أخبار غيلان ونسبه

أخبار غيلان ونسبه

غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي وهو ثقيف. وأمه سبيعة بيت عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أخت أمية بن شمس بن عبد مناف.

أدرك الإسلام فأسلم بعد فتح الطائف، ولم يهاجر، وأسلم ابنه عامر قبله، وهاجر، ومات بالشام في طاعون عمواس وأبوه حيٌ.
وغيلان شاعرٌ مقل، ليس بمعروف في الفحول.

وبنته بادية بنت غيلان التي قال هيتٌ المخنث لعمر بن أم سلمة أم المؤمنين، أو لأخيه سلمة: “إن فتح الله عليكم الطائف فسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهب لك بادية بنت غيلان، فإنها كحلاء، شموعٌ نجلاء، خمصانة هيفاء، إن مشت تثنت، وإن جلست تبنت، وإن تكلمت تغنت، تقبل بأربع وتدبر بثمانٍ، وبين فخذيها كالإناء المكفأ”.

وغيلان فيما يقال أحد من قال من قريش للنبي صلى الله عليه وسلم وآله: “لولا أنزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين”.قال ابن الكبي: حدثني أبي، قال: تزوج غيلان بن سلمة خالدة بنت أبي العاص، فولدت له عماراً وعامراً، فهاجر عمار إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغه خبره عمد خازنٌ كان لغيلان إلى مالٍ له فسرقه وأخرجه من حصنه فدفنه، وأخبر غيلان أن ابنه عماراً سرق ماله وهرب به، فأشاع ذلك غيلان وشكاه إلى الناس، وبلغ خبره عماراً فلم يعتذر إلى أبيه، ولم يذكر له براءته مما قيل له، فلما شاع ذلك جاءت أمه لبعض ثقيفٍ إلى غيلان، فقالت له: أي شيءٍ لي عليك إن دللتك على مالك؟ قال: ما شئت. قالت: تبتاعني وتعتقني؟ قال: ذلك لك. قالت: فاخرج معي. فخرج معها، فقالت: إني رأيت عبدك فلاناً قد احتفر ها هنا ليلة كذا وكذا ودفن شئياً. وإنه لا يزال يعتاده ويراعيه، ويتفقده في اليوم مراتٍ، وما أراه إلا المال. فاحتفر الموضع فإذا هو بماله، فأخذه وابتاع الأمة فأعتقها، وشاع الخبر في الناس حتى بلغ ابنه عماراً، فقال: والله لا يراني غيلان أبداً، ولا ينظر في وجهي. وقال:

حلفت لهم بمـا يقـول مـحـمـدٌ

 

وبالله إن الـلـه لـيس بـغـافـل

برئت من المال الـذي يدفـنـونـه

 

أبرىء نفسي أن ألـط بـبـاطـل

ولو غير شيخي من معـدٍّ يقـولـه

 

تيممته بالسـيف غـير مـواكـل

وكيف انطلاقي بالسلاح إلى امرىءٍ

 

تبشره بي يبـتـدرن قـوابـلـي

فلما أسلم غيلان، خرج عامرٌ وعمارٌ مغاضبين له مع خالد بن الوليد، فتوفي عامر بعمواس، وكان فارس ثقيفٍ يومئذٍ، وهو صاحب شنوءة يوم تثليث، وهو قتل سيدهم جابر بن سنانٍ أخا دهنة، فقال غيلان يرثي عامراً:

عيني تجود بدمعها الهـتـان

 

سحاً وتبكي فارس الفرسـان

يا عام من للخيل لما أجحمت

 

عن شدة مرهوبة وطـعـان

لو أستطيع جعلت مني عامراً

 

بين الضلوع وكل حي فـان

يا عين بكي ذا الحزامة عامراً

 

للخيل يوم تواقف وطـعـان

وله بتثليثات شـدة مـعـلـم

 

منه وطعنة جابر بن سنـان

فكأنه صافي الحديدة مـخـذمٌ

 

مما يحير الفرس للـبـاذان

نسخت من كتاب أبي سعيد السكري، قال: كان لغيلان بن سلمة جار من باهلة، وكانت له إبل يرعاها راعيه في الإبل مع إبل غيلان، فتخطى بعضها إلى أرضٍ لأبي عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب، فضرب أبو عقيل الراعي واستخف به، فشكا الباهلي ذلك إلى غيلان، فقال لأبي عقيل:

ألا من يرى رأى امرىءٍ ذي قرابة

 

أبي صدره بالضغن إلا تطلـعـا

فسلمك أرجو لا العـداوة إنـمـا

 

أبوك أبي وإنما صفقـنـا مـعـا

وإن ابن عم المرء مثل سـلاحـه

 

يقيه إذا لاقى الكمي المقـنـعـا

فإن يكثر المولى فإنـك حـاسـدٌ

 

وإن يفتقر لا يلف عندك مطمعـا

فهذا وعيدٌ وادخـارٌ فـإن تـعـد

 

وجدك أعلم ما تسلفت أجـمـعـا

ونسخت من كتابه، قال: لما أسن غيلان وكثرت أسفاره ملته زوجته، وتجنت عليه، وأنكر أخلاقها، فقال فيها:

يا رب مثلك في النساء غريرةٍ

 

بيضاء قد صبحتها بـطـلاق

لم تدر ما تحت الضلوع وغرها

 

مني تحمل عشرتي وخلاقـي

ونسخت من كتابه: إن بني عامر بن ربيعة جمعوا جموعاً كثيرةً من أنفسهم وأحلافهم، ثم ساروا إلى ثقيفٍ بالطائف، وكانت بنو نصر بن معاوية أحلافاً لثقيف، فلما بلغ ثقيفاً مسير بني عامر استنجدوا بني نصر، فخرجت ثقيف إلى بني عامرٍ وعليهم يومئذٍ غيلان بن سلمة بن معتب، فلقوهم وقاتلتهم ثقيفٌ قتالاً شديداً، فانهزمت بنو عامر بن ربيعة ومن كان معهم، وظهرت عليهم ثقيفٌ، فأكثروا فيهم القتل، فقال غيلان في ذلك، ويذكر تخلف بني نصر عنهم:

ودع بذمٍّ إذا ما حان رحـلـتـنـا

 

أهل الحظائر من عوفٍ ودهمانا

القائلين وقد حلت بسـاحـتـهـم

 

جسرٌ تحسحس عن أولاد هصانا

والقائلين وقد رابت وطـابـهـم

 

أسيف عوفٍ ترى أم سيف غيلانا

أغنو الموالي عنـا لا أبـالـكـم

 

إنا سنعني صريح القوم من كانـا

لا يمنع الخطر المظلوم قحمتـه

 

حتى يرى بالعـين مـن كـانـا

ونسخت من كتابه، قال: جمعت خثعم جموعاً من اليمن، وغزت ثقيفاً بالطائف، فخرج إليهم غيلان بن سلمة في ثقيف، فقاتلهم قتالاً شديداً، فهزمهم وقتل منهم مقتلةً عظيمة، وأسر عدةً منهم، ثم من عليهم وقال في ذلك:

ألا يا أخت خثعم خـبـرينـا

 

بأي بلاء قومٍ تفـخـرينـا

جلبنا الخيل من أكنـاف وجٍّ

 

وليثٍ نحوكم بالـدارعـينـا

رأيناهن معـمـلةً رواحـا

 

يقيتان الصباح ومعـتـدينـا

فأمست مسي خامسةٍ جميعـاً

 

تضابع في القياد وقد وجينـا

وقد نظرت طوالعكم إلـينـا

 

بأعينهم وحققنا الظـنـونـا

إلى رجراجةٍ في الدار تعشى

 

إذا استنت عيون الناظرينـا

تركن نساءكم في الدار نوحا

 

يبكون البعولة والـبـنـينـا

جمعتم جمعكم فطلبتمـونـا

 

فهل أنبئت حال الطالبـينـا

أخبرنا محمد بن خلفٍ وكيعٌ، قال: أخبرني محمد بن سعد الشامي، قال: حدثني أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمرو الثقفي، قال: خرجت مع كيسان بن أبي سليمان أسايره، فأنشدني شعر غيلان بن سلمة، ما أنشدني لغيره، حتى صدرنا عن الأبلة، ثم مر بالطف وهو يريد الطابق، فأنشدني له:

وليلة أرقت صحـابـك بـالـط

 

ف وأخرى بجنب ذي حـسـم

فالجسر فالقصران فالنهر المرب

 

د بـين الـنـخـيل والأجــم

معانق الواسـط الـمـقـدم أو

 

أدنو من الأرض غير مقتـحـم

أستعمل العنس بالقـياد إلـى ال

 

آفاق أرجو نوافـل الـطـعـم

أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثني عمر بن عبد العزيز بن أبي ثابت عن أبيه، قال: لما حضرت غيلان بن سلمة الوفاة، وكان قد أحصن عشراً من نساء العرب في الجاهلية، قال: “يا بني قد أحسنت خدمة أموالكم، وأمجدت أمهاتكم فلن تزالوا بخيرٍ ما غذوتم من كريم وغذا منكم، فعليكم ببيوتات العرب، فإنها معارج الكرم، وعليكم بكل رمكاء مكينةٍ ركينةٍ، أو بيضاء رزينة، في خدر بيت يتبع، أوجد يرتجى، وإياكم والقصيرة الرطلة، فإن أبغض الرجال إلي أن يقاتل عن إبلي أو يناضل عن حسبي، القصير الرطل”. ثم أنشأ يقول:

وحرة قومٍ قد تنوق فعلهـا

 

وزينها أقوامها فتـزينـت

رحلت إليها لا ترد وسيلتي

 

وحملتها من قومها فتحملت

أخبرني عمي قال: حدثنا محمد بن سعد الكراني، قال: كان غيلان بن سلمة الثقفي قد وفد إلى كسرى فقال له ذات يوم: يا غيلان، أي ولدك أحب إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبرأ، والغائب حتى يقدم. قال له: ما غذاؤك؟ قال: خبز البر. قال: قد عجبت من أن يكون لك هذا العقل وغذاؤك غذاء العرب، إنما البر جعل لك هذا العقل.

قال: الكراني، قال العمري: روى الهيثم بن عدي هذا الخبر أتم من هذه الرواية، ولم أسمعه منه. قال الهيثم: حدثني أبي، قال: خرج أبو سفيان بن حرب في جماعة من قريش وثقيف يريدون العراق بتجارة، فلما ساروا ثلاثاً جمعهم أبو سفيان، فقال لهم: إنا من مسيرنا هذا لعلى خطر، ما قدومنا على ملك جبارٍ لم يأذن لنا في القدوم عليه، وليست بلاده لنا بمتجر؟ ولكن أيكم يذهب بالعير، فأن أصيب فنحن برآء من دمه، وإن غنم فله نصف الربح؟ فقال غيلان بن سلمة: دعوني إذاً فأنا لها. فدخل الوادي، فجعل يطوفه ويضرب فروع الشجر ويقول:

ولو رآني أبو غيلان إذ حسـرت

 

عني الأمور إلى أمرٍ له طبـق

لقال رغبٌ ورهب يجمعان معـاً

 

حب الحياة وهول النفس والشفق

إما بقيت على مجدٍ ومـكـرمة

 

أو أسوة لك فيمن يهلك الـورق

ثم قال: أنا صاحبكم. ثم خرج في العير، وكان أبيض طويلاً جعداً ضخماً، فلما قدم بلاد كسرى، تخلق ولبس ثوبين أصفرين، وشهر أمره، وجلس بباب كسرى حتى أذن له، فدخل عليه وبينهما شباكٌ من ذهب، فخرج إليه الترجمان، وقال له: يقول لك الملك: من أدخلك بلادي بغير إذني؟ فقال: قل له: لست من أهل عداوةٍ لك، ولا أتيتك جاسوساً لضد من أضدادك، وإنما جئت بتجارةٍ تستمتع بها، فإن أردتها فهي لك، وإن لم تردها وأذنت في بيعها لرعيتك بعتها، وإن لم تأذن في ذلك رددتها. قال: فإنه ليتكلم، إذ سمع صوت كسرى فسجد، فقال له الترجمان: يقول لك الملك: لم سجدت؟ فقال: سمعت صوتاً عالياً حيث لا ينبغي لأحدٍ أن يعلو صوته إجلالاً للملك، فعلمت أنه لم يقدم على رفع الصوت هناك غير الملك فسجدت إعظاماً له. قال: فاستحسن كسرى ما فعل، وأمر له بمرفقةٍ توضع تحته، فلما أتي بها رأى عليها صورة الملك، فوضعها على رأسه، فاستجهله كسرى واستحمقه، وقال للترجمان: قل له: إنما بعثنا إليك بهذه لتجلس عليها. قال: قد علمت، ولكني لما أتيت بها رأيت عليها صورة الملك، فلم يكن حق صورته على مثلي أن يجلس عليها، ولكن كان حقها التعظيم، فوضعتها على رأسي، لأنه أشرف أعضائي وأكرمها علي. فاستحسن فعله جداً، ثم قال له: ألك ولد؟ قال: نعم. قال: فأيهم أحب إليك؟ قال: الصغير حتى يكبر، والمريض حتى يبراً، والغائب حتى يؤوب. فقال كسرى: زه، ما أدخلك علي ودلك على هذا القول والفعل إلا حظك، فهذا فعل الحكماء وكلامهم، وأنت من قوم جفاةٍ لا حكمة فيهم، فما غذاؤك؟ قال: خبز البر. قال: هذا العقل من البر، لا من اللبن والتمر. ثم اشترى منه التجارة بأضعاب ثمنها، وكساه وبعث معه من الفرس من بنى له أطماً بالطائف، فكان أول أطم بني بها.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني عمر بن أبي بكر الموصلي عن عبد الله بن مصعب عن أبيه قال: استشهد نافع بن سلمة الثففي مع خالد بن الوليد بدومة الجندل، فجزع عليه غيلان وكثر بكاؤه، وقال يرثيه:

ما بال عيني لا تغمص ساعةً

 

إلا اعترتني عبرةٌ تغشـانـي

أرعى نجوم الليل عند طلوعها

 

وهناً وهن من الغروب دوان

يا نافعاً من للفوارس أحجمت

 

عن فارس يعلو ذرى الأقران

فلو استطعت جعلت مني نافعاً

 

بين اللهاة وبين عكد لسانـي

قال: وكثر بكاؤه عليه، فعوتب في ذلك، فقال: والله لا تسمح عيني بمائها فأصن به على نافع. فلما تطاول العهد انقطع ذلك من قوله، فقيل له فيه، فقال: بلي نافع، وبلي الجرع، وفني وفنيت الدموع، واللحاق به قريب

ألا عللاني قبل نـوح الـوادب

 

وقبل بكاء المعولات القـرائب

وقبل ثوائي في ترابٍ وجنـدلٍ

 

وقبل نشوز النفس فوق الترائب

فإن تأتني الدنيا بيومي فـجـاءة

 

تجدني وقد قضيت منها مآربي

الشعر لحاجز الأزدي، والغناء لنبيه هزج، بالبنصر، عن الهشامي.