أخبار عنان

أخبار عنان

كانت عنان مولدة من مولدات اليمامة، وبها نشأت وتأدبت، واشتراها الناطفي، ورباها، وكانت صفراء جميلة الوجه، شكلة مليحة الأدب والشعر سريعة البديهة. وكان فحول الشعراء يساجلونها، ويقارضونها، فتنتصف منهم.

أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني صهر المبرد النحوي وعلي بن صالح بن الهيثم قال: حدثنا أبو هفان عن الجماز قال: دخل أبو نواس يوماً على عنان جارية الناطفي، فتحدثا ساعة، ثم قال لها: قد قلت شعراً، فقلت: هات، فقال:

إن لي أيراً خـبـيثـاً

 

لونه يحكي الكمـيتـا

لو رأى في الجو صدعاً

 

لنزا حـتـى يمـوتـا

أو رآه فوق سـقـف

 

لتحول عنـكـبـوتـا

أو رآه جوف بـحـر

 

خلته في البحر حوتـا

قال: فما لبثت أن قالت:

زجوا هذا بـألـف

 

وأظن الألف قوتـا

إنني أخشى عـلـيه

 

إن تمادى أن يموتا

بادروا ما حل بالمس

 

كين خوفاً أن يفوتا

قبل أن ينتكس الـد

 

اء فلا يأتي ويوتي

قال: ودخل إليها مرة، فقال:

ماذا ترين لصب

 

يريد منك قطيره

فأجابته:

إياي تعني بـهـذا

 

عليك فاجلد عميره

فقال لها:

أريد هذا وأخـشـى

 

على يدي منك غيره

قال: فخجلت وقالت: تعست، وتعس من يغار عليك.

أخبرنا أحمد بن العزيز الجوهري: قال: حدثنا عمر بن شبة: قال: حدثني أبو أحمد بن معاوية: قال: سمعت أبا حنش يقول: قال لي الناطفي: لو جئت إلى عنان فطارحتها ، فعزمت على الغدو، فبت ليلتين أحوك بيتين، ثم غدوت عليها فقلت:

أحب الملاح البيض قلبي وربـمـا

 

أحب الملاح الصفر من ولد الحبش

بكيت على صفراء منـهـن مـرة

 

بكاء أصاب العين مني بالعـمـش

فقالت:

بكيت عليها أن قلبي يحـبـهـا

 

وأن فؤادي كالجناحين ذو رعش

تغنيتنا بالشعر لـمـا أتـيتـنـا

 

فدونك خذه محكماً يا أبا حنـش

أخبرني أحمد، قال: حدثني عمر بن شبة: قال: حدثني أحمد بن معاوية: قال:  

سمعت مروان بن أبي حفصة يقول: لقيني الناطفي؛ فدعاني إلى عنان، فانطلقت معه، فدخل إليها قبلي، فقال لها: قد جئتك بأشعر الناس، مروان بن أبي حفصة، فوجدها عليلة ،فقالت له :إني عن مروان لفي شغل، فأهوى إليها بسوط فضربها به، وقال لي: ادخل، وهي تبكي، فرأيت الدموع تنحدر من عينيها فقلت:

بكت عنان فجرى دمعها

 

كالدر إذ يسبق من خيطه

فقالت وهي تبكي:

فليت من يضربها ظالماً

 

تيبس يمناه على سوطه

فقلت: أعتق مروان ما يملك إن كان في الجن والأنس أشعر منها.

أخبرني الجوهري، قال: حدثنا أبو زيد عن أحمد بن معاوية: قال: قال لي رجل: تصفحت كتباً، فوجدت فيها بيتاً جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديق: عليك بعنان جارية الناطفي، فجئتها فأنشدتها:

وما زال يشكو الحب حتى رأيته

 

تنفس في أحشائه وتكـلـمـا

فما لبثت أن قالت:

ويبكي فأبكي رحمة لبكـائه

 

إذا ما بكى دمعاً بكيت له دما

-في هذين البيتين لحن من الرمل، أظنه لجحظة أو لبعض طبقته- قرأت في بعض الكتب: دخل بعض الشعراء على عنان جارية الناطفي، فقال لها مولاها عاييه ، فقالت:

سقياً لبغداد لا أرى بلداً

 

يسكنه الساكنون يشبهها

فقال:

كأنها فـضة مـمـوهة

 

أخلص تمويهها مموهها

فقالت:

أمن وخفض ولا كبهجتهـا

 

أرغد أرض عيشاً وأرفهها

فانقطع .

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني بن أبي سعيد قال: حدثني مسعود بن عيسى، قال: أخبرني موسى بن عبد الله التميمي، قال: دخل أبو نواس على الناطفي، وعنان جالسة تبكي، وخدها على رزة من مصراع الباب، وقد كان الناطفي ضربها، فأومأ إلى أبي نواس أن يحركها بشيء، فقال أبو نواس:

عنان لو جدت لي فإني مـن

 

عمري في آمن الرسول بما

فردت عليه عنان:

فإن تمادى ولا تماديت فـي

 

قطعك حبلي أكن كمن ختما

فرد عليها أبو نواس فقال:

علقت من لو أتى على أنـف

 

س الماضين والغابرين ما ندما

فردت عليه:

لو نظرت عينها إلى حجر

 

ولد فيه فتورها سقـمـا

أخبرني ابن عمار ، قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه: قال: حدثني محمد بن أبي مروان الكاتب: قال: أخذ أبو نواس من عنان جارية الناطفي خاتماً فصه أحمر، فأخذه أحمد بن خالد حيلويه من أبي نواس، فطلبته منه عنان، فبعث إليها مكانه خاتماً فصه أخضر، فاتهمته في ذلك، فكتب أبو نواس إلى أحمد بن خالد، فقال:

فدتك نفسي يا أبا جعـفـر

 

جارية كالقمـر الأزهـر

تعلقتني وتـعـلـقـتـهـا

 

طفلين في المهد إلى المكبر

كنت وكانت نتهادى الهـوى

 

بخاتمينا غير مستـنـكـر

حنت إلى الخاتم منـي وقـد

 

سلبتني إياه منـذ أشـهـر

فأرسلت فيه فغالطـتـهـا

 

بخاتم في قـده أخـضـر

قالت: لقد كان لنـا خـاتـم

 

أحمر أهداه إلينـا سـري

لكنه علـق غـيري فـقـد

 

أهدى إليه الخاتم لا أمتري

كفـرت بـالـلـه وآياتـه

 

إن أنا لم أهجره فليصبـر

أو فأت بالمخرج من تهمتي

 

إياه في خاتمنـا الأحـمـر

فاردده تردد وصلها إنـهـا

 

قرة عيني يا أبا جـعـفـر

فإنني متـهـم عـنـدهـا

 

وأنت قد تعلم أنـي بـري

قال: فرد إليه الخاتم، وبعث إليه معه بألفي درهم.

أخبرني ابن عمار وعلي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا محمد بن يزيد المبرد، عن المازني عن الأصمعي – وقال ابن عمار في خبره عن بعض أصحابه – أظنه المازني- عن الأصمعي، قال: ما رأيت أثر النبيذ في وجه الرشيد قط إلا مرة واحدة، فإني دخلت إليه أنا وأبو حفص الشطرنجي، فرأيت التخثر في وجهه، فقال لنا: استبقا إلى بيت بل إلى أبيات، فمن أصاب ما في نفسي فله عشرة آلاف درهم، قال: فأشفقت ،ومنعتني هيبته، قال: فقال أبو حفص:

كلما دارت الزجاجة زادت

 

ه اشتياقاً وحرقة فبكـاك

فقال: أحسنت فلك عشرة آلاف درهم.
قال: فزالت الهيبة عني، فقلت:

لم ينلك الرجاء أن تحضريني

 

وتجافت أمنيتي عن سـواك

 فقال: لله درك! لك عشرون ألف درهم، قال: فأطرق ملياً، ثم رفع رأسه إلي، فقال: أنا والله أشعر منكما، ثم قال:

فتمنيت أن يغشيني الـل

 

ه نعاساً لعل عيني تراك

أخبرني ابن عمار الأخفش قالا: حدثنا محمد بن يزيد عن المازني :قال: قال الأصمعي: بعثت إلي أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، قد صرفته عنها فلك حكمك. قال: فكنت أريغ لأن أجد للقول فيها موضعاً ،فلا أجده، ولا أقدم عليه هيبة له، إذ دخلت يوماً فرأيت في وجهه أثر الغضب، فانخزلت، فقال: مالك يا أصمعي؟ قلت: رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر غضب، فلعن الله من أغضبه! فقال: هذا الناطفي والله، لو لا أني لم أجر في حكم قط متعمداً لجعلت على كل جبل منه قطعة، وما لي في جاريته أرب غير الشعر، فذكرت رسالة أم جعفر، فقلت له: أجل والله ما فيها غير الشعر، أفيسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى، واتصل قولي بأم جعفر فأجزلت لي الجائزة.

أخبرني عمي والحسن بن علي، قالا: حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات، قال: حدثني محمد بن هارون، عن يعقوب بن إبراهيم: أن الرشيد طلب من الناطفي جاريته، فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فقال: أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ بالدينار سبعة دراهم ،فامتنع عليه، وأمر أن تحمل إليه، فذكروا أنها دخلت مجلسه، فجلست في هيئتها تنتظره فدخل عليها، فقال لها: ويلك! إن هذا قد اعتاص علي في أمرك، قالت: وما يمنعك أن توفيه وترضيه؟ فقال: ليس يقنع ما أعطيه، وأمرها بالانصراف. فبلغني أن الناطفي تصدق بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه، فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها، فلما مات بعث مسروراً الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ، فأقامها على سرير وعليها رداء رشيدي قد جللها، فنودي عليها: من يزيد؟ بعد أن شاور الفقهاء فيها، وقال: هذه كبد رطبة، وعلى الرجل دين، فأشاروا ببيعها، قال: فبلغني أنها كانت تقول – وهي في المصطبة-: أهان الله من أهانني، وأذل من أذلني، فلكزها مسرور بيده، وبلغ بها مسرور مائتي ألف درهم، فجاء رجل، فقال: علي زيادة خمسة وعشرين ألف درهم، فلكزه مسرور، وقال: أتزيد يا أمير المؤمنين! ثم بلغ بها مائتين وخمسين ألفاً، وأخذها له قال: ولم يكن فيها شيء يعاب، وطلبوا لها عيباً لئلا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها شيئاً، وأولدها ابنين – قال: أظنهما ماتا صغيرين – ثم خرج بها إلى خراسان، فمات هناك وماتت عنان بعده.
أبو نواس لشبب بها: قال: وأنشدنا لأبي نواس في قصيدة يمدح بها يزيد بم مزيد ويذكر عنان في تشبيبها:

عنان يا من تشبه العينـا

 

أنت على الحب تلومينا

حسنك حسن لا أرى مثله

 

قد ترك الناس مجانينـا

اخبرني عمي: قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي: قال: حدثني أحمد بن القاسم العجلي: قال: حدثني أبو القاسم النخعي قال: كان العباس بن الأحنف يهوى عنان جارية الناطفي، فجاءني يوماً، فقال: امض بنا إلى عنان جارية الناطفي، فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له ،فجلسنا قليلاً، ثم ابتدأ العباس فقال:

قال عـبـاس وقـد أج

 

هد مـن وجـد شـديد

ليس لي صبر على الهج

 

ر ولا لذع الـصـدود

لا ولا يصبر لـلـهـج

 

ر فـؤاد مـن حـديد

فقالت عنان:

من تراه كان أعـنـى

 

منك عن هذا الصدور

بعد وصل لك مـنـي

 

فيه إرغام الحـسـود

فاتخذ للهجر إن شـئ

 

ت فؤاداً مـن حـديد

ما رأيناك علـى مـا

 

كنت تجني بجـلـيد

لو تجـودين لـصـب

 

راح ذا وجـد شـديد

وأخي جهل بمـا قـد

 

كان يجني بالصـدود

ليس من أحدث هجراً

 

لصـديق بـســديد

ليس منه الموت إن لم

 

تصـلـيه بـبـعـيد

قال: فقلت للعباس: ويحك! ما هذا الأمر؟ قال: أنا جنيت على نفسي بتنايهي عليها، فلم أبرح حتى ترضيتها له.
أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا الحارث بن يحيى بن حمد بن أبي مية: قال: حدثني يحيى بن محمد: أن الرشيد كان يساوم بعنان جارية النطاف، فبلغ ذلك أم جعفر، فشق عليها، فدست إلى أبي نواس أن يحتال في أمرها فقال يهجوها:  

إن عنان للنطاف جارية

 

أصبح حرها للنيك ميدانا

فما يشتريها إلا ابن زانية

 

أو قلطبان يكون من كانا

فبلغ ذلك الرشيد، فكان يقول: لعن الله أبا نواس، وقبحه، فلقد أفسد علي لذتي في عنان بما قال فيها، ومنعني من شرائها.

ما لي وللخمر وقد أرعشت

 

مني يميني هات باليسرى

حتى تراني مائلاً مسـنـداً

 

لا أستطيع الكأس بالأخرى

الشعر للحسن بن وهب، والغناء لعبد الله بن العباس الربعي، خفيف ثقيل بالوسطى ، وفيه أيضاً له خفيف رمل بالبنصر.