أخبار فليح بن أبي العوراء

أخبار فليح بن أبي العوراء

فليحٌ رجل من أهل مكة، مولىً لبني مخزوم، ولم يقع إلينا اسم أبيه. وهو أحد مغني الدولة العباسية، له محلٌ كبير من صناعته، وموضعٌ جليل. وكان إسحاق إذا عد من سمع من المحسنين ذكره فيهم وبدأ به. وهو أحد الثلاثة الذين اختاروا المائة الصوت للرشيد.

مدح إسحاق الموصلي غناءه

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ابن المكي عن أبيه عن إسحاق قال: ما سمعت أحسن غناءً من فليح بن أبي العوراء وابن جامع: فقلت له: فأبو إسحاق؟ ” يعني أباه “؛ فقال: كان هذان لا يحسنان غير الغناء، وكان أبو إسحاق فيه مثلهما، ويزيد عليهما فنوناً من الأدب والرواية لا يداخلانه فيها.

كان يحكي الأوائل فيصيب ويحسن

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال: قال لي إسحاق: أحسن من سمعت غناءً عطرد وفليح.
وكان فليح أحد الموصوفين بحسن الغناء المسموع في أيامه، وهو أحد من اكن يحكي الأوائل فيصيب ويحسن.

أمره الرشيد بتعليم ابن صدقة صوتاً له

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني محمد بن محمد العنبسي قال حدثني محمد بن الوليد الزبيري قال: سمعت كثير بن المحول يقول: كان مغنيان بالمدينة يقال لأحدهما فليح بن أبي العوراء، والآخر سليمان بن سليم؛ فخرج إليهما رسول الرشيد يقول لفليح غناؤك من حلق أبي صدقة أحسن منه من حلقك، فعلمه إياه – قال: وكان يغني صوتاً يجيده، وهو:

خير ما نشربها بالبكر

– قال: فقال فليح للرسول: قل له: حسبك:. قال: فسمعنا ضحكه من وراء الستارة.

كانت ترفع الستارة بينه وبين المهدي دون سائر المغنين:

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال حدثنا الفضل بن الربيع: أن المهدي كان يسمع المغنين جميعاً، ويحضرون مجلسه، فيغنونه من وراء الستارة لا يرون له وجهاً إلا فليح بن أبي العوراء؛ فإن عبد الله بن مصعب الزبيري كان يرويه شعره ويغني فيه في مدائحه للمهدي؛ فدس في أضعافها بيتين يسأله فيهما أن ينادمه، وسأل فليحاً أن يغنيهما في أضعاف أغانيه، وهما:

صوت

يا أمين الإله في الشرق والـغـر

 

ب على الخلق وابن عم الرسول

مجلساً بالعشي عندك في الـمـي

 

دان أبغي والإذن لي في الوصول

فغناه فليح إياهما. فقال المهدي: يا فضل، أجب عبد الله إلى ما سأل، وأحضره مجلسي إذا حضره أهلي وموالي وجلست لهم، وزده على ذلك أن ترفع بيني وبين راويته فليح الستارة؛ فكان فليح أول مغنٍ عاين وجهه في مجلسهم.

دعاه محمد بن سليمان أول دخوله بغداد

أخبرني رضوان قال حدثني يوسف بن إبراهيم قال حدثني بعد قدومي فسطاط مصر زياد بن أبي الخطاب كاتب مسرورٍ خادم الرشيد، قال: سمعت محبوب بن الهفتي يحدث أبي، قال: دعاني محمد بن سليمان بن علي، فقال لي: قد قدم فليح من الحجاز ونزل عند مسجد ابن رغبان، فصر إليه، فأعلمه أنه جاءني قبل أن يدخل إلى الرشيد، خلعت عليه خلعة سرية من ثيابي ووهبت له خمسة آلاف درهم. فمضيت إليه فخبرته بذلك؛ فأجابني إليه إجابة مسرورٍ به نشيط له. وخرج معي، فعدل إلى حمام كان بقربه، فدعا القيم فأعطاه درهمين وسأله أن يجيئه بشيء يأكله ونبيذٍ يشربه؛ فجاءه برأسٍ كأنه رأس عجلٍ ونبيذٍ دوشابي غليظ مسحوري رديء، فقلت له: لا تفعل، وجهدت به ألا يأكل ولا يشرب إلا عند محمد بن سليمان؛ فلم يلتفت إلي، وأكل ذلك الرأس وشرب من ذلك النبيذ الغليظ حتى طابت نفسه وغنى وغنى القيم معه ملياً؛ ثم خاطب القيم بما أغضبه، وتلاحيا وتواثبا؛ فأخذ القيم شيئاً فضربه به على رأسه فشجه حتى جرى دمه. فلما رأى الدم على وجهه اضطرب وجزع وقام يغسل جرحه، ودعا بصوفة محرقة وزيت، وعصبه وتعمم وقام معي. فلما دخلنا دار محمد بن سليمان. ورأى الفرش والآلة وحضر الطعام فرأى سروه وطيبه، وحضر النبيذ وآلته، ومدت الستائر وغنى الجواري، أقبل علي وقال: يا مجنون! سألتك بالله أيما أحق بالعربدة وأولى: مجلس القيم أو مجلس الأمير؟ فقلت: وكأنه لابد من عربدة! قال: لا! والله مالي منها بد، فأخرجتها من رأسي هناك. فقلت: أما على هذا الشرط فالذي فعلت أجود. فسألني محمد عما كنا فيه فأخبرته؛ فضحك ضحكاً كثيراً، وقال: هذا الحديث والله أظرف وأطيب من كل غناء؛ وخلع عليه وأعطاه خمسة آلاف درهم.

اتفق مع حكم الوادي على إسقاط ابن جامع عند يحيى بن خالد:

قال هارون بن محمد وحدثني حماد بن إسحاق قال حدثني أبو إسحاق القرمطي قال حدثنا مدركة بن يزيد قال: قال لي فليح بن أبي العوراء: بعث يحيى بن خالد إلي وإلى حكم الوادي وإلى ابن جامع، فأتيناه. فقلت لحكم: إن قعد ابن جامع معنا فعاوني عليه لنكسره. فلما صرنا إلى الغناء غنى حكمٌ؛ فصت وقلت: هكذا والله يكون الغناء! ثم غنيت، ففعل لي حكمٌ مثل ذلك. وغنى ابن جامع فما كنا معه في شيء. فلما كان العشي أرسل إلى جاريته دنانير: إن أصحابك عندنا، فهل لكي أن تخرجي إلينا؟ فخرجت وخرج معها وصائف؛ فأقبل عليها يقول لها من حيث يظن أنا لا نسمع: ليس في القوم أنزه نفساً من فليح. ثم أشار إلى غلام له: أن ائت كل إنسان بألفي درهم، فجاء بها؛ فدفع إلى ابن جامع ألفي درهم فأخذها فطرحها في كمه، وفعل بحكم الوادي مثل ذلك فطرحها في كمه، ودفع إلي ألفين. فقلت لدنانير: قد بلغ مني النبيذ، فاحبسيها لي عندك حتى تبعثي بها إلي؛ فأخذت الدراهم مني بعثت بها إلى من الغد، وقد زادت عليها؛ وأرسلت إلي: قد بعثت إليك بوديعتك وبشيء أحببت أن تفرقه على أخواتي تعني جواري.

طلبه الفضل بن الربيع فجيء به مريضاً فغنى ورجع ثم مات في علته:

قال هارون بن محمد وحدثني حماد قال حدثني أبي قال: كنا عند الفضل بن الربيع، فقال: هل لك في فليح بن أبي العوراء؟ قلت نعم. فأرسل إليه، فجاء الرسول فقال: هو عليلٌ؛ فعاد إليه فقال الرسول: لابد من أن تجيء؛ فجاء به محمولاً في محفة؛ فحدثنا ساعة ثم غنى. فكان فيما غنى:

تقول عرسي إذ نبا المضجع

 

ما بالك الليلة لا تهـجـع

فاستحسناه منه واستعدناه منه مراراً؛ ثم انصرف ومات في علته تلك؛ وكان آخر العهد به ذلك المجلس.

روى قصة فتى عاشق غناه هو وعشيقته فبعثت إليه مهرها ليخطبها إلى أبيها:

أخبرني أحمد بن أبي جعفر جحظة قال حدثني محمد بن أحمد ين يحيى المكي قال حدثني أبي عن فليح بن أبي العوراء قال: كان في المدينة فتًى يعشق ابنة عم له، فوعدته أن تزوره. وشكا إليه أنها تأتيه ولا شيء عنده، فأعطيته ديناراً للنفقة. فلما زارته قالت له: من يلهينا؟ قال: صديق لي، ووصفني لها، ودعاني فأتيته؛ فكان أول ما غنيته:

من الخفرات لم تفضح أخاها

 

ولم تدفع لوالدها شـنـارا

فقامت إلى ثوبها فلبسته لتنصرف؛ فعلق بها وجهد بها كل الجهد في أن تقيم، فلم تقم وانصرفت. فأقبل علي يلومني في أن غنيتها ذلك الصوت. فقلت: والله ما هو شيءٌ اعتمدت به مساءتك، ولكنه شيء اتفق. قال: فلم نبرح حتى عاد رسولها بعدها ومعه صرة فيها ألف دينار ودفعها إلى الفتى وقال له: تقول لك ابنة عمك: هذا مهري ادفعه إلى أبي، واخطبني؛ ففعل فتزوجها.

نسبة هذا الصوت

صوت

من الخفرات لم تفضح أخاها

 

ولم تدفع لوالدها شـنـارا

كأن مجامع الأرداف منهـا

 

نقاً درجت عليه الريح هارا

يعاف وصال ذات البذل قلبي

 

وأتبع الممنـعة الـنـوارا

والشعر لسليك بن السلكة السعدي. والغناء لابن سريج رملٌ بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لابن الهربذ لحنٌ من رواية بذل، أوله:

يعاف وصال ذات البذل قلبي

وبعده:

غذاها قارصٌ يغدو علـيهـا

 

ومحضٌ حين تنتظر العشارا

ورد دمشق يعلم جواري ابن المهدي

أخبرني رضوان بن أحمد قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال: كتب إلي جعفر بن يحيى وأنا عاملٌ للرشيد على جند دمشق: قد قدم علينا فليح بن أبي العوراء، فأفسد علينا بأهزاجه وخفيفه كل غناء سمعناه قبله. وأنا محتال لك في تخليصه إليك، لتستمتع به كما استمتعنا. فلم ألبث أن ورد علي فليح بكتاب الرشيد يأمر له بثلاثةٍ آلاف دينار. فورد علي رجلٌ أذكرني لقاؤه الناس، وأخبرني أنه قد ناهز المائة، فأقام عندي ثلاث سنين، فأخذ عنه جواري كل ما كان معه من الغناء، وانتشرت أغانيه بدمشق: قال يوسف: ثم قدم علينا شابٌ من المغنين نع علي بن زيد بن الفرج الحراني، عند مقدم عنبسة بن إسحاق فسطاط مصر، يقال له مونق؛ فغناني من غناء فليح:

صوت

يا قرة العين اقبلـي عـذري

 

ضاق بهجرانكـم صـدري

لو هلك الهجر استراح الهوى

 

ما لقي الوصل من الهجـر

-ولحنه خفيف رملٍ – فلم أر بين ما غناه وبين ما سمعته في دار أبي إسحاق فرقاً؛ فسألته كمن أين أخذه؟ فقال: أخذته بدمشق؛ فعلمت أنه مما أخذه أهل دمشق عن فليح.

صوت من المائة المختارة

أفاطم إن النأي يسلي ذوي الهوى

 

ونأيك عني زاد قلبي بكم وجـدا

أرى حرجاً ما نلت من ود غيركم

 

ونافلةً ما نلت من ودكم رشـدا

وما نلتقي من بعد نـأي وفـرقةٍ

 

وشحط نوى إلا وجدت له بـردا

على كبد قد كاد يبدي بها الهـوى

 

ندوباً وبعض القوم يحسبني جلدا

عروضه من الطويل. النأي: البعد، ومثله الشحط. والحرج: الضيق؛ قال الله تعالى: ” يجعل صدره ضيقاً حرجاً “. والندوب: آثار الجراح، وأحدها ندبٌ.

الشعر لإبراهيم بن هرمة. والغناء في اللحن المختار، على ما ذكره إسحاق، ليونس الكاتب، وهو من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر يحي بن علي بن يحيى عن أبيه مثل ذلك. وذكر حبش بن موسى أن الغناء لمرزوق الصراف أو ليحيى بن واصل. وفي هذه الأبيات للهذلي لحنٌ من خفيف الثقيل الأول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة، ومن الناس من ينسب اللحنين جميعاً إليه.