أخبار قيس بن عاصم ونسبه

أخبار قيس بن عاصم ونسبه

هو قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد بن مقاعس. واسم مقاعس الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. ويكنى أبا علي. وأمه أم أصعر بنت خليفة بن جرول بن منقر.

وهو شاعرٌ فارسٌ شجاعٌ حليمٌ كثير الغارات، مظفرٌ في غزاوته. أدرك الجاهلية والإسلام فساد فيهما. وهو أحد من وأد بناته في الجاهلية، وأسلم وحسن إسلامه، وأتى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه في حياته، وعمر بعده زماناً وروى عنه عدة أحاديث.

أخبرني عمي الحسن بن قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه قال: وفد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله بعض الأنصار عما يتحدث به عنه من الموءودات التي وأدهن من بناته، فأخبر أنه ما ولدت له بنتٌ قط إلا وأدها. ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحدثه فقال له: كنت أخاف سوء الأحدوثة والفضيحة في البنات، فما ولدت لي بنتٌ قط إلا وأدتها، وما رحمت منهن موءودةً قط إلا بنيةً لي ولدتها أمها وأنا في سفر، فدفعتها أمها إلى أخوالها فكانت فيهم، وقدمت فسألت عن الحمل، فأخبرتني المرأة أنها ولدت ولداً ميتاً. ومضت على ذلك سنون حتى كبرت الصبية ويفعت، فزارت أمها ذات يوم، فدخلت فرأيتها وقد ضفرت شعرها وجعلت في قرونها شيئاً من خلوق ونظمت عليها ودعاً، وألبستها قلادة جزعٍ، وجعلت في عنقها مخنقة بلح: فقلت، من هذه الصبية فقد أعجبني جمالها وكيسها؟ فبكت ثم قالت: هذه ابنتك، كنت خبرتك أني ولدت ولداً ميتاً، وجعلتها عند أخوالها حتى بلغت هذا المبلغ. فأمسكت عنها حتى اشتغلت عنها، ثم أخرجتها يوماً فحفرت لها حفيرةً فجعلتها فيها وهي تقول: يا أبت ما تصنع بي؟ وجعلت أقذف عليها التراب وهي تقول: يا أبت أمغطي أنت بالتراب؟ أتاركي أنت وحدي ومنصرفٌ عني؟ وجعلت أقذف عليها التراب ذلك حتى واريتها، وانقطع صوتها، فما رحمت أحداً ممن واريته غيرها. فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: “إن هذه لقسوةُ، وإن من لا يرحم لا يرحم” أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدثني عمي أبو فراس محمد بن فراس عن عمر بن أبي بكار عن شيخ من بني تميم عن أبي هريرة: أن قيس بن عاصمٍ دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حجره بعض بناته يشمها، فقال له: ما هذه السخلة تشمها؟ فقال: هذه ابنتي. فقال: والله لقد ولد لي بنون ووأدت بنيات ما شممت منهن أنثى ولا ذكراً قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فهل إلا أن ينزع الله الرحمة من قلبك”.! قال أحمد بن الهيثم قال عمي فحدثني عبد الله بن الأهتم:  أن سبب وأد قيسٍ بناته أن المشمرج اليشكري أغار على بني سعدٍ منهم نساءً واستاق أموالاً، وكان في النساء امرأةٌ، خالها قيس بن عاصم، وهي رميم بنت أحمر بن جندلٍ السعدي، وأمها أخت قيس. فرحل قيسٌ إليهم ويسألهم أن يهبوها له أو يفدوها، فوجد عمرو بن المشمرج قد اصطفاها لنفسه. فسأله فيها، فقال: قد جعلت أمرها إليها فإن اختارتك فخذها. فخيرت، فاختارت عمرو بن المشمرج. فانصرف قيس فوأد كل بنت، وجعل ذلك سنة في كل بنتٍ تولد له، واقتدت به العرب في ذلك، فكان كل سيد يولد له بنت يئدها خوفاً من الفضيحة.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثني عمي بن العباس بن هشام عن أبيه عن جده قال: تزوج قيس بن عاصم المنقري منفوسة بنت زيد الفوارس الضبي، وأتته في الليلة الثانية من بنائه بها بطعام، فقال: فأين أكيلي؟ فلم تعلم ما يريد، فأنشأ يقول:

أيا بنة عبد الـلـه وابـنة مـالـكٍ

 

ويا بنة ذي البردين والفرس الورد

إذا ما صنعت الزاد فالتمسـي لـه

 

أكيلاً فإني لست آكـلـه وحـدي

أخاً طارقاً أو جار بيتٍ فـإنـنـي

 

أخاف ملامات الأحاديث من بعدي

وإني لعبد الضيف مـن غـير ذلةٍ

 

وما بي إلا تلك من شيم العـبـد

قال: فأرسلت جاريةً لها مليحة فطلبت له أكيلاً، وأنشأت تقول له:

أبى المرء قيسٌ أن يذوق طعامه

 

بغـير أكـيلٍ إنـه لـكـريم

فبوركت حيًّا يا أخا الجود والندى

 

وبوركت ميتاً قد حوتك رجـوم

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: جاور رجلٌ من بني القين من قضاعة قيس بن عاصم، فأحسن جواره ولم ير منه إلا خيراً حتى فارقه، ثم نزل عند جوين الطائي أبي عامر بن جوين، فوثب عليه رجال من طيىء فقتلوه وأخذوا ماله، فقال العباس بن مرداس يهجوهم ويمدح قيساً:

لعمري لقد أوفى الجواد ابن عاصم

 

وأحصن جاراً يوم يحدج بـكـره

أقام عزيزاً منتدى القـوم عـنـده

 

فلم ير سوءاتٍ ولم يخش غـدره

أقام بسعدٍ يشرب الـمـاء آمـنـاً

 

ويأكل وسطاها ويربض حجـره

فإنك إذ بادلت قيس بـن عـاصـمٍ

 

جويناً لمختار المـنـازل شـره

فأصبح يحدو رحلـه بـمـفـازةٍ

 

وماذا عدا جاراً كريمـاً وأسـره

يظل بأرض الغدر يأكل عـهـده

 

جوينٌ وشمخٌ خاربـين بـوجـره

يذمان بالأزواد والـزاد مـحـرمٌ

 

سروقان من عرق شروراً وفجره

أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني دماذ عن أبي عبيدة قال: قال الأحنف: ما تعلمت الحلم إلا من قيس بن عاصم المنقري، فقيل له: وكيف ذلك يا أبا بحر.؟ فقال: قتل ابن أخ له ابناً له فأتى بابن أخيه مكتوفاً يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى. ثم أقبل عليه فقال: يا بني، نقصت عددك، وأوهيت ركنك، وفتت في عضدك، وأشمت عدوك، وأسأت بقومك. خلوا سبيله، واحملوا إلى أم المقتول ديته، قال: فانصرف القاتل وما حل قيس حبوته، ولا تغير وجهه.

أخبرني عبيد الله الرازي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن ابن جعدبة وأبي اليقظان قالا: وقد قيس بن عاصم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: “هذا سيد أهل الوبر”.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي حاتم قال: جاور داريٌ كان يتجر في أرض العرب قيس بن عاصم، فشرب قيسٌ ليلةً حتى سكر، فربط الداري وأخذ ماله، وشرب من شرابه فازداد سكراً، وجعل من السكر يتطاول ويثاور النجوم ليبلغها وليتناول القمر، وقال:

وتاجرٍ فاجرٍ جاء الإله به

 

كأن عثنونه أذناب أجمال

ثم قسم صدقة النبي صلى الله عليه وسلم في قومه وقال:

ألا أبلغا عني قـريشـاً رسـالةً

 

إذا ما أتتهم مهـديات الـودائع

حبوت بما صدقت في العام منقراً

 

وأيأست منها كل أطلس طامـع

قال: فلما فعل بالداري ما فعل وسكر، جعل ماله نهبى، فلم تزل امرأته تسكنه حتى نام. فلما أصبح أخبر بما كان منه، فآلى ألا يدخل الخمر بين أضلاعه أبداً.

أخبرني وكيعٌ قال حدثنا المدائني قال: ولي قيس بن عاصم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقات بني مقاعس والبطون كلها، وكان الزبرقان بن بدرٍ قد ولي صدقات عوف والأبناء. فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع كل واحد من قيس والزبرقان صدقات من ولي صدقته دس إليه الزبرقان من زين له المنع لما في يده وخدعه بذلك، وقال له: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي، فهلم نجمع هذه الصدقة ونجعلها في قومنا، فإن استقام الأمر لأبي بكر وأودت العرب إليه الزكاة جمعنا له الثانية. ففرق قيس الإبل في قومه، فانطلق الزبرقان إلى أبي بكر بسبعمائة بعير فأداها إليه، وقال في ذلك:

وفيت بأذواد النبـي مـحـمـدٍ

 

وكنت امرأً لا أفسد الدين بالغدر

فلما عرف قيسٌ ما كاده به الزبرقان قال: لو عاهد الزبرقان أمه لغدر بها.

أخبرني عبد الله بن محمد الرازي قال حدثنا الحارث بن أسامة قال حدثنا المدائني، وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ثعلبٌ على ابن الأعرابي قال: قيل لقيس بن عاصم: بماذا سدت؟ قال: ببذل الندى، وكف الأذى، ونصر الموالي.

أخبرني وكيعٌ قال حدثنا العمري عن الهيثم قال: كان قيس بن عاصم يقول لبنيه: إياكم والبغي، فما بغى قومٌ قط إلا قلوا وذلوا. فكان بعض بنيه يلطمه قومه أو غيرهم فينهى إخوته عن أن ينصروه.

أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال حدثنا الحارث عن المدائني عن ابن جعدبة: أن قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرحب به وأدناني، فقلت: يا رسول الله، المال الذي لا يكون علي فيه تبعةٌ ما ترى في إمساكه لضيفٍ إن طرقني، وعيالٍ إن كثروا علي؟ فقال: “نعم المال الأربعون، والأكثر الستون، وويلٌ لأصحاب المئين – ثلاثاً – إلا من أعطى من رسلها وأطرق فحلها، وأفقر ظهرها، ومنح غزيرتها، وأطعم القانع والمعتر”.

فقلت له: يا رسول الله، ما أكرم هذه الأخلاق! إنه لا يحل بالوادي الذي أنا فيه من كثرتها. قال: “فكيف تصنع في الإطراق”؟ قلت: يغدو الناس، فمن شاء أن يأخذ برأس بعير ذهب به، قال: “فكيف تصنع في الإقفار”؟ فقلت إني لأفقر الناب المدبرة والضرع الصغيرة. قال: “فكيف تصنع في المنيحة”؟ قلت: إني لأمنح في السنة المائة. قال: “إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت”.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: قيس بن عاصم هو الذي حفز الحوفزان بن شريكٍ الشيباني، طعنه في استه في يوم جدود.

وكان من حديث ذلك اليوم أن الحارث بن شريك بن عمرو الصلب بن قيس بن شراحيل بن مرة بن همام كانت بينه وبين بني يربوع موادعةٌ، ثم هم بالغدر بهم، فجمع بني شيبان وبني ذهبٍ واللهازم: قيس بن ثعلبة وتيم الله بن ثعلبة وغيرهم، ثم غزا بني يربوع، فنذر به عتيبة بن الحارث بن شهاب بن شريكٍ، فنادى في قومه بني جعفر بن ثعلبة من بني يربوع فوادعه وأغار الحارث بن شريكٍ على بني مقاعس وإخوتهم بني ربيع فلم يجيبوهم، فاستصرخوا بني منقرٍ فركبوا حتى لحقوا بالحارث بن شريك وبكر بن وائل وهم قائلون في يومٍ شديد الحر. فما شعر الحوفزان إلا بالأهتم بن سمي بن سنان بن خالد بن منقرٍ – واسم الأهتم سنان – وهو واقف على رأسه، فوثب الحوفزان إلى فرسه فركبه وقال للأهتم: من أنت؟ فانتسب له، وقال: هذه منقر قد أتتك. فقال الحوفزان: فأنا الحارث بن شريك! فنادى الأهتم: يا آل سعد! ونادى الحوفزان: يا آل وائل! وحمل كل واحد منهما على صاحبه، ولحقت بنو منقرٍ، فاقتتلوا أشد قتال وأبرحه، ونادت نساء بني ربيع: يا آل سعد! فاشتد قتال بني منقر لصياحهن، فهزمت بكر بن وائل، وخلوا من كان في أيديهم من بني مقاعس، وما كان في أيديهم من أموالهم، وتبعهتم بنو منقرٍ بين قتلٍ وأسرٍ، فأسر الأهتم حمران بن عبد عمرو، وقصد قيس بن عاصم الحوفزان، ولم يكن له همة غيره، والحارث على فرسٍ له قارحٍ يدعى الزبد، وقيس على مهرٍ، فخاف قيس أن يسبقه الحارث، فحفزه بالرمح في استه، فتحفز به الفرس فنجا، فسمي الحوفزان. وأطلق قيس أموال بني مقاعس وبني ربيع وسباياهم، وأخذ أموال بكر بن وائل وأساراهم.
وانتقضت طعنة قيس على الحوفزان بعد سنةٍ فمات. وفي هذا اليوم يقول قيس بن عاصم:

جزى الله يربوعاً بأسوأ فعلهـا

 

إذا ذكرت في النائبات أمورها

ويوم جدودٍ قد فضحتـم ذمـاركـم

 

وسالمتم والخيل تدمى نحـورهـا

ستخطم سعدٌ والرباب أنـوفـكـم

 

كما حز في أنف القضيب جريرها

وقال سوار بن حيان المنقري:

ونحن حفزنا الحوفزان بطـعـنةٍ

 

سقته نجيعاً من دم الجوف أشكلا

وحمران قسراً أنزلته رماحـنـا

 

فعالج غلاًّ في ذراعيه مقـفـلا

قال: وأغار قيس بن عاصم أيضاً على اللهازم، فتبعه بنو كعب بن سعد بالبناح وثيتل، فتخوف أن يكره أصحابه لقاء بكر بن وائل، وقد كان يتناجون في ذلك، فقام ليلاً فشق مزادهم، لئلا يجدوا بداً من لقاء العدو، فلما فعل ذلك أذعنوا بلقائهم وصبروا له، فأغار عليهم، فكان أشهر يوم يوم ثيتل لبني سعد، وظفر قيسٌ بما شاء، وملا يديه من أموالهم وغنائمهم. وفي ذلك يقول ابنه علي بن قيس بن عاصم:

أنا ابن الذي شق المزاد وقد رأى

 

بثيتل أحياء اللهـازم حـضـرا

فصبحهم بالجيش قيس بن عاصمٍ

 

وكان إذا ما أورد الأمر أصدرا

قال: وأغار قيسٌ أيضاً ببني سعد على عبد القيس، وكان رئيس بني سعدٍ يومئذٍ سنان بن خالد، وذلك بأرض البحرين، فأصابوا ما أرادوا، واحتالت عبد القيس في أن يفعل ببني تميم كما فعل بهم بالمشقر حين أغلق عليهم بابهم فامتنعوا، فقال في ذلك سوار بن حيان:

فيا لك من أيام صدقٍ أعدها

 

كيوم جؤاثى والنباج وثيتلا

قال: وكان قيس بن عاصم رئيس بني سعد يوم الكلاب الثاني، فوقع بينه وبين الأهتم اختلاف في أمر عبد يغوث بن وقاص بن صلاءة الحارثي حين أسره عصمة بن أبير التيمي ودفعه إلى الأهتم، فرفع قيسٌ قوسه فضرب فم الأهتم بها فهتم أسنانه، فيومئذ سمي الأهتم.

أخبرنا هشام بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة، وأخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن عدي قال: جمع قيس بن عاصمٍ ولده حين حضرته الوفاة قال: يا بني، إذا مت فسودوا كباركم، ولا تسودوا صغاركم فيسفه الناس كباركم. وعليكم بإصلاح المال فإنه منبهةٌ للكريم، ويستغنى به عن اللئيم. وإذا مت فادفنوني في ثيابي التي كنت أصلي فيها وأصوم. وإياكم والمسألة فإنها آخر مكاسب العبد، وإن امرأ لم يسأل إلا ترك مكسبه. وإذا دفنتموني فأخفوا قبري عن هذا الحي من بكر بن وائل، فقد كان بيننا خماشاتٌ في الجاهلية. ثم جمع ثمانين سهماً فربطها بوترٍ، ثم قال: اكسروها فلم يستطيعوا، ثم قال: فرقوا. ففرقوا. فقال: اكسروها سهما سهما، فسكروها. فقال: هكذا أنتم في الاجتماع وفي الفرقة. ثم قال:

إنما المجد ما بنى والد الصـد

 

ق وأحيا فعاله الـمـولـود

وتمام الفضل الشجاعة والحل

 

م إذا زانه عفـافٌ وجـود

وثلاثـون يا بـنـي إذا مـا

 

جمعتهم في النائبات العهـود

كثلاثين مـن قـداحٌ إذا مـا

 

شدها للزمان قـدحٌ شـديد

لم تكسر وإن تفرقـت الأس

 

هم أودى بجمعها التـبـديد

وذوو الحلم والأكابـر أولـى

 

أن يرى منكم لهم تـسـويد

وعليكم حفظ الأصاغر حتـى

 

يبلغ الحنث الأصغر المجهود

ثم مات، فقال عبدة بن الطبيب يرثيه:

عليك سلام الله قيس بن عاصم

 

ورحمته ما شاء أن يترحمـا

تحية من أوليته منك نـعـمةً

 

إذا زار عن شحطٍ بلادك سلما

فما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ

 

ولكنه بنيان قـومٍ تـهـدمـا

أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال: حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: لما مات عبد الملك بن مروان اجتمع ولده حوله، فبكى هشامٌ حتى اختلفت أضلاعه، ثم قال: رحمك الله يا أمير المؤمنين! فأنت والله كما قال عبدة بن الطبيب:

وما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ

 

ولكنه بنيان قـوم تـهـدمـا

فقال له الوليد: كذبت يا أحول يا مشئوم، لسنا كذلك، ولكنا كما قال الآخر:

إذا مقرمٌ منا ذرا حد نابـه

 

تخمط فينا ناب آخر مقرم

أخبرني حبيب بن نصرٍ المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلابي عن أبيه قال: كان بين قيس بن عاصم وعبدة بن الطبيب لحاءٌ، فهجره قيس بن عاصم، ثم حمل عبدة دماً في قومه، فخرج يسأل فيما تحمله، فجمع إبلاً، ومر به قيس بن عاصم وهو يسأل في تمام الدية، فقال: فيم يسأل عبدة؟ فأخبر، فساق إليه الدية كاملةً من ماله، وقال: قولوا له ليستمتع بما صار إليه، وليسق هذه إلى القوم. فقال عبدة: أما والله لولا أن يكون صلحي إياه بعقب هذا الفعل عاراً علي لصالحته، ولكني أنصرف إلى قومي ثم أعود فأصالحه. ومضى بالإبل ثم عاد، فوجد قيساً قد مات، فوقف على قبره وأنشأ يقول:

عليك سلام الله قيس بن عاصمٍ

 

ورحمته ما شاء أن يترحمـا

الأبيات.
أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال ذكر عاصم بن الحدثان وهشام بن الكلبي عن أشياخهما: أن قيس بن عاصم المنقري سكر من الخمر ليلةً قبل أن يسلم، فغمز عكنة ابنته – أو قال أخته – فهربت منه. فلما صحا منها، فقيل له: أو ما علمت ما صنعت البارحة؟ قال: لا. فأخبروه بصنعه، فحرم الخمر على نفسه، وقال في ذلك:

وجدت الخمر جامحةً وفيهـا

 

خصالٌ تفضح الرجل الكريما

فلا والله أشربهـا حـياتـي

 

ولا أدعو لها أبـداً نـديمـا

ولا أعطي بها ثمناً حـياتـي

 

ولا أشفى بها أبداً سقـيمـا

فإن الخمر تفضح شاربـيهـا

 

وتجشمهم بها أمراً عظيمـا

إذا دارت حمياها تـعـلـت

 

طوالع تسفه الرجل الحليمـا

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عاصم بن الحدثان قال: قال الزبرقان: إن تاجراً ديافياً مر بحمل خمرٍ على قيس بن عاصم فنزل به، فقال قيس: اصبحني قدحاً، ففعل. ثم قال له: زدني، فقال له: أنا رجلٌ تاجرٌ طالب ربح وخير، ولا أستطيع أن أسقيك بغير ثمن. فقام إليه قيس فربطه إلى دوحةٍ في داره حتى أصبح، فكلمته أخته في أمره، فلطمها وخمش وجهها – وزعموا أنه أرادها على نفسها – وجعل يقول:

وتاجرٍ فاجرٍ جاء الإله به

 

كأن لحيته أذناب أجمال

فلما أصبح قال: من فعل هذا بضيفي؟ قالت له أخته: الذي صنع هذا بوجهي، أنت والله صنعته، وأخبرته بما فعل. فأعطى الله عهداً ألا يشرب الخمر أبداً. فهو أول عربي حرمها على نفسه في الجاهلية، وهو الذي يقول:

فوالله لا أحسو يد الدهر خـمـرةً

 

ولا شربةً تزري بذي اللب والفخر

فكيف أذوق الخمر والخمر لم تزل

 

بصاحبها حتى تكسع في الـغـدر

وصارت به الأمثال تضرب بعدما

 

يكون عميد القوم في السر والجهر

ويبدرهم في كل أمـرٍ ينـوبـهـم

 

ويعصمهم ما نابهم حادث الدهـر

فيا شارب الصهباء دعها لأهلها ال

 

غواة وسلم للحسـيم مـن الأمـر

فإنك لا تدري إذا ما شـربـتـهـا

 

وأكثرت منها ما تريش وما تبري

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أحمد بن منصور قال أخبرني أبو جعفر المباركي قال أخبرني المدائني عن مسلمة بن محارب قال: قال الأحنف بن قيس: ذكرت بلاغة النساء عند زيادٍ، فحدثته أن قيس بن عاصم أسلم وعنده امرأةٌ من بني حنيفة، فأبى أهلها وأبوها أن يسلموا وخافوا إسلامها، فاجتمعوا إليها وأقسموا إنها إن أسلمت لم يكونوا معها في شيء ما بقيت. فطالبت قيساً بالفرقة، ففارقها، فلما احتملت لتلحق بأهلها قال لها قيسٌ: أما والله لقد صحبتني سارة، ولقد فارقتني غير عارة، لا صحبتك مملولة، ولا أخلاقك مذمومة، ولولا ما اخترت ما فرق بيننا إلا الموت، ولكن أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أحق أن يطاع. فقالت له: أنبئت بحسبك وفضلك، وأنت والله إن كنت للدائم المحبة، الكثير المودة، القليل اللائمة، المعجب الخلوة، البعيد النبوة. ولتعلمن أني لا أسكن بعدك إلى زوج. فقال قيس: ما فارقت نفسي شيئاً قط فتبعته كما تبعتها.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني أبو فراس قال: كان قيس بن عاصم يكنى أبا علي، وكان خاقان بن الأهتم إذا ذكره قال: بخ! من مثل أبي علي!

تطيف به كعب بن سعد كأنما

 

يطيفون عماراً ببيتٍ محرم

وقال علان بن الحسن الشعوبي: بنو منقر قومٌ غدرٌ، يقال لهم الكودان، ويلقبون أيضاً أعراف البغال، وهم أسوأ خلق الله جواراً، يسمون الغدر كيسان، وفيهم بخلٌ شديد.

وأوصى قيس بن عاصم بنيه، فكان أكثر وصيته إياهم أن يحفظوا المال، والعرب لا تفعل ذلك وتراه قبيحاً. وفيهم يقول الأخطل بن ربيعة بن النمر بن تولب:

يا منقر بن عبـيدٍ إن لـؤمـكـم

 

مذ عهد آدم في الديوان مكتـوب

للضيف حقٌ على من كان ذا كرمٍ

 

والضيف في منقرٍ عريان مسلوب

وقال النمر بن تولب يذكر الغدر كيسان في قصيدة هجاهم بها:

إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم

 

إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد

قال: وهذا شائع في جميع بني سعد، إلا أنهم يتدافعونه إلى بني منقر، وبنو منقر يتدافعونه إلى بني سنان بني خالد بن منقر، وهو جد قيس بن عاصم.

وحكى ابن الكلبي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما افتتح مكة قدمت عليه وفود العرب، فكان فيمن قدم عليه قيس بن عاصم وعمرو بن الأهتم ابن عمه، فلما صارا عند النبي صلى الله عليه وسلم تسابا وتهاترا، فقال قيس لعمرو بن الأهتم: والله يا رسول الله ما هم منا، وإنهم لمن أهل الحيرة. فقال عمرو بن الأهتم: بل هو والله يا رسول الله من الروم وليس منا. ثم قال له:

ظللت مفـتـرش الـهـلـبـاء تـشـتـمـنـى

 

عند الرسـول فـلـم تـصـدق ولـم تـصـب

الهلباء يعني استه، يعيره بذلك، وبأن عانته وافية.

 

 

إن تبغضونا فإن الروم أصلكم

 

والروم لا تمـلـك الـبـغـضـاء لـلـعـرب

سدنـا فـسـوددنـا عــودٌ وســـوددكـــم

 

مؤخـرٌ عـنـد أصـل الـعـجـب والـذنـب

قال: وإنما نسبه إلى الروم لأنه كان أحمر. فيقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن هذا القول في قيسٍ، وقال: إن إسمعيل بن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان أحمر. فأجابه قيس بن عاصم فقال:

ما في بني الأهتم من طـائلٍ

 

يرجى ولا خيرٍ له يصلحون

قل لبني الحيري مخصوصةً

 

تظهر منهم بعض ما يكتمون

لولا دفاعي كنـتـم أعـبـداً

 

مسكنها الحيرة فالسيلحـون

جاءت بكم عفرة من أرضها

 

حيريةً ليست كما تزعمـون

في ظاهر الكف وفي بطنها

 

وسمٌ من الداء الذي تكتمـون

وذكر علان أن قيساً ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، وآمن بسجاح، وكان مؤذنها، وقال في ذلك:

أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها

 

وأصبحت أنبياء الله ذكرانا

قال: ثم لما تزوجت سجاح بمسيلمة الكذاب الحنفي وآمنت به آمن به قيسٌ معها. فلما غزا خالد بن الوليد اليمامة وقتل الله مسيلمة أخذ قيس بن عاصم أسيراً، فادعى عنده أن مسيلمة أخذ ابناً له، فجاء يطلبه. فأحلفه خالد على ذلك، فحلف فخلى سبيله، ونجا منه بذلك.

قال: ومما يعيرون به أن عبادة بن مرثد بن عمرو بن مرثد أسر قيس بن عاصمٍ وسبى أمه وأختيه يوم أبرق الكبريت، ثم من عليهم فأطلقهم بغير فداء، فلم يثبه قيسٌ ولم يشكره على فعله بقولٍ يبلغه. فقال عبادة في ذلك:

على أبرق الكبريت قيس بن عاصمٍ

 

أسرت وأطراف القنا قصدٌ حمر

متى يعلق السعدي مـنـك بـذمةٍ

 

تجده إذا يلقى وشيمتـه الـغـدر

قال: وكان قيس بن عاصم يسمى في الجاهلية الكودن.

وكان زيد الخيل الطائي خرج عن قومه وجاور بني منقرٍ، فأغارت عليهم بنو عجلٍ وزيدٌ فيهم، فأعانهم وقاتل بني عجل قتالاً شديداً، وأبلى بلاءً حسناً، حتى انهزمت عجل، فكفر قيس فعله وقال: ما هزمهم غيري. فقال زيد الخيل يعيره ويكذبه في قصيدة طويلة:

ولست بوقافٍ إذا الخيل أجحمت

 

ولست بكذابٍ كقيس بن عاصم

ومما روى قيس بن عاصم عن النبي صلى الله عليه وسلم: حدثنا حامد بن محمد بن شعيب البلخي قال: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان الثوري عن الأغر المنقري عن خليفة بن حصين بن قيس بن عاصم عن أبيه عن جده أنه أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره النبي عليه السلام أن يغتسل بماء وسدرٍ.

وحدثنا حامد قال حدثنا أبو خثيمة قال حدثنا جريرٌ عن المغيرة عن أبيه شعبة عن التوءم قال: سأل قيس بن عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف: فقال: “لا حلف في الإسلام، ولكن تمسكوا بحلف الجاهلية” أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا ابن عائشة قال: حدثني رجلٌ من الرباب قال: ذكر رجلٌ قيس بن عاصم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لقد هممت أن آتيه فأفعل به وأصنع به، كأنه توعده. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم “إذاً تحول سعدٌ دونه بكراكرها”.
قال: ولما مات قيسٌ رثاه مرداس بن عبدة بن منبه فقال:

وما كان قيسٌ هلكه هلك واحدٍ

 

ولكنه بنيان قـومٍ تـهـدمـا

خذ من العـيش مـا كـفـى

 

ومن الـدهـر مـا صـفـا

حسـن الـغـدر فـي الأنـا

 

م كما استـقـبـح الـوفـا

صل أخـا الـوصـل إنــه

 

ليس بالهجـر مـن خـفـا

عين مــــن لا يريد وص

 

لك تـبـدي لـك الـجـفـا

الشعر لمحمد بن حازم الباهلي، والغناء لابن القصار الطنبوري، رملٌ بالبنصر. أخبرني بذلك جحظة.