرعيان مواشي أهلهما، فلم يزالا كذلك حتى كبرا فحجبت عنه، قال: ويدل على ذلك قوله:

صوت

تعلقت ليلـى وهـي ذات ذؤابةٍ

 

ولم يبد للأتراب من ثديها حجم

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا

 

إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

في هذين البيتين للأخضر الجدي لحنٌ من الثقيل الثاني بالوسطى، ذكره هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات والهشامي.
أخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية ونسخت هذا الخبر بعينه من خط هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثنا الحسن بن علي قال حدثني أبو عتاب البصري عن إبراهيم بن محمد الشافعي قال: بينا ابن مليكة يؤذن إذ سمع الأخضر الجدي يغني من دار العاص بن وائل:

وعلقتـهـا غـراء ذات ذوائبٍ

 

ولم يبد للأتراب من ثديها حجم

صغيرين نرعى البهم يا ليت أننا

 

إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم

قال فأراد أن يقول: حي على الصلاة فقال: حي على البهم، حتى سمعه أهل مكة فغدا يعتذر إليهم.
وقال ابن الكلبي: حدثني معروف المكي والمعلى بن هلال وإسحاق بن الجصاص قالوا: كان سبب عشق المجنون ليلى، أنه أقبل ذات يوم على ناقة له كريمةٍ وعليه حلتان من حلل الملوك، فمر بامرأة من قومه يقال لها: كريمة، وعندها جماعة نسوةٍ يتحدثن فيهن ليلى، فأعجبهن جماله وكماله، فدعونه إلى النزول والحديث، فنزل وجعل يحدثهن وأمر عبداً له كان معه فعقر لهن ناقته، وظل يحدثهن بقية يومه، فبينا هو كذلك، إذ طلع عليهم فتىً عليه بردةٌ من برد الأعراب يقال له: منازل يوسق معزى له، فلما رأينه أقبلن عليه وتركن المجنون، فغضب وخرج من عندهن وأنشأ يقول:

أأعقر من جـرا كـريمة نـاقـتـي

 

ووصلي مفروشٌ لوصل مـنـازل

إذا جاء قعقعن الحـلـي ولـم أكـن

 

إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل

متى ما انتضلنا بالسهام نـضـلـتـه

 

وإن نرم رشقاً عندها فهو ناضـلـي

قال: فلما أصبح لبس حلته وركب ناقة له أخرى ومضى متعرضاً لهن، فألفى ليلى قاعدةً بفناء بيتها وقد علق حبه بقلبها وهويته، وعندها جويرياتٌ يتحدثن معها، فوقف بهن وسلم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازلٌ ولا غيره؟ فقال: إي لعمري، فنزل وفعل مثل ما فعله بالأمس، فأرادت أن تعلم، هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعةً بعد ساعةٍ وتحدث غيره، وقد كان علق بقلبه مثل حبها إياه وشغفته واستملحها، فبينا هي تحدثه، إذ أقبل فتىً من الحي فدعته وسارته سراراً طويلاً، ثم قالت له: انصرف، ونظرت إلى وجه المجنون قد تغير وانتقع لونه وشق عليه فعلها، فأنشأت تقول:

كلانا مظهرٌ للناس بغضاً

 

وكل عند صاحبه مكـين

تبلغنا العيون بمـا أردنـا

 

وفي القلبين ثم هوىً دفين

فلما سمع البيتين شهق شهقةً شديدة وأغمي عليه، فمكث على ذلك ساعةً، ونضحوا الماء على وجهه “حتى أفاق” وتمكن حب كل واحد منهما في قلب صاحبه حتى بلغ منه كل مبلغ.
خطبته لليلى واختيارها عليه وشعره في ذلك أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني عبد الرحمن بن إبراهيم عن هشام بن محمد بن موسى المكي عن محمد بن سعيد المخزومي عن أبي الهيثم العقيلي قال: لما شهر أمر المجنون وليلى وتناشد الناس شعره فيها، خطبها وبذل لها خمسين ناقةً حمراء، وخطبها ورد بن محمد العقيلي وبذل لها عشراً من الإبل وراعيها، فقال أهلها: نحن مخيروها بينكما، فمن اختارت تزوجته، ودخلوا إليها فقالوا: والله لئن لم تختاري ورداً لنمثلن بك، فقال المجنون:

ألا يا ليل إن ملكت فـينـا

 

خيارك فانظري لمن الخيار

ولا تستبدلـي مـنـي دنـياً

 

ولا برماً إذا حب القـتـار

يهرول في الصغير إذا رآه

 

وتعجزه ملمـاتٌ كـبـار

فمثل تأيم مـنـه نـكـاحٌ

 

ومثل تمؤلٍ منه افتـقـار

فاختارت ورداً فتزوجته على كرهٍ منها.
حكاية أبيه عن جنونه بليلى وأخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا: حدثنا عمر بن شبة قال ذكر الهيثم بن عدي عن عثمان بن عمارة بن حريم المري قال: خرجت إلى أرض بني عامر لألقى المجنون، فدللت عليه وعلى محلته، فلقيت أباه شيخاً كبيراً وحوله إخوةٌ للمجنون مع أبيهم رجالاً؛ فسألتهم عنه فبكوه، وقال الشيخ: أما والله لهو كان آثر عندي من هؤلاء جميعاً، وإنه عشق امرأةً من قومه والله ما كانت تطمع في مثله، فلما فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجه إياها بعد ما ظهر من أمرهما، فزوجها غيره، وكان أول ما كلف بها يجلس إليها في نفرٍ من قومها فيتحدثون كما يتحدث الفتيان، وكان أجملهم وأظرفهم وأرواهم لأشعار العرب، فيفيضون في الحديث فيكون أحسنهم فيه إفاضةً، فتعرض عنه وتقبل على غيره، وقد وقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فظنت به ما هو عليه من حبها، فأقبلت عليه يوماً وقد خلت فقالت:

صوت

كلانا مظهرٌ للناس بغضـاً

 

وكل عند صاحبه مـكـين

وأسرار الملاحظ ليس تخفي

 

إذا نطقت بما تخفي العيون

غنت في الأول عريب خفيف رملٍ، وقيل: إن هذا الغناء لشارية، والبيت الأخير ليس من شعره – قال: فخر مغشياً عليه ثم أفاق فاقداً عقله، فكان لا يلبس ثوباً إلا خرقه ولا يمشي إلا عارياً ويلعب بالتراب ويجمع العظام حوله، فإذا ذكرت له ليلى أنشأ يحدث عنها عاقلاً ولا يخطىء حرفاً، وترك الصلاة، فإذا قيل له: ما لك لا تصلي! لم يرد حرفاً، وكنا نحبسه ونقيده، فيعض لسانه وشفته، حتى خشينا عليه فخلينا سبيله فهو يهيم.

قصته مع عمر بن عبد الرحمن بن عوف

قال الهيثم؛ فولى مروان بن الحكم عمر بن عبد الرحمن بن عوف صدقات بني كعب وقشير وجعدة، والحريش وحبيب وعبد الله، فنظر إلى المجنون قبل أن يستحكم جنونه فكلمه وأنشده فأعجب به، فسأله أن يخرج معه، فأجابه إلى ذلك، فلما أراد الرواح جاءه قومه فأخبروه خبره وخبر ليلى، وأن أهلها استعدوا السلطان عليه، فأهدر دمه إن أتاهم، فأضرب عما وعده وأمر له بقلائص، فلما علم بذلك وأتي بالقلائص ردها عليه وانصرف. وذكر أبو نصر أحمد بن حاتم عن جماعة من الرواة: أن المجنون هو الذي سأل عمر بن عبد الرحمن أن يخرج به، قال له: أكون معك في هذا الجمع الذي تجمعه غداً، فأرى في أصحابك، وأتجمل في عشيرتي بك، وأفخر بقربك، فجاءه رهطٌ من رهط ليلى وأخبروه بقصته، وأنه لا يريد التجمل به، وإنما يريد أن يدخل عليهم بيوتهم ويفضحهم في امرأة منهم يهواها، وأنهم قد شكوه إلى السلطان فأهدر دمه إن دخل عليهم، فأعرض عما أجابه إليه من أخذه معه وأمر له بقلائص، فردها وقال “في ذلك”:

رددت قلائص القرشي لما

 

بدا لي النقض منه للعهود

وراحوا مقصرين وخلفوني

 

إلى حزنٍ أعالجه شـديد

قال: ورجع آيساً فعاد إلى حاله الأولى، قال: فلم تزل تلك حاله، إلا أنه غير مستوحشٍ، إنما يكون في جنبات الحي منفرداً عارياً لا يلبس ثوباً إلا خرقه، ويهذي ويخطط في الأرض ويلعب بالتراب والحجارة، ولا يجيب أحداً سأله عن شيء، فإذا أحبوا أن يتكلم أو يثوب عقله ذكروا له ليلى، فيقول: بأبي هي وأمي، ثم يرجع إليه عقله فيخاطبونه ويجيبهم، ويأتيه أحداث الحي فيحدثونه عنها وينشدونه الشعر الغزل، فيجيبهم جواباً صحيحاً وينشدهم أشعاراً قالها، حتى سعى عليهم في السنة الثانية بعد عمر بن عبد الرحمن نوفل بن مساحق، فنزل مجمعاً من تلك المجامع فرآه يلعب بالتراب وهو عريان، فقال لغلام له: يا غلام، هات ثوباً، فأتاه به، فقال لبعضهم: خذ هذا الثوب فألقه على ذلك الرجل، فقال له: أتعرفه جعلت فداك؟ قال: لا، قال: هذا ابن سيد الحي، لا والله ما يلبس الثياب ولا يزيد على ما تراه يفعله الآن، وإذا طرح عليه شيء خرقه، ولو كان يلبس ثوباً لكان في مال أبيه ما يكفيه، وحدثه عن أمره، فدعا به وكلمه، فجعل لا يعقل شيئاً يكلمه به، فقال له قومه: إن أردت أن يجيبك جواباً صحيحاً فاذكر له ليلى، فذكرها له وسأله عن حبه إياها، فأقبل عليه يحدثه بحديثها ويشكو إليه حبه إياها وينشده شعره فيها، فقال له نوفل: الحب صيرك إلى ما أرى؟ قال نعم، وسينتهي بي إلى ما هو أشد مما ترى، فعجب منه وقال له: أتحب أن أزوجكها؟ قال: نعم، وهل إلى ذلك من سبيلٍ؟ قال: انطلق معي حتى أقدم على أهلها بك وأخطبها عليك وأرغبهم في المهر لها، قال: أتراك فاعلاً؟ قال: نعم، قال: انظر ما تقول! قال: لك علي أن أفعل بك ذلك، ودعا له بثياب فألبسه إياها، وراح معه المجنون كأصح أصحابه يحدثه وينشده، فبلغ ذلك رهطها فتلقوه في السلاح، وقالوا له: يابن مساحقٍ لا والله لا يدخل المجنون منازلنا أبداً أو يموت، فقد أهدر لنا السلطان دمه، فأقبل بهم وأدبر، فأبوا، فلما رأى ذلك قال للمجنون: انصرف، فقال له المجنون: والله ما وفيت لي بالعهد، قال له: انصرافك بعد أن آيسني القوم من إجابتك أصلح من سفك الدماء، فقال المجنون:

صوت

أيا ويح من أمسى تخلس عقلـه

 

فاصبح مذهوباً به كل مذهـب

خلياً من الخـلان إلا مـعـذراً

 

يضاحكني من كان يهوى تجنبي

الغناء للحسين بن محرز ثقيلٌ أول بالوسطى من جامع أغانيه:

إذا ذكرت ليلى عقلـت وراجـعـت

 

روائع عقلي من هوىً متـشـعـب

وقالوا صحيحٌ ما بـه طـيف جـنةٍ

 

ولا الهم إلا بافـتـراء الـتـكـذب

وشاهد وجدي دمع عيني وحـبـهـا

 

برى اللحم عن أحناء عظمي ومنكبي

صوت

تجنبت ليلى أن يلج بك الـهـوى

 

وهيهات كان الحب قبل التجنـب

ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـكٍ

 

صدىً أينما تذهب به الريح يذهب

الغناء لإسحاق خفيف ثقيلٍ أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، وفيه لابن جامعٍ هزجٌ من رواية الهشامي وهي قصيدة طويلة.
ومما يغنى فيه منها قوله:

صوت

فلم أرى ليلى بعد موقـف سـاعةٍ

 

بخيف منىً ترمي جمار المحصب

ويبدي الحصى منها إذا قذفت بـه

 

من البرد أطراف البنان المخضب

فأصبحت من ليلى الغداة كناظـرٍ

 

مع الصبح في أعقاب نجمٍ مغرب

ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـكٍ

 

صدىً إينما تذهب به الريح يذهب

فيه ثقيلٌ أول مطلقٌ باستهلال، ذكر ابن المكي أنه لأبيه يحيى، وذكر الهشامي أنه للواثق، وذكر حبش أنه لابن محرز، وهو في جامع أغاني سليمان منسوبٌ إليه.
أنشدني الأخفش عن أبي سعيد السكري عن محمد بن حبيب للمجنون

فواللـه ثـم الـلـه إنـي لـدائبٌ

 

أفكر ما ذنبي إليهـا وأعـجـب

ووالله ما أدري علام قتلـتـنـي

 

وأي أموري فيك يا ليل أركـب

أأقطع حبل الوصل فالموت دونه

 

أم أشرب رنقاً منكم ليس يشرب

أم أهرب حتى لا أرى لي مجاوراً

 

أم أصنع ماذا أم أبوح فأغـلـب

فأيهما يا ليل مـا تـرتـضـينـه

 

فإني لمظلوم وإنى لـمـعـتـب

حجه مع أبيه إلى مكة لسلوان ليلى ودعوته هو استزادة حبها ودوامه

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: ذكر هشام بن الكلبي ووافقه في روايته أبو نصر أحمد بن حاتم وأخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني علي ابن الصباح عن هشام ابن الكلبي عن أبيه: أن أبا المجنون وأمه ورجال عشيرته اجتمعوا إلى ليلى فوعظوه وناشدوه الله والرحم، وقالوا له: إن هذا الرجل لهالكٌ، وقبل ذلك ففي أقبح من الهلاك بذهاب عقله، وإنك فاجعٌ به أباه وأهله، فنشدناك الله والرحم أن تفعل ذلك، فوالله ما هي أشرف منه، ولا لك مثل مال أبيه، وقد حكمك في المهر، وإن شئت أن يخلع نفسه إليك من ماله فعل، فأبى وحلف بالله وبطلاق أمها إنه لا يزوجه إياها أبداً، وقال: أفضح نفسي وعشيرتي وآتي ما لم يأته أحدٌ من العرب، واسم ابنتي بميسم فضيحة فانصرفوا عنه، وخالفهم لوقته فزوجها رجلاً من قومها وأدخلها إليه، فما أمسى إلا وقد بنى بها، وبلغه الخبر فأيس منها حينئذٍ وزال عقله جملةً، فقال الحي لأبيه: أحجج به إلى مكة وادع الله عز وجل له، ومره أن يتعلق بأستار الكعبة، فيسأل الله يعافيه مما به ويبغضها إليه، فلعل الله أن يخلصه من هذا البلاء، فحج به أبوه، فلما صاروا بمنى سمع صائحاً في الليل يصيح: يا ليلى، فصرخ صرخةً ظنوا أن نفسه قد تلفت وسقط مغشياً عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح ثم أفاق حائل اللوان ذاهلاً، فأنشأ يقول:

صوت

عرضت على قلبي العزاء فقال لـي

 

من الآن فاياس لا أعزك من صبـر

إذا بان من تهـوى وأصـبـح نـائياً

 

فلا شيء أجدى من حلولك في القبر

وداع دعا إذ نحن بالخيف من منـىً

 

فهيج أطراب الـفـؤاد ومـا يدري

دعا باسم ليلى غيرهـا فـكـأنـمـا

 

أطار بليلى طائراً كان في صـدري

دعا باسم ليلى ظلل الـلـه سـعـيه

 

وليلى بأرضٍ عنه نـازحةٍ قـفـر

الغناء لعريب خفيف ثقيلٍ – ثم قال له أبوه: تعلق بأستار الكعبة واسأل الله أن يعافيك من حب ليلى، فتعلق بأستار الكعبة. وقال: اللهم زدني لليلى حباً وبها كلفاً ولا تنسني ذكرها أبداً، فهام حينئذٍ واختلط فلم يضبط. قالوا: فكان يهيم في البرية مع الوحش ولا يأكل إلا ما ينبت في البرية من بقل ولا يشرب إلا مع الظباء إذا وردت مناهلها، وطال شعر جسده ورأسه وألفته الظباء والوحوش فكانت لا تنفر منه، وجعل يهيم حتى يبلغ حدود الشأم، فإذا ثاب إليه عقله سأل من يمر به من أحياء العرب عن نجدٍ، فيقال له: وأين أنت من نجد! قد شارفت الشأم! أنت في موضع كذا، فيقول: فأروني وجهة الطريق، فيرحمونه ويعرضون عليه أن يحملوه وأن يكسوه فيأبى، فيدلونه على طريق نجد فيتوجه نحوه.

أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي وأخبرنا حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال ذكر الهيثم بن عدي عن أبي مسكين قال: خرج منا فتىً حتى إذا كان ببئر ميمونٍ إذا جماعة فوق بعض تلك الجبال، وإذا معهم فتىً أبيض طوال جعد كأحسن من رأيت من الرجال على هزالٍ منه وصفرةٍ، وإذا هم متعلقون به، فسألته عنه، فقيل لي: هذا قيسٌ المجنون خرج به أبوه يستجير له بالبيت، وهو على أن يأتي به قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدعو له هناك لعله يكشف ما به، فإنه يصنع بنفسه صنيعاً يرحمه منه عدوه، يقول: أخرجوني لعلني أتنسم صبا نجدٍ، فيخرجونه فيتوجهون به نحو نجدٍ، ونحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئت الأجر دنوت منه فأخبرته أنك أقبلت من نجدٍ، فدنوت منه وأقبلوا عليه فقالوا له: يا أبا المهدي، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفس تنفسةٍ ظننت أن كبده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن وادٍ وادٍ وموضعٍ موضعٍ، وأنا أخبره وهو يبكي أحر بكاءٍ وأوجعه للقلب، ثم أنشأ يقول:

ألا ليت شعري عن عوارضتي قناً

 

لطول الليالي هل تغيرتا بـعـدي

وهل جارتانا بالبتيل إلى الحـمـى

 

على عهدنا أم لم تدوما على العهد

وعن علويات الـرياح إذا جـرت

 

بريح الخزامى هل تهب على نجد

وعن أقحوان الرمل ما هو فاعـلٌ

 

إذا هو أسرى ليلةً بثرىً جـعـد

وهل أنفضن الدهر أفنان لمـتـى

 

على لاحق المتنين مندلق الوخـد

وهل أسمعن الدهر أصوات هجمةٍ

 

تحدر من نشزٍ خصيبٍ إلى وهـد

سؤاله زوج ليلى عن عشرته معها

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي والعتبي قالا: مر المجنون بزوج ليلى وهو جالسٌ يضطلي في يومٍ شاتٍ، وقد أتى ابن عم له في حي المجنون لحاجةٍ، فوقف عليه ثم أنشأ يقول:

صوت

بربك هل ضممت إليك ليلى

 

قبيل الصبح أو قبلت فاهـا

وهل رفت عليك قرون ليلى

 

رفيف الأقحوانة في نداها

فقال: اللهم إذ حلفتني فنعم، قال: فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر، فما فارقهما حتى سقط مغشياً عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، وعض على شفته فقطعها، فقام زوج ليلى مغموماً بفعله متعجباً منه فمضى.
غنى في البيتين المذكورين في هذا الخبر الحسين بن محرزٍ، ولحنه رمل بالوسطى عن الهشامي.

مروره بجبلي نعمان وشعره في ذلك

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال قال محمد بن الحكم عن عوانة: إنه حدثه ووافقه ابن نصر وابن حبيب قالوا: إن أهل المجنون خرجوا به معهم إلى وادي القرى قبل توحشه ليمتاروا خوفاً عليه “من” أن يضيع أو يهلك، فمروا في طريقهم بجبلي نعمان، فقال له بعض فتيان الحي: هذان جبلا نعمان، وقد كانت ليلى تنزل بهما، قال: فأي الرياح يأتي من ناحيتهما؟ قالوا: الصبا، قال: فوالله لا أريم هذا الموضع حتى تهب الصبا، فأقام ومضوا فامتاروا لأنفسهم، ثم أتوا عليه فأقاموا معه ثلاثة أيام حتى هبت الصبا، ثم انطلق معهم فأنشأ يقول:

صوت

أيا جبلي نعمان بـالـلـه خـلـيا

 

سبيل الصبا يخلص إلي نسيمهـا

أجد بردها أو تشف مني حـرارةً

 

على كبدٍ لم يبق إلا صميمـهـا

فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسـمـت

 

على نفس محزونٍ تجلت همومها

ارتحال أهل ليلى وما قاله في ذلك

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن الحسين بن الحرون قال حدثني الكسروي عن جماعةٍ من الرواة قال: لما منع أبو ليلى المجنون وعشيرته من تزويجه بها، كان لا يزال يغشى بيوتهم ويهجم عليهم، فشكوه إلى السلطان فأهدر دمه لهم، فأخبروه بذلك فلم يرعه وقال: الموت أروح لي فليتهم قتلوني، فلما علموا بذلك وعرفوا أنه لا يزال يطلب غرةً منهم حتى إذا تفرقوا دخل دورهم، فارتحلوا عنها وأبعدوا، وجاء المجنون عشيةً فأشرف على دورهم فإذا هي منهم بلاقع، فقصد منزل ليلى الذي كان بيتها فيه، فألصق صدره به وجعل يمرغ خديه على ترابه “ويبكي”، ثم أنشأ يقول، – وذكر هذه الأبيات ابن حبيب وأبو نصر له “بغير خبر” -:

أيا حرجات الحي حيث تحملوا

 

بذي سلمٍ لا جادكـن ربـيع

وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى

 

بلين بلىً لم تبـلـن ربـوع

ندمت على ما كان مني نـدامةً

 

كما يندم المغبـون حـين يبـيع

فقدتك من نفسٍ شعاعٍ فإنـنـي

 

نهيتك عن هذا وأنت جـمـيع

فقربت لي غير القريب وأشرفت

 

إليك ثنايا ما لـهـن طـلـوع

حديثه مع نسوة فيهن ليلى

وذكر خالد بن جميل وخالد بن كلثوم في أخبارهما التي صنعاها أن ليلى وعدته قبل أن يختلط أن تستزيره ليلةً إذا وجدت فرصةً لذلك، فمكث مدةً يراسلها في الوفاء وهي تعده وتسوفه، فأتى أهلها ذات يوم والحي خلوفٌ، فجلس إلى نسوة من أهلها حجرةً منها بحيث تسمع كلامه، فحادثهنّ طويلاً ثم قال: ألا أنشدكن أبياتاً أحدثها في هذه الأيام؟ قلن: بلى، فأنشدهن:

صوت

يا للرجال لهـم بـات يعـرونـي

 

مستطرفٍ وقديمٍ كـاد يبـلـينـي

من عاذري من غريم غير ذي عسرٍ

 

يأبى فيمطلنـي دينـي ويلـوينـي

لا يبعد النقد من حقي فـينـكـره

 

ولا يحدثني أن سوف يقضـينـي

وما كشكرى شكرٌ لو يوافـقـنـي

 

ولا مناي سـواه لـو يوافـينـي

أطعته وعصيت النـاس كـلـهـم

 

في أمره وهواه وهو يعصـينـي

قال: فقلن له: ما أنصفك هذا الغريم الذي ذكرته! وجعلن يتضاحكم وهو يبكي، فاستحيت ليلى منهن ورقت له حتى بكت، وقامت فدخلت بيتها وانصرف هو.

– في الثلاثة الأبيات الأولى من هذه الأبيات هزجٌ طنبوري للمسدود – قالا في خبرهما هذا: وكان للمجنون ابنا عم يأتيانه فيحدثانه ويسليانه ويؤانسانه، فوقف عليهما يوماً وهما جالسان، فقالا له: يا أبا المهدي ألا تجلس؟ قال: لا، بل أمضي إلى منزل ليلى فاترسمه وأرى آثارها فيه، فأشفي بعض ما في صدري بها، فقالا له: فنحن معك، فقال: إذا فعلتما أكرمتما وأحسنتما، فقاما معه حتى أتى دار ليلى، فوقف بها طويلاً يتتبع آثارها ويبكي ويقف في موضعٍ موضعٍ منها ويبكي ثم قال:

صوت

يا صاحبي ألما بـي بـمـنـزلة

 

قد مر حينٌ عليهـا إيمـا حـين

إني أرى رجعات الحب تقتلـنـي

 

وكان في بدئها ما كان يكفـينـي

لا خير في الحب ليست فيه قارعةٌ

 

كأن صاحبها في نزع مـوتـون

إن قال عذاله مهلاً فـلان لـهـم

 

قال الهوى غير هذا القول يعنيني

ألقى من اليأس تاراتٍ فتقتلـنـي

 

وللرجاء بشاشاتٌ فـتـحـيينـي

الغناء لإبراهيم خفيف ثقيلٍ من جامع غنائه وقال هشام بن الكلبي عن أبي مسكين: إن جماعة من بني عامر حدثوه قالوا: كان رجل من بني عامر ابن عقيلٍ يقال له: قيس بن معاذ، وكان يدعى المجنون، وكان صاحب غزلٍ ومجالسةٍ للنساء، فخرج على ناقة له يسير، فمر بامرأة من بني عقيلٍ يقال لها: كريمة، وكانت جميلةً عاقلةً، معها نسوة فعرفنه ودعونه إلى النزول والحديث، وعليه حلتان له فاخرتان وطيلسانٌ وقلنسوةٌ، فنزل فظل يحدثهن وينشدهن وهن أعجب شيءٍ به فيما يرى، فلما أعجبه ذلك منهن عقر لهن ناقته، وقمن إليها فجعلن يشوين ويأكلن إلى أن أمسى، فأقبل غلامٌ شابٌ حسن الوجه من حيهن فجلس إليهن، فأقبلن عليه بوجوههن يقلن له: كيف ظللت يا منازل اليوم؟ فلما رأى ذلك من فعلهن غضب، فقام وتركهن وهو يقول:

أأعقر من جـرا كـريمة نـاقـتـي

 

ووصلي مفروشٌ لوصل مـنـازل

إذا جاء قعقن الحـلـي ولـم أكـن

 

إذا جئت أرضى صوت تلك الخلاخل

قال: فقال له الفتى: هلم نتصارع أو نتناضل، فقال له: إن شئت ذلك فقم إلى حيث لا تراهن ولا يرينك، ثم ما شئت فافعل، وقال:

إذا ما انتضلنا في الخلاء نضلتـه

 

وإن يرم رشقاً عندها فهو ناضلي

وقال ابن الكلبي في هذا الخبر: فلما أصبح لبس حلته وركب ناقته ومضى متعرضاً لهن، فالفى ليلى جالسةً بفناء بيتها، وكانت معهن يومئذٍ جالسةً، وقد علق بقلبها وهويته، وعندها جويرياتٌ يحدثنها، فوقف بهن وسلم، فدعونه إلى النزول وقلن له: هل لك في محادثة من لا يشغله عنك منازل ولا غيره؟ قال: إي لعمري، فنزل وفعل فعلته بالأمس، فأرادت أن تعلم هل لها عنده مثل ما له عندها، فجعلت تعرض عن حديثه ساعةً بعد ساعةٍ وتحدث غيره، وقد كان علق حبها بقلبه وشغفه واستملحها، فبينا هي تحدثه إذ أقبل فتى من الحي فدعته فسارته سراراً طويلاً ثم قالت له انصرف، فانصرف، ونظرت إلى وجه المجنون قد تغير وامتقع وشق عليه ما فعلت، فأنشأت تقول:

كلانا مظهرٌ للناس بغضاً

 

وكلٌ عند صاحبه مكـين

تبلغنا العيون مقالـتـينـا

 

وفي القلبين ثم هوىً دفين

“قد نسبت هذا الشعر متقدماً ” فلما سمع هذين البيتين شهق شهقةً عظيمةً وأغمي عليه فمكث “كذلك” ساعةً، ونضحوا الماء على وجهه حتى أفاق، وتمكن حب كل واحدٍ منهما في قلب صاحبه وبلغ منه كل مبلغ.
حدثني عمي عن عبد الله بن أبي سعد عن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل القرشي قال حدثنا أبو العالية عن أبي ثمامة الجعدي قال: لا يعرف فينا مجنونٌ إلا قيس بن الملوح.

حديث اتصاله بليلى في صباه

قال: وحدثني بعض العشيرة قال: قلت لقيس بن الملوح قبل أن يخالط: ما أعجب شيء أصابك في وجدك بليلى؟ قال: طرقنا ذات ليلةٍ أضيافٌ ولم يكن عندنا لهم أدمٌ، فبعثني أبي منزل أبي ليلى وقال لي: اطلب لنا وقال لي: اطلب لنا منه أدماً، فأتيته فوقفت على خبائه فصحت به، فقال: ما تشاء؟ فقلت: طرقنا ضيفان ولا أدم عندنا لهم فأرسلني أبي نطلب منك أدماً، فقال: يا ليلى، أخرجي إليك ذلك النحي، فاملئن له إناءه من السمن، فأخرجته ومعي قعبٌ، فجعلت تصب السمن فيه ونتحدث، فألهانا الحديث وهي تصب السمن وقد امتلأ القعب ولا نعلم جميعاً، وهو يسيل استنقعت أرجلنا في السمن، قال: فأتيتهم ليلةً ثانيةً أطلب ناراً، وأنا متلفعٌ ببردٍ لي، فأخرجت لي ناراً في عطبةٍ فأعطتنيها ووقفنا نتحدث، فلما احترقت العطبة خرقت من بردي خرقةً وجعلت النار فيها، فكلما احترقت خرقت أخرى وأذكيت بها النار حتى لم يبق علي من البرد إلا ما وارى عورتي، وما أعقل ما أصنع، وأنشدني:

أمستقبلي نفح الصبا ثم شـائقـي

 

ببردٍ ثنـايا أم حـسـان شـائق

كأن على أنيابها الخمر شجـهـا

 

بماء الندى من آخر الليل عاتق

وما شمته إلا بعيني تـفـرسـاً

 

كما شيم في أعلى السحابة بارق

ومن الناس من يروي هذه الأبيات لنصيبٍ، ولكن هكذا روي في هذا الخبر.

حدث الأصمعي أنه لم يكن مجنوناً

أخبرنا محمد بن خلف وكيعٌ عن عبد الملك بن محمد الرقاشي عن عبد الصمد بن المعذل قال: سمعت الأصمعي يقول – و”قد” تذاكرنا مجنون بني عامر – قال: هو قيس ابن معاذ العقيلي، ثم قال: لم يكن مجنوناً إنما كانت به لوثةٌ، وهو القائل:

أخذت محاسن كـل مـا

 

ضنت محاسنه بحسنـه

كاد الغزال يكـونـهـا

 

لولا الشوى ونشوز قرنه

قال: وهو القائل:

صوت

ولم أر ليلى بعد مـوقـف سـاعةٍ

 

بخيف منىً ترمي جمار المحصب

ويبدي الحصى منها إذا قذفت بـه

 

من البرد أطراف البنان المخصب

فأصبحت من ليلى الغداة كناظـرٍ

 

مع الصبح في أعقاب نجمٍ مغرب

ألا إنمـا غـادرت يا أم مـالـكٍ

 

صدىً إينما تذهب به الريح يذهب

في هذه الأبيات لحنٌ من الثقيل الأول، ابتداؤه نشيدٌ من صنعة الواثق وهو المشهور. وذكره ابن المكي لأبيه يحيى. وهو في جامع غناء سليم بن سلام له. وذكره حبشٌ في موضعين من كتابه فنسبه في طريقه الثقيل الأول في أحدهما إلى ابن محرز، والآخر إلى يحيى المكي. وزعم الهشامي أن فيه لسليم بن سلام لحناً آخر من الثقيل الأول. أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن عبد الجبار الصوفي قال حدثني إبراهيم بن سعد الزهري قال: أتاني رجل من عذرة لحاجة، فجرى ذكر العشق والعشاق، فقلت له: أنتم أرق قلوباً أم بنو عامرٍ؟ إنا لأرق الناس قلوباً، ولكن غلبتنا بنو عامرٍ بمجنونها.

شيء من أوصافه

أخبرني أحمد بن عمر بن موسى بن زكويه القطان إجازةً قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال أخبرني عبد الجبار بن سليمان بن نوفل بن مساحقٍ عن أبيه عن جده قال: أنا رأيت مجنون بني عامر، وكان جميل الوجه أبيض اللون قد علاه شحوبٌ، واستنشدته فأنشدني قصيدته التي يقول فيها:

تذكرت ليلى والسنين الخوالـيا

 

وأيام لا أعدي على اللهو عادياً

أخبرني محمد بن الحسن الكندي خطيب مسجد القادسية قال حدثنا الرياشي قال: سمعت أبا عثمان المازني يقول: سمعت معاذاً وبشر بن المفضل جميعاً ينشدان هذين البيتين وينسبانهما لمجنون بني عامر:

طمعت بليلى أن تريع وإنمـا

 

تقطع أعناق الرجال المطامع

ودانيت ليلى في خلاءٍ ولم يكن

 

شهودٌ على ليلى عدولٌ مقانع

وحدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أبو خليفة “الفضل بن الحباب” عن ابن سلام قال: قضى عبيد الله الحسن بن الحصين بن أبي الحر العنبري على رجل من قومه قضيةً أوجبها الحكم عليه، وظن العنبري أنه تحامل عليه وانصرف مغضباً، ثم لقيه في طريق، فأخذ بلجام بغلته وكان شديداً أيداً، ثم قال له: إيه يا عبيد الله!

طمعت بليلى أن تريع وإنمـا

 

تقطع أعناق الرجل المطامع

فقال عبيد الله:

وبايعت ليلى في خلاءٍ ولم يكن

 

شهودٌ عدولٌ عند ليلى مقانـع

خل عن البغلة. قال الصولي في خبره هذا: والبيتان للبعيث هكذا، قال: فلا أدري أمن قوله هو أم حكاية عن أبي خليفة!.

زيارة ليلى له وحديثه معها

أخبرنا محمد بن القاسم الأنباري عن عبد الله بن خلف الدلال قال حدثنا زكريا بن موسى عن شعيب بن السكن عن يونس النحوي قال: لما اختلط عقل قيس بن الملوح وترك الطعام والشراب، مضت أمه إلى ليلى فقالت لها: إن قيساً قد ذهب حبك بعقله، وترك الطعام والشراب، فلو جئته وقتاً لرجوت أن يثوب إليه “بعض” عقله، فقالت ليلى: أما نهاراً فلا لأنني لا آمن قومي على نفسي ولكن ليلاً، فأتته ليلاً فقالت له: يا قيس، إن أمك تزعم أنك جننت من أجلي وتركت المطعم والمشرب، فاتق الله وأبق على نفسك، فبكى وأنشأ يقول:

قالت جننت على أيشٍ فقلت لها

 

الحب أعظم مما بالمـجـانـين

الحب ليس يفيق الدهر صاحبـه

 

وإنما يصرع المجنون في الحين

قال: فبكت معه، وتحدثا حتى كاد الصبح أن يسفر، ثم ودته وانصرفت، فكان آخر عهده بها.

سبب جنونه بيت شعر قاله

أخبرنا ابن المرزبان قال قال القحذمي: لما قال المجنون:

قضاها لغيري وابتلاني بحبها

 

فهلا بشيءٍ غير ليلى ابتلانيا

سلب عقله. الغناء لحكم ثقيلٌ أول، وقيل إنه لابن الهربذ. وفيه لمتيم خفيف ثقيلٍ أول من جامع أغانيها. وحدثني جحظة بهذا الخبر عن ميمون بن هارون أنه بلغه أنه لما قال هذا البيت برص.

سبب تسميته المجنون واختلاف الرواة في ذلك

أخبرني الحسن بن علي “قال حدثنا محمد بن طاهر” القرشي عن ابن عائشة قال: إنما سمي المجنون بقوله:

ما بال قلبك يا مجنون قد خـلـعـا

 

في حب من لا ترى في نيله طمعا

الحب والود نيطا بالـفـؤاد لـهـا

 

فأصبحا في فؤادي ثابتـين مـعـا

حدثنا وكيعٌ عن ابن يونس قال قال الأصمعي: لم يكن المجنون، إنما جننه العشق، وأنشد له:

يسمونني المجنون حين يرونني

 

نعم بي من ليلى الغداة جنـون

ليالي يزهى بي شبابٌ وشـرةٌ

 

وإذ بي من خفض المعيشة لين

أخبرني محمد بن المرزبان عن إسحاق بن محمد بن أبان قال حدثني علي بن سهل عن المدائني: أنه ذكر عنده مجنون بني عامر فقال: لم يكن مجنوناً، وإنما قيل له المجنون بقوله:

وإني لمجنونٌ بلـيلـى مـوكـلٌ

 

ولست عزوفاً عن هواها ولا جلدا

إذا ذكرت ليلى بكـيت صـبـابةً

 

لتذكارها حتى يبل البكا الـخـدا

أخبرني عمر بن جميلٍ العتكي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عون بن عبد الله العامري أنه قال: ما كان والله المجنون الذي تعزونه إلينا مجنوناً، إنما كانت به لوثةٌ وسهوٌ أحدثهما به حب ليلى، وأنشد له:

وبي من هوى ليلى الذي لو أبـثـه

 

جماعة أعدائي بكت لي عيونـهـا

أرى النفس عن ليلى أبت أن تطيعني

 

فقد جن من وجدي بليلى جنونـهـا

أخبرني ابن المرزبان قال قال العتبي: إنما سمي المجنون بقوله:

يقول أناسٌ عل مجنـون عـامـرٍ

 

يروم سلواً قلت أنى لـمـا بـيا

وقد لامني في حب ليلى أقاربـي

 

أخي وابن عمي وابن خالي وخاليا

يقولون ليلى أهـل بـيت عـداوةٍ

 

بنفسي ليلى من عـدو ومـالـيا

ولو كان في ليلى شذاً من خصومةٍ

 

للويت أعناق المطي الـمـلاويا

أخبرني هاشم “بن محمد” الخزاعي عن عيسى بن إسماعيل قال قال ابن سلام: لو حلفت أن مجنون بني عامرٍ لم يكن مجنوناً لصدقت، ولكن توله لما زوجت ليلى وأيقن اليأس منها، ألم تسمع إلى قوله:

أيا ويح من أمسى تخلس عقلـه

 

فأصبح مذهوباً به كل مذهـب

خليعاً من الخلان إلا مجـامـلا

 

يساعدني من كان يهوى تجنبي

إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت

 

عوزاب قلبي من هوىً متشعب

“أخبرني به الحسن بن علي عن دينار بن عامر التغلبي عن مسعود بن سعد عن ابن سلام ونحوه.
أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أنشدني صالح بن سعيد قال أنشدني يعقوب بن السكيت للمجنون.

يسمونني المجنون حين يرونني

 

نعم بي من ليلى الغداة جنون”

قال: وأنشدنا له أيضاً:

صوت

وشغلت عن فهم الحديث سوى

 

ما كان فيك فإنه شـغـلـي

وأديم لحظ محـدثـي لـيرى

 

أن قد فهمت وعندكم عقلـي

الحديث عن تكنيته ليلى بأم مالك

أخبرني ابن المرزبان عن محمد بن الحسن دينار الأحول عن علي بن المغيرة الأثرم عن أبي عبيدة: أن صاحبة مجنون بني عامر التي كلف بها ليلى بنت مهدي بن سعد بن مهدي “بن ربيعة” بن الحريش، وكنيتها أم مالكٍ، وقد ذكر هذه الكنية المجنون في شعره فقال:

تكاد بلاد الله يا أم مـالـكٍ

 

بما رحبت يوماً علي تضيق

وقال أيضاً:

فإن الذي أملت من أم مـالـكٍ

 

أشاب قذالي واستهـام فـؤاديا

خليلي إن دارت على أم مالـكٍ

 

صروف الليالي فابغيا لي ناعيا

وقال أبو عمرو الشيباني: علق المجنون ليلى بنت مهدي بن سعد من بني الحريش، وكنيتها أم مالكٍ، فشهر بها وعرف خبره فحجبت عنه، فشق عليه فخطبها إلى أبيها فرده وأبى أن يزوجه إياها، فاشتد به الأمر حتى جن وقيل له: “مجنون بني عامر” فكان على حاله يجلس في نادي قومه فلا يفهم ما يحدث به ولا يعقله إلا إذا ذكرت ليلى. وأنشد له أبو عمرو:

صوت

الرائية

ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعـي

 

بليلٍ ولا يجـري بـذلـك طـائر

بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت

 

بليلى ولكن ليس للطـير زاجـر

أزالت عن العهد الذي كان بينـنـا

 

بذي الأثل أم قد غيرتها المـقـادر

فوالله ما في القرب لي منك راحةٌ

 

ولا البعد يسليني ولا أنا صـابـر

ووالـلـه مـا أدري بـأية حـيلةٍ

 

وأي مرامٍ أو خطـارٍ أخـاطـر

وتالله إن الدهر في ذات بـينـنـا

 

علي لها في كل حـالٍ لـجـائر

فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتني

 

جميع القوى والعقل منـي وافـر

ولكن أيامي بـحـقـل عـنـيزةٍ

 

وبالرضم أيامٌ جناها الـتـجـاور

وقد أصبح الود الذي كان بـينـنـا

 

أماني نفسٍ والـمـؤمـل حـائر

لعمري لقد رنقـت يا أم مـالـكٍ

 

حياتي وساقتني إليك الـمـقـادر

قال أبو عمرو: وأخبرني بعض الشأميين قال: دخلت أرض بني عامر، فسألت عن المجنون الذي قتله الحب، فخبروني عنه أنه كان عاشقاً لجارية منهم يقال لها ليلى، ربا معها ثم حجبت عنه، فاشتد عليه وذهب عقله، فأتاه إخوانٌ من إخوانه يلومونه على ما يصنع بنفسه، فقال:

صوت

صاحبي ألما بي بمـنـزلةٍ

 

قد مر حينٌ عليها أيما حـين

في كل منزلةٍ ديوان معـرفةٍ

 

لم يبق باقيةٍ ذكـر الـدواوين

إني أرى رجعات الحب تقتلني

 

وكان في بدئها ما كان يكفيني

الغناء لابن جامع خفيف ثقيلٍ.

جنونه بليلى وهيامه على وجهه من أجلها

أخبرني هاشمٌ الخزاعي عن “العباس بن الفرج” الرياشي قال: ذكر العتبي عن أبيه قال: كان المجنون في بدء أمره يرى ليلى ويألفها ويأنس بها ثم غيبت عن ناظره، فكان أهله يعزونه عنها ويقولون: نزوجك أنفس جاريةٍ في عشيرتك، فيأبى إلا ليلى ويهذي بها ويذكرها “فكان ربما استراح إلى أمانيهم وركن إلى قولهم”، وكان ربما هاج عليه الحزن والهم فلا يملك مما هو فيه أن يهيم على وجهه، وذلك قبل أن يتوحش مع البهائم في القفار، فكان قومه يلومونه ويعذلونه، فأكثروا عليه في الملامة والعذل يوماً فقال:

صوت

يا للرجال لهـمٍّ بـت يعـرونـي

 

مستطرفٍ وقديمٍ كان يعـنـينـي

على غريم مليء غـير ذي عـدم

 

يأبى فيمطلني دينـي ويلـوينـي

لا يذكر البعض من ديني فينكـره

 

ولا يحدثني أن سوف يقضـينـي

وما كشكري شكرٌ لو يوافـقـنـي

 

ولا منىً كمـنـاه إذ يمـنـينـي

أطعته وعصيت النـاس كـلـهـم

 

في أمره ثم يأبى فهو يعصـينـي

خيري لمن يبتغي خيري ويأمـلـه

 

من دون شري وشري غير مأمون

وما أشارك في رأيي أخاً ضعـفٍ

 

ولا أقول أخي مـن لا يواتـينـي

في هذه الأبيات هزجٌ طنبوري للمسدود من جامعه.
وقال أبو عمرو الشيباني: حدثني رباح العامري قال: كان المجنون أول ما علق ليلى كثير الذكر لها والإتيان بالليل إليها، والعرب ترى ذلك غير منكرٍ أن يتحدث الفتيان إلى الفتيات، فلما علم أهلها بعشقه لها منعوه من إتيانها وتقدموا إليه، فذهب لذلك عقله ويئس منه قومه واعتنوا بأمره، واجتمعوا إليه ولاموه وعذلوه على ما يصنع بنفسه، وقالوا: والله ما هي لك بهذه الحال، فلو تناسيتها رجونا أن تسلو قليلاً، فقال لما سمع مقالتهم وقد غلب عليه البكاء:

صوت

فواكبدا من حب من لا يحبنـي

 

ومن زفراتٍ ما لهـن فـنـاء

أريتك إن لم أعطك الحب عن يدٍ

 

ولم يك عنـدي إذ أبـيت إبـاء

أتاركتي للموت أنـت فـمـيتٌ

 

وما للنفوس الخائفـات بـقـاء

ثم أقبل على القوم فقال: إن الذي بي ليس بهينٍ، فاقلوا من ملامكم فلست بسامعٍ فيها ولا مطيعٍ لقول قائلٍ.
قصة حبه ليلى برواية رباح العامري أخبرني عمي ومحمد بن حبيب وابن المرزبان عن عبد الله بن أبي سعد عن عبد العزيز صالح عن أبيه عن ابن دأبٍ عن رباح بن حبيب العامري: أنه سأله عن حال المجنون وليلى، فقال: كانت ليلى من بني الحريش وهي بنت مهدي بن سعيد بن مهدي بن ربيعة بن الحريش، وكانت من أجمل النساء وأظرفهن وأحسنهن جسماً وعقلاً وأفضلهن أدباً وأملحهن شكلاً، وكان المجنون كلفاً بمحادثة النساء صباً بهن، فبلغه خبرها ونعتت له، فصبا إليها وعزم على زيارتها، فتأهب لذلك ولبس أفضل ثيابه ورجل جمته ومس طيباً كان عنده، وارتحل ناقةً له كريمةً برحلٍ حسنٍ وتقلد سيفه وأتاها، فسلم فردت عليه السلام وتحفت في المسئلة، وجلس إليها فحادثته وحادثها فأكثرا، وكل واحد منهما مقبلٌ على صاحبه معجبٌ به، فلم يزالا كذلك حتى أمسيا، فانصرف إلى أهله فبات بأطول ليلةٍ شوقاً إليها، حتى إذا أصبح عاد إليها فلم يزل عندها حتى أمسى، ثم انصرف إلى أهله فبات بأطول من ليلته الأولى واجتهد أن يغمض فلم يقدر على ذلك، فأنشأ يقول:

نهاري نهار الناس حتى إذا بـدا

 

لي الليل هزتني إليك المضاجع

أقضي نهاري بالحديث وبالمنى

 

ويجمعني والهم بالليل جامـع

لقد ثبتت في القلب منك محـبةٌ

 

كما ثبتت في الراحتين الأصابع

– عروضه من الطويل، والغناء لإبراهيم الموصلي رملٌ بالوسطى عن عمرو – قال: وأدام زيارتها وترك من يأتيه فيتحدث إليه غيرها، وكان يأتيها في كل يوم فلا يزال عندها نهاره أجمع حتى إذا أمسى انصرف، فخرج ذات يومٍ يريد زيارتها فلما قرب من منزلها لقيته جاريةٌ عسراء فتطير منها، وأنشأ يقول:

وكيف يرجى وصل ليلى وقد جـرى

 

بجد القوى والوصل أعسر حاسـر

صديع العصا صعب المرام إذا انتحى

 

لوصل امرىءٍ جدت عليه الأواصر

ثم سار إليها في غدٍ فحدثها بقصته وطيرته ممن لقيه، وأنه يخاف تغير عهدها وانتكاثه وبكى، فقالت: لا ترع، حاش لله من تغير عهدي، لا يكون والله ذلك أبداً إن شاء الله، فلم يزل عندها يحادثها بقية يومه، ووقع له في قلبها مثل ما وقع لها في قلبه، فجاءها يوماً كما كان يجيء، وأقبل يحدثها فأعرضت عنه، وأقبلت على غيره بحديثها، تريد بذلك محنته وأن تعلم ما في قلبه، فلما رأى ذلك جزع جزعاً شديداً حتى بان في وجهه وعرف فيه، فلما خافت عليه أقبلت عليه كالمسرة إليه فقالت:

كلانا مظهرٌ للناس بغضنا

 

وكل عند صاحبه مكين

فسري عنه وعلم ما في قلبها، فقالت له: إنما أردت أن أمتحنك والذي لك عندي أكثر من الذي لي عندك، وأعطي الله عهداً إن جالست بعد يومي هذا رجلاً سواك حتى أذوق الموت إلا أن أكره على ذلك، قال: فانصرفت عنه وهو من أشد الناس سروراً وأقرهم عيناً، وقال:

أظن هواها تاركي بـمـضـلةٍ

 

من الأرض لا مالٌ لدي ولا أهل

ولا أحدٌ أفضي إلـيه وصـيتـي

 

ولا صاحبٌ إلا المطية والرحل

محا حبها حب الألى كن قبلـهـا

 

وحلت مكاناً لم يكن حل من قبل

شعره بعد أن تزوجت وأيس منها أخبرني جعفر بن قدامة عن أبي العيناء عن العتبي قال: لما حجبت ليلى عن المجنون خطبها جماعةٌ فلم يرضهم أهلها، وخطبها رجل من ثقيف موسرٌ فزوجوه وأخفوا ذلك عن المجنون ثم نمي إليه طرفٌ منه لم يتحققه، فقال:

دعوت إلهي دعوةً ما جهلتـهـا

 

وربي بما تخفي الصدور بصير

لئن كنت تهدي برد أنيابها العـلا

 

لأفقر مني إنـنـي لـفـقـيرٌ

فقد شاعت الأخبار أن قد تزوجت

 

فهل يأتيني بالطـلاق بـشـير

وقال أيضاً:

ألا تلك ليلى العامرية أصبـحـت

 

تقطع إلا من ثقيفٍ حـبـالـهـا

هم حبسوها محبس البدن وابتغـى

 

بها المال أقوامٌ ألا قل مـالـهـا

إذا التفتت والعيس صعرٌ من البرى

 

بنخلة جلت عبرة العين حالـهـا

قال: وجعل يمر بيتها فلا يسأل عنها ولا يلتفت إليه، ويقول إذا جاوزه:

صوت

ألا أيها البيت الـذي لا أزوره

 

وإن حله شخصٌ إلي حبـيب

هجرتك إشفاقاً وزرتك خائفـاً

 

وفيك علي الدهر منك رقيب

سأستعتب الأيام فيك لعلـهـا

 

بيوم سرورٍ في الزمان تؤوب

الغناء لعريب ثاني ثقيلٍ بالوسطى. قال: وبلغه أن أهلها يريدون نقلها إلى الثقفي فقال:

صوت

كأن القلب ليلة قيل يغدى

 

بليلى العامرية أو يراح

قطاةٌ عزها شركٌ فباتت

 

تجاذبه وقد علق الجناح

– عروضه من الوافر. الغناء لابن المكي خفيفٌ ثقيلٍ “أول” بالوسطى في مجراها عن إسحاق، وفيه خفيف ثقيلٍ آخر لسليمان مطلقٌ في مجرى البنصر، وفيه لإبراهيم رملٌ بالوسطى في مجراها عن الهشامي – قال: فلما نقلت “ليلى” إلى الثقفي قال:

قصيدته العينية

طربت وشاقتك الحمول الـدوافـع

 

غداة دعا بالبـين أسـفـع نـازع

شحا فاه نعباً بـالـفـراق كـأنـه

 

حريبٌ سليبٌ نازح الـدار جـازع

فقلت ألا قد بين الأمر فانـصـرف

 

فقد راعنا بالبـين قـبـلـك رائع

سقيت سموماً من غراب فأنـنـي

 

تبينت ما خبرت مـذ أنـت واقـع

ألم تر أنـي لا مـحـب ألـومـه

 

ولا ببديلٍ بعـدهـم أنـا قـانـع

“ألم تر دار الحي في رونق الضحى

 

بحيث انحنت للهضبتين الأجـارع”

وقد يتناءى الإلف من بـعـد ألـفةٍ

 

ويصدع ما بين الخليطـين صـادع

وكم من هوى أو جيرةٍ قد ألفتـهـم

 

زماناً فلم يمنعهم الـبـين مـانـع

كأني غداة الـبـين مـيت جـوبةٍ

 

أخو ظمأ سدت عليه المـشـارع

تخلس من أوشـال مـاءٍ صـبـابةً

 

فلا الشرب مبذولٌ ولا هو نـاقـع

وبيضٍ تطلى بالعـبـير كـأنـهـا

 

نعاج الملا جيبت عليها البـراقـع

تحملن من وادي الأراك فأومضـت

 

لهن بأطراف العيون الـمـدامـع

فما رمن ربع الدار حتى تشابهـت

 

هجائنها والجون منها الخـواضـع

وحتى حلمن الحور من كل جانـب

 

وخاضت سدول الرقم منها الأكارع

فلما استوت تحت الخدور وقد جرى

 

عبيرٌ ومسكٌ بالـعـرانـين رادع

أشرن بأن حثوا الجمال فـقـد بـدا

 

من الصيف يومٌ لافحٌ الحر ماتـع

فلما لحقنا بالحمـول تـبـاشـرت

 

بنا مقصراتٌ غاب عنها المطامـع

يعرضن بالدل الـمـلـيح وإن يرد

 

جناهن مشغوفٌ فهـن مـوانـع

فقلت لأصحابي ودمعي مـسـبـلٌ

 

وقد صدع الشمل المشتت صـادع

أليلى بأبواب الخدور تـعـرضـت

 

لعيني أم قرنٌ من الشمس طالـع

مروره على حمامة تهدل وما قال في ذلك من الشعر

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثنا الهيثم بن فراسٍ قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي: أن أبا المجنون حج به ليدعو الله عز وجل في الموقف أن يعافيه، فسار ومعه ابن عمه زياد بن كعب بن مزاحم، فمر بحمامة تدعو على أيكة فوقف يبكي، فقال له زياد: أي شيء هذا؟ ما يبكيك أيضاً؟ سر بنا نلحق الرفقة، فقال:

أأن هتفـت يومـاً بـوادٍ حـمـامةٌ

 

بكيت ولم يعذرك بالجهـل عـاذر

دعت ساق حرٍّ بعد ما علت الضحى

 

فهاج لك الأحزان أن نـاح طـائر

تغني الضحى والصبح في مرجحنةٍ

 

كثاف الأعالي تحتها المـاء حـائر

كأن لم يكن بالغيل أو بـطـن أيكةٍ

 

أو الجزع من تول الأشاءة حاضـر

يقول زيادٌ إذ رأى الحي هـجـروا

 

أرى الحي قد ساروا فهل أنت سائر

وإني وإن غال التقـادم حـاجـتـي

 

ملمٌ على أوطان ليلـى فـنـاظـر

هيامه إلى نواحي الشأم وما يقوله من الشعر عند عوده ورؤبة التوباد

أخبرني “محمد بن مزيد” بن أبي الأزهر عن الزبير عن محمد بن عبد الله البكري عن موسى بن جعفر بن أبي كثير وأخبرني عمي عن “عبد الله” بن شبيب عن “هارون بن موسى” الفروي عن موسى بن جعفر بن أبي كثير وأخبرني ابن المرزبان عن ابن الهيثم عن العمري عن العتبي قالوا جميعاً: كان المجنون وليلى وهما صبيان يرعيان غنماً لأهلها عند جبلٍ في بلادهما يقال له التوباد، فلما ذهب عقله وتوحش، كان يجيء إلى ذلك الجبل فيقيم به، فإذا تذكر أيام كان يطيف هو وليلى به جزع جزعاً شديداً واستوحش فهام على وجهه حتى يأتي نواحي الشأم، فإذا ثاب إليه عقله رأى بلداً لا يعرفه فيقول للناس الذين يلقاهم: بأبي أنتم، أين التوباد من أرض بني عامر؟ فيقال له: وأين أنت من أرض بني عامر! أنت بالشأم عليك بنجم كذا فأمه، فيمضي على وجهه نحو ذلك النجم حتى يقع بأرض اليمن، فيرى بلاداً ينكرها وقوماً لا يعرفهم فيسألهم عن التوباد وأرض بني عامر، فيقولون: وأين أنت من أرض بني عامر! عليك بنجم كذا وكذا، فلا يزال كذلك حتى يقع على التوباد، فإذا رآه قال في ذلك: أبياته التي يصف فيها انصباب الدمع

وأجهشت للتوباد حـين رأيتـه

 

وكبر للرحمـن حـين رآنـي

وأذريت دمع العين لما عرفتـه

 

ونادى بأعلى صوته فدعـانـي

فقلت له قد كان حولـك جـيرةٌ

 

وعهدي بذاك الصرم منذ زمان

فقال مضوا واستودعوني بلادهم

 

ومن ذا الذي يبقى على الحدثان

وإني لأبكي اليوم من حذري غداً

 

فراقك والحيان مجتـمـعـان

سجالاً وتهتـانـا ووبـلاً وديمةً

 

وسحاً وتسجاماً إلى هـمـلان

سبب ذهاب عقله

أخبرني عمي عن “عبد الله” بن شبيب عن هارون بن موسى الفروي عن موسى بن جعفر بن أبي كثير قال: لما قال المجنون:

خليلي لا واللـه لا أمـلـك الـذي

 

قضى الله في ليلى ولا ما قضى ليا

قضاها لغيري وابتلاني بحـبـهـا

 

فهلا بشيءٍ غير ليلى ابـتـلانـيا

سلب عقله.
وحدثني جحظة عن ميمون بن هارون عن إسحاق الموصلي أنه لما قالهما برص.

شعره حين توهم هاتفا باسم ليلى

قال موسى بن جعفر في خبره المذكور: وكان المجنون يسير مع أصحابه فسمع صائحاً يصيح: يا ليلى في ليلةٍ ظلماء أو توهم ذلك، فقال لبعض من معه: أما تسمع هذا الصوت؟ فقال: ما سمعت شيئاً، قال: بلى، والله هاتفٌ يهتف بليلى، ثم أنشأ يقول:

أقول لأدنى صـاحـبـي كـلـيمةٌ

 

أسرت من الأقصى أجب ذا المناديا

إذا سرت في الأرض الفضاء رأيتني

 

أصانع رحلـي أن يمـيل حـيالـيا

يميناً إذا كانت يمـينـاً وإن تـكـن

 

شمالاً ينازعني الهوى عن شمالـيا

شعر له في منى وغيرها يرويه غرير بن طلحة

وقال ابن شبيبٍ وحدثني هارون بن موسى قال: قلت لغريز بن طلحة المخزومي: من أشعر الناس ممن قال شعراً في منى ومكة وعرفاتٍ؟ فقال: أصحابنا القرشيون، ولقد أحسن المجنون حيث يقول:

وداعٍ دعا إذ نحن بالخيف من منىً

 

فهيج أحزان الفـؤاد ومـا يدري

دعا باسم ليلى غرها فـكـأنـمـا

 

أطار بليلى طائراً كان في صدري

فقلت له: هل تروي للمجنون غير هذا؟ قال: نعم، وأنشدني له:

أما والذي أرسى ثبيراً مـكـانـه

 

عليه السحاب فوقه يتـنـصـب

وما سلك الموماة من كل جسـرةٍ

 

طليحٍ كجفن السيف تهوي فتركب

لقد عشت من ليلى زماناً أحبـهـا

 

أخا الموت إذ بعض المحبين يكذب

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد “بن إسحاق” عن أبيه قال: كانت كنية ليلى أم عمرو، وأنشد للمجنون:

صوت

أبى القلب إلا حـبـه عـامـريةً

 

لها كنيةٌ عمروٌ وليس لها عمـرو

تكاد يدي تندى إذا ما لمـسـتـهـا

 

وينبت في أطرافها الورق الخضر

الغناء لعريب ثقيلٌ أول، وقال حبش: فيه لإسحاق خفيف ثقيلٍ.

خطبة ليلى برجل من ثقيف وما قاله المجنون في ذلك من الشعر

أخبرني هاشم “بن محمد” الخزاعي عن دماذ عن أبي عبيدة قال: خطب ليلى صاحبة المجنون جماعةٌ من قومها فكرهتهم، فخطبها رجلٌ من ثقيف موسرٌ فرضيته، وكان جميلاً فتزوجها وخرج بها، فقال المجنون في ذلك:

ألا إن ليلى كالمنيحة أصـبـحـت

 

تقطع إلا من ثقيف حـبـالـهـا

فقد حبسوها محبس البدن وابتغـى

 

بها الريح أقوامٌ تساحت مـالـهـا

خليلي هل من حيلةٍ تعلـمـانـهـا

 

يدني لنا تكليم ليلى احـتـيالـهـا

فإن أنتما لم تعلماها فـلـسـتـمـا

 

بأول بـاغٍ حـاجةً لا ينـالـهــا

كأن مع الركب الذين اغتدوا بـهـا

 

غمامة صيفٍ زعزعتها شمالـهـا

نظرت بمفضى سيل جوشن إذ غدوا

 

تخب بأطراف المـخـارم آلـهـا

بشافية الأحزان هـيج شـوقـهـا

 

مجـامـعة الآلاف ثـم زيالـهـا

إذا التفتت من خلفها وهي تعتـلـي

 

بها العيس جلى عبرة العين حالهـا

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال أنشدني أحمد بن يحيى ثعلبٌ عن أبي نصر أحمد بن حاتم قال: وأنشدناه المبرد للمجنون فقال:

صوت

وأحـبـس عـنـك الـنـفـس والـنـفـــس صـــبةٌ

 

بذكـراك والـمـــمـــشـــى ألـــيك قـــريب

مخـافة أن تـسـعــى الـــوشـــاة بـــظـــنةٍ

 

وأحــرســـكـــم أن يســـتـــريب مـــريب

فقد جعلت نفسي وأنت اجترمتهوكنت أعز الناس عنك تطيب

 

 

فلو شئت لم أغضب عليك ولم يزل

 

لك الـدهـر مـنـي مـــا حـــييت نـــصـــيب

أمـا والـذي يبـلـو الــســـرائر كـــلـــهـــا

 

ويعـلـم مــا تـــبـــدي بـــه وتـــغـــيب

لقـد كـنـت مـمـن تـصـطـفـي الـنـفـس خـــلةً

 

لهـا دون خـلان الــصـــفـــاء حـــجـــوب

ذكر يحيى المكي أنه لابن سريج ثقيلٌ أول، وقال الهشامي: إنه منحول يحيى إليه.

خبر أبي الحسن الببغاء والمرأة التي أحبت صديقاً له من قريش

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الحسن بن محمد بن طالب الديناري قال حدثني إسحاق الموصلي، وأخبرني به محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني سعيد بن سليمان عن أبي الحسن الببغاء قال: بينا أنا وصديق لي من قريش نمشي بالبلاط ليلاً، إذا بظل نسوة في القمر، فسمعت إحداهن تقول: أهو هو؟ فقالت لها أخرى معها: أي والله إنه لهو هو؟ فدنت مني ثم قالت: يا كهل، قل لهذا الذي معك:

ليست لياليك في خاخٍ بعائدةٍ

 

كما عهدت ولا أيام ذي سلم

فقلت: أجب فقد سمعت، فقال: قد والله قطع بي وأرتج علي فأجب عني، فقلت:

فقلت لها يا عز كل مـصـيبةٍ

 

إذا وطنت يوماً لها النفس ذلت

ثم مضينا حتى إذا كنا بمفرق طريقين مضى الفتى إلى منزله ومضيت إلى منزلي، فإذا أنا بجويريةٍ تجذب ردائي فالتفت، فقالت لي: المرأة التي كلمتها تدعوك، فمضيت معها حتى دخلت داراً واسعة ثم صرت إلى بيتٍ فيه حصيرٌ، وقد ثنت لي وسادةً فجلست عليها، ثم جاءت جاريةٌ بوسادة مثنيةٍ فطرحتها، ثم جاءت المرأة فجلست عليها، فقالت لي: أنت المجيب؟ قلت: نعم، قالت: ما كان أفظ لجوابك وأغلظه! فقلت لها: ما حضرني غيره، فسكتت، ثم قالت: لا والله ما خلق الله خلقاً أحب إلي من إنسان كان معك! فقلت لها: أنا الضامن لك عنه ما تحبين، فقالت: هيهات أن يقع بذلك وفاءٌ، فقلت: أنا الضامن وعلي أن آتيك به في الليلة القابلة فانصرفت، فإذا الفتى ببابي، فقلت: ما جاء بك؟ قال: ظننت أنها سترسل إليك وسألت عنك فلم أعرف لك خبراً، فظننت أنك عندها، فجلست أنتظرك، فقلت له: وقد كان الذي ظننت، وقد وعدتها أن آتيك فأمضي بك إليها في الليلة المقبلة، فلما أصبحنا تهيأنا وانتظرنا المساء، فلما جاء الليل رحلنا إليها، فإذا الجارية منتظرةٌ لنا، فمضت أمامنا حين رأتنا حتى دخلت تلك الدار ودخلنا معها، فإذا رائحةٌ طيبة ومجلسٌ قد أعد ونضد، فجلسنا على وسائد قد ثنيت لنا، وجلست ملياً ثم أقبلت عليه فعاتبته ملياً ثم قالت:

صوت

وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني

 

وأشمت بي من كان فيك يلوم

وأبرزتني للناس ثم تركتنـي

 

لهم غرضاً أرمى وأنت سليم

فلو كان قولٌ يكلم الجلد قد بدا

 

بجلدي من قول الوشاة كلوم

هذه الأبيات لأميمة امرأة ابن الدمينة، وفيها غناء لإبراهيم الموصلي ذكره إسحاق ولم يجنسه. وقال الهشامي: هو خفيف رملٍ. وفيه لعريب خفيف ثقيلٍ أول ينسب إلى حكم الوادي وإلى يعقوب. قال: ثم سكتت وسكت الفتى هنيهةً ثم قال:

غدرت ولم أغدر وخنت ولم أخن

 

وفي بعض هذا للمحب عـزاء

جزيتك ضعف الود ثم صرمتني

 

فحبك من قلـبـي إلـيك أداء

فالتفتت إلي فقالت: ألا تسمع ما يقول! قد خبرتك، فغمزته أن كف فكف، ثم أقبلت عليه وقالت:

صوت

تجاهلت وصلي حين جدت عمايتي

 

فهلا صرمت الحبل إذ أنا أبصـر

ولي من قوى الحبل الذي قد قطعته

 

نصيبٌ وإذ رأيي جميعٌ مـوفـر

ولكنما آذنت بـالـصـرم بـغـتةً

 

ولست على مثل الذي جئت أقـدر

– الغناء لإبراهيم ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو – فقال:

لقد جعلت نفسي وأنت اجترمتهوكنت أعز الناس عنك تطيب

قال: فبكت، ثم قالت: أو قد طابت نفسك! لا، والله ما فيك بعدها خير، ثم التفتت إلي وقالت: قد علمت أنك لا تفي بضمانك ولا يفي به عنك. وهذا البيت الأخير للمجنون، وإنما ذكر هذا الخبر هنا وليس من أخبار المجنون لذكره فيه.

رجع الخبر إلى سياق أخبار المجنون رأى المجنون أبيات أهل ليلى فقال شعراً

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي أن رهط المجنون اجتازوا في نجعةٍ لهم بحي ليلى، وقد جمعتهم نجعةٌ فرأى أبيات أهل ليلى ولم يقدم على الإلمام بهم وعدل أهله إلى جهة أخرى، فقال المجنون:

لعمرك إن البيت بالقبـل الـذي

 

مررت ولم ألمم عليه لشـائق

وبالجزع من أعلى الجنيبة منزلٌ

 

شجا حزنٍ صدري به متضايق

كأني إذا لم ألق ليلى معـلـقٌ

 

بسبين أهفوا بين سهلٍ وحالـق

على أنني لو شئت هاجت صبابتي

 

علي رسومٌ عي فيها التنـاطـق

لعمرك إن الحـب يا أم مـالـكٍ

 

بقلبي براني الله منه لـلاصـق

يضم علي الليل أطراف حبـكـم

 

كما ضم أطراف القميص البنائق

صوت

وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا

 

سوى أن يقولوا إنني لك عاشق

نعم صدق الواشون إنت حبـيبةٌ

 

إلي وإن لم تصف منك الخلائق

الغناء لمتيم ثقيلٌ أول من جامعها. وفيه لدعامة رملٌ عن حبشٍ.

حديث ليلى جارة لها من عقيل

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني أحمد بن الطيب قال قال ابن الكلبي: دخلت ليلى على جارة لها من عقيل وفي يدها مسواكٌ تستاك به، فتنفست ثم قالت: سقى الله من أهدى لي هذا المسواك؛ فقالت لها جارتها: من هو؟ قالت: قيس بن الملوح، وبكت ثم نزعت ثيابها تغتسل؛ فقالت: ويحه! لقد علق منى ما أهلكه من غير أن أستحق ذلك، فنشدتك الله، أصدق في صفتي أم كذب؟ فقالت: لا والله، بل صدق؛ قال: وبلغ المجنون قولها فبكى ثم أنشأ يقول:

نبئت ليلى وقد كنا نـبـخـلـهـا

 

قالت سقى المزن غيثاً منزلاً خربا

وحبذا راكبٌ كـنـا نـهـش بـه

 

يهدي لنا من أراك الموسم القضبا

قالت لجارتها يوماً تـسـائلـهـا

 

لما استحمت وألقت عندها السلبـا

يا عمرك الله ألا قـلـت صـادقةً

 

أصدقت صفة المجنون أم كـذبـا

ويروى: نشدتك الله ويروى: “أصادقاً وصف المجنون أم كذباً”.

خروج ليلى مع زوجها وشعره فيه

وقال أبو نصر في أخباره: لما زوجت ليلى بالرجل الثقفي سمع المجنون رجلاً من قومها يقول لآخر: أنت ممن يشيع ليلى؟ قال: ومتى تخرج؟ قال: غداً، ضحوةً أو الليلة، فبكى “المجنون” ثم قال:

صوت

كأن القلب ليلة قيل يغدى

 

بليليى العامرية أو يراح

قطاةٌ عزها شركٌ فباتت

 

تجاذبه وقد علق الجناح

الغناء ليحيى المكي خفيفٌ ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو، وفيه رملٌ ينسب إلى إبراهيم وإلى أحمد بن يحيى المكي؛ وقال حبش: فيه خفيف ثقيلٍ “بالوسطى” لسليم.

وعظه رجل من بني عامر فأنشده شعراً

وقال الهيثم بن عدي في خبره. حدثني عبد الله بن عياش الهمداني قال حدثني رجلٌ من بني عامر قال: مطرنا مطراً شديداً في ربيع ارتبعناه، ودام المطر ثلاثاً ثم أصبحنا في اليوم الرابع على صحوٍ وخرج الناس يمشون على الوادي، فرأيت رجلاً جالساً حجرةً وحده فقصدته، فإذا هو المجنون جالسٌ وحده يبكي فوعظته وكلمته طويلاً وهو ساكتٌ لم يرفع رأسه إلي، ثم أنشدني بصوت حزين لا أنساه أبداً وحرقته.

صوت

جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرى

 

وفاضت له من مقلـتـي غـروب

ومـا ذاك إلا حـين أيقـنـت أنـه

 

يكـون بـوادٍ فـــيه قـــريب

يكون أجاجاً دونكم فـإذا انـتـهـى

 

إليكم تلقـى طـيبـكـم فـيطـيب

أظل غريب الدار في أرض عامـرٍ

 

ألا كل مهجـورٍ هـنـاك غـريب

وإن الكثيب الفرد من أيمن الحمـى

 

إلـي وإن لـم آتـه لـحـبــيب

فلا خير في الدنيا إذا أنت لـم تـزر

 

حبيبا ولم يطـرب إلـيك حـبـيب

وأول هذه القصيدة – وفيه أيضاً غناء -:

صوت

ألا أيها البيت الذي لا أزوره

 

وهجرانه منى إلـيه ذنـوب

هجرتك مشتاقاً وزرتك خائفاً

 

وفيك علي الدهر منك رقيبٌُ

سأستعطف الأيام فيك لعلهـا

 

بيوم سرورٍ في هواك تثيب

هذه الأبيات في شعر محمد بن أمية مرويةٌ، ورويت ها هنا للمجنون “في هذه القصيدة”. وفيها لعريب ثقيلٌ أول. ولعبد الله بن العباس ثاني ثقيلٍ. ولأحمد بن المكي خفيف ثقيلٍ.

وأفردت إفراد الطريد وبـاعـدت

 

إلى النفس حاجاتٌ وهن قـريب

لئن حال يأسٌ دون ليلى لـربـمـا

 

أتى اليأس دون الأمر فهو عصيب

ومنيتني حتـى إذا مـا رأيتـنـي

 

على شرفٍ للـنـاظـرين يريب

صددت وأشمت العدو بصرمـنـا

 

أثابك يا ليلى الـجـزاء مـثـيب

لقاؤه في توحشه ليلى وشعره في ذلك

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثنا مهدي بن سابق قال حدثنا بعض مشايخ بني عامر أن المجنون مر في توحشه فصادف حي ليلى راحلاً ولقيها فجأةً فعرفها وعرفته فصعق وخر مغشياً على وجهه، وأقبل فتيانٌ من حي ليلى فأخذوه ومسحوا التراب عن وجهه، وأسندوه إلى صدورهم وسألوا ليلى أن تقف له وقفةً، فرقت لما رأته به، وقالت: أما هذا فلا يجوز أن أفتضح به، ولكن يا فلانة – لأمةٍ لها – اذهبي إلى قيس فقولي له: ليلى تقرأ عليك السلام، وتقول لك: أعزز علي بما أنت فيه، ولو وجدت سبيلاً إلى شفاء دائك لوقيتك بنفسي منه، فمضت الوليدة إليه وأخبرته بقولها، فأفاق وجلس وقال: أبلغيها السلام وقولي لها هيهات! إن دائي ودوائي أنت، وإن حياتي ووفاتي لفي يديك، ولقد وكلت بي شقاء لازماً وبلاءً طويلاً. ثم بكى وأنشأ يقول:

أقـول لأصـحـابـي هـي الـشـمـــس ضـــوءهـــا

 

قريبٌ ولـكـن فـي تــنـــاولـــهـــا بـــعـــد

لقـد عـارضـتـنـا الـريح مـنـهــا بـــنـــفـــحةٍ

 

علـى كـبـدي مــن طـــيب أرواحـــهـــا بـــرد

فمـا زلـت مـغـشـياً عـلـــي وقـــد مـــضـــت

 

أنـــاةٌ ومـــا عـــنـــدي جـــــــوابٌ ولا رد

أقـــلـــب بـــالأيدي وأهـــلـــي بـــعـــولةٍ

 

يفـدونـنـي لـو يســتـــطـــيعـــون أن يفـــدوا

ولـم يبـق إلا الـجـلـــد والـــعـــظـــم عـــارياً

 

ولا عـــظـــم لـــي إن دام بـــي ولا جـــلـــد

أدنـياي مـالـي فـي انـقـطـاعـي وغـــربـــتـــي

 

إلـــيك ثـــوابٌ مـــنـــك دينٌ ولا نـــقـــــد

عديني بنفسي أنت وعداً فربماجلا كربة المكروب عن قلبه الوعد

 

 

وقد يبتلى قومٌ ولا كبليتي

 

ولا مـثـل جـدي فـي الـشـقـــاء بـــكـــم جـــد

غزتـنـي جـنـود الـحـب مـــن كـــل جـــانـــبٍ

 

إذا حـان مـن جـنـدٍ قــفـــولٌ أتـــى جـــنـــد

وقال أبو نصر أحمد بن حاتم: كان أبو عمرو المدني يقول قال نوفل بن مساحق: أخبرت عن المجنون أن سبب توحشه أنه كان يوماً بضرية جالساً وحده إذ ناداه منادٍ من الجبل:

كلانا يا أخـي يحـب لـيلـى

 

بفي وفيك ومن ليلى التـراب

لقد خبلت فـؤادك ثـم ثـنـت

 

بقلبي فهو مهموم مـصـاب

شركتك في هوى من ليس تبدي

 

لنا الأيام منه سوى اجتـنـاب

خبر نوفل بن مساحق مع المجنون

قال: فتنفس الصعداء وغشي عليه، وكان هذا سبب توحشه فلم ير له أثرٌ حتى وجده نوفل بن مساحقٍ. قال نوفل: قدمت البادية فسألت عنه، فقيل لي: توحش وما لنا به عهدٌ ولا ندري إلى أين صار، فخرجت يوماً أتصيد الأروى، ومعي جماعةٌ من أصحابي، حتى إذا كنت بناحية الحمى إذا نحن بأراكةٍ عظيمة قد بدا منها قطيعٌ من الظباء، فيها شخص إنسانٍ يرى من خلل تلك الأراكة، فعجب أصحابي من ذلك، فعرفته وأتيته وعرفت أنه المجنون الذي أخبرت عنه، فنزلت عن دابتي وتخففت من ثيابي وخرجت أمشي رويداً حتى أتيت الأراكة فارتقيت حتى صرت على أعلاها وأشرفت عليه وعلى الظباء؛ فإذا به وقد تدلى الشعر على وجهه، فلم أكد أعرفه إلا بتأمل شديد، وهو يرتعي في ثمر تلك الأراكة، فرفع رأسه فتمثلت ببيت من شعره:

أتبكي على ليلى ونفسك باعدت

 

مزارك من ليلى وشعباكما معاً

قال: فنفرت الظباء، واندفع في باقي القصيدة ينشدها، فما أنسى حسن نغمته وحسن صوته وهو يقول:

فما حسنٌ أن تأتي الأمـر طـائعـاً

 

وتجزع أن داعي الصبابة أسمـعـا

بكت عيني اليسرى فلما زجرتـهـا

 

عن الجهل بعد الحلم اسبلتا مـعـاً

وأذكر أيام الحمـى ثـم أنـثـنـي

 

على كبدي من خشيةٍ أن تصـدعـا

فليست عشيات الحمـى بـرواجـعٍ

 

عليك ولكن خل عينيك تـدمـعـا

معي كل غر قد عصى عـاذلاتـه

 

بوصل الغواني من لدن أن ترعرعا

إذا راح يمشي في الرداءين أسرعت

 

إليه العيون الناظرات التطـلـعـا

قال: ثم سقط مغشياً عليه، فتمثلت بقوله:

يا دار ليلى بسقط الحي قد درست

 

إلا الثمام وإلا مـوقـد الـنـار

ما تفتأ الدهر من ليلى تموت كذا

 

في موقف وقفته أو علـى دار

أبلى عظامك بعد اللحم ذكركهـا

 

كما ينحت قدح الشوحط الباري

فرفع رأسه إلي وقال: من أنت حياك الله؟ فقلت: أنا نوفل بن مساحقٍ، فحياني فقلت له: ما أحدثت بعدي في يأسك منها؟ فأنشدني يقول:

ألا حجبت ليلى وآلى أمـيرهـا

 

علي يميناً جاهـداً لا أزورهـا

وأوعدني فيها رجـالٌ أبـوهـم

 

أبي وابوها خشنت لي صدورها

غلى غير جرمٍ غير أني أحبهـا

 

وأن فؤادي رهنها وأسـيرهـا

قال: ثم سنحت له ظباء فقام يعدو في أثرها حتى لحقها فمضى معها.
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: لما قال مجنون بني عامر:

قضاها لغيري وابتلاني بحبها

 

فهلا بشيءٍ غير ليلى ابتلانيا

نودي في الليل: أنت المتسخط لقضاء الله والمعترض في أحكامه! واختلس عقله فتوحش منذ تلك الليلة وذهب مع الوحش على وجهه. وهذه القصيدة التي قال فيها هذا البيت من أشهر أشعاره، والصوت المذكور بذكره أخبار المجنون ها هنا منها. وفيها أيضاً عدة أبيات يغنى فيها، فمن ذلك:

صوت قصديته اليائية

أعد الليالـي لـيلةً بـعـد لـيلةٍ

 

وقد عشت دهراً لا أعد الليالـيا

أراني إذا صليت يممت نحوهـا

 

بوجهي وإن كان المصلى ورائيا

وما بي إشراكٌ ولكن حـبـهـا

 

كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا

أحب من الأسماء ما وافق اسمها

 

وأشبهه أو كان منـه مـدانـيا

في هذه الأبيات هزجٌ خفيفٌ لمعان معزفي:

صوت

وخبر تمانـي أن تـيمـاء مـنـزلٌ

 

لليلى إذا ما الصيف القى المراسـيا

فهذي شهور الصيف عني قد انقضت

 

فما للنوى ترمي بليلى الـمـرامـيا

في هذين البيتين لحنٌ من الرمل صنعته عجوز عمير الباذغيسي على لحن إسحاق:

أماوي إن المال غادٍ ورائح

وله حديث قد ذكر في أخبار إسحاق. وهذا اللحن إلى الآن يغنى، لأنه أشهر في أيدي الناس، وإنما هو لحن إسحاق أخذ فجعل على هذه الأبيات وكيد بذلك:

صوت

فلـو كـان واشٍ بـــالـــيمـــامة بـــيتـــه

 

وداري بـأعـلـى حـضـرمـوت اهـتـدى لـــيا

وماذا لهم لا أحسن الله حالهم من الحظ تصريم ليلى حباليا

 

 

فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي

 

وإن شـئت بـعـد الـلـه أنـعـمــت بـــالـــيا

وأنـت الـتـي مـا مـــن صـــديقٍ ولا عـــداً

 

يرى نـضـو مـا ابــقـــيت إلا رثـــى لـــيا

أمـضـروبةٌ لـيلــى عـــلـــى أن أزورهـــا

 

ومـتـخـذٌ ذنـبــاً لـــهـــا أن تـــرانـــيا

إذا سـرت فـي الأرض الـفـضـاء رأيتـــنـــي

 

أصـانـع رحـلـــي أن يمـــيل حـــيالـــيا

يمـينـاً إذا كـانـت يمـــينـــاً وإن تـــكـــن

 

شمـالاً ينـازعـنـي الـهـوى عـن شـمــالـــيا

أحـب مـن الـسـمـاء مـا وافـق اسـمـــهـــا

 

وأشـبـهـه أو كــان مـــنـــه مـــدانـــيا

هي الـسـحـر إلا أن لـلـســـحـــر رقـــيةً

 

وإنـي لا ألـفـي لـهــا الـــدهـــر راقـــيا

وأنشد أبو نصر للمجنون وفيه غناء:

صوت

تكاد يدي تندى إذا ما لمـسـتـهـا

 

وينبت في أطرافها الورق الخضر

أبى القلب إلا حبـهـا عـامـريةً

 

لها كنيةٌ عمروٌ وليس لها عمـرو

الغناء لعريب ثقيلٌ أول، وذكر الهشامي أن فيه لإسحاق خفيف ثقيل.

رثاؤه لأبيه

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: أنشدني جماعةٌ من بني عقيلٍ للمجنون يرثي أباه، ومات قبل اختلاطه وتوحشه، فعقر على قبره ورثاه بهذه الأبيات:

عقرت على قبر الملوح ناقتـي

 

بذي السرح لما أن جفته أقاربه

وقلت لها كوني عقيراً فإنـنـي

 

غداة غدٍ ماشٍ بالأمس راكـبـه

فلا يبعدنك الله يابـن مـزاحـمٍ

 

وكل امرىءٍ للموت لابد شاربه

فقد كنت طلاع النجاد ومعطى ال

 

جياد وسيفاً لا تفل مـضـاربـه

وعظه رجل من بني جعدة فقال شعراً

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن شبيب عن الحزامي عن محمد بن معنٍ قال: بلغني أن رجلاً من بني جعدة بن كعب كان أخاً وخلاً للمجنون، مر به يوماً وهو جالسٌ يخط في الأرض ويعبث بالحصى، فسلم عليه وجلس عنده فأقبل يخاطبه ويعظه ويسليه، وهو ينظر إليه ويلعب بيده كما كان وهو مفكر قد غمره ما هو فيه، فلما طال خطابه إياه قال: يا أخي، أما لكلامي جوابٌ؟ فقال له: والله يا أخي ما علمت أنك تكلمني فاعذرني، فإني كما ترى مذهوب العقل مشترك اللب وبكى، ثم أنشأ يقول:

صوت

وشغلت عن فهم الحديث سوى

 

ما كان منك فإنه شـغـلـي

وأديم لحظ محـدثـي لـيرى

 

أن قد فهمت وعندكم عقلـي

شعره في حمام يتجاوب

الغناء لعلويه. وقال الهيثم: مر المجنون بوادٍ في أيام الربيع وحمامه يتجاوب فأنشأ يقول:

صوت

ألا يا حمام الإيك مـا لـك بـاكـياً

 

أفارقت إلفـاً أم جـفـاك حـبـيب

دعاك الهوى والشوق لما ترنـمـت

 

هتوف الضحى بين الغصون طروب

تجاوب ورقاً قد أذن لـصـوتـهـا

 

فكل لكـل مـسـعـدٌ ومـجـيب

الغناء لرذاذ ثقيلٌ أول مطلق في مجرى الوسطى.

خروج زوج ليلى وأبيها إلى مكة واختلاف المجنون إليها

قال خالد بن حمل: حدثني رجالٌ من بني عامر أن زوج ليلى وأباها خرجا في أمرٍ طرق الحي إلى مكة، فأرسلت ليلى بأمةٍ لها إلى المجنون فدعته فأقام عندها ليلةً فأخرجته في السحر، وقالت له: سر إلي في كل ليلة ما دام القوم سفراً، فكان يختلف إليها حتى قدموا. وقال فيها في آخر ليلة لقيها وودعته:

تمتع بليلى إنـمـا أنـت هـامةٌ

 

من الهام يدنو كل يوم حمامهـا

تمتع إلى أن يرجع الركب إنهـم

 

متى يرجعوا يحرم عليك كلامها

مرض ولم تعده ليلى فقال شعراً

وقال الهيثم: مرض المجنون قبل أن يختلط فعاده قومه ونساؤهم ولم تعده ليلى فيمن عاده، فقال:

صوت

ألا ما لليلى لا ترى عند مضجعـي

 

بليلٍ ولا يجري بهـا لـي طـائر

بلى إن عجم الطير تجري إذا جرت

 

بليلى ولكن ليس للطـير زاجـر

أحالت عن العهد الذي كان بينـنـا

 

بذي الرمث أم قد غيبتها المقابـر

الغناء لسليم ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي.

فوالله ما في القرب لي منك راحةٌ

 

ولا البعد يسليني ولا أنا صـابـر

ووالـلـه مـا أدري بـأية حـيلةٍ

 

وأي مرامٍ أو خطـارٍ أخـاطـر

ووالله إن الدهر في ذات بـينـنـا

 

علي لها في كل أمـرٍ لـجـائر

فلو كنت إذ أزمعت هجري تركتني

 

جميع القوى والعقل منـي وافـر

ولكن أيامي بـحـفـل عـنـيزةٍ

 

وذي الرمث أيامٌ جناها التجـاور

فقد أصبح الود الذي كان بـينـنـا

 

أماني نفس إن تخـبـر خـابـر

لعمري لقد أرهقت يا أم مـالـكٍ

 

حياتي وساقتني إليك الـمـقـادر

خبر الظبي الذي ذكره

أخبرني عمي قال حدثني محمد بن عبد الله الأصبهاني المعروف بالحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال: حدثني بعض بني عقيل قال: قيل للمجنون أي شيء رأيته أحب إليك؟ قال: ليلى، قيل: دع ليلى فقد عرفنا ما لها عندك ولكن سواها، قال: والله ما أعجبني شيء قط فذكرت ليلى إلا سقط من عيني وأذهب ذكرها بشاشته عندي، غير أني رأيت ظبياً مرة فتأملته وذكرت ليلى فجعل يزداد في عيني حسناً، ثم إنه عارضه ذئبٌ وهرب منه فتبعته حتى خفيا عني فوجدت الذئب قد صرعه وأكل بعضه، فرميته بسهم فما أخطأت مقتله، وبقرت بطنه فأخرجت ما أكل منه، ثم جمعته إلى بقية شلوه، ودفنته وأحرقت الذئب، وقلت في ذلك:

أبى الله أن تبقى لحـي بـشـاشةٌ

 

فصبراً على ما شاء الله لي صبرا

رأيت غزالاً يرعتي وسط روضةٍ

 

فقلت أرى ليلى تراءت لنا ظهرا

فيا ظبي كل رغدا هنيئاً ولا تخف

 

فإنك لي جارٌ ولا ترهب الدهـرا

وعندي لكم حصنٌ حصينٌ وصارمٌ

 

حسامٌ إذا أعملته أحسن الهـبـرا

فما راعني إلا وذئبٌ قد انتـحـى

 

فأعلق في أحشائه الناب والظفـرا

ففوقت سهمي في كتوم غمزتـهـا

 

فخالط سهمي مهجة الذئب والنحرا

فأذهب غيظي قتله وشفـى جـوىً

 

بقلبي إن الحر قد يدرك الـوتـرا

شعره وقد بلغه أن زوج ليلى سبه

قال أبو نصر: بلغ المجنون قبل توحشه أن زوج ليلى ذكره وعضهه وسبه وقال: أو بلغ من قدر قيس ابن الملوح أن يدعي محبة ليلى وينوه باسمها! فقال ليغيظه بذلك:

فإن كان فيكم بعل ليلى فإنـنـي

 

وذي العرش قد قبلت فاها ثمانيا

وأشهد عند اللـه أنـي رأيتـهـا

 

وعشرون منها أصبعا من ورائيا

أليس من البلوى التي لا شوى لها

 

بأن زوجت كلباً وما بذلت لـيا

خبر رفقة أبوا صحبته إلى رهط ليلى

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: خرج المجنون في عدةٍ من قومه يريدون سفراً لهم، فمروا في طريق يتشعب وجهتين: إحداهما ينزلها رهط ليلى وفيها زيادةٌ مرحلةٍ فسألهم أن يعدلوا معه إلى تلك الوجهة فأبوا، فمضى وحده وقال:

صوت

أأترك ليلى ليس بيني وبينـهـا

 

سوى ليلةً إني إذاً لـصـبـور

هبوني امرأً منكم أضل بعـيره

 

له ذمةٌ إن الـذمـام كـبــير

وللصاحب المتروك أعظم حرمةً

 

على صاحبٍ من أن يضل بعير

عفا الله عن ليلى الغداة فإنـهـا

 

إذا وليت حكماً علي تـجـور

الغناء لابن سريج خفيف رملٍ بالوسطى عن “عمرو وفيه للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن حبش، وفيه لابن المارقي خفيف ثقيل عن الهشامي، وفيه لعلويه رملٌ بالبنصر.

هتفت حمامة فقال شعراً

وذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه: أن المجنون كان ذات ليلة جالساً مع أصحاب له من بني عمه وهو ولهٌ يتلظى ويتململ يعظونه ويحادثونه، حتى هتفت حمامةٌ من سرحةٍ كانت بإزائهم، فوثب قائماً وقال:

صوت

لقد غردت في جنح ليل حمامةٌ

 

على إلفها تبكي وإني لـنـائم

كذبت وبيت الله لو كنت عاشقاً

 

لما سبقتني بالبكاء الحـمـائم

ثم بكى حتى سقط على وجهه مغشياً عليه، فما أفاق حتى حميت الشمس عليه من غدٍ. الغناء في هذين البيتين لعبد الله بن دخمان ثقيلٌ أول مطلق في مجرى الوسطى.

مرور رجل به وهو برمل يبرين

وذكر أبو نصر عن أصحابه أن رجلاً مرّ بالمجنون وهو برمل يبرين يخطط فيه، فوقف عليه متعجباً منه وكان لا يعرفه، فقال له: ما بك يا أخي؟ فرفع رأسه إليه وأنشأ يقول:

بي اليأس والداء الهيام أصابني

 

فإياك عني لا يكن بك ما بـيا

كأن جفون العين تهمي دموعها

 

غداة رأت أظعان ليلى غواديا

غروبٌ أمرتها نواضح بـزلٌ

 

على عجلٍ عجم يروين صاديا

مر به نفر من اليمن فقال شعراً

قال خالد بن جمل: ذكر حمادٌ الرواية أن نفراً من أهل اليمن مروا بالمجنون، فوقفوا ينظرون إليه فأنشأ يقول:

ألا أيها الركب اليمانون عرجوا

 

علينا فقد أمسى هوانا يمانـيا

نسائلكم هل سال نعمان بعدنـا

 

وحب إلينا بطن نعمـان واديا

يقول في هذا القصيدة:

صوت

ألا يا حمامي قصر ودان هجتما

 

علي الهوى لما تغنيتـمـا لـيا

فأبكيتماني وسط صحبي ولم أكن

 

أبالي دموع العين لو كنت خاليا

غنى في هذين البيتين علويه غناء لم ينسب.

فوالله إني لا أحب، لـغـير أن

 

تحل بها ليلى البراق الأعالـيا

ألا يا خليلي حب ليلى مجشمي

 

حياض المنايا أو مقيدي الأعاديا

ويا أيها القمريتـان تـجـاوبـا

 

بلحنيكما ثم اسجعا عـلـلانـيا

فإن أنتما استطربتما وأردتـمـا

 

لحاقاً بأطراف الغضى فاتبعانيا

رحيل زوج ليلى بها وشعره بذلك

قال أبو نصر: وذكر خالد بن كلثوم أن زوج ليلى لما أراد الرحيل بها إلى بلده بلغ المجنون أنه غادٍ بها فقال:

صوت

أمزمعةٌ للبين ليلى ولم تمت

 

كأنك عما قد أظلك غافل

ستعلم إن شطت بهم غربة النوى

 

وزالوا بليلـى أن لـبـك زائل

الغناء للزبير بن دحمان ثقيلٌ أول بالوسطى.
قال أبو نصر قال خالد: وحدثني جماعة من بني قشير أن المجنون سقم سقاما شديداً قبل اختلاطه حتى أشفى على الهلاك، فدخل إليه أبوه يعلله فوجده ينشد هذه الأبيات ويبكي أحر بكاء وينشج أحر نشيج:

ألا أيها القلب الذي لـج هـائمـاً

 

بليلى وليداً لم تقطع تـمـائمـه

أفق قد أفاق العاشقون وقد أنـى

 

لحالك أن تلقى طبيبـاً تـلائمـه

فما لك مسلوب العزاء كـأنـمـا

 

ترى نأى ليلى مغرماً أنت غارمه

أجدك لا تنسيك لـيلـى مـلـمةٌ

 

تلم ولا ينسيك عهداً تـقـادمـه

خبر نظره إلى أظعان ليلى

وقد رحل بها زوجها

قال: وقف مستتراً ينظر إلى أظعان ليلى وقد رحل بها زوجها وقومها، فلما رآهم يرتحلون بكى وجزع، فقال له أبوه: ويحك! إنما جئنا بك متخفياً ليتروح بعض ما بك بالنظر إليهم، فإذا فعلت ما أرى عرفت، وقد أهدر السلطان دمك إن مررت بهم، فأمسك أو فانصرف، فقال: ما لي سبيلٌ إلى النظر إليهم يرتحلون وأنا ساكنٌ غير جازعٍ ولا باكٍ فانصرف بنا، فانصرف وهو يقول:

صوت

ذد الدمع حتى يظعن الحي إنما

 

دموعك إن فاضت عليك دليل

كأن دموع العين يوم تحمـلـوا

 

جمانٌ على جيب القميص يسيل

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أنشدني إسحاق بن محمد عن بعض أصحابه عن ابن الأعرابي للمجنون:

صوت من المائة المختارة

ألا ليت ليلى أطفأت حـر زفـرةٍ

 

أعالجها لا أستطـيع لـهـا ردا

إذا الريح من نحو الحمى نسمت لنا

 

وجدت لمسراها ومنسمها بـردا

على كبد قد كاد يبدي بها الهـوى

 

ندوبا وبعض القوم يحسبني جلـدا

هذا البيت الثالث خاصةً يروى لابن هرمة في بعض قصائده، وهو من المائة المختارة التي رواها إسحاق أوله:

أفاطم إن النأي يسلي من الهوى

وقد أخرج في موضع آخر. غنى في هذين البيتين عبد آل الهذلي، ولحنه المختار على ما ذكره جحظة ثاني ثقيل، وهما في هذه القصيدة:

وإني يماني الهوى منجد الـنـوى

 

سبيلان ألقى من خلافهما جـهـدا

سقى الله نجداً من ربـيعٍ وصـيفٍ

 

وماذا يرجى من ربيع سقى نجـدا

بلى إنه قد كان لـلـعـيش قـرةً

 

وللصحب والركبان منزلةً حمـدا

أبى القلب أن ينفك من ذكر نسـوةٍ

 

رقاقٍ ولم يخلقن شؤماً ولا نـكـدا

إذا رحن يسحبن الـذيول عـشـيةً

 

ويقتلن بالألحاظ أنفسنـا عـمـدا

مشى عيطلاتٌ رجحٌ بحضورهـا

 

روادف وعثاتٌ ترد الخـطـا ردا

وتهتز ليلى العامـرية فـوقـهـا

 

ولاثت بسب القز ذا غدرٍ جـعـدا

إذا حرك المدرى ضفائرها العـلا

 

مججن ندى الريحان والعنبر الوردا

وأخبار الهذليين تذكر في غير هذا الموضع إن شاء الله لئلا تنقطع أخبار المجنون، ولهما في المائة الصوت المختارة أغانٍ تذكر أخبارها معاً إن شاء الله.

خبر ظبية سأل صياديها أن يطلقاها

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون قال ذكر الهيثم بن عدي، وأخبرني محمد بن خلف “بن المرزبان” عن أحمد بن الهيثم عن العمري عن الهيثم بن عدي قال: مر المجنون برجلين قد صادا ظبيةً فربطاها بحبل وذهبا بها، فلما نظر إليها وهي تركض في حبالهما دمعت عيناه، وقال لهما: حلاها وخذا مكانها شاةً من غنمي – وقال ميمون في خبره: وخذا مكانها قلوصا من إبلي – فأعطاهما وحلاها فولت تعدو هاربةً. وقال المجنون للرجلين حين رآها في حبالهما:

يا صاحبي اللذين اليوم قـد أخـذا

 

في الحبل شبهاً لليلى ثم غلاهـا

إني أرى اليوم في أعطاف شاتكما

 

مشابهاً أشبهت ليلى فـحـلاهـا

قال: وقال فيها وقد نظر إليها “وهي” تعدو أشد عدوٍ هاربةً مذعورةً:

صوت

أيا شبه ليلى لا تراعي فإنني

 

لك اليوم من وحشيةٍ لصديق

ويا شبه ليلى لو تلبثت ساعةً

 

لعل فؤادي من جواه يفـيق

تفر وقد أطلقتها من وثاقها

 

فأنت لليلى لو علمت طليق

خبره مع نسوة عذلنه في ليلى

وذكر أبو نصر عن جماعة من الرواة وذكر أبو مسلم ومحمد بن الحسن الأحول أن ابن الأعرابي أخبرهما أن نسوةً جلسن إلى المجنون فقلن له: ما الذي دعاك إلى أن أحللت بنفسك ما ترى في هوى ليلى، وإنما هي امرأة من النساء، هل لك في أن تصرف هواك عنها إلى إحدانا فنساعفك ونجزيك بهواك ويرجع إليك ما عزب من عقلك وجسمك؟ فقال لهن: لو قدرت على صرف الهوى عنها إليكن لصرفته عنها وعن كل أحد بعدها وعشت في الناس سوياً مستريحاً؛ فقلن له: ما أعجبك منها؟ فقال: كل شيء رأيته وشاهدته وسمعته منها أعجبني، والله ما رأيت شيئاً منها قط إلا كان في عيني حسناً وبقلبي علقاً، ولقد جهدت أن يقبح منها عندي شيءٌ أو يسمج أو يعاب لأسلو عنها فلم أجده؛ فقلن له: فصفها لنا، فأنشأ يقول:

بيضاء خالصة البياض كأنهـا

 

قمرٌ توسط جنح ليلٍ مـبـرد

موسومةٌ بالحسن ذات حواسـدٍ

 

إن الجمال مظنةٌ للـحـسـد

وترى مدامعها ترقرق مقـلةٍ

 

سوداء ترغب عن سواد الإثمد

خودٌ إذا كثر الكلام تـعـوذت

 

بحمى الحياء وإن تكلم تقصد

قال: ثم قال ابن الأعرابي: هذا والله من حسن الكلام ومنقح الشعر.
وأنشد أبو نصر للمجنون أيضاً، وفيه غناء، قال:

كأن فؤادي في مخالـب طـائرٍ

 

إذا ذكرت ليلى يشد بها قبـضـا

كأن فجاج الأرض حلقة خـاتـمٍ

 

علي، فما تزداد طولاً ولا عرضا

أودع رجلاً شعراً ينشده ليلى

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو مسلم عن القحذمي قال: قال رجل من عشيرة المجنون له: إني أريد الإلمام بحي ليلى فهل تودعني إليها شيئاً؟ فقال: نعم! قف بحيث تسمعك ثم قل:

صوت

الله يعلم أن النـفـس هـالـكةٌ

 

باليأس منك ولكني أعـنـيهـا

منيتك النفس حتى قد أضر بهـا

 

واستيقنت خلفاً مما أمـنـيهـا

وساعةٌ منك ألهوها وإن قصرت

 

أشهى إلي من الدنيا وما فيهـا

قال: فمضى الرجل، ولم يزل يرقب خلوةً حتى وجدها، فوقف عليها ثم قال لها: يا ليلى لقد أحسن الذي يقول:

الله يعلم أن النفس هالكةٌ

 

باليأس منك ولكني أعنيها

وأنشد الأبيات؛ فبكت بكاء طويلاً ثم قالت: أبلغه السلام وقل له:

نفسي فداؤك، لو نفسي ملكـت إذاً

 

ما كان غيرك يجزيها ويرضيهـا

صبراً على ما قضاه الله فيك على

 

مرارةٍ في اصطباري عنك أخفيها

قال: فأبلغه الفتى البيتين وأخبره بحالها؛ فبكى حتى سقط على وجهه مغشياً عليه، ثم أفاق وهو يقول:

عجبت لعروة العذري أضحى

 

أحاديثاً لقـومٍ بـعـد قـوم

وعروة مات موتاً مستريحـاً

 

وها أنا ميت فـي كـل يوم

أخبرنا محمد بن يحيى الصولي قال أنشدنا أحمد بن يحيى ثعلبٌ عن أبي نصر للمجنون:

صوت

أيا زينة الـدنـيا لا ينـالـهـــا

 

مناي ولا يبدو لقلبي صـريمـهـا

بعيني قذاةٌ من هـواك لـو أنـهـا

 

تداوى بمن تهوى لصح سقيمـهـا

وما صبرت عن ذكرك النفس ساعةً

 

وإن كنت أحياناً كثيراً ألـومـهـا

أبوه يحتال أن يبلغه أن ليلى تشتمه

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: سأل الملوح أبو المجنون رجلاً قدم من الطائف أن يمر بالمجنون فيجلس إليه فيخبره أنه لقي ليلى وجلس إليها، ووصف له صفاتٍ منها ومن كلامها يعرفها المجنون، وقال له: حدثه بها، فإذا رأيته قد اشرأب لحديثك واشتهاه فعرفه أنك ذكرته لها ووصفت ما به فشتمته وسبته، وقالت: إنه يكذب عليها ويشهرها بفعله، وإنها ما اجتمعت معه قط كما يصف؛ ففعل الرجل ذلك، وجاء إليه فأخبره بلقائه إياها؛ فأقبل عليه وجعل يسائله عنها، فيخبره بما أمره به الملوح، فيزداد نشاطاً ويثوب إليه عقله، إلى أن أخبره بسبها إياه وشتمها له؛ وقال وهو غير مكترثٍ لما حكاه عنها:

صوت

تمر الصبا صفحاً بساكن ذي الغضى

 

ويصدع قلبي أن يهب هبـوبـهـا

إذا هبت الريح الشمال فـإنـمـا

 

جواي بما تهدى إلي جنـوبـهـا

قريبة عهدٍ بالـحـبـيب وإنـمـا

 

هوى كل نفسٍ حيث كان حبيبهـا

وحسب الليالي أن طرحنك مطرحاً

 

بدار قلى تمسي وأنت غريبـهـا

حلالٌ لليلى شتمنا وانتقـاصـنـا

 

هنيئاً ومغفورٌ لليلـى ذنـوبـهـا

ذكر أبو أيوب المديني أن الغناء في هذا الشعر لابن سريج ولم يذكر طريقته. وفيه لمتيم غناءٌ ينسب. وذكر الهيثم بن عدي أن المجنون قال – وفيه غناء -:

صوت

كأن لم تكن ليلى تزار بذي الأثل

 

وبالجزع من أجزاع ودان فالنخل

صديقٌ لنا فيما نرى غير أنـهـا

 

ترى أن حبي قد أحل لها قتلـي

وصف لليلى فبكت وقالت شعراً

أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن عثمان بن عمارة بن حريم عن أشياخ من بني مرة قالوا: خرج منا رجلٌ إلى ناحية الشأم والحجاز وما يلي تيماء والسراة وأرض نجد، في طلب بغيةٍ له، فإذا هو بخيمة قد رفعت له وقد أصابه المطر فعدل إليها وتنحنح، فإذا امرأةٌ قد كلمته فقالت: انزل، فنزل. “قال” وراحت أبلهم وغنمهم فإذا أمرٌ عظيم، فقالت: سلوا هذا الرجل من أين أقبل؛ فقلت: من ناحية تهامة ونجدٍ؛ فقالت: ادخل أيها الرجل، فدخلت إلى ناحية من الخيمة، فأرخت بيني وبينها ستراً ثم قالت لي: يا عبد الله، أي بلاد نجدٍ وطئت؟ فقلت: كلها؛ قالت: فبمن نزلت هناك؟ قلت: ببني عامر؛ فتنفست الصعداء ثم قالت: فبأي بني عامر نزلت؟ فقلت: ببني الحريش؛ فاستعبرت ثم قالت: فهل سمعت بذكر فتىً منهم يقال له: قيس بن الملوح ويلقب بالمجنون؟ قلت: بلى والله! وعلى أبيه نزلت، وأتيته فنظرت إليه يهيم في تلك الفيافي، ويكون مع الوحش لا يعقل “ولا يفهم” إلا أن تذكر له امرأةٌ يقال لها ليلى، فيبكي وينشد أشعاراً قالها فيها. قال: فرفعت الستر بيني وبينها، فإذا فلقة قمرٍ لم تر عيني مثلها، فبكت حتى ظننت – والله – أن قلبها قد انصدع، فقلت: أيتها المرأة، اتقي الله فما قلت بأساً، فمكثت طويلاً على تلك الحال من البكاء والنحيب ثم قالت:

ألا ليت شعري والخطوب كثيرةٌ

 

متى رحل قيسٍ مستقلٌ فراجع

بنفسي من لا يستقل برحـلـه

 

ومن هو إن لم يحفظ الله ضائع

ثم بكت حتى سقطت مغشياً عليها، فقلت لها: من أنت يا أمة الله؟ وما قصتك؟ قالت: أنا ليلى “صاحبته” المشئومة “والله” عليه غير المؤنسة له؛ فما رأيت مثل حزنها ووجدها عليه “قط”.

خبر شيخ من بني مرة لقيه ميتاً في واد

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، وحبيب بن نصر المهلبي قالا: حدثنا عمر بن شبة قال ذكر الهيثم ابن عدي عن عثمان بن عمارة، وأخبرني عثمان عن الكراني عن العمري عن لقيط، وحدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قال ذكر الهيثم بن عدي عن عثمان بن عمارة، وذكر أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي وأبو مسلم المستملي عن ابن الأعرابي – يزيد بعضهم على بعض -أن عثمان بن عمارة المري أخبرهم أن شيخاً منهم من بني مرة حدثه أنه خرج إلى أرض بني عامر ليلقى المجنون، قال: فدللت على محلته فأتيتها، فإذا أبوه شيخ كبيرٌ وإخوةٌ له رجال، وإذا نعمٌ كثيرٌ وخيرٌ ظاهرٌ، فسألتهم عنه فاستعبروا جميعاً، وقال الشيخ: والله لهو كان آثر في نفسي من هؤلاء وأحبهم إلي! وإنه هوي امرأةً من قومه، والله ما كانت تطمع في مثله، فلما أن فشا أمره وأمرها كره أبوها أن يزوجها منه بعد ظهور الخبر فزوجها من غيره، فذهب عقل ابني ولحقه خبلٌ وهام في الفيافي وجداً عليها، فحبسناه وقيدناه، فجعل يعض لسانه وشفتيه حتى خفنا “عليه” أن يقطعها فخلينا سبيله، فهو يهيم في “هذه” الفيافي مع الوحوش يذهب إليه كل يوم بطعامه فيوضع له حيث يراه، فإذا تنموا عنه جاء فأكل منه. قال: فسألتهم أن يدلوني عليه، فدلوني على فتىً من الحي صديقاً له وقالوا: إنه لا يأنس إلا به ولا يأخذ أشعاره عنه غيره، فأتيته فسألته أن يدلني عليه؛ فقال: إن كنت تريد شعره فكل شعرٍ قاله إلى أمس عندي، وأنا ذاهبٌ إليه غداً فإن قال شيئاً أتيتك به؛ فقلت: بل “أريد أن” تدلني عليه لآتيه؛ فقال لي: إنه إن نفر منك نفر مني فيذهب شعره، فأبيت إلا أن يدلني عليه؛ فقال اطلبه في هذه الصحاري “إذا رأيته” فادن “منه” مستأنساً ولا تره أنك تهابه، فإنه يتهددك ويتوعدك أن يرميك بشيء، فلا يروعنك واجلس صارفاً بصرك عنه والحظه أحياناً، فإذا رأيته قد سكن من نفاره فأنشده شعراً غزلاً، وإن كنت تروي من شعر قيس بن ذريح شيئاً فأنشده إياه فإنه معجبٌ به؛ فخرجت فطلبته يومي إلى العصر فوجدته جالساً على رمل قد خط فيه بأصبعه خطوطاً، فدنوت منه غير منقبضٍ، فنفر مني نفور الوحش من الإنس، وإلى جانبه أحجارٌ فتناول حجراً فأعرضت عنه، فمكث ساعةً كأنه نافرٌ يريد القيام، فلما طال جلوسي سكن وأقبل يخط بأصبعه، فأقبلت عليه وقلت: أحسن والله قيس بن ذريحٍ حيث يقول:

ألا يا غراب البين ويحك نبني

 

بعلمك في لبنى وأنت خبير

فإن أنت لم تخبر بشيءٍ لمته

 

فلا طرت إلا والجناح كسير

ودرت بأعداءٍ حبيبك فـيهـم

 

كما قد تراني بالحبيب أدور

فأقبل علي وهو يبكي فقال: أحسن والله، وأنا أحسن منه قولاً حيث أقول:

كأن القلب ليلة قيل يغدى

 

بليلى العامرية أو يراح

قطاةٌ عزها شركٌ فباتت

 

تجاذبه وقد علق الجناح

فأمسكت عنه هنيهةً، ثم أقبلت عليه فقلت: وأحسن الله قيس بن ذريح حيث يقول:

وإني لمفنٍ دمع عيني بالبـكـا

 

حذاراً لما قد كان أو هو كائن

وقالوا غداً أو بعد ذاك بـلـيلةٍ

 

فراق حبيبٍ لم يبن وهو بـائن

وما كنت أخشى أن تكون منيتي

 

بكفيك إلا أن من حان حـائن

قال: فبكى – والله – حتى ظننت أن نفسه قد فاضت، وقد رأيت دموعه قد بلت الرمل الذي بين يديه، ثم قال: أحسن لعمر الله، وأنا والله أشعر منه حيث أقول:

صوت

وأدنيتني حتى إذا ما سبيتـنـي

 

بقولٍ يحل العصم سهل الأباطح

تناءيت عني حين لا لي حـيلةٌ

 

وخلفت ما خلفت بين الجوانـح

– ويروى: “وغادرت ما غادرت…” – ثم سنحت له ظبيةٌ فوثب يعدو خلفها حتى غاب عني وانصرفت، وعدت من غدٍ فطلبته فلم أجده، وجاءت امرأةٌ كانت تصنع له طعامه إلى الطعام فوجدته بحاله، فلما كان في اليوم الثالث غدوت وجاء أهله معي فطلبناه يومنا فلم نجده، وغدونا في اليوم الرابع نستقري أثره حتى وجدناه في وادٍ كثير الحجارة خشنٍ، وهو ميتٌ بين تلك الحجارة، فاحتمله أهله فغسلوه وكفنوه ودفنوه.

ندم أبي ليلى على عدم تزويجه بها

قال الهيثم: فحدثني جماعةٌ من بني عامر: أنه لم تبق فتاةٌ من بني جعدة ولا بني الحريش إلا خرجت حاسرةً صارخةً عليه تندبه؛ واجتمع فتيان الحي يبكون عليه أحر بكاء، وينشجون عليه أشد نشيج، وحضرهم حي ليلى معزين وأبوها معهم فكان أشد القوم جزعاً وبكاءً عليه، وجعل يقول: ما علمنا أن الأمر يبلغ كل هذا، ولكني كنت امرأ عربياً أخاف من العار وقبح الأحدوثة ما يخافه مثلي، فزوجتها وخرجت عن يدي، ولو علمت أن أمره يجري على هذا ما أخرجتها عن يده ولا احتملت ما كان علي في ذلك. قال: فما رئي يومٌ كان أكثر باكيةً وباكياً على ميتٍ من يومئذٍ.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني منها الصوت الذي أوله:

ألا يا غراب البين ويحك نبني

 

بعلمك في لبنى وأنت خبير

الغناء لابن محرز ثقيلٌ أول بالوسطى عن الهشامي، وذكر إبراهيم أن فيه لحناً لحكمٍ. وفي رواية ابن الأعرابي أنه أنشده مكان:

ألا يا عراب البين ويحك نبني

 

بعلمك في لبنى وأنت خبير

صوت

ألا يا غراب البين هل أنت مخبـري

 

بخيرٍ كما خبرت بالنـأي والـشـر

وخبرت أن قد جد بـينٌ وقـربـوا

 

جمالاً لبينٍ مثقلاتٍ مـن الـغـدر

وهجت قذى عينٍ بلبنـى مـريضةٍ

 

إذا ذكرت فاضت مدامعها تجـري

وقلت كذاك الدهر مازال فاجـعـاً

 

صدقت وهل شيءٌ بباقٍ على الدهر

الشعر لقيس بن ذريح، والغناء لابن جامع، ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لبحرٍ ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو. وفيه لدحمان ثاني ثقيل عن الهشامي وعبد الله بن موسى.
ومنها الصوت الذي أوله.

كأن القلب ليلة قيل يغدى

 

بليلي العامرية أو يراح

ومنها الصوت الذي أوله:

وأدنيتني حتى إذا ما سبيتـنـي

 

بقولٍ يحل العصم سهل الأباطح

الغناء لإبراهيم، خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي.

بكاء أبي ليلى على المجنون وشعر وجد بعد موت المجنون في خرقة

أخبرنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثنا الفضل الربعي عن محمد بن حبيب قال: لما مات مجنون بني عامر وجد أرض خشنةٍ بين حجارةٍ سودٍ، فحضر أهله وحضر “معهم” أبو ليلى – المرأة التي كان يهواها – وهو متذمم من اهله، فلما رآه ميتاً بكى واسترجع وعلم أنه قد شرك في هلاكه، فبينما هم يقلبونه إذ وجدوا خرقةً فيها مكتوبٌ:

ألا أيها الشيخ الذي ما بنا يرضـى

 

شقيت ولا هنيت من عيشك الغضا

شقيت كما أشقيتني وتركـتـنـي

 

أهيم مع الهلاك لا أطعم الغمضا

صوت

كأن فؤادي في مخالـب طـائرٍ

 

إذا ذكرت ليلى يشد بها قبضـا

كأن فجاج الأرض حلقة خاتـمٍ