أخبار مالك بن الريب ونسبه

أخبار مالك بن الريب ونسبه

اسمه ونسبه هو مالك بن الريب بن حوط بن قرط بن حسل بن ربيعة بن كابية بن حرقوص بن مازن بن مالك بن عمرو بن تميم.

لص قاطع طريق وكان شاعراً فاتكاً لصاً، ومنشؤه في بادية بني تميم بالبصرة من شعراء الإسلام في أول أيام بني أمية.

الوالي يريد استصلاحه أخبرني بخبره علي بن سليمان الأخفش قال: أخبرنا أبو سعيد السكري عن محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي وعن هشام بن الكلبي وعن الفضل بن محمد وإسحاق بن الجصاص وحماد الراوية وكلهم قد حكى من خبره نحواً مما حكاه الآخرون قالوا: استعمل معاوية بن أبي سفيان سعيد بن عثمان بن عفان على خراسان، فمضى سعيد بجنده في طريق فارس، فلقيه بها مالك بن الريب المازني، وكان من أجمل الناس وجهاً، وأحسنهم ثياباً فلما رآه سعيد أعجبه، وقال له: مالك، ويحك تفسد نفسك بقطع الطريق! وما يدعوك إلى ما يبلغني عنك من العبث والفساد، وفيك هذا الفضل! قال: يدعوني إليه العجز عن المعالي، ومساواة ذوي المروءات ومكافأة الإخوان، قال: فإن أنا أغنيتك، واستصحبتك، أتكف عما كنت تفعل؟ قال: إي والله أيها الأمير، أكف كفاً لم يكف أحد أحسن منه، قال: فاستصحبه، وأجرى له خمسمائة درهم في كل شهر.

داود بن الحكم يتعقبه هو وأصحابه قالوا: وكان السبب الذي من أجله وقع مالك بن الريب إلى ناحية فارس أنه كان يقطع الطريق هو وأصحاب له، منهم شظاظ – وهو مولى لبني تميم، وكان أخبثهم – وأبو حردبة، أحد بني أثالة بن مازن، وغويث، أحد بني كعب بن مالك بن حنظلة، وفيهم يقول الراجز:

الله نجاك من القـصـيم

 

وبطن فلج ونبي تـمـيم

ومن بنى حـردبة الأثـيم

 

ومالك وسيفه المسمـوم

ومن شظاظ الأحمر الزنيم

 

ومن غويث فاتح العكوم

فساموا الناس شراً، وطلبهم مروان بن الحكم، وهو عامل على المدينة، فهربوا فكتب إلى الحارث بن حاطب الجمحي، وهو عامله على بني عمرو بن حنظلة يطلبهم، فهربوا منه.

يتوعد من يتوعده ويبلغ مالك بن الريب أن الحارث بن حاطب يتوعده فقال:

تألـى حـلـــفة فـــي غـــير جـــرم

 

أمـيري حـارث شـبــه الـــصـــرار

علـي لأجـلـدن فـــي غـــير جـــرم

 

ولا أدنـي فـينـفـعـنـي اعـــتـــذاري

وقـلـت وقـد ضـمـمـت إلـي جـأشـــي

 

تجـلـل لا تــأل عـــلـــي جـــاري

فإنـي سـوف يكـفـينــيك عـــزمـــي

 

ونـص الـعـيس بـالـبـلـد الـقــفـــار

وعـنـس ذات مــعـــجـــمة أمـــون

 

علـنـداة مــوثـــقة الـــفـــقـــار

تزيف إذا تـواهـقـــت الـــمـــطـــا

 

يا كـمـا زاف الـمـشـرف لـلـخـطــار

وإن ضـربـت بـلـحـييهـا وعـــامـــت

 

تفـصـم عـنـهـمـا حـلـق الـسـفـــار

مراحـاً غـير مـا ضـغــن ولـــكـــن

 

لجـاجـا حـين تـشـتـبـه الـصـحــاري

إذا مـا اسـتـقـبـلـت جـونـا بـهـيمـــا

 

تفـرج عـن مــخـــيسة حـــضـــار

إذا مـا حـــال روض ربـــاب دونـــي

 

وتـثـلـيث فـشـأنـك بـالـبـــكـــاري

وأنـياب سـيخـلـفـهـــن ســـيفـــي

 

وشـدات الـكـمـي عـلـى الـتــجـــار

فإن أسـطـع أرح مـنـــه أنـــاســـي

 

بضـربة فـانــك غـــير اعـــتـــذار

وإن يفلت فإني سوف أبغي بنيه بالمدينة أو صرار

 

 

إلا م مبلغ مروان عني

 

فإنـي لـيس دهــري بـــالـــفـــرار

ولا جـزع مـن الــحـــدثـــان يومـــاً

 

ولـكــنـــي أرود لـــكـــم وبـــار

وبار: أرض لم يطأ أحد ثراها

بهزمار تراد العيس فيهـا

 

إذا أشفقن من فلق الصفار

وهن يحشن بالأعناق حوشا

 

كأن عظامهن قداح بـار

كأن الرحل أسأر من قراها

 

هلال عشية بعد السـرار

رأيت وقد أتى بحران دوني

 

لليلى بالغميم ضـوء نـار

إذا ما قلت: قد خمدت زهـاهـا

 

عصي الرند والعصف السواري

يشب وقـودهـا ويلـوح وهـيا

 

كما لاح الشبوب من الصـوار

كأن النار إذ شـبـت لـلـيلـى

 

أضاءت جيد مـغـزلة نـوار

وتصطاد القلوب على مطـاهـا

 

بلا جعد القرون ولا قـصـار

وتبسم عن نقي الـلـون عـذب

 

كما شيف الأقاحي بالقـطـار

أتجزع أن عرفت ببـطـن قـو

 

وصحراء الأديهـم رسـم دار

وإن حل الخليط ولست فـيهـم

 

مرابع بين دحل إلـى سـرار

إذا حـلـوا بـعـائجة خــلاء

 

يقطف نور حنوتها الـعـذاري

يقتل حارسه ويخلص صديقه فبعث إليه الحارث رجلاً من الأنصار فأخذه، وأخذ أبا حردبة، فبعث بأبي حردبة وتخلف الأنصاري مع القوم الذين كان مالك فيهم، وأمر غلاماً له، فجعل يسوق مالكاً. فتغفل مالك غلام الأنصاري، وعليه السيف، فانتزعه منه، وقتله به، وشد على الأنصاري، فضربه بالسيف حتى قتله، وجعل يقتل من كان معه يميناً وشمالاً.

ثم لحق بأبي حردبة، فتخلصه، وركبا إبل الأنصاري، وخرجا فراراً من ذلك هاربين، حتى أتيا البحرين، واجتمع إليهما أصحابهما، ثم قطعوا إلى فارس فراراً من ذلك الحدث الذي أحدثه مالك، فلم يزل بفارس، حتى قدم عليه سعيد بن عثمان، فاستصحبه.

شعره في مهربه فقال مالك في مهربه ذلك:

أحقاً على السلطان أما الـذي لـه

 

فيعطى وأما ما يراد فـيمـنـع

إذا ما جعلت الرمل بيني وبـينـه

 

وأعرض سهب بين يبرين بلقـع

من الأدمى لا يستجم بها القـطـا

 

تكل الرياح دونـه فـتـقـطـع

فشأنكم يا آل مروان فاطـلـبـوا

 

سقاطي فما فيه لباغيه مطـمـع

وما أنا كالغير المـقـيم لأهـلـه

 

على القيد في بحبوحة الضيم يرتع

ولولا رسول الله أن كان منـكـم

 

تبين من بالنصف يرضى ويقنـع

وقال أيضاً:

لو كنتم تنكرون العذر قلت لكم

 

يا آل مروان جاري منكم الحكم

وأتقكم يمين الـلـه ضـاحـية

 

عند الشهود وقد توفي به الذمم

لا كنت أحدث سوءاً في إمارتكم

 

ولا الذي فات مني قبل ينتقـم

نحن الذين إذا خفتم مـجـلـلة

 

قلتم لنا: إننا منكم لتعتصـمـوا

حتى إذا انفرجت عنكم دجنتهـا

 

صرتم كجرم فلا إل ولا رحم

وقال مالك حين قتل غلام الأنصاري الذي كان يقوده:

غلام يقول السيف يثقل عاتقـي

 

إذا قادني وشط الرجال المجحدل

فلولا ذباب السيف ظل يقودنـي

 

بنسعته شئن البنان حـزنـبـل

أراد اغتيال مالك فاغتاله مالك وقال في ذلك شعراً قالوا: وبينا مالك بن الريب ذات ليلة في بعض هناته وهو نائم – وكان لا ينام إلا متوشحاً بالسيف – إذ هو بشيء قد جثم عليه لا يدري ما هو، فانتفض به مالك، فسقط عنه، ثم انتحى له بالسيف فقده نصفين، ثم نظر إليه فإذا هو رجل أسود كان يقطع الطريق في تلك الناحية، فقال مالك في ذلك:

أدلجت في مهمة ما إن أرى أحـداً

 

حتى إذا حان تعريس لمـن نـزلا

وضعت جنبي وقلت: الله يكلؤنـي

 

مهما تنم عنك من عين فما غفـلا

والسيف بينب وبين الثوب مشعـره

 

أخشى الحوادث إني لم أكن وكيلا

ما نمت إلا قليلا نـمـتـه شـئزاً

 

حتى وجدت على جثماني الثقـلا

داهية من دواهي الليل بـيتـنـي

 

مجاهدا يبتغي نفسي وما خـتـلا

أهويت نفحاً له واللـيل سـاتـره

 

إلا توخيته والجرس فـانـخـزلا

لما ثنى الله عنـي شـر عـدوتـه

 

رقدت لا مثبتاً ذعراً ولا بـعـلا

أما ترى الدار قفراً لا أنيس بـهـا

 

إلا الوحوش وأمسى أهلها احتملا

بين المنيفة حيث استن مدفـعـهـا

 

وبين فردة من وحشيهـا قـبـلا

وقد تقول وما تخفي لجـارتـهـا

 

إني أرى مالك بن الريب قد نحلا

من يشهد الحرب يصلاها ويسعرها

 

تراه مما كسته شاحـبـاً وجـلا

خذها فإني لضراب إذا اختلفـت

 

أيدي الرجال بضرب يختل البطلا

وقال مالك في ذلك أيضاً:

يا عـامـلاً تـحـت الــظـــلام مـــطـــية

 

متـخـايلا لإبـل وغـــير مـــخـــاتـــل

أنـي أنـخـت لــشـــابـــك أنـــيابـــه

 

مسـتـأنـس بـدجـى الـظــلام مـــنـــازل

لا يسـتـريع عـظــيمة يرمـــى بـــهـــا

 

حصـبـاً يحـفـز عـن عـظـام الـكــاهـــل

حربـا تـنـصـبـه بـنـبـــت هـــواجـــر

 

عاري الأشـاجـع كـالـحـسـام الـنــاصـــل

لم يدر مـا غـرف الـقـصــور وفـــيؤهـــا

 

طاو بـنـخـل سـوادهـا الـمـــتـــمـــايل

يقظ الفؤاد إذا القلوب تآنست جزعا ونبه كل أروع باسل

 

 

حيث الدجى متطلعا لغفوله

 

كالـذئب فـي غـلـس الـظـلام الـخــاتـــل

فوجـدتـه ثـبـت الـجـنـان مـــشـــيعـــاً

 

ركـاب مـنـســـج كـــل أمـــر هـــائل

فقـراك أبـيض كـالـعـقــيقة صـــارمـــاً

 

ذا رونـق يعـنـي الـضـــريبة فـــاصـــل

فركـتـب ردعـك بـــين ثـــنـــي فـــائز

 

يعـلـو بــه أثـــر الـــدمـــاء وشـــائل

رجل حرب لا سائس إبل قال: وانطلق مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان إلى خراسان، حتى إذا كانوا في بعض مسيرهم اجتاجو إلى لبن، فطلبوا صاحب إبلهم، فلم يجدوه، فقال مالك لغلام من غلمان سعيد: أدن مني فلانة – لناقة كانت لسعيد عزيزة – فأدناها منه، فمسحها وأبس بها حتى درت، ثم حلبها، فإذا أحسن حلب حلبه الناس زأغزره درة، فانطلق الغلام إلى سعيد، فأخبره، فقال سعيد لمالك: هل لك أن تقوم بأمر إبلي، فتكون فيها، وأجزل لك الرزق إلى ما أرزقك، وأضع عنك الغزو؟ فقال مالك في ذلك:

أنـي لأسـسـتـحــيي الـــفـــوارس أن أرى

 

بأرض الـعـدا بـو الـمــخـــاض الـــروائم

وإنـي لأسـتـحـيي إذا الـحـرب شـــمـــرت

 

أن ارخـي دون الـحـرب ثـوب الـمـسـالـــم

ومـا أنـا بـالـنـائي الـحـفـيظة فـي الـوغــى

 

ولا الـمـتـقـى فـي الـسـلـم جـر الـجــرائم

ولا المتأني في العواقب للذي أهم به من فاتكات العزائم

 

 

ولكنني مستوحد العزم مقدم

 

علـى غـمـرات الـحـادث الـمـتـفــاقـــم

قلـيل اخـتـلاف الـرأي فـي الـحـرب بـاســل

 

جمـيع الـفـراد عـنـد حـل الــعـــظـــائم

فلما سمع ذلك منه سعيد بن عثمان، علم أنه ليس بصاحب إبل، وأنه صاحب حرب، فانطلق به معه.
مالك والذئب قالوا: وبينما مالك بن الريب ليلة نائم في بعض مفازاته إذ بيته ذئب، فزجره فلم يزدجر، فأعاد، فلم يبرح، فوثب إليه بالسيف، فضربه، فقتله، وقال مالك في ذلك:

أذئب الغضا قد صرت للنـاس ضـحـكة

 

تغادى بك الركبان شرقـاً إلـى غـرب

فأنت وإن كنـت الـجـرىء جـنـانـه

 

منيت بضرغام مـن الأسـد الـغـلـب

بمـن لا ينـام الـلـيل إلا وسـيفـــه

 

رهينة أقوام سـراع إلـى الـشـغـب

ألم تـرنـي يا ذئب إذا جـئت طـارقـاً

 

تخاتلنـي أنـي أمـرؤ وافـر الـلـب

ززجرتك مرات فلـمـا غـلـبـتـنـي

 

ولم تنزجر نهنهت غربك بـالـضـرب

فصرت لقى لـمـا عـلاك ابـن حـرة

 

بأبيض قطاع ينـجـي مـن الـكـرب

ألا رب يوم ريب لـو كـنـت شـاهـداً

 

لهالك ذكرى عند معمـعـمة الـحـرب

ولـسـت تـرى إلا كـمـيا مـجــذلا

 

يداه جميعاً تـثـبـتـان مـن الـتـرب

وآخر يهوى طـائر الـقـلـب هـاربـا

 

وكنت امرأ في الهيج مجتمع الـقـلـب

أصول بذي الزرين أمـشـي عـرضـنة

 

إلى الموت والأقران كالإبـل الـجـرب

أرى الموت لا أنحاش عنـه تـكـرمـا

 

ولو شئت لم أركب على المركب الصعب

ولكن أبـت نـفـسـي وكـانـت أبـية

 

تقاعس أو ينصاع قـوم مـن الـرعـب

تتعلق به ابنته عند الفراق فقال في ذلك شعراً قال أبو عبيدة: لما خرج مالك بن الريب مع سعيد بن عثمان تعلقت ابنته بثوبه، وبكت، وقالت له: أخشى أن يطول سفرك أو يحول الموت بيننا فلا نلتقي، فبكى وأنشأ يقول:

ولقد قلت لابنتي وهـي تـبـكـي

 

بدخيل الهمـوم قـلـبـاً كـئيبـا

وهي تذري من الدموع على الخدّي

 

ن من لوعة الـفـراق غـروبـا

عبرات يكدن يجرحن مـا جـزن

 

ن بـه أو يدعـن فـيه نـدوبـا

حذر الحتف أن يصيب أباهـا

 

ويلاقي في غير أهل شعوبا

اسكتي قد حززت بالدمع قلبي

 

طالما حز دمعكن القلـوبـا

فعسى الله أن يدفـع عـنـي

 

ريب ما تحذرين حتى أءوبـا

ليس شيء يشاؤه ذو المعالـي

 

بعزيز عليه فادعي المجيبـا

ودعي أن تقطعي الآن قلبـي

 

أو تريني في رحلتي تعذيبـا

أنا في قبضة الإلـه إذا كـن

 

ت بعيداً أو كنت منك قريبـا

كم رأينا امرأً أتى من بـعـيد

 

ومقيما على الفراش أصيبـا

فدعيني من انتحـابـك إنـي

 

لا أبالي إذا اعتزمت النحيبـا

حسبي الله ثم قربـت لـلـس

 

ير علاة أنجب بها مركوبـا

يتشرد من أجل ضرطة أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: كان سبب خروج مالك بن الريب إلى خراسأن واكتتابه مع سعيد بن عثمان، هرباً من ضرطة، فسألته كيف كان ذلك؟ قال: مر مالك بليلى الأخيلية، فجلس إليها يحادثها طويلاً، وأنشدها. فأقبلت عليه، وأعجبت به حتى طمع في وصلها، ثم إذا هو بفتى قد جاء إليها، كأنه نصل سيف، فجلس إليها، فأعرضت عن مالك وتهاونت به، حتى كأنه عصفور، وأقبلت على صاحبها ملياً من نهارها، فغاظه ذلك من فعلها، وأقبل على الرجل، فقال: من أنت؟ فقال: توبة بن الحمير، فقال: هل لك في المصارعة؟ قال: وما دعاك إلى ذلك وأنت ضيفنا وجارنا؟ قال: لا بد منه، فظن أن ذلك لخوفه منه، فازداد لجاجاً، فقام توبة فصارعه، فلما سقط مالك إلى الأرض ضرط ضرطة هائلة، فضحكت ليلى منه. واستحيا مالك، فاكتتب بخراسان وقال: لا أقيم في بلد العرب أبداً، وقد تحدثت عني بهذا الحديث، فلم يزل بخراسان حتى مات، فقبره هناك معروف.

يتحدث مع أصحابه ويتذاكرون ماضيهم في السرقة وقال المدائني، وحدثني أبو الهيثم: قال: اجتمع مالك بن الريب وأبو حردبة وشظاظ يوماً، فقالوا: تعالوا نتحدث بأعجب ما عملناه في سرقتنا، فقال أبو حردبة: أعجب ما صنعت، وأعجب ما سرقت أني صحبت رفقة فيها رجل على رحل، فأعجبني، فقلت لصاحبي، والله لأسرقن رحله، ثم لا رضيت أو آخذ عليه جعالة، فرمقته، حتى رأيته قد خفق برأسه، فأخذت بخطام جمله، فقدته، وعدلت به عن الطريق، حتى إذا صيرته في مكان لا يغاث فيه إن استغاث، أنخت البعير وصرعته، فأوثقت يده ورجله، وقدت الجمل، فغيبته ثم رجعت إلى الرفقة، وقد فقدوا صاحبهم، فهم يسترجعون، فقلت: مالكم؟ فقالوا: صاحب لنا فقدناه، فقلت: أنا أعلم الناس بأثره، فجعلوا لي جعالة، فخرجت بهم أتبع الأثر حتى وقفوا عليه، فقالوا: مالك؟ قال: لا أدري، نعست، فانتبهت لخمسين فارساً قد أخذوني، فقاتلتهم، فغلبوني.

قال أبو حردبة؛ فجعلت أضحك من كذبه، وأعطوني جعالتي، وذهبوا بصاحبهم.

وأعجب ما سرقت أنه مر بي رجل معه ناقة وجمل، وهو على الناقة، فقلت: لآخذنهما جميعاً، فجعلت أعارضه وقد رأيته قد خفق برأسه، فدرت، فأخذت الجمل، فحللته، وسقته، فغيبته في القصيم – وهو الموضع الذي كانوا يسرقون فيه – ثم انتبه، فالفتفت، فلم ير جمله، فنزل وعقل راحلته، ومضى في طلب الجمل، ودرت فحللت عقال ناقته، وسقتها.

فقالوا لأبي حردبة: ويحك! فحتام تكون هكذا! قال: اسكتوا، فكأنكم بي وقد تبت، واشتريت فرساً، وخرجت مجاهداً، فبينا أنا واقف إذ جاءني سهم كأنه قطعة رشاء، فوقع في نحري، فمت شهيداً. قال: فكان كذلك: تاب، وقدم البصرة، فاشترى فرسا، وغزا الروم، فأصابه سهم في نحره فاستشهد.

ثم قالوا لشظاظ: أخبرنا أنت بأعجب ما أخذت في لصوصيتك، ورأيت فيها، فقال: نعم كان فلان (رجل من أهل البصرة) له بنت عم ذات مال كثير، وهو وليها، وكانت له نسوة، فأبت أن تتزوجه، فحلف ألا يزوجها من أحد ضراراً لها، وكان يخطبها رجل غني من أهل البصرة، فحرصت عليه، وأبى الآخر أن يزوجها منه، ثم إن ولي الأمر حج، حتى إذا كان بالدو – على مرحلة من البصرة حذاءها، قريب من جبل يقال له سنام، وهو منزل الرفاق إذا صدرت أو وردت – مات الولي، فدفن برابية، وشيد على قبره، فتزوجت الرجل الذي كان يخطبها. قال شظاظ: وخرجت رفقة من البصرة معهم بز ومتاع، فتبصرتهم وما معهم وأتبعتهم حتى نزلوا، فلما ناموا بيتهم، وأخذت من متاعهم. ثم إن القوم أخذوني، وضربوني ضرباً شديداً، وجردوني – قال: وذلك في ليلة قرة – وسلبوني كل قليل وكثير، فتركوني عرياناً، وتماوت لهم، وارتحل القوم، فقلت: كيف أصنع؟ ثم ذكرت قبر الرجل، فأتيته، فنزعت لوحه، ثم احتفرت فيه سربا، فدخلت فيه، ثم سددت علي باللوح، وقلت: لعلي الآن أدفأ فأتبعهم. قال: ومر الرجل الذي تزوج بالمرأة في الرفقة، فمر بالقبر الذي أنا فيه، فوقف عليه، وقال لرفيقه: والله لأنزلن إلى قبر فلان، حتى أنظر هل يحمى الآن بضع فلانة؟ قال شظاظ: فعرفت صوته فقلعت اللوح، ثم خرجت عليه بالسيف من القبر، وقلت: بلى ورب الكعبة لأحمينها، فوقع والله على وجهه مغشياً عليه، لا يتحرك ولا يعقل. فسقط من يده خطام الراحلة، فأخذت وعهد الله بخطامها فجلست عليها، وعليها كل أداة وثياب ونقد كان معه، ثم وجهتها قصد مطلع الشمس هارباً من الناس، فنجوت بها، فكنت بعد ذلك أسمعه يحدث الناس بالبصرة، ويحلف لهم أن الميت الذي كان منعه من تزويج المرأة خرج عليه من قبره بسلبه وكفنه. فبقي يومه، ثم هرب منه، والناس يعجبون منه فعاقلهم يكذبه، والأحمق منهم يصدقه، وأنا أعرف القصة، فأضحك منهم كالمتعجب.

مغامرة أخرى لشظاظ قالوا: فزدنا، قال: فأنا أزيدكم أعجب من هذا وأحمق من هذا؛ إني لأمشي في الطريق أبتغي شيئاً أسرقه، قال: فلا والله ما وجدت شيئاً، قال: وكان هناك شجرة ينام من تحتها الركبان بمكان ليس فيه ظل غيرها، وإذا أنا برجل يسير على حمار له، فقلت له: أتسمع؟ قال: نعم، قلت: إن المقيل الذي تريد أن تقيله يخسف بالدواب فيه، فاحذره، فلم يلتفت إلى قولي. قال: ورمقته، حتى إذا نام أقبلت على حماره، فاستقته، حتى إذا برزت به، قطعت طرف ذنبه وأذنيه، وأخذت الحمار، فخبأته وأبصرته حين استيقظ من نومه، فقام يطلب الحمار، ويقفوا أثره، فبينا هو كذلك إذ نظر إلى طرف ذنبه وأذنيه، فقال: لعمري لقد حذرت لو نفعني الحذر، واستمر هارباً خوف أن يخسف به، فأخذت جميع ما بقي من رحله فحملته على الحمار، واستمر فألحق بأهلي.

الحجاج يصلب شظاظ قال أبو الهيثم: ثم صلب الحجاج رجلاً من الشراة بالبصرة، وراح عشياً، لينظر إليه، فإذا برجل بإزائه مقبل بوجهه عليه، فدنا منه، فسمعه يقول للمصلوب: طال ما ركبت فأعقب، فقال الحجاج: من هذا؟ قالوا: هذا شظاظ اللص قال: لا جرم! والله ليعقبنك، ثم وقف، وأمر بالمصلوب، فأنزل وصلب شظاظا مكانه.

مات مالك حتف أنفه قال ابن الأعرابي: مرض مالك بن الريب عند قفول سعيد بن عثمان من خراسان في طريقه؛ فلما أشرف على الموت تخلف معه مرة الكاتب ورجل آخر من قومه من بني تميم وهما اللذان يقول فيهما:

أيا صاححبي رحلي دنا الموت فانزلا

 

برابـية إنـي مـقـيم لـيالــيا

ومات في منزله ذلك، فدفناه، وقبره هناك معروف إلى الآن، وقال قبل موته قصيدته هذه يرثي بها نفسه.
قال أبو عبيدة: الذي قاله ثلاثة عشر بيناً، والباقي منحول، ولده الناس عليه.

صوت

فما بيضة بات الظليم يحـفـهـا

 

ويرفع عنها جؤجؤا متجـافـيا

بأحسن منها يوم قالت: أظاعـن

 

مع الركب أم ثاو لدينا لـيالـيا؟

وهبت شمال آخر اللـيل قـرة

 

ولا ثـوب إلا بـردهـا وردائيا

ومازال بردى طيبا من ثيابـهـا

 

إلى الحول حتى أنهج الثوب باليا

الشعر لعبد بني الحسحاس، والغناء لابن سريج في الأول والثاني من الأبيات ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفي الثالث والرابع لمخارق خفيف ثقيل عمله على صنعة إسحاق في:

أماوي إن المال غاد ورائح

وكاده بذلك ليقال إن لحنه أخذه منه، وألقاه على عجوز عمير، فألقته على الناس، حتى بلغ الرشيد خبره، ثم كشفه فعلم حقيقته، ومن لا يعلم بنسبه إلى غيره، وقد ذكر حبش إنه لإبراهيم، وذكر غيره أنه لابن المكي.

وقد شرحت هذا الخبر في أخبار إسحاق.