أخبار كعب الأشقري ونسبه

أخبار كعب الأشقري ونسبه

نسبه وبعض أخباره

هو كعب بن معدان الأشقري، والأشاقر : قبيلة من الأزد، وأمه من عبد القيس، شاعر فارس خطيب معدود في الشجعان، من أصحاب المهلب والمذكورين في حروبه للأزارقة، وأوفده المهلب إلى الحجاج، وأوفده الحجاج إلى عبد الملك.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: حدثنا أبي قال حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي عن قتادة قال: سمعت الفرزدق يقول: شعراء الإسلام أربعة: أنا وجرير، والأخطل، وكعب الأشقري.

أخبرني وكيع قال: حدثني أحمد بن أبي خيثمة قال:حدثنا أبي قال: حدثنا وهب بن جرير قال: حدثنا أبي عن المتلمس قال: قلت للفرزدق: ياأبا فراس، أشعرت أنه نبغ من عمان شاعر من الأزد يقال له كعب؟ فقال الفرزدق: إي والذي خلق الشعر

شعره للحجاج عن وقعة الأزارقة

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد، وأخبرني عمي، قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري عن العتبي واللفظ له وخبره أتم قال: أوفد المهلب بن أبي صفرة كعباً الأشقري ومعه مرة بن التليد الأزدي إلى الحجاج بخبر وقعة كانت له مع الأزارقة، فلما قدما عليه ودخلا داره بدر كعب بن معدان فأنشد الحجاج قوله:

يا حـفـص إنـي عـدانـي عـنـكـم الـسـفـــر

 

وقـد سـهـرت فـآذى عـينـي الــســـهـــر

علـقـت يا كـعـب بـعـد الـشـيب غـــانـــية

 

والـشـيب فـيه عـن الأهـــواء مـــزدجـــر

أممسك أنت منها بالذي عهدت أم حبلها إذ نأتك اليوم منبتر

 

 

ذكرت خوداً بأعلى الطف منزلها

 

في غـرفة دونـهـا الأبـواب والـــحـــجـــر

وقـد تـركـت بـشـط الــزابـــيين لـــهـــا

 

داراً بـهـا يسـعـد الـبـادون والــحـــضـــر

واخـتـرت داراً بـهـا قـوم أســـر بـــهـــم

 

ما زال فـيهـم لـمـن تـخـتــارهـــم خـــير

أبـا سـعـيد فـإنـي سـرت مـنـتــجـــعـــاً

 

وطـالـب الـخـير مـرتـاد ومـنــتـــظـــر

لولا الـمـهـلـب مـــا زرنـــا بـــلادهـــم

 

ما دامـت الأرض فـيهـا الـمـاء والـشــجـــر

ومـا مـن الـنـاس مـن حـي عـلـمـتــهـــم

 

إلا يرى فـيهـم مـن ســـيبـــكـــم أثـــر

وهي قصيدة طويلة قد ذكرها الرواة في الخبر، فتركت ذكرها لطولها ، يقول فيها:

فما يجاوز باب الـجـسـر مـن أحـدٍ

 

قد عضت الحرب أهل المصر فانجحروا

كنا نـهـون قـبـل الـيوم شـأنـهـم

 

حتى تفـاقـم أمـر كـان يحـتـقـر

لما وهنا وقـد حـلـوا بـسـاحـتـنـا

 

واستنفر الناس تارات فـمـا نـفـروا

نادى امرؤٌ لا خلاف فـي عـشـيرتـه

 

عنه وليس به عن مثـلـهـا قـصـر

حتى انتهى إلى قوله بعد وصفه وقائعهم مع المهلب في بلدٍ بلد،فقال:

خبوا كمينهم بالسفح إذ نـزلـوا

 

بكازرون فما عزوا وما نصروا

باتت كتائبنا تـردى مـسـومة

 

حول المهلب حتى نور القمـر

هناك ولوا خزايا بعد ما هزموا

 

وحال دونهم الأنهار والـجـدر

تأبى علينا حزازات النفوس فما

 

نبقي عليهم ولا يبقون إن قدروا

فضحك الحجاج وقال له:إنك لمنصف يا كعب،ثم قال الحجاج:أخطيب أنت أم شاعر؟فقال :شاعر وخطيب.فقال له: كيف كانت حالكم مع عدوكم؟قال:كنا إذا لقيناهم بعفونا وعفوهم،فعفوهم تأنيس منهم،فإذا لقيناهم بجهدنا وجهدهم طمعنا فيهم،قال:فكيف كان بنو المهلب؟قال:حماة للحريم نهاراً،وفرسانٌ بالليل أيقاظاً،قال:فأين السماع من العيان؟قال:السماع دون العيان،قال:صفهم رجلاً رجلاً،قال:المغيرة فارسهم وسيدهم، نار ذاكية،وصعدة عالية،وكفى بيزيد فارساً شجاعاً،ليث غاب،وبحر جم العباب،وجوادهم قبيصة،ليث المغار،وحامي الذمار،ولا يستحي الشجاع أن يفر من مدرك،فكيف لا يفر من الموت الحاضر،والأسد الخادر،وعبد الملك سم نافع،وسيف قاطع،وحبيب الموت الذعاف،إنما هو طود شامخ،وفخر باذخ،وأبو عيينة البطل الهمام،والسيف الحسام،وكفاك بالمفضل نجدة،ليث هدار،وبحر موار،ومحمد ليث غاب ،وحسام ضراب،قال:فأيهم أفضل؟قال:هم كالحلقة المفرغة لا يعرف طرفاها،قال :فكيف جماعة الناس؟قال:على أحسن حال،أدركوا ما رجوا،وأمنوا مما خافوا،وأرضاهم العدل،وأغناهم النفل،قال:فكيف رضاهم عن المهلب؟قال:أحسن رضا،وكيف لا يكونون كذلك وهم لا يعدمون منه رضا الوالد،ولا يعدم منهم بر الولد؟قال:فكيف فاتكم قطري؟قال:كدناه فتحول عن منزله وظن أنه قد كادنا ،قال:فهلا تبعتموه!قال:حال الليل بيننا وبينه،فكان التحرز-إلى أن يقع العيان،ويعلم امرؤٌ ما يصنع-أحزم،وكان الحد عندنا آثر من الفل،فقال له المهلب:كان أعلم بك حيث بعثك وأمر له بعشرة آلاف درهم،وحمله على فرس،وأوفده على عبد الملك بن مروان فأمر له بعشرة آلاف أخرى.

شعره في المهلب وولده

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال:حدثني أبو عمروبندار الكرجي قال:حدثنا أبو غسان التميمي عن أبي عبيدة قال:كان عبد الملك بن مروان يقول للشعراء:تشبهوني مرة بالأسد،ومرة بالبازي،ومرة بالصقر،ألا قلتم كما قال كعب الأشقري في المهلب وولده!

براك الله حين بـراك بـحـراً

 

وفجّر منك أنـهـاراً غـزارا

بنوك السابقون إلى المعـالـي

 

إذا ما أعظم الناس الخـطـارا

كأنهـم نـجـوم حـول بـدر

 

دراري تكمـل فـاسـتـدارا

ملوك ينزلـون بـكـل ثـغـر

 

إذا ما الهام يوم الروع طـارا

رزان في الأمور ترى عليهـم

 

من الشيخ الشمائل والنـجـارا

نجوم يهـتـدى بـهـم إذا مـا

 

أخو الظلماء في الغمرات حارا

وهذه الأبيات من القصيدة التي أولها:

طربت وهاج لي ذاك ادكارا

التي فيها الغناء.

تهاجيه وزياد الأعجم

أخبرني محمد بن الحسين الكندي قال:حدثنا غسان بن ذكوان الأهوازي قال:ذكر العتبي أن زياداً الأعجم هاجى كعباً الأشقري،واتصل الهجاء بينهما،ثم غلبه زياد،وكان سبب ذلك أن شراً وقع بين الأزد وبين عبد القيس،وحرباً سكنها المهلب وأصلح بينهم،وتحمل ما أحدثه كل فريق على الآخر،وأدى دياته،فقال كعب يهجو عبد القيس:

إني وإن كنت فرع الأزد قد علموا

 

أخزى إذا قيل عبد القيس أخوالي

فهم أبو مالك بالمجد شـرفـنـي

 

ودنس العبد عبد القيس سربالـي

قال:فبلغ قوله زيادا الأعجم فغضب وقال: يا عجباً للعبد بن العبد بن الحيتان والسرطان ، يقول هذا في عبد القيس، وهو يعلم موضعي فيهم! والله لأدعنه وقومه غرضاً لكل لسان، ثم قال يهجوه:

نبئت أشقر تهحونا فقلت لـهـم

 

ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا

لا يكثرون وإن طالت حياتـهـم

 

ولو يبول عليهم ثعلب غرقـوا

قوم من الحسب الأدنى بمنـزلة

 

كالفقع بالقاع لا أصل ولا ورق

إن الأشاقر قد أضحوا بمنـزلة

 

لو يرهنون بنعلي عبدنا غلقـوا

قال: وقال فيه أيضا :

هل تسمع الأزد ما يقال لهـا

 

في ساحة الدار أم بها صمم؟

اختتن القوم بعد ما هـرمـوا

 

واستعربوا ضلة وهم عجـم

قال: فشكاه كعب إلى المهلب وأنشده هذين البيتين، وقال: والله ما عنى بهما غيرك، ولقد عم بالهجاء قومك، فقال المهلب: أنت أسمعتنا هذا وأطلقت لسانه فينا به، وقد كنت غنيا عن هجاء عبد القيس وفيهم مثل زياد، فاكفف عن ذكره، فإنك أنت بدأته، ثم دعا بزياد فعاتبه، فقال: أيها الأمير، اسمع ما قال في وفي قومي فإن كنت ظلمته فانتصر، وإلا فالحجة عليه، ولا حجة على امرىء انتصر لنفسه وحسبه وعشيرته، وأنشده قول كعب فيهم:

لعل عبيد القيس تـحـسـب أنـهـا

 

كتغلب في يوم الحفـيظة أو بـكـر

يضعضع عبد القيس في الناس منصب

 

دنيء وأحساب جبرن على كـسـر

إذا شاع أمر الناس وأنشقت العـصـا

 

فإن لكـيزاً لا تـريش ولا تـبـري

فقال المهلب: قد قلت له أيضاً، قال: لا والله ما انتصرت، ولولاك ما قصرت وأي انتصار في قولي له :

يأيها الجاهل الجاري ليدركـنـي

 

أقصر فإنك إن أدركت مصروع

يا كعب لاتك كالعنز التي بحثـت

 

عن حتفها وجناب الأرض مربوع

وقولي :

لئن نصبت لي الروقين معترضـاً

 

لأرمينك رمـياً غـير تـرفـيع

إن المآثر والأحسـاب أورثـنـي

 

منها المجاجيع ذكراً غير موضوع

هجاؤه عبد القيس

يعني مجاعة بن مرة الحنفي، ومجاعة بن عمرو بن عبد القيس، فأقسم عليهما المهلب أن يصطلحا، فاصطلحا وتكافا، ومما هجا كعب الأشقري عبد القيس به قوله:

ثوى عامين في الجيف اللواتي

 

كطرحة على باب الفصـيل

أحب إلي مـن ظـل وكـن

 

لعبد القيس في أصل الفسيل

إذا ثار الفساء بهم تـغـنـوا

 

ألم تربع على الدمن المثـول

تظل لها ضبابـات عـلـينـا

 

موانع من مبيت أو مـقـيل

هجاؤه ربيعة واليمن

قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب للنضر بن حديد: كانت ربيعة واليمن متحالفة، فكان المهلب وابنه يزيد ينزلان هاتين القبيلتين في محلتهما، فقال كعب الأشقري ليزيد:

لا ترجون هـنـائياً لـصـالـحة

 

واجعلهم وهداداً أسوة الـحـمـر

حيان مالهما فـي الأزد مـأثـرة

 

غير النواكة والإفراط في الهـذر

واجعل لكيزاً وراء الناس كلـهـم

 

أهل الفساء وأهل النتن والـقـذر

قوم علينا ضباب من فـسـائهـم

 

حتى ترانا له ميداً من السـكـر

أبلغ يزيد بأنا لـيس ينـفـعـنـا

 

عيش رغيد ولا شيء من العطر

حتى تحل لكـيزا فـوق مـدرجة

 

من الرياح على الأحياء من مضر

ليأخذوا لنزار حـظ سـبـتـهـا

 

كما أخذنا بحظ الحلف والصهـر

شعره في المهلب أمام رسول الحجاج

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال: حدثنا أبي قال: كتب الحجاج بن يوسف إلى المهلب يأمره بمناجزة الأزارقة ويستبطئه ويضعفه، ويعجزه في تأخيره أمرهم ومطاولتهم ، فقال المهلب لرسوله: قل له: إنما البلاء أن الأمر إلى من يملكه لا إلى من يعرفه، فإن كنت نصبتني لحرب هؤلاء القوم على أن أدبرها كما أرى، فإن أمكنتني الفرصة انتهزتها، وإن لم تمكني توقفت ، فأنا أدبر ذلك بما يصلحه، وإن أردت مني أن أعمل وأنا حاضر برأيك وأنت غائب، فإن كان صواباً فلك، وإن كان خطأ فعلي، فابعث من رأيت مكاني، وكتب من فوره بذلك إلى عبد الملك، فكتب إليه عبد الملك: لا تعارض المهلب فيما يراه ولا تعجله، ودعه يدبر أمره، وقام الأشقري إلى المهلب فأنشده بحضرة رسول الحجاج:

إن ابن يوسف غره من غزوكم

 

خفض المقام بجانب الأمصار

لو شاهد الصفين حين تـلاقـيا

 

ضاقت عليه رحيبة الأقطـار

من أرض سابور الجنود، وخيلنا

 

مثل القداح بريتها بـشـفـار

من كل خنذيذ يرى بلـبـانـه

 

وقع الظباة مع القنا الخطـار

ورأى معاودة الرباع غـنـيمة

 

أزمان كان محالف الإقـتـار

فدع الحروب لشيبها وشبابها

 

وعليك كل خريدة معطار

فبلغت أبياته الحجاج، فكتب إلى المهلب يأمره بإشخاص كعب الأشقري إليه، فأعلم المهلب كعباً بذلك، وأوفده إلى عبد الملك من تحت ليلته، وكتب إليه يستوهبه منه، فقدم كعب على عبد الملك ، واسنشده فأعجبه ما سمع منه، فأوفده إلى الحجاج، وكتب إليه يقسم عليه أن يعفو عنه ويعرض عما بلغه من شعره، فلما وصل إليه ودخل عليه قال: إيه يا كعب.

ورأى معاودة الرباع غنيمة ققال له: أيها الأمير، والله لقد وددت في بعض ما شاهدته في تلك الحروب وأزماتها، وما يوردناه المهلب من خطرها، أن أنجو منها وأكون حجاماً أو حائكاً، فقال له الحجاج: أولى لك، لولا قسم أمير المؤمنين لما نفعك ما أسمع، فالحق بصاحبك، ورده من وقته.

هروبه إلى عمان

قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب النضر بن حديد: لما عزل يزيد بن المهلب عن خراسان ووليها قتيبة بن مسلم، مدحه كعب الأشقري، ونال من يزيد وثلبه، ثم بلغته ولاية يزيد على خراسان، فهرب إلى عمان على طريق الطبسين وقال:

وإني تارك مرواً ورائي

 

إلى الطبسين معتام عمانا

لآوي معقلاً فيها وحرزاً

 

فكنا أهل ثروتها زمانـا

فأقام بعمان مدة ثم اجتواها ، وساءت حاله بها، فكتب إلى المهلب معتذراً:

بئس التبدل من مرو وسـاكـنـهـا

 

أرض عمان وسكنى تحت أطـواد

يضحي السحاب مطيراً دون منصفها

 

كأن أجبالها عـلـت بـفـرصـاد

يا لهف نفسي على أمر خطلت بـه

 

وما شفيت به غمري وأحـقـادي

أفنيت خمسين عاماً في مـديحـكـم

 

ثم اغتررت بقول الظالم الـعـادي

أبلغ يزيد قرين الجنـود مـألـكـه

 

بان كعبـاً أسـير بـين أصـفـاد

فإن عفوت فبيت الجـود بـيتـكـم

 

والدهر طوران من غي وإرشـاد

وإن مننت بصفح أو سمـحـت بـه

 

نزعت نحوك أطنـابـي وأوتـادي

وذكر المدائني أن يزيد بن المهلب حبسه ودس إليه ابن أخ له فقتله.

شعره في مقتل بني الأهتم

قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب النضر أيضاً أن الحجاج كتب إلى يزيد بن المهلب يأمره بقتل بني الأهتم، فكتب إليه يزيد: إن بني الأهتم أصحاب مقال وليسوا بأصحاب فعال، فلا تقدر أن نحدث فيهم ضرراً ، وفي قتلهم عاروسبة؛ واستوهبهم منه ، فتغافل عنهم، ثم انضموا إلى المفضل بن المهلب، فكتب إليه الحجاج يأمره بقتلهم، فكتب إليه بمثل ما كتب به أخوه، فأعفاهم ، ثم ولي قتيبة بن مسلم، فخرجوا إليه والتقوا معه، وذكروا بني المهلب فعابوهم، فقبلهم قتيبة واحتوى عليهم، فكانوا يغرون الجند عليه ويحملونهم على سوء الطاعة، فكتب يشكوهم إلى الحجاج، فكتب إليه يأمره بقتلهم، فقتلهم جميعاً، فقال كعب الأشقري في ذلك:

قل للأهاتم من يعود بفضله

 

بعد المفضل والأغـر يزيد

ردا صحائف حتفكم بمعاذر

 

رجعت أشائم طيركم بسعود

ردا على الحجاج فيكم أمره

 

فجزيتم غحسانه بجـحـود

فاليوم فاعتبروا فعال أخيكم

 

إن القياس لجاهل ورشـيد

شعره في عمرو بن عمير

قال أبو الفرج: ونسخت من كتابه أيضاً قال: ولى يزيد بن المهلب رجلاً من اليحمد يقال له عمرو بن عمير الزم، فلقيه كعب الأشقري فقال له: أنت شيخ من الأذد يوليك الزم. ويولي ربيعة الأعمال السنية، وأنشده:

لقد فازت ربيعة بالمعالي

 

وفاز اليحمدي بعهـد زم

فإن تك راضياً منهم بهـذا

 

فزادك ربنا غما بـغـم

إذا الأزدي وضح عارضاه

 

وكانت أمه من حي جرم

فثم حماقة لا شك فـيهـا

 

مقابلة فمن خـال وعـم

فرد اليحمدي عهد يزيد عليه، فحلف لا يستعمله سنة، فلما أجحفت به المئونة قال لكعب:

لوكنت خليتني يا كعب مـتـكـئاً

 

في دور زم لما أقفرت من علف

ومن نبيذ ومن لـحـم أعـل بـه

 

لكن شعرك أمر كان من حرفي

إن الشقي بمرو من أقـام بـهـا

 

يقارع الشوق من بيع ومن حلف

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال: حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: قال كعب الأشقري يهجو زياداً الأعجم:

وأقلف صلى بعد ما نـاك أمـه

 

يرى ذاك في دين المجوس حلالاً

فقال له زياد: يا بن النمامة أهي أخبرتك أني أقلف؟ فغلبه زياد.
والقصيدة التي أولها:

طربت وهاج لي ذاك ادكارا

شعر له فيه غناء

وفيه الغناء المذكور بذكره خبر كعب الأشقري، يمدح بها المهلب بن أبي صفرة ويذكر قتاله الأزارقة، وفيها يقول بعد الأبيات الأربعة التي فيها الغناء:

غرضن بمجلسي وكرهن وصلي

 

أوان كسيت من شمـط عـذارا

زرين علي حين بدا مـشـيبـي

 

وصارت ساحتي لـلـهـم دارا

أتاني والـحـديث لـه نـمـاء

 

مقالة جـائر أحـفـى وجـارا

سلوا أهل الأباطح مـن قـريش

 

عن العز المـؤبـد اين صـارا

ومن يحمي الثغور إذا استحـرت

 

حروب لا ينون لـهـا غـرارا

لقومي الأزد في الغمرات أمضى

 

وأوفـى ذمة وأعـز جــارا

هم قادوا الجياد علـى وجـاهـا

 

من الأمصار يقذفن المـهـارا

بكل مفـازة وبـكـل سـهـب

 

بسابس لا يرون لهـا مـنـارا

إلى كرمان يحملـن الـمـنـايا

 

بكـل ثـنـية يوقـدن نــارا

شوازب لم يصبن الثـار حـتـى

 

رددناهـا مـكـلـمة مـرارا

ويشجرن العوالي السمر حـتـى

 

ترى فيها عن الأسـل ازورارا

غداة تركن مصرع عـبـد رب

 

يثرن عليه من رهج عـصـارا

ويوم الزحف بالأهواز ظـلـنـا

 

نروي منهم الأسـل الـحـرارا

فقرت أعـين كـانـت حـديثـاً

 

ولم يك نـومـهـا إلا غـرارا

صنائعنا الشوابـغ والـمـذاكـى

 

ومن بالمصر يحتلب العـشـار

فهن يبحن كل حـمـى عـزيز

 

ويحمين الحـقـائق والـذمـارا

طوالات الـمـتـون يصـن إلا

 

إذا سار المهلـب حـيث سـارا

فلولا الشيخ بالمصـرين ينـفـي

 

عدوهم لقـد تـركـوا الـديارا

ولكن قارع الأبـطـال حـتـى

 

أصابوا الأمن واجتنبوا الفـرارا

إذا وهنوا وحل بـهـم عـظـيم

 

يدق العظم كان لهـم جـبـارا

ومبهمة يحيد النـاس عـنـهـا

 

تشب الموت شد لـهـا الإزارا

شهاب تنجلي الظلـمـاء عـنـه

 

يرى في كل مبهـمة مـنـارا

بل الرحمن جـارك إذ وهـنـا

 

بدفعك عن محارمنا اخـتـيارا

براك الله حـين بـراك بـحـراً

 

وفجر منـك أنـهـاراً غـزارا

وقد مضت هذه الأبيات متقدمة فيما سلف من أخبار كعب وشعره.

شعره في المهلب وولده

أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن سعد الكراني قال: حدثني العمري عن العتبي قال: قال عبد الملك بن مروان: يا معشر الشعراء، تشبهوننا بالأسد الأبخر، والجبل الوعر، والملح الأجاج؟ ألا قلتم كما قال كعب الأشقري في المهلب وولده:

لقد خاب أقوام سروا ظـلـم الـدجـى

 

يؤمون عمراً ذا الشـعـير وذا الـبـر

يؤمون من نال الغنـى بـعـد شـيبـه

 

وقاسي وليداً ما يقاسي ذوو الـفـقـر

فقل للجيم حـيا صـمـيمـاً نـفـيتـم

 

بخيلكم بالرغم مـنـه وبـالـصـغـر

فلو كنتـم حـياً صـمـيمـاً نـفـيتـم

 

بخيلكم بالرغم مـنـه وبـالـصـغـر

ولـكـنـكـم يا آل بـكـر بـن وائل

 

يسودكم من كان في الـمـال ذا وفـر

هو المانع الكلب الـنـبـاح وضـيفـه

 

خميص الحشا يرعى النجوم التي تسري

هجاؤه لأخيه وخبر ذلك

قال: وكان بين كعب وبين ابن أخيه هذا تباعد وعداوة، وكانت أمه سوداء فقال يهجوه:

إن السواد الذي سربلت تعرفه

 

ميراث جدك عن آبائه النوب

أشبهت خالك خال اللؤم مؤتسياً

 

بهديه سالكاً في شر أسلـوب

مقتله

قال المدائني في خبره: وكان ابن أخي كعب هذا عدواً له يسعى عليه، فلما سأل مجزأة بن زياد بن المهلب أباه في كعب فخلاه، دس إليه زياد بن المهلب ابن أخيه الشاعر، وجعل له ملاً على قتله، فجاءه يوماً وهو نائم تحت شجرة، فضرب رأسه بفأس فقتله، وذلك في فتنة يزيد بن المهلب وهو بعمان يومئذ، وكان لكعب أخ غير أخيه الذي قتله ابنه، فلما قتل يزيد بن المهلب فرق مسلمة بن عبد الملك أعماله على عمال شتى فولي البصرة وعمان عبد الرحمن بن سليمان الكلبي، فاستخلف عبد الرحمن على عمان محمد بن جابر الراسبي، فأخبر أخو كعب الباقي ابن أخيه الذي قتل كعباً، فقدمه إلى محمد بن جابر، وطلب القود منه بكعب، فقيل له: قتل أخوك بالأمس، وتقتل قاتله وهو ابن أخيك اليوم! وقد مضى أخوك وانقضى، فتبقى فرداً كقرن الأعضب ! فقال: نعم إن أخي كعباً كان سيدنا وعظيمنا ووجهنا، فقتله هذا، وليس فيه خير، ولا في بقائه عز، ولا هو خلف من كعب فأنا أقتله به، فلا خير في بقائه بعد كعب، فقدمه محمد بن جابر فضرب عنقه والله أعلم.

مدحه لقتيبة بن مسلم

أخبرنا أبو بكر محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أحمد بن الهيثم قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي ولقيط وغيرهما، قالوا: حاصر يزيد بن المهلب مدينة خوارزم في أيام ولايته، فلم يقدر على فتحها، واستصعب عليه، ثم عزل وولي قتيبة بن مسلم، فزحف إليها، فحاصرها ففتحها، فقال كعب الأشقري يمدحه ويهجو يزيد بن المهلب بقوله:

رمتك فيل بما فيها وما ظلـمـت

 

من بعد ما رامها الفجفاجة الصلف

قيس صريح وبعض الناس يجمعهم

 

قرى وريف ومنسوب ومقتـرف

منهم شناس ومرداذاء نـعـرفـه

 

وفسخراء، قبور حشوها القـلـف

لم يركبوا الخيل إلا بعدما هرمـوا

 

فهم ثقال على أكتافهـا عـنـف

قال: الفيل الذي ذكره هو حصن خوارزم يقال له والكهندر: الحصن العتيق، والفجفاجة: الكثير الكلام. وشناس: اسم أبي صفرة، فغيره، وتسمى ظالماً، ومرداذاء: أبو أبي صفرة، وسموه بسراق لما تعربوا، وفسخراء: جده، وهم قوم من الخوز من أهل عمان، نزلوا الأزد، ثم ادعوا أنهم صليبة صرحاء منهم،

صوت

لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا

 

وقفت يوماً إلى الليل حابـسـا

فجئنا بهيت لا نرى غير منـزل

 

قليل به الآثار إلا الروامـسـا

يدورون بي في ظل كل كنيسة

 

فينسونني قومي وأهوى الكنائسا

البيت الأول من الشعر للعباس بن مرداس السلمي، وبيت العباس مصراعه الثاني:

توهمت منه رحرحان فراكسا

وغيره يزيد بن معاوية فقال مكان هذا المصراع:

وقفت به يوماً إلى الليل حابسا

والبيت الثاني للعباس بن مرداس، والثالث ليزيد بن معاوية، ذكر بعض الرواة أنه قاله على هذا الترتيب وأمر بديحا أن يغني فيه، ففعل؛ ولم يأت ذلك من جهة يوثق بها، والصحيح أن الغناء لمالك، خفيف ثقيل بالبنصر عن الهشامي ويحيى المكي، وهذا صوت زعموا أن مالكاً صنعه على لحن سمعه من الرهبان.

أخبرني الحسن بن يحيى، عن حماد بن إسحاق، عن أحمد المكي، عن أبيه، عن سياط، أن مالكاً دخل مع الوليد بن يزيد ديراً، فسمع لحناً من بعض الرهبان، فاستحسنه، فصنع عليه.

ليس رسم على الدفين ببالي

فلما غناه الوليد قال له: الأول أحسن فعد إليه. اللحن الثاني الذي لمالك، ثقيل بالبنصر عن الهشامي وعمرو، وأوله:

در در الشباب والشعر الأس

 

ود والضامرات تحت الرحال

والخناذيذ كالقداح من الـشـو

 

حط يحملن شكة الأبـطـال