أخبار مالك بن أسماء بن خارجة ونسبه

أخبار مالك بن أسماء بن خارجة ونسبه

نسبه

هو مالك بن أسماء بن خارجة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وقد مضى هذا النسب في أخبار عويف القوافي، وقد مضت أخباره، وذكر هذا البيت من فزارة وشرفه فيها وسائر قصصه هناك.

الحجاج يتزوج أخته هنداً ويوليه أصبهان

ثم يأمر بحبسه لخيانة ظهرت عليه وكان الحجاج بن يوسف ولى مالك بن أسماء بعد أن تزوج أخته هنداً بأصبهان، بعد حبس طويل في خيانة ظهرت عليه، ثم خلاه بعد ذلك، وطالت أيامه بأصبهان، فظهرت عليه خيانة أخرى، فحبسه وناله بكل مكروه.

أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى، قال: حدثني هشام بن محمد الهلالي، قال:  اختلف الحجاج وهند بنت أسماء زوجته في وقعة بنات قين، فبعث إلى مالك بن أسماء بن خارجة ، فأخرجه من السجن، وكان محبوساً بمال عليه للحجاج، فسأله عن الحديث فحدثه به، ثم أقبل على هند فقال: قومي إلى أخيك، فقالت: لا أقوم إليه، وأنت ساخط عليه. فأقبل الحجاج عليه، فقال: إنك والله ما علمت للخائن أمانته، اللئيم حسبه، الزاني فرجه، فقال: إن أذن الأمير تكلمت، قال: قل، قال: أما قول الأمير الزاني فرجه، فوالله لأنا أحقر عند الله عز وجل وأصغر في عين الأمير من أن يجب لله علي حد فلا يقيمه، وأما قوله: اللئيم حسبه، فوالله لو علم الأمير مكان رجل أشرف مني لم يصاهرني، وأما قوله: إني خؤون، فلقد ائتمنني فوفرت، فأخذني بما أخذني به، فبعت ما كان وراء ظهري، ولو ملكت الدنيا بأسرها لافتديت بها من مثل هذا الكلام.

قال: فنهض الحجاج، وقال: شأنك يا هند بأخيك.

قال مالك بن أسماء: فوثبت هند إلي فأكبت علي، ودعت بالجواري، ونزعت عني حديدي، وأمرت بي إلى الحمام، وكستني، وانصرفت.

فلبثت أياماً، ثم دخلت على الحجاج وبين يديه عهود، وفيها عهدي على أصبهان. قال: خذ هذا العهد، وامض إلى عملك، فأخذته ونهضت. قال: وهي ولايته التي عزله عنها، وبلغ به ما بلغ من الشر.

قال أبو زيد: ويقال إنه كان في الحبس في الدفعة الثانية مضيقاً عليه في كل أحواله، حتى كان يشاب له الماء الذي كان يشربه بالرماد والملح، فاشتاق الحجاج إلى حديثه يوماً، فأرسل إليه، فأحضر، فبينا هو يحدثه إذ استسقى ماء فأتي به، فلما نظر إليه الحجاج قال: لا، هات ماء السجن، فأتي به وقد خلط بالملح والرماد، فسقيه.

قال: ويقال: إنه هرب من الحبس ، فلم يزل متوارياً حتى مات الحجاج.

يكتب إليه أبيه أن يشفع له عند الحجاج

قال: وكتب إليه بعض أهله أن يمضي إلى الشام فيستجير ببعض بني أمية حتى يأمن، ثم يعود إلى مصره.
وقد كان خالد بن عتاب الرياحي فعل ذلك، واستجار بزفر بن الحارث الكلابي، فأجاره، فراجعه عبد الملك في أمره، ثم أجاره، فكتب مالك إلى أبيه يسأله أن يدخل إلى الحجاج ويسأله في أمره، فقال أسماء في ذلك:

أبني فزارة لا تعنوا شيخـكـم

 

ما لي وما لزيارة الحـجـاج

شبهته شبهلاً غـداة لـقـيتـه

 

يلقي الرؤوس شواخب الأوداج

تجري الدماء على النطاع كأنها

 

راح شمول غير ذات مـزاج

لا تطلبوا حاجـاً إلـيه فـإنـه

 

بئس المؤمل في طلاب الحاج

يا ليت هنداً أصبحت مرمـوسة

 

أو ليتها جلست عـن الأزواج

خالد بن عتاب والحجاج يتسابان

قال أبو زيد: فأما خبر خالد بن عتاب الرياحي، فإن الحجاج كان استعمله على الري، وكانت أمه أم ولد، فكتب إليه الحجاج يلخن أمه، ويقول يابن اللخناء ، أنت الذي هربت عن أبيك حتى قتل، وقد كان حلف ألا يسب أحد أمه إلا أجابه كائناً من كان.
فكتب إليه خالد: كتبت إلي تلخنني، وتزعم أني فررت عن أبي حين قتل، ولعمري لقد فررت عنه، ولكن بعد أن قتل، وحين لم أجد لي مقاتلاً، ولكن أخبرني عنك يابن اللخناء المستفرمة بعجم زبيب الطائفن حين فررت أنت وأبوك يوم الحرة على جمل ثفال ، أيكما كان أمام صاحبه، فقرأ الحجاج الكتاب، وقال: صدق:

أنا الذي فررت يوم الحره

 

ثم ثنيت كـرة بـفـره

والشيخ لا يفر إلا مره

 

 

ثم طلبه، وهرب إلى الشام، وسلم بيت المال ولم يأخذ منه شيئاً.

خالد بن عتاب يستجير بروح بن زنباع فلا يجيره، ويجيره زفر بن الحارث وكتب الحجاج إلى عبد الملك بما كان منه، وقدم خالد الشام، فسأل عن خاصة عبد الملك، فقيل له: روح بن زنباع، فأتاه حين طلعت الشمس، فقال: إني جئتك مستجيراً، فقال: إنني قد أجرتك إلا أن تكون خالداً، قال: فإني خالد، فتغير وقال: أنشدك الله إلا خرجت عني؛ فإني لا آمن عبد الملك، فقال: أنظرني حتى تغرب الشمس. فجعل روح يراعيها حتى خرج خالد.

فأتى زفر بن الحارث الكلابي فقال: إني جئتك مستجيراً، قال: قد أجرتك، قال: أنا خالد بن عتاب، قال: وإن كنت خالداً. فلما أصبح دعا ابنين له فتهادى بينهما وقد أسن، فدخل على عبد الملك وقد أذن للناس، فلما رآه دعا له بكرسي، فجعل عند فراشه، فجلس، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إني قد أجرت عليك رجلاً، فأجره، قال: قد أجرته إلا أن يكون خالداً، قال: فهو خالد، قال: لا، ولا كرامة، فقال زفر لابنيه: أنهضاني.

فلما ولى قال: يا عبد الملك، أما والله لو كنت تعلم أن يدي تطيق حمل القناة ورأس الجواد لأجرت من أجرت، فضحك، وقال: يا أبا الهذيل، قد أجرناه، فلا أرينه. وأرسل إلى خالد بألفي درهم، فأخذها، ودفع إلى رسوله أربعة آلاف درهم.

رجع الخبر إلى حديث مالك بن أسماء مالك وأخوه عيينة يعشقان جارية لأختهما هند

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: أخبرنا محمد بن يزيد النحوي، وأخبرنا إبراهيم بن محمد بن أيوب، قال: حدثنا عبد الله بن مسلم، قالا: عشق مالك بن أسماء جارية لأخته هند، وعشقها أخوه عيينة بن أسماء بن خارجة، فاستعان بأخيها مالك، وهو لا يعلم ما يجد بها، يشكو إليها حبها، فقال مالك :

أعيين هلا إذ كلفـت بـهـا

 

كنت استغثت بفارغ العقـل

أرسلت تبغي الغوث من قبلي

 

والمستغاث إليه في شغـل

مالك يعشق جارية من بني أسد

قال ابن قتيبة خاصة: وهوي مالك بن أسماء جارية من بني أسد، وكانت تنزل داراً من قصب، وكانت دار مالك في بني أسد داراً سرية مبنية بالجص والآجر فقال:

يا ليت لي خصا يجاورها

 

بدلاً بداري في بني أسد

الخص فيه تقر أعينـنـا

 

خير من الآجر والكمـد

ينشد عمر بن أبي ربيعة بعض شعره

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمي ويعقوب بن عيسى، وأخبرني علي بن صالح بن الهيثم، قال: حدثنا أبو هفان عن إسحاق الموصلي، عن الزبير: أن عمر بن أبي ربيعة رأى مالك بن أسماء. قال أبو هفان في خبره: وهو يطوف بالبيت، وقد بهرالناس جماله وكماله، فأعجب عمر ما رأى منه، فسأل عنه فعرفه، فعانقه وسلم عليه وقال له: أنت أخي حقاً، فقال له مالك: ومن أنا ومن أنت؟ فقال: أما أنا فستعرفني، وأما أنت فالذي تقول:

إن لي عند كل نفحة بسـتـا

 

ن من الورد أو من الياسمينا

نظراً والتـفـاتة أتـرجـى

 

أن تكوني حللت فيما يلينـا

غنت فيه علية بنت المهدي خفيف رمل بالوسطى.

وقال أبو هفان في حديثه: قال له عمر: مازلت أحبك منذ سمعت هذا الشعر لك، فقال له مالك: أنت عمر بن أبي ربيعة، قال: نعم. قال الزبير في خبره خاصة: وحدثني ابن أبي كناسة: أن عمر لما لقي مالكاً استنشده، فأنشده مالك شيئاً من شعره، فقال له عمر: ما أحسن شعرك لولا أسماء القرى التي تذكرها فيه، قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قولك:

إن في الرفقة التي شيعتنا

 

بجوير سما لزين الرفاق

ومثل قولك:

أشهدتنا أم كنت غـائبة

 

عن ليلتي بحديثة القسب

ومثل قولك:

حبذا ليلتي بتـل بـونـى

 

حين نسقى شرابنا ونغني

فقال له مالك: هي قرى البلد الذي أنا فيه، وهو مثل ما تذكره في شعرك من أرض بلادك، قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قولك :

حي المنازل قد دثرن خراباً

 

بين الجوين وبين ركن كسابا

ومثل قولك:

ما على الرسم بالبليين لو بي

 

ن رجع السلام أولو أجابـا

فأمسك عنه عمر بن أبي ربيعة.
ومالك بن أسماء الذي يقول :

وحـديث ألـذه هـو مـمـا

 

ينعت الناعتون يوزن وزنـا

منطق صائب وتلحـن أحـيا

 

ناً وأحلى الحديث ما كان لحنا

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى المنجم، قال: حدثني أبي، قلت للجاحظ: إني قرأت في فصل من كتابك المسمى بكتاب البيان والتبيين : إنما يستحسن من النساء اللحن في الكلام، واستشهدت ببيتي مالك بن أسماء – يعني هذين البيتين – قال: هو كذاك، فقال: أما سمعت بخبر هند ابنة أسماء بن خارجة مع الحجاج حين لحنت في كلامها، فعاب ذلك عليها، فاحتجت ببيتي أخيها، فقال لها: إن أخاك أراد أن المرأة فطنة، فهي تلحن بالكلام إلى غير الظاهر بالمعنى لتستر معناه، وتورى عنه، وتفهمه من أرادت بالتعريض، كما قال الله عز وجل : (ولتعرفنهم في لحن القول) ولم يرد الخطأ من الكلام، والخطأ لا يستحسن من أحد. فوجم الجاحظ ساعة، ثم قال: لو سقط إلي هذا الخبر أولاً لما قلت ما تقدم، فقلت له: فأصلحه، فقال: الآن وقد سار به الكتاب في الآفاق، وهذا لا يصلح، أو كلاماً نحو ما ذكرنا، فإن أبا أحمد أخبرنا به على سبيل المذاكرة فحفظته عنه.

المتوكل يطلب أن يبتاع له تل بوني

أخبرني الحسين بن يحيى، وجعفر بن قدامة، قالا: قال حماد: حدثني أحمد بن داود السدي، قال: ورد علي كتاب أمير المؤمنين المتوكل، وأنا على سواد الكوفة: أن ابتع لي تل بونى بما بغت، فابتعتها له، فإذا قرية صغيرة على تل، قد خرب ما حواليها من الضياع، فابتعتها له بعشرة آلاف درهم، قال: فظننته حركه على طلبها أنه غني:

حبذا ليلتي بتل بونى

فسألت عن ذلك، فعرفت أن جاريته مكتومة غنته هذا الصوت.

قال حماد: ومكتومة هذه جارية أهداها أبي إليه لما ولى الخلافة، فإنه سأل عنه، فعرف أنه قد كف بصره، فكتب له بمائة ألف درهم، وأمر بإشخاصه إليه مركماً، فأشخص إليه، وأهدى إليه عدة جوار هذه فيهن.

الحجاج يعاتب مالكاً ويستتيبه وروى الهيثم بن عدي ابن عياش أن الحجاج دعا يوماً بمالك بن أسماء، فعاتبه عتاباً طويلاً، ثم قال له: أنت والله كما قال أخو بني جعدة :

إذا ما سوأة غراء ماتـت

 

أتيت بسوءة أخرى بهـيم

وما تنفك ترحص كل يوم

 

من السوآت كالطفل النهيم

أكل الدهر سعيك في تباب

 

تناغي كل مومـسة أثـيم

فقال له: لست كما قال الجعدي، ولكني كما قلت:

لكل جواد عثرة يسـتـقـيلـهـا

 

وعثرة مثلي لا تقال مدى الدهـر

فهبنى يا حجاج أخـطـأت مـرة

 

وجرت عن المثلى وغنيت بالشعر

فهل لي إذا ما تبت عنـدك تـوبة

 

تدارك ما قد فات في سالف العمر

فقال له الحجاج: بلى والله، لئن تبت لأقبلن توبتك ولأعفين على ما كان من ذنبك ومن لي بذلك يا مالك؟ قال له: لك الله به، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، فانظر ما تقول، قال: الحق أصلحك الله لا يخفى على أحد.

مالك يعود إلى الشراب

قال: فترك مالك الشراب، ووفى بعهده وأظهر النسك، ثم طما به الشعر، وطال عليه ترك اللذات والشراب، فقال:

وندمان صدق قال لي بـعـد هـدأة

 

من الليل: قم نشرب، فقلت له: مهلا

فقال: أبخلاً يابن أسمـاء هـاكـهـا

 

كميتاً كريم المسك تزدهف العقـلا

فتابعـتـه فـيمـا أراد ولـم أكـن

 

بخيلاً على الندمان أو شكساً وغـلا

ولكنني جلد القـوى أبـذل الـنـدى

 

وأشرب ما أعطى ولا أقبل العـذلا

ضحوك إذا ما دبت الكأس في الفتى

 

وغيره سكر وإن أكثر الـجـهـلا

قال: فبلغ الحجاج أن مالكاً قد راجع الشراب، فقال: لا يأتي مالك بخير سجيس الأوجس ، قاتل الله أيمن بن خريم حيث يقول:

إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن

 

له دون ما يأتي حجاب ولا ستر

فدعه وما يأتي ولا تعـذلـنـه

 

وإن مد أسباب الحياة له العمر

وأنشدنا علي بن سليمان الأخفش أبيات أيمن هذه الرائية، وقال: أخذ معناها من قول ابن عباس: إذا بلغ المرء أربعين سنة ولم يتب أخذ إبليس بناصيته، وقال: حبذا من لا يفلح أبداً. وأول الأبيات هذه:

وصهباء جرجانية لم يطف بـهـا

 

حنيف ولم تنغر بها سـاعة قـدر

ولم يشهد القس المهينـم نـارهـا

 

طروفاً ولا صلى على طبخها حبر

أتاني بها يحيى وقد نـمـت نـومة

 

وقد غابت الجوزاء وانحدر النسر

فقلت: اصطبحها أو لغيري سقها

 

فما أنا بعد الشيب ويحج والخمر!

إذا المرء وفى الأربعين ولم يكن

 

له دون ما يأتي حجاب ولا ستر

فدعه ولا تنفس عليه الذي أتـى

 

ولو مد أسباب الحياة له العمـر

صوت

تلك عرسي تروم هجري سفاهاً

 

وجفتني فما توافي عـنـاقـي

زعمت أنها تواتي مـع الـمـا

 

ل وأنى محـالـف إمـلاقـي

وتنـاسـت رزية بـدمـشـق

 

أشخصت مهجتي فويق التراقي

يوم نلقى نعش ابن عروة مـح

 

مولاً بأيدي الرجال والأعنـاق

مستحثا به سباقاً إلـى الـقـب

 

ر وما إن لحثهم من سـبـاق

ثم وليت موجعاً قد شـجـانـي

 

قرب عهد بهم وبـعـد تـلاق

عروضه من الخفيف . الشعر لإسماعيل بن يسار النسائي يرثي محمد بن عروة بن الزبير. والغناء لدحمان، خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، وفيه لابن محرز ثقيل أول بالبنصر عن حبش.