أخبار فريدة

أخبار فريدة أخبار فريدة الكبرى ونشأتها ومصيرها

قال مؤلف هذا الكتاب: هما اثنتان محسنتان لهما صنعةٌ تسمّيان بفريدة. فأمّا إحداهما، وهي الكبرى، فكانت مولّدةً نشأت بالحجاز، ثم وقعت إلى آل الربيع، فعلّمت الغناء في دورهم، ثم صارت إلى البرامكة. فلمّا قتل جعفر بن يحيى ونكبوا هربت، وطلبها الرشيد فلم يجدها، ثم صارت إلى الأمين، فلمّا قتل خرجت، فتزوّجها الهيثم بن مسلم فولدت له ابنه عبد الله، ثم مات عنها، فتزوّجها السّنديّ بن الحرشيّ وماتت عنده. ولها صنعةٌ جيّدة، منها في شعر الوليد بن يزيد:

بعض الشعر الذي لها في صنعته صوت

ويح سلمى لو تراني

 

لعناها ما عنـانـي

واقفاً في الدّار أبكي

 

عاشقاً حور الغواني

ولحنا فيه خفيف رملٍ.
ومن صنعتها:

صوت

ألا أيّها الـرّكـب ألا هـبّـوا

 

نسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ

ألا ربّ ركبٍ قد وقفت مطيّهم

 

عليك ولولا أنت لم يقف الرّكب

لحنها فيه ثاني ثقيل. وفيه لابن جامع خفيف رملٍ بالسبّابة في مجرى الوسطى.

سأل صالح بن حسان الهيثم بن عديّ عن بيت نصفه بدوي والآخر حضري ثم ذكره:

فحدثني محمد بن العباس اليزيديّ قال حدّثنا الخليل بن أسدٍ قال حدّثني العمريّ قال حدّثني الهيثم بن عديّ قال: قال صالح بن حسّان يوماً: ما نصف بيتٍ كأنّه أعرأبي في شملةٍ، والنصف الآخر كأنّه مخنّثٌ مفكّك؟ قلت: لا أدري. فقال: قد أجّلتك حولاً. فقلت: لو أجّلتني عشرة أحوالٍ ما عرفته. فقال: أوّه! أفٍّ لك! قد كنت أحسبك أجود ذهناً مما أرى. فقلت: فما هو الآن؟ قال: قول جميل.

ألا أيّها الرّكب النّيام ألا هبّوا

هذا كلام أعرأبي، ثم قال:

أسائلكم هل يقتل الرّجل الحبّ

كأنّه والله من مخنثي العقيق.

 أخبار فريدة المحسنة

وأمّا فريدة الأخرى فهي الّتي أرى بل لا أشكّ في أنّ اللّحن المختار لها؛ لأن إسحاق اختار هذه المائة الصوت للواثق، فاختار فيها لمتيّم لحناً، ولأبي دلف لحناً، ولسليم بن سلاّم لحناً، ولرياض جارية أبي حمّاد لحناً. وكانت فريدة أثيرةً عند الواثق وحظيّةً لديه جدًّا، فاختار لها هذا الصوت، لمكانها من الواثق، ولأنّها ليست دون من اختار له من نظرائها.

قدّمت هي وشارية في الطيب وإحكام الغناء

أخبرني الصّوليّ قال حدّثنا الحسين بن يحيى عن ريّق: أنّها اجتمعت هي وخشف الواضحيّة يوماً، فتذاكرتا أحسن ما سمعتاه من المغنّيات؛ فقالت ريّق: شاريةٌ أحسنهنّ غناءً ومتيّم، وقالت خشف: عريب وفريدة؛ ثم اجتمعتا على تساويهنّ، وتقديم متيّم في الصّنعة، وعريب في الغزارة والكثرة، وشارية وفريدة في الطّيب وإحكام الغناء.

أهداها ابن بانة للواثق

حدّثني جحظة قال حدّثني أبو عبد اله الهشاميّ قال: كانت فريدة جارية الواثق لعمروا بن بانة، وهو أهداها إلى الواثق، وكانت من الموصوفات المحسنات، وربّيت عند عمروا بن بانة مع صاحبةٍ لها اسمها ” خلّ “، وكانت حسنة الوجه، حسنة الغناء، حادّة الفطنة والفهم.

سألت ابن بانة عن صاحبة لها بالإشارة قال الهشاميّ فحدّثني عمروا بن بانة قال: غنّيت الواثق:

قلت حلاًّ فاقبلي معـذرتـي

 

ما كذا يجزى محبٌّ من أحبّ

فقال لي: تقدّم على السّتارة فألقه على فريدة، فألقيته عليها؛ فقالت: هو حلٌّ أو خلٌّ كيف هو؟ فعلمت أنها سألتني عن صاحبتها في خفاءٍ من الواثق.

تزوّجها المتوكل ثم ضربها حتى غنت ولمّا تزوّجها المتوكل أرادها على الغناء، فأبت أن تغنّي وفاءً للواثق، فأقام على رأسها خادماً وأمره أن يضرب رأسها أبداً أو تغنّي؛ فاندفعت وغنّت:

فلا تبعد فكلّ فتًى سـيأتـي

 

عليه الموت يطرق أو يغادي

نقل ابن بسخنر قصة لها مع الواثق وغيرته من جعفر المتوكل: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني عليّ بن يحيى المنجم قال حدّثني محمد بن الحارث بن بسخنّر قال: كانت لي نوبة في خدمة الواثق في كل جمعة، إذا حضرت ركبت إلى الدار؛ فإن نشط إلى الشّرب أقمت عنده، وإن لم ينشط انصرفت. وكان رسمنا ألا يحضر أحدٌ منّا إلاّ في يوم نوبته. فإنّي لفي منزلي في غير يوم نوبتي إذا رسل الخليفة قد هجموا عليّ وقالوا لي: احضر. فقلت: ألخيرٍ؟ قالوا: خير. فقلت: إنّ هذا يومٌ لم يحضرني فيه أمير المؤمنين قطٌّ، ولعلكم غلطتم. فقالوا: الله المستعان، لا تطل وبادر؛ فقد أمرنا ألاّ ندعك تستقرّ علي الأرض. فداخلني فزع شديد؛ وخفت أن يكون ساعٍ قد سعى بي، أو بليّةٌ قد حدثت في رأي الخليفة عليّ؛ فتقدّمت بما أردت وركبت حتى وافيت الدار؛ فذهبت لأدخل على رسمي من حيث كنت أدخل، فمنعت، وأخذ بيدي الخدم فأدخلوني وعدلوا بي إلى ممرّات لا أعرفها، فزاد ذلك في جزعي وغمّي. ثم لم يزل الخدم يسلمونني من خدمٍ إلى خدم حتى أفضيت إلى دار مفروشة الصّحن، ملبسة الحيطان بالوشى المنسوج بالذهب، ثم أفضيت إلى رواقٍ أرضه وحيطانه ملبسةٌ بمثل ذلك، وإذا الواثق في صدره على سريرٍ مرصّع بالجوهر وعليه ثيابٌ منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة جاريته، عليها مثل ثيابه وفي حجرها عودٌ. فلمّا رآني قال: جوّدت والله يا محمد إلينا. فقبّلت الأرض ثم قلت: يا أمير المؤمنين خيراً! قال: خيراً، أما ترانا! طلبت والله ثالثاً يؤنسنا فلم أر أحقّ بذلك منك، فبحياتي بادر فكل شيئاً وبادر إلينا. فقلت: قد والله يا سيّدي أكلت وشربت أيضاً. قال: فاجلس فجلست، وقال: هاتوا لمحمد رطلاً في قدحٍ، فأحضرت ذلك، واندفعت فريدة تغنّي:

أهابك إجلالاً وما بك قـدرةٌ

 

عليّ ولكن ملء عينٍ حبيبها

وما هجرتك النّفس يا ليل أنّها

 

قلتك ولا أن قلّ منك نصيبها

فجاءت والله بالسّحر، وجعل الواثق يجاذبها، وفي خلال ذلك تغنّي الصوت بعد الصوت، وأغنّي أنا في خلال غنائها، فمرّ لنا أحسن ما مرّ لأحد. فإنا لكذلك إذ رفع رجله فضرب بها صدر فريدة ضربة تدحرجت منها من أعلى السرير إلى الأرض وتفتّت عودها ومرّت تعدو وتصيح، وبقيت أنا كالمنزوع الرّوح؛ ولم أشكّ في أنّ عينه وقعت عليّ وقد نظرت إليها ونظرت إليّ؛ فأطرق ساعة إلى الأرض متحيّراً وأطرقت أتوقّع ضرب العنق. فإنّي لكذلك إذ قال لي: يا محمد، فوثبت. فقال: ويحك! أرأيت أغرب مما تهيّأ علينا! فقلت: يا سيّدي، الساعة والله تخرج روحي، فعلى من أصابنا بالعين لعنه الله! فما كان السبب؟ ألذنبٍ؟ قال: لا والله! ولكن فكرت أنّ جعفراً يقعد هذا المقعد ويقعد معها كما هي قاعدة معي، فلم أطق الصبر وخامرني ما أخرجني إلى ما رأيت. فسري عنّي وقلت: بل يقتل الله جعفراً، ويحيا أمير المؤمنين أبداً، وقبّلت الأرض وقلت: يا سيّدي الله الله! ارحمها ومر بردّها. فقال: لبعض الخدم الوقوف: من يجيء بها؟ فلم يكن بأسرع من أن خرجت وفي يدها عودها وعليها غير الثياب التي كانت عليها. فلما رآها جذبها وعانقها، فبكت وجعل هو يبكي، واندفعت أنا في البكاء. فقالت: ما ذنبي يا مولاي ويا سيّدي؟ وبأيّ شيءٍ استوجبت هذا؟ فأعاد عليها ما قاله لي وهو يبكي وهي تيكي. فقالت: سألتك بالله يا أمير المؤمنين إلاّ ضربت عنقي الساعة وأرحتني من الفكر في هذا، وأرحت قلبك من الهمّ بي، وجعلت تبكي ويبكي، ثم مسحا أعينهما ورجعت إلى مكانها؛ وأومأ إلى خدم وقوفٍ بشيءٍ لا أعرفه، فمضوا وأحضروا أكياساً فيها عينٌ وورقٌ، ورزماً فيها ثياب كثيرة، وجاء خادمٌ بدرجٍ ففتحه وأخرج منه عقداً ما رأيت قطّ مثل جوهر كان فيه، فألبسها إيّاه، وأحضرت بدرة فيها عشرة آلاف درهم فجعلت بين يدي وخمسة تخوتٍ فيها ثياب، وعدنا إلى أمرنا وإلى أحسن مما كنا؛ فلم نزل كذلك إلى الليل، ثم تفرّقنا.

قصتها مع المتوكّل بعد الواثق وضرب الدرهم ضربه وتقلّد المتوكل. فوالله إني لفي منزلي بعد يوم نوبتي إذ هجم عليّ رسل الخليفة، فما أمهلوني حتى ركبت وصرت إلى الدّار، فأدخلت والله الحجرة بعينها، وإذا المتوكّل في الموضع الذي كان فيه الواثق على السرير بعينه وإلى جانب فريدة. فلمّا رآني قال: ويحك! أما ترى ما أنا فيه من هذه! أنا منذ غدوةٍ أطالبها بأن تغنّيني فتأبى ذلك! فقلت: يا سبحان الله! أتخالفين سيّدك وسيّدنا وسيد البشر! بحياته غنّي! فعرفت والله ثم اندفعت تغنّي:

مقيمٌ بالمجازة من قنـونـي

 

وأهلك بالأجيفر فالـثّـمـاد

فلا تبعد فكلّ فتىً سـيأتـي

 

عليه الموت يطرق أو يغادي

ثم ضربت بالعود الأرض، ثم رمت بنفسها على السرير ومرّت تعدو وهي تصيح واسيّداه! فقال لي: ويحك! ما هذا؟ فقلت: لا أدري والله يا سيّدي. فقال: فما ترى؟ فقلت: أرى أن أنصرف أنا وتحضر هذه ومعها غيرها؛ فإنّ الأمر يؤول إلى ما يريد أمير المؤمنين. قال: فانصرف في حفظ الله! فانصرفت ولم أدر ما كانت القصة.

مدح محمد بن عبد الملك غناءها

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدّثني محمد بن عبد الملك قال: سمعت فريدة تغنّي:

أخلاّي بي شجو وبليس بكم شـجـو

 

وكل امرئٍ مما بصاحبـه خـلـو

أذاب الهوى لحمي وجسمي ومفصلي

 

فلم يبق إلاّ الرّوح والجسد النّضـو

فما سمعت قبله ولا بعده غناءً أحسن منه.

الشعر لأبي العتاهية، والغناء لإبراهيم ثقيلٌ أوّل مطلق في مجرى الوسطى عن الهشاميّ، وله أيضاً فيه خفيفٌ ثقيلٌ بالسبّابة والبنصر عن ابن المكيّ. وفيه لعمرو بن بانة رملٌ بالوسطى من مجموع أغانيه. وفيه لعريب خفيف ثقيلٍ آخر صحيحٌ في غنائها من جمع ابن المعتزّ وعليّ بن يحيى. وتمام هذه الأبيات:

وما من محبٍّ نال ممن يحبّه

 

هوًى صادقاً إلاّ سيدخله زهو

وفيها كل غناء مفترق الألحان في أبياته -:

بليت وكان المزح بجدء بليّتي

 

فأحببت جهلاٌ والبلايا لها بدو

وعلّقت من يزهو عليّ تجبّراً

 

وإنّي في كلّ الخصال له كفو

 صوت من المائة المختارة

من رواية جحظة عن أصحابه

باتت همومي تسري طوارقها

 

أكفّ عيني والدمع سابقهـا

لما أتاها من الـيقـين ولـم

 

تكنّ تراه يلـمّ طـارقـهـا

الشعر لأميّة بن أبي الصّلت، والغناء للهذليّ خفيف ثقيلٍ أوّل بالوسطى. وفيه لابن محرز لحنان: هزجٌ وثقيلٌ أوّل بالوسطى عن الهشاميّ وحبش. وذكر يونس: أنّ فيه لابن محرز لحناً واحداً مجنّساً.