أخبار علي بن جبلة

أخبار علي بن جبلة

نسبه ولقبه

هو علي بن جبلة بن عبد الله الأبناوي ، ويكنى أبا الحسن، ويلقب بالعكوك، من أبناء الشيعة الخراسانية من أهل بغداد، وبها نشأ، وولد بالحربية من الجانب الغربي، وكان ضريرا، فذكر عطاء الملط أنه كان أكمه، وهو الذي يولد ضريرا، وزعم أنه عمي بعد أن نشأ.

استنفذ شعره في مدح أبي دلف وحميد

وهو شاعر مطبوع، عذب اللفظ جزله، لطيف العاني، مداح حسن التصرف. واستنفذ شعره في مدح أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، وأبى غانم حميد بن عبد الحميد الطوسي، وزاد في تفضيلهما وتفضيل أبي دلف خاصة حتى فضل من أجله ربيعة على مضر، وجاوز الحد في ذلك. فيقال: إن المأمون طلبه حتى ظفر به، فسل لسانه من قفاه، ويقال: بل هرب، ولم يزل متواريا منه حتى مات ولم يقدر عليه؛ وهذا هو الصحيح من القولين، والآخر شاذ.

نشأته وتربيته

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار الثقفي قال: حدثني الحسين بن عبد الله بن جبلة بن علي بن جبلة قال: كان لجدي أولاد، وكان علي أصغرهم، وكان الشيخ يرق عليه، فجدر، فذهبت إحدى عينه في الجدري، ثم نشأ فأسلم في الكتاب، فحذق بعض ما يحذقه الصبيان، فحمل على دابة ونثر عليه اللوز، فوقعت على عينيه الصحيحة لوزة فذهبت، فقال الشيخ لولده: أنتم لكم أرزاق من السلطان، فإن أعنتموني على هذا الصبي، وإلا صرفت بعض أرزاقكم إليه. فقلنا: وما تريد؟ قال: تختلفون به إلى مجالس الأدب.

يقصد أبا دلف فيتهم بانتحال القصيدة فيطلب أن يمتحن:

قال: فكنا نأتي به مجالس العلم ونتشاغل نحن بما يلعب به الصبيان، فما أتى عليه الحول حتى برع، وحتى كان العالم إذا رآه قال لمن حوله: أوسعوا للبغوي وكان ذكيا مطبوعا، فقال الشعر، وبلغه أن الناس يقصدون أبا دلف لجوده وما كان يعطي الشعراء، فقصده -وكان يسمى العكوك- فامتدحه بقصيدته التي أولها:

ذاد ورد الغي عن صـدره

 

وارعوى واللهو من وطره

يقول فيه في مدحه:

يا دواء الأرض أن فـسـدت

 

ومديل اليسر مـن عـسـره

كل من في الأرض من عرب

 

بين بـاديه إلـى حـضـره

مستعـير مـنـك مـكـرمة

 

يكتسبهـا يوم مـفـتـخـره

إنـمـا الـدنـيا أبـو دلـف

 

بين مبداه ومـحـتـضـره

فإذا ولـى أبــو دلـــف

 

ولت الدنـيا عـلـى أثـره

فلما وصل إلى أبي دلف -وعنده من الشعراء وهم لا يعرفونه- استرابوه بها، فقال له قائده: إنهم قد اتهموك وظنوا أن الشعر لغيرك، فقال: أيها الأمير، إن المحنة تزيل هذا، قال: صدقت فامتحنوه.

القصيدة التي امتحن بها في وصف فرس أبي دلف: فقالوا له: صف فرس الأمير، وقد أجلناك ثلاثاً، قال: فاجعلوا معي رجلاً تثقون به يكتب ما أقول، فجعلوا معه رجلاً، فقال هذه القصيدة في ليلته، وهي:

ريعت لمنشور على مفرقـه

 

ذم لها عهد الصبا حين انتسب

أهداب شيب جدد في رأسـه

 

مكروهة الجدة أنضاء العقب

أشرقن في أسود أزريني بـه

 

كان دجاه لهوى البيض سبب

واعتقن أيام الغواني والـصـبـا

 

عن ميت مطلـبـه حـي الأدب

لم يزدجر مرعويا حين ارعـوى

 

لكن يد لم تتصـل بـمـطـلـب

لم أر كالشيب وقـاراً يجـتـوى

 

وكالشباب الغض ظلا يستـلـب

فنازل لـم يبـتـهـج بـقـربـه

 

وذاهب أبقى جوى حـين ذهـب

كان الشباب لـمة أزهـى بـهـا

 

وصاحبا حراً عزيز المطـحـب

إذ أنا أجري سـادراً فـي غـيه

 

لا أعتب الـدهـر إذا الـدهـر

أبعد شأو اللـهـو فـي إجـرائه

 

وأقصد الخود وراء المحتـجـب

وأذعر الربرب عـن أطـفـالـه

 

بأعوجي دلفي الـمـنـتـسـب

تحسبه مـن مـرح الـعـز بـه

 

مستنفراً بروعة أو مـلـتـهـب

مرتهـج يرتـج مـن اقـطـاره

 

كالماء جالت فيه ريح فاضطرب

تحسبه أقعد في اسـتـقـبـالـه

 

حتى إذا استدبرته قـلـت أكـب

وهو عـلـى إرهـاقـه وطـيه

 

يقصر عنه المحزمان واللـبـب

تقول فيه حـنـب إذا انـثـنـى

 

وهو كمتن القدح ما فيه حـنـب

يخطو على عوج تناهبن الـثـرى

 

لم يتواكل عن شظى ولا عصـب

تحسبـهـا نـاتـئة إذا خـطـب

 

كأنها واطئة عـلـى الـركـب

شتا وقاظ بـرهـتـيه عـنـدنـا

 

لم يؤت من بـر بـه ولا حـدب

يصان عـصـري حـره وقـره

 

وتقصر الخور عليه بالـحـلـب

حتى إذا تمـت لـه أعـضـاؤه

 

لم تنحبس واحدة علـى عـتـب

رمنا به الـصـيد فـرادينـا بـه

 

أوابد الوحش فأجدى واكتـسـب

مجذم الـجـري يبـارى ظـلـه

 

ويعرق الأحقب في شوط الخبب

إذا تـظـنـينـا بـه صـدقـنـا

 

وإن تظنى فوته الـعـير كـذب

لا يبلغ الـجـهـد بـه راكـبـه

 

ويبلغ الريح به حـيث طـلـب

ثم انقضى ذاك كـأن لـم يعـنـه

 

وكل بقيا فـإلـى يوم عـطـب

وخلف الدهـر عـلـى أبـنـائه

 

بالقدح فيهم وارتجاع مـا وهـب

فحمل الدهر ابن عيسى قاسـمـاً

 

ينهض به أبلج فراج الـكـرب

كرونق السيف انبلاجاً بـالـنـدى

 

وكغراريه علـى أهـل الـريب

ما وسنت عين رأت طـلـعـتـه

 

فاستيقظت بنوبة مـن الـنـوب

لولا ابن عيسى القرم كنا هـمـلا

 

لو يؤتثل مجد ولم يرع حـسـب

ولم يقـم فـي يوم بـأس ونـدى

 

ولا تلاقى سبـب إلـى سـبـب

تكاد تبدى الأرض ما تضـمـره

 

إذا تداعت خيلـه هـلا وهـب

ويسـتـهـل أمـلا وخـــيفة

 

جانبها إذا استـهـل أو قـطـب

وهو وإن كان ابن فـرعـي وائل

 

فبمساعيه يوافى في الـحـسـب

وبـعـلاه وعـــلا آبـــائه

 

تحوى غداة السبق أخطار القصب

يا زهر الدنيا ويا بـاب الـنـدى

 

وما مجير الرعب من يوم الرهب

لولاك ما كـان سـدى ولا نـدى

 

ولا قريش عرفت ولا الـعـرب

خذها إليك من ملـئ بـالـثـنـا

 

لكنه غير مـلـئ بـالـنـشـب

فاثو في الأرض أو استفزز بهـا

 

أنت عليها الرأس والناس الذنـب

?شهادة الشعراء بأنه صاحب مدح أبي دلف قال: فلما غدا عليه بالقصيدة وأنشده إياها استحسنها من حضر، وقالوا: نشهد أن قائل هذه قائل تلك، فأعطاه ثلاثين ألف درهم. وقد قيل: إن أبا دلف أعطاه مائة ألف درهم، ولكن أراها في دفعات؛ لأنه قصده مراراً كثيرة، ومدحه بعدة قصائد.

?المأمون يستنشد بعض جلسائه قصيدته في أبي دلف أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثني محمد بن موسى بن حماد قال: حدثني أحمد بن أبي فنن قال: قال عبد الله بن مالك: قال المأمون يوماً لبعض جلسائه: أقسم على منضر حضر ممن يحفظ قصيدة علي بن جبلة الأعمى في القاسم بن عيسى إلا أنشدنيها، فقال له بعض جلسائه: قد أقسم أمير المؤمنين، ولا بد من إبرار قسمه، وما أحفظها، ولكنها مكتوبة عندي. قال: قم فجئني بها، فمضى وأتاه بها، فأنشده إياها وهي:

ذاد ورد الغي عـن صـدره

 

وارعوى واللهو من وطـره

وأبـت إلا الـبـكـاء لــه

 

ضحكات الشيب في شعـره

ندمي أن الشبـاب مـضـى

 

لم أبـلـغـه مـدى أشـره

وانقضـت أيامـه سـلـمـا

 

لم أجد حولا عـلـى غـيره

حسرت عنـي بـشـاشـتـه

 

وذودي المحمود من ثـمـره

ودم أهـدرت مـن رشــا

 

لم يرد عقلا عـلـى هـدره

فأتت دون الـصـبـا هـنة

 

فليت فوقي عـلـى وتـره

جارتا ليس الشبـاب لـمـن

 

راح محنياً عـلـى كـبـره

ذهبت أشياء كـنـت لـهـا

 

صارها حلمي إلى صـوره

دع جدا قحطان أو مـضـر

 

في يمانيه وفـي مـضـره

وامتـدح مـن وائل رجـلا

 

عصر الآفاق في عـصـره

المـنـايا فـي مـنـاقـبـه

 

والعطايا فـي ذرا حـجـره

ملـك تـنـدى أنـامـلــه

 

كانبلاج النوء من مـطـره

مستهـل عـن مـواهـبـه

 

كابتسام الروض عن زهـره

جبـل عـزت مـنـاكـبـه

 

أمنت عدنـان فـي ثـغـره

إنـمـا الـدنـيا أبـو دلـف

 

بين مبداه ومـحـتـضـره

فإذا ولـى أبــو دلـــف

 

ولت الدنـيا عـلـى أثـره

لست أدري مـا أقـول لـه

 

غير أن الأرض في خفـره

كل من في الأرض من عرب

 

بي بـاديه إلـى حـضـره

مستعـير مـنـك مـكـرمة

 

يكتسيهـا يوم مـفـتـخـره

يقول فيها:

وزخرف في صواهلـه

 

كصياح الحشر في أثره

قدته والموت مكـتـمـن

 

في مذاكيه ومشتـجـره

فرمت جيلويه مـنـه يد

 

طوت المنشور من نظره

زرته والخـيل عـابـسة

 

تحمل البؤس على عقره

خارجات تحت رايتـهـا

 

كخروج الطير من وكره

وعلى النعمان عجت بـه

 

عوجة ذادته عن صدره

غمط النعمان صفوتـهـا

 

فرددت الصفو في كدره

ولقرقـور أدرت رحـا

 

لم تكن ترتد في فكـره

قد تأنيت الـبـقـاء لـه

 

فأبى المحترم من قـدره

وطغى حتى رفعت لـه

 

خطة شنعاء من ذكـره

قال: فغضب المأمون واغتاظ، وقال: لست لأبي إن لم أقطع لسانه أو أسفك دمه.

?أنشد أبا دلف مدحته بعد أن قتل قرقوراً قال ابن أبي فنن: وهذه القصيدة قالها علي بن جبلة وقصد بها أبا دلف بعد قتله الصعلوك المعروف بقرقور، وكان من أشد الناس بأساً وأعظمهم. فكان يقطع هو وغلمانه على القوافل وعلى القرى، وأبو دلف يجتهد في أمره فلا يقدر عليه. فبينا أبو دلف خرج ذات يوم يتصيد وقد أمعن في طلب الصيد وحده إذا بقرقور قد طلع عليه وهو راكب فرساً يشق الأرض بجريه، فأيقن أبو دلف بالهلاك، وخاف أن يولي عنه فيهلك، فحمل عليه وصاح: يا فتيان! يمنة يمنة -يوهمه أن معه خيلاً قد كمنها له- فخافه قرقور وعطف على يساره هارباً، ولحقه أبو دلف فوضع رمحه بين كتفيه فأخرجه من صدره، ونزل فاحتز رأسه، وحمله على رمحه حتى أدخله الكرج.

قال: فحدثني من رأى رمح قرقور وقد أدخل بين يديه يحمله أربعة نفر. فلما أنشده علي بن جبلة هذه القصيدة استحسنها وسر بها وأمر له بمائة ألف درهم.

اتساع شهرة قصيدته فيه

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزدي قال: أخبرني إبراهيم بن خلف قال: بينا أبو دلف يسير مع أخيه معقل -وهما إذا ذاك بالعراق- إذ مر بامرأتين تتماشيان، فقالت إحداهما لصاحبتها: هذا أبو دلف، قالت: ومن أبو دلف؟ قالت: الذي يقول فيه الشاعر:

إنما الدنيا أبو دلـف

 

بين باديه ومحتضره

فإذا ولى أبو دلـف

 

ولت الدنيا على أثره

قال: فاستعبر أبو دلف حتى جرى دمعه. قال له مقعل: مالك يا أخي تبكي؟ قال: لأني لم أقض حق علي بن جبلة.
قال: أو لم تعطه مائة ألف درهم لهذه القصيدة؟ قال: والله يا أخي ما في قلبي حسرة تقارب حسرتي على اني أكن أعطيته مائة ألف دينار. والله لو فعلت لما كنت قاضياً حقه.

شدة إعجاب أبي تمام ببيت من بائيته

حدثني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني عبد الله ابن محمد بن جرير قال: أنشدت أبا تمام قصيدة علي بن جبلة البائية، فلما بلغت إلى قوله:

ورد البيض والبيض

 

إلى الأغماد والحجب

اهتز أبو تمام من فرقه إلى قدمه، ثم قال: أحسن، والله لوددت أن لي هذا البيت بثلاث قصائد من شعري يتخيرها وينتخبها مكانه.

طلب أن ينشد المأمون مدحاً فيه ثم يختار الإقالة فراراً من شروط المأمون أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني أبو نزار الضبي الشاعر قال: قال لي علي بن جبلة قلت لحميد بن عبد الحميد الطوسي: يا أبا غانم، إني قد مدحت أمير المؤمنين بمدح لا يحسن مثله أحد من أهل الأرض، فاذكرني له. قال: فأنشدني، فأنشدته. قال: أشهد أنك صادق، ما يحسن أحد أن يقول هكذا. وأخذ المديح فأدخله إلى المأمون، فقال له: يا حميد، الجواب في هذا واضح، إن شاء عفونا عنه وجعلنا ذلك ثواباً لمديحه، وإن شاء جمعنا بين شعره فيك وفي أبي دلف وبين شعره فينا، فإن كان الذي قاله فيكما أجود ضربنا ظهره، وأطلنا حبسه، وإن كان الذي قاله أجود أعطيناه لكل بيت ألف درهم، وإن شاء أقلناه فقلت له: يا سيدي ومن أنا ومن أبو دلف حتى يمدحنا بأجود مديحك! فقال: ليس هذا الكلام من الجواب في شيء، فاعرض ما قلت لك على الرجل. فقال: أفعل. قال علي بن جبلة: فقال لي حميد: ما ترى؟ فقلت: الإقالة أحب إلي، فأخبر المأمون بذلك. فقال: هو أعلم، ثم قال لي حميد: يا أبا الحسن أي شيء يعني من مدائحك لي ولأبي دلف؟ فقلت: قولي فيك:

لولا حـــمـــيد لـــم يكــــن

 

حســب يعـــد ولا نـــســـب

يا واحد العرب الذي عزت بعزته العرب

 

 

وقولي في أبي دلف:

إنما الدنيا أبو دلـف

 

بين باديه ومحتضره

فإذا ولى أبو دلـف

 

ولت الدنيا على أثره

قال: فأطرق حميد ثم قال: لقد انتقد عليك أمير المؤمنين فأجاد، وأمر لي بعشرة آلاف درهم وخلعة وفرس وخادم. وبلغ ذلك أبا دلف فأضعف لي العطية، وكان ذلك في ستر منهما، ما علم به أحد خوفاً من المأمون حتى حدثتك به يا أبا نزرا.

يمسك عن زيارة أبي دلف حياء لكثرة بره به

أخبرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد، قال: حدثني علي بن القاسم قال: قال لي علي بن جبلة: زرت أبا دلف، فكنت لا أدخل إليه إلا تلقاني ببره وأفرط، فلما أكثر قعدت عنه حياء منه، فبعث إلي بمعقل أخيه، فأتاني فقال لي: يقول لك الأمير: لم هجرتنا؟ لعلك استبطأت بعض ما كان مني، فإن كان الأمر كذلك فإني زائد فيما كنت أفعله حتى ترضى، فدعوت من كبت لي، وأمللت عليه هذه الأبيات، ثم دفعتها إلى معقل، وسألته أن يوصلها، وهي:

هجرتك لم أهجرك من كفر نـعـمة

 

وهل يرتجى نيل الزيادة بالـكـفـر

ولـكـنـنـي لـمـا أتـيتـك زائرا

 

فأفرطت في بري عجزت عن الشكر

فهـأنـا لا آتـيك إلا مـسـلـمــا

 

أزورك في الشهرين يوما وفي الشهر

فإن زدتنـي بـرا تـزايدت جـفـوة

 

ولم تلقني طول الحياة إلى الحـشـر

قال: فلما سمعها معقل استحسنها جدا، وقال: جودت والله، أما أن الأمير ليعجب بمثل هذه الأبيات، فلما أوصلها إلى أبي دلف قال: ولله دره! ما أشعره، وما أرق معانيه! ثم دعا بدواة فكتب إلي:

ألا رب ضيف طارق قد بسطتـه

 

وآنستة قبل الضيافة بـالـبـشـر

أتاني يرجيني فـمـا حـال دونـه

 

ودون القرى من نائلي عنده ستري

وجدت له فضلا علي بـقـصـده

 

إلي وبرا يستحق بـه شـكـري

فلم أعد أن أدنـيتـه وابـتـدأتـه

 

ببشر وإكرام وبـر عـلـى بـر

وزودتـه مـالا قـلـيل بـقـاؤه

 

وزودني مدحا يدوم على الدهـر

ثم وجه بهذه الأبيات مع وصيف يحمل كيسا فيه ألف دينار، فذلك حيث قلت له:

إنما الدنيا أبو دلـف

 

بين باديه ومحتضره

يقصد عبد الله بن طاهر ليمدحه، فيرده لغلوه في مدح أبي دلف:

أخبرني عمي قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني نادر مولانا: أن علي بن جبلة خرج إلى عبد الله بن طاهر وإلى خراسان، وقد امتدحه، فلما وصل إليه قال له: ألست القائل

إنما الدنيا أبو دلـف

 

بين باديه ومحتضره

فإذا ولى أبو دلـف

 

ولت الدنيا على أثره

قال: بلى، قال: فما الذي جاء بك إلينا، وعدل بك عن الدنيا التي زعمت؟ ارجع من حيث جئت، فارتحل، ومر بأبي دلف وأعلمه الخبر، فأعطاه حتى أرضاه. قال نادر فرأيته عند مولاي القاسم بن يوسف، وقد سأله عن خبره فقال:

أبو دلف إن تلقه تلـق مـاجـدا

 

جوادا كريما راجح الحلم سـيدا

أبو دلف الخـيرات أنـداهـم يدا

 

وأبسط معروفا وأكرم محـتـدا

تراث أبـيه عـن أبـيه وجـده

 

وكل امرئ يجري على ما تعودا

ولست بشاك غيره لـنـقـيصة

 

ولكنما الممدوح من كان أمجـدا

يصف قصر حميد الطوسي ويمدحه

قال ومؤلف هذا الكتاب : والأبيات التي فيها الغناء المذكورة بذكرها أخبار أبي الحسن علي بن جبلة من قصيدة له مدح بها حميد الطوسي، ووصف قصره على دجلة وقال فيها بعد الأبيات التي فيها الغناء:

ليس لي ذنب سوى أن

 

ي أسميك خـلـيلا

وأنـاديك عــزيزا

 

وتـنـادينـي ذلـيلا

أنا أهواك وحـالـي

 

ك صروما ووصولا

ثق بود ليس يفـنـى

 

وبعهد لـن يحـولا

جعل اللـه حـمـيدا

 

لبني الدنيا كـفـيلا

ملك لم يجعل الـلـه

 

له فـيهـم عـديلا

فأقـامـوا فـي ذراه

 

مطمئنـين حـلـولا

لا ترى فيهم مـقـلا

 

يسأل المثرى فضولا

جاد بالأموال حـتـى

 

علم الجود البـخـيلا

وبنى الفخر على الفخ

 

ر بناء مستـطـيلا

صار للخائف أمـنـا

 

وعلى الجود دلـيلا

يرثي حميدا الطوسي ولما مات حميد الطوسي رثاه بقصيدته العينية المشهورة، وهي من نادر الشعر وبديعه، وفي أولها غناء من الثقيل الأول، يقال: إنه لأبي العبيس، ويقال: إنه للقاسم ابن زرزور:

أللدهر تبكي أم على الدهر تجـزع؟

 

وما صـاحـب الأيام إلا مـفـجـع

ولو سهلت عنك الأسا كان في الأسـا

 

عزاء معز لـلـبـيب ومـقـنـع

تعز بـمـا عـزيت غـيرك إنـهـا

 

سهام المـنـايا حـائمـات ووقـع

أصبنا بـيوم فـي حـمـيد لـو أنـه

 

أصاب عروش الدهر ظلت تضعضع

وأدبنا مـا أدب الـنـاس قـبـلـنـا

 

ولكنه لم يبق للصـبـر مـوضـع

ألم تر لـلأيام كـيف تـصـرمـت

 

به وبـه كـانـت تـذاد وتـدفــع

وكيف التقى مثوى من الأرض ضيق

 

على جبل كانت به الأرض تمـنـع

ولما انقضت أيامه انقضـت الـعـلا

 

وأضحى به أنف الندى وهو أجـدع

وراح عدو الدين جـذلان ينـتـحـي

 

أماني كانت في حشـاه تـقـطـع

وكان حميد معـقـلا ركـعـت بـه

 

قواعد ما كانت على الضيم تـركـع

وكنـت أراه كـالـرزايا رزئثـهـا

 

ولم أدر أن الخلق يبـكـيه أجـمـع

حمام رماه مـن مـواضـع أمـنـه

 

حمام كذاك الخطب بالخطـب يقـدع

وليس بغـرو أن تـصـيب مـنـية

 

حمى أختها أو أن يذل الـمـمـنـع

لقد أدركت فينا المـنـايا بـثـارهـا

 

وحلت بخطب وهـيه لـيس يرقـع

نعاء حمـيد لـلـسـرايا إذا عـدت

 

تذاد بأطـراف الـرمـاح وتـوزع

وللمرهق المكروب ضاقت بـأمـره

 

فلم يدر في حوماتها كيف يصـنـع؟

وللبيض خلتها الـبـعـول ولـم يدع

 

لها غيره داعى الصباح الـمـفـزع

كأن حميدا لم يقد جـيش عـسـكـر

 

إلى عسـكـر أشـياعـه لا تـروع

ولم يبعث الخيل المغيرة بالضـحـا

 

مراحا ولي يرجع بها وهي ظلـع

رواجع يحملن النهاب ولـم تـكـن

 

كتائبه إلا على النـهـب تـرجـع

هوى جبل الدنيا المنيع وغـيثـهـا

 

المريع وحاميها الكمي الـمـشـيع

وسيف أمير المؤمنـين ورمـحـه

 

ومفتاح باب الخطب والخطب أفظع

فأقنعه مـن مـلـكـه وربـاعـه

 

ونائله قفر مـن الأرض بـلـقـع

على أي شجو تشتكي النفس بـعـده

 

إلى شجوه أو يذخر الدمع مـدمـع

ألم تر أن الشمس حـال ضـياؤهـا

 

عليه وأضحى لونها وهو أسـفـع

وأوحشت الدنـيا وأودى بـهـاؤهـا

 

وأجدب مرعاها الذي كـان يمـرع

وقد كانت الدنـيا بـه مـطـمـئنة

 

فقد جعلت أوتـادهـا تـتـقـلـع

بكى فقده روح الحياة كمـا بـكـى

 

نداه الندى وابن السبيل الـمـدفـع

وفارقت البيض الخـدور وأبـرزت

 

عواطل حسرى بعـده لا تـقـنـع

وأيقظ أجفانا وكان لـهـا الـكـرى

 

ونامت عيون لم تكن قبل تهـجـع

ولكـنـه مـقـدار يوم ثـوى بـه

 

لكل امرئ منه نهـال ومـشـرع

وقد رأب الله المـلا بـمـحـمـد

 

وبالأصل ينمي فرعه المـتـفـرع

أغر علـى أسـيافـه ورمـاحـه

 

تقسم أنفال الخمـيس وتـجـمـع

حوى عن أبيه بذل راحتـه الـنـدى

 

وطعن الكلى والزاعـبـية شـرع            

وإنما ذكرت هذه القصيدة على طولها لجودتها وكثرة نادرتها، وقد أخذ البحتري أكثر معانيها فسلخه، وجعله في قصيدته اللتين رثى بهما أبا سعيد الثغري:

انظر إلى العلياء كيف تضام

و:

بأي أسى تثنى الدموع الهوامل

وقد أخذ الطائي أيضاً بعض معانيها، ولولا كراهية الإطالة لشرحت المواضع المأخوذة. وإذا تأمل ذلك منتقد بصير عرفه.
بلغ في مدح حميد الطوسي ما لم يبلغه في مدح غيره أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني أبو وائلة قال: قال رجل لعلي بن جبلة: ما بلغت في مديح أحد ما بلغته في مديحك حميداً الطوسي. فقال: وكيف لا أفعل وأدنى ما وصل إلي منه أني أهديت له قصيدة في يوم نيروز فسر بها، وأمر أن يحمل إلي كل ما أهدى له، فحمل إلي ما قيمته مائتا ألف درهم، وأهديت له قصيدة في يوم عيد فبعث إلي بمثل ذلك.

يصف جيشاً ركب فيه حميد قال أبو وائلة. وقد كان حميد ركب يوم عيد في جيش عظيم لم ير مثله، فقال علي بن جبلة يصف ذلك:

غدا بأمير الـمـؤمـنـين ويمـنـه

 

أبو غانم غدو النـدى والـسـحـائب

وضاقت فجاج الأرض عن كل موكب

 

أحاط به مستعـلـيا لـلـمـواكـب

كأن سمو النقع والبـيض فـوقـهـم

 

سماوة ليل فرنـت بـالـكـواكـب

فكان لأهل العيد عيد بـنـسـكـهـم

 

وكان حميد عيدهم بـالـمـواهـب

ولولا حميد لم تبـلـج عـن الـنـدى

 

يمين ولم يدرك غنى كسب كـاسـب

ولو ملك الدنـيا لـمـا كـان سـائل

 

ولا اعتام فيها صاحب فضل صاحب

له ضحكة تستغرق المال بـالـنـدى

 

على عبسة تشجى القنا بـالـتـرائب

ذهبت بـأيام الـعـلا فـارداً بـهـا

 

وصرمت عن مسعاك شأو المطالـب

وعدلت ميل الأرض حتى تـعـدلـت

 

فلم ينأ منها جانـب فـوق جـانـب

بلغت بأدنى الحزم أبعـد قـطـرهـا

 

كأنك منهـا شـاهـد كـل غـائب

قصيدة أهادها إليه يوم نيروز قال: والتي أهداها له يوم النيروز قصيدته التي فيها:

حميد يا قاسم الـدنـيا بـنـائلـه

 

وسيفه بين أهل النكـث والـدين

أنت الزمان الذي يجري تصرفه

 

على الأنام بتـشـديد وتـلـيين

لو لم تكن كانت الأيام قد فـنـيت

 

والمكرمات ومات المجد مذ حين

صورك الله من مجد ومن كـرم

 

وصور الناس من ماء ومن طين

نسخت من كتاب بخط محمد بن العباس اليزيدي:

يدخل على أبي دلف فيستنشده

قال أحمد بن إسماعيل الخصيب الكاتب: دخل علي بن جبلة يوماً إلى أبي دلف فقال له: هات يا علي ما معك. فقال: إنه قليل. فقال هاته، فكم من قليل أجود من كثير فأنشده:

الله أجرى من الأرزاق أكثرها

 

على يديك فشكراً يا أبا دلـف

أعطى أبو دلف والريح عاصفة

 

حتى إذا وقفت أعطى ولم يقف

يستنشده أبو دلف فيتطير مما أنشده قال: فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما كان بعد مدة دخل إليه، فقال له: هات ما معك فأنشده:

من ملك الموت إلى قاسـم

 

رسالة في بطن قرطـاس

يا فارس الفرسان يوم الوغى

 

مرني بمن شئت من الناس

قال: فأمر له بألفي درهم، وكان قد تطير من ابتدائه في هذا الشعر، فقال: ليست هذه من عطاياك أيها الأمير، فقال: بلغ بها هذا المقدار ارتياعنا من تحملك رسالة ملك الموت إلينا.

يهجو الهيثم بن عدي إجابة لطلب الخزيمي

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن عليل العنزي قال: حدثني محمد بن عبد الله قال: حدثني علي بن جبلة العكوك المروزي قال: جاءني أبو يعقوب الخزيمي فقال لي: إن لي إليك حاجة. قلت: وما هي؟ قال: تهجو لي الهيثم بن عدي. فقلت: وما لك أنت لا تهجوه وأنت شاعر؟ فقال: قد فعلت، فما جاءني شيء كما أريد. فقلت له: فقلت له: كيف أهجو رجلاً لم يتقدم إلي منه إساءة، ولا له إلي جرم يحفظني؟ فقال: تقرضني، فإني ملي بالقضاء، قلت: نعم، فأمهلني اليوم فمضى، وغدوت عليه فأنشدته:

للهيثم بن عدي نسبة جـمـعـت

 

آباءه فأراحتنـا مـن الـعـدد

أعدد عدياً فلو مد البـقـاء لـه

 

ما عمر الناس لم ينقص ولم يزد

نفسي نداء بني عبد المدان وقـد

 

تلوه للوجه واستعلوه بالعـمـد

حتى أزالوه كرهاً عن كريمتهـم

 

وعرفوه بدل أين أصل عـدي؟

يا بن الخبيثة من أهجو فأفضحه

 

إذا هجوت وما تنمى إلى أحد؟

هجاؤه الهيثم مزق بينه وبين زوجه قال: وكان الهيثم قد تزوج إلى بني الحارث بن كعب، فركب محمد بن زياد بن عبيد الله بن عبد المدان الحارثي، أخو يحيى بن زياد، ومعه جماعة من أصحابه الحارثيين إلى الرشيد، فسألوه أن يفرق بينهما. فقال الرشيد: أليس هو الذي يقول فيه الشاعر:

إذا نسبت عديا في بني ثـعـل

 

فقدم الدال قبل العين في النسب

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين. قال فهذا الشعر من قاله؟ قالوا: هو لرجل من أهل الكوفة من بني شيبان يقال له: ذهل بن ثعلبة فأمر الرشيد داود بن يزيد أن يفرق بينهما، فأخذوه داراً وضربوه بالعصي حتى طلقها.

يشخص إلى عبد الله بن طاهر ويمدحه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن الحسن بن الخصيب قال: شخص علي بن جبلة إلى عبد الله بن طاهر والي خراسان -وقد مدحه فأجزل صلته- واستأذنه في الرجوع، فسأله أن يقيم عنده، وكان بره يتصل عنده، فلما طال مقامه اشتاق إلى أهله، فدخل إليه فأنشده: ينشد عبد الله بن طاهر شعراً يطلب به أن يأذن له في الرحيل:

راعـه الـشـــيب إذ نـــزل

 

وكـفـاه مــن الـــعـــذل

وانـقـضـت مـدة الـصـبــا

 

فانقـضـى الـلـهـو والـغـزل

قد لـعـمـري دمـلـــتـــه

 

بخـضـاب فـمـا أنـدمـــل

فابـك لـلـشـــيب إذ بـــدا

 

لا عـلـى الـربـع والـطــل

وصل الله للأمير عر الملك فاتصل

 

 

ملك عزمه الزما

 

ن وأفـعـــالـــه الـــدول

كســروي بـــمـــجـــده

 

يضـرب الـضـارب الـمـثـل

وإلـــى ظـــل عـــــزه

 

يلـجـأ الـخـائف الـوجـــل

كل خـلـق ســـوى الإمـــا

 

م لإنـعـــامـــه خـــول

ليتـه حـــين جـــاد لـــي

 

بالـغـنـى جـاد بـالـقـفــل

قال: فضحك وقال: أبيت إلا أن توحشنا. وأجزل صلته، وأذن له.

ينشد حميداً الطوسي شعراً في أول رمضان: أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر، قال: حدثني أبو وائلة السدوسي، قال: دخل علي بن جبلة العكوك على حميد الطوسي في أول يوم من شهر رمضان، فأنشده:

جعل الله مدخل الصوم فوزا

 

لحميد ومتعه في البـقـاء

فهو شهر الربـيع لـلـقـراء

 

وفراق الندمان والصـهـبـاء

وأنا الضامن الملي لـمـن عـا

 

قرها مفطرا بطول الظـمـاء

وكأني أرى الندامى على الخسف

 

يرجون صبحهم بـالـمـسـاء

قد طوى بعضهم زيارة بعـض

 

واستعاضوا مصاحفاً بالغـنـاء

يقول فيها:

بحمـيد وأين مـثـل حـمـيد

 

فخرت طيء علـى الأحـياء

جوده أظهر السماحة فـي الأر

 

ض وأغنى المقوي عن الإقواء

ملـك يأمـل الـعـبـاد نـداه

 

مثل ما يأملون قطر السـمـاء

صاغه الله مطعم الناس في الأر

 

ض وصاغ الحساب للإسقـاء

ينشد حميداً الطوسي شعراً ثاني شوال: قال: فأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: استعن بهذه على نفقة صومك. ثم دخل إليه ثاني شوال، فأنشده:

علـلانـي بـصـفـو مـا فـــي الـــدنـــن

 

واتـركـا مـا بـقــولـــه الـــعـــاذلان

واسبقا فاجع المنيه بالعيش فكل على الجديدين فـإنـي

 

 

عللاني بشربة تذهب الهم وتنفي طوارق الأحزان

 

 

وانفثا في مسامع سدها الصو

 

م رقـى الـمـوصــلـــي أو دحـــمـــان

قد أتانا شوال فاقتبل العيش وأعدى قسرا على رمضان

 

 

نعم عون الفتى على نوب الدهر

 

سمـــاع الـــقـــيان والـــعــــــيان

وكـئوس تــجـــري بـــمـــاء كـــروم

 

ومـطـي الـــكـــئوس أيدي الـــقـــيان

من عـقـار تـمـيت كــل احـــتـــشـــام

 

وتـسـر الـنـدمـان بـــالـــنـــدمـــان

فاشـرب ألـراح واعـص مــن لام فـــيهـــا

 

إنـهـا نـعـــم عـــدة الـــفـــتـــيان

واصـطـحـب الـدهـر بـارتـحــال وحـــل

 

لا تـخـف مـا يجـــره الـــحـــادثـــان

حسـب مـسـتـظـهـر عـلـى الـدهـر ركـنـاً

 

بحـمـــيد ردءا مـــن الـــحـــدثـــان

ملـك يقـتـنـي الـمــكـــارم كـــنـــزا

 

وتـراه مـــن أكـــرم الـــفـــتـــيان

خلـقـت راحـتـاه لـلــجـــود وألـــبـــا

 

س وأمـوالـه لـشـكــر الـــلـــســـان

ملـكـتـه عـلـى الـعــبـــاد مـــعـــد

 

وأقـرت لـه بـــنـــو قـــحـــطـــان

أريحـي الـنـدى جـمــيل الـــمـــحـــيا

 

يداه والـسـمـــاح مـــعـــتـــقـــدان

وجـهـه مـشـرق إلـى مـعـــتـــفـــيه

 

ويداه بـالـغـــيث تـــنـــفـــجـــران

جعل الدهر بين يوميه قسمين بعرف جزل وحر طعان

 

 

فإذا سار بالخميس لحرب

 

كل عـن نـص جـريه الـخـــافـــقـــان

وإذا مـــا هـــززتـــه لـــنــــــوال

 

ضاق عـن رحــب صـــدر الأفـــقـــان

غيث جـــدب إذا أقــــــام ربـــــــيع

 

يتـغـشـى بـالـسـيب كـــل مـــكـــان

يا أبـا غـانـم بـقـيت عـلــى الـــدهـــر

 

وخـلـدت مـا جــرى الـــعـــصـــران

ما نـبـالــي إذا عـــدت الـــمـــنـــايا

 

من أصـابـت بـكـــلـــكـــل وجـــران

قد جـعـلـنـا إلـيك بـعـث الــمـــطـــايا

 

هربـا مـن زمــانـــنـــا الـــخـــوان

وحـمـلـنـا الـحـاجـات فـوق عـــتـــاق

 

ضامـنـــات حـــوائج الـــركـــبـــان

ليس جـــود وراء جـــودك ينـــتــــــا

 

ب ولا يعـتـفـي لــغـــيرك عـــانـــي

فأمر له بعشرة آلاف درهم، وقال: تلك كانت للصوم، فخففت وخففنا، وهذه للفطر، فقد زدتنا وزدناك.

أحب جارية وأحبته على قبح وجهه

أخبرني عمي قال: حدثنا أحمد بن الطيب السرخسي قال: حدثنا ابن أخي علي بن جبلة العكوك -قال أحمد: وكان علي جارنا بالربض هو وأهله، وكان أعمى وبه وضح. وكان يهوى جارية أديبة ظريفة شاعرة وكانت تحبه هي أيضاً على قبح وجهه وما به من الوضح، حدثني بذلك عمرو بن بحر الجاحظ.

قال عمرو: وحدثني العكوك أن هذه الجارية زارته يوماً وأمكنته من نفسها حتى افتضها. قال، وذلك عنيت في قولي:

ودم أهدرت من رشـا

 

لم يرد عقلا على هدره

وهي القصيدة التي مدح بها أبا دلف، يعني بالدم: دم البضع .

يستأذن على حميد الطوسي فيمتنع، ثم يأذن له فيمدحه: قال: ثم قصدت حميداً بقصيدتي التي مدحته بها، فلما استؤذن لي عليه أبى أن يأذن لي، وقال: قولوا له: أي شيء أبقيت لي بعد قولك في أبي دلف:

إنما الدنيا أبو دلـف

 

بين مبداه ومحتضره

فإذا ولى أبو دلـف

 

ولت الدنيا على أثره

فقلت للحاجب: قل لله: الذي قلت فيك أحسن من هذا، فإن وصلتني سمعته، فأمر بإيصالي، فأنشدت قولي فيه:

إنما الدنيا حـمـيد

 

وأياديه الجسـام

فإذا ولى حـمـيد

 

فعلى الدنيا السلام

فأمر بمائتي دينار، فنثرتها في حجر عشيقتي، ثم جئته بقصيدتي التي أقول فيها:

دجلة تسقي وأبو غـانـم

 

يطعم من تسقي من الناس

فأمر لي بمائتي دينار.

شعره حين غضبت عليه التي أحبها حدثني عمي قال: حدثني أحمد بن الطيب قال: حدثني ابن أخي علي بن جبلة أيضاً: أن عمه عليا كان يهوى جارية، وهي هذه القينة، وكانت له مساعدة، ثم غضبت عليه، وأعرضت عنه، فقال فيها:

تسيء ولا تستنكر السـوء إنـهـا

 

تدل بما تتلوه عنـدي وتـعـرف

فمن أين ما استعطفتها لم ترق لـي

 

ومن أين ما جربت صبري يضعف

ينشد لنفسه أقبح ما قيل في ترك الضيافة

أخبرني حبيب بن نصر قال: حدثنا عمر بن شبة قال: تذاكرنا يوماً أقبح ما هجي به الناس في ترك الضيافة وإضاعة الضيف، فأنشدنا علي بن جبلة لنفسه:

أقاموا الديدبان علـى يفـاع

 

وقالوا لا تنـم لـلـديدبـان

فإن آنست شخصاً من بعـيد

 

فصفق بالبنان على البنـان

تراهم خشية الأضياف خرساً

 

ويأتون الصـلاة بـلا أذان

يمدح حميداً الطوسي فيعطيه ألف دينار كان أمر بالتصدق بها: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبي قال: حدثني وهب بن سعيد المروزي، كاتب حميد الطوسي، قال: جئت حميداً في أول يوم من شهر رمضان، فدفع إلي كيساً فيه ألف دينار، وقال: تصدقوا بهذه. وجاءه ابنه أصرم فسلم عليه ودعا له، ثم قال له: خادمك علي بن جبلة بالباب، فقال: وما أصنع به؟ جئتني به يا بني تقابلني بوجهه في أول يوم من هذا الشهر. فقال: إنه يجيد فيك القول. قال: فأنشدني بيتاً مما تستجيد له: فأنشده قوله:

حيدي حياد فإن غزوة جيشه

 

ضمنت لجائلة السباع عيالها

فقال: أحسن. ائذنوا له، فدخل فسلم، ثم أنشد قوله:

إن أبـا غـانـم حـمـيدا

 

غيث على المعتفين هامي

صوره الله سيف حـتـف

 

وباب رزق علـى الأنـام

يا مانع الأرض بالعوالـي

 

والنعم الجمة الـعـظـام

ليس من السوء في معـاذ

 

من لم يكن منك في ذمـام

وما تعمدت فيك وصـفـاً

 

إلا تقـدمـتـه أمـامـي

فقد تناهت بك المعـالـي

 

وانقطعت مـدة الـكـلام

أجد شهراً وأبـل شـهـراً

 

واسلم على الدهر ألف عام

قال: فالتفت إلي حميد، وقال: أعطه ذلك الألف الدينار حتى يخرج للصدقة غيره.

يستشفع بحميد الطوسي إلى أبي دلف وكان غضب عليه: حدثني عمي قال: حدثني يعقوب بن إسرائيل قال: حدثني أبو سهيل عن سالم مولى حميد الطوسي قال: جاء علي بن جبلة إلى حميد الطوسي مستشفعاً به إلى أبي دلف -وقد كان غضب عليه وجفاه- فكرب معه إلى أبي دلف شافعاً، وسأله في أمره، فأجابه واتصل الحديث بينهما وعلي بن جبلة محجوب، فأقبل على رجل إلى جانبه وقال: اكتب ما أقول لك، فكتب:

لا تتركي بباب الدار مطـرحـا

 

فالحر ليس عن الأحرار يحتجب

هبنا بلا شافع جئنا ولا سـبـب

 

ألست أنت إلى معروفك السبب؟

قال: فأمر بإيصاله إليه، ورضي عنه ووصله.

يخشاه المخزومي أن ينشد شعراً في حضرته:

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أحمد بن مروان قال: حدثني أبو سعيد المخزومي قال: دخلت على حميد الطوسي، فأنشدته قصيدة مدحته بها وبين يديه رجل ضرير، فجعل لا يمر ببيت إلا قال: أحسن قاتله الله! أحسن ويحه! أحسن لله أبوه! أحسن أيها الأمير. فأمر لي حميد ببدرة، فلما خرجت قام غلي البوابون، فقلت: كم أنتم؟ عرفوني أولاً من هذا المكفوف الذي رأيته بين يدي الأمير؟ فقالوا: علي بن جبلة العكوك فارفضضت عرقاً. ولو علمت أنه علي بن جبلة لما جسرت على الإنشاد بين يديه.

لا يأذن له المأمون في مدحه إلا بشرط، فيختار الإقالة: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: كلم حميد الطوسي المأمون في أن يدخل عليه علي بن جبلة، فيسمع منه مديحاً مدحه به، فقال: وأي شيء يقوله في بعد قوله في أبي دلف:

إنما الدنيا أبـو دلـف

 

بين مغزاه ومحتضره

فإذا ولى أبـو دلـف

 

ولت الدنيا على أثره

وبعد قوله فيك:

يا واحد العرب الذي

 

عزت بعزته العرب

أحسن أحواله أن يقول في مثل ما قاله في أبي دلف، فيجعلني نظيراً له. هذا إن قدر على ذلك ولم يقصر عنه، فخيروه بين أن أسمع منه، فإن كان مدحه إياي أفضل من مدحه أبا دلف وصلته، وإلا ضربت عنقه أو قطعت لسانه، وبين أن أقيله وأعفيه من هذا وذا. فخيروه بذلك، فاختار الإقالة.

يمدح حميد الطوسي بخير من مدحه أبا دلف: ثم مدح حميداً الطوسي، فقال له: وما عساك أن تقول في بعد ما قلته في أبي دلف، فقال: قد قلت فيك خيراً من ذلك. قال: هات، فأنشده:

دجلة تسقـي وأبـو غـانـم

 

يطعم من تسقي من النـاس

الناس جسم وإمـام الـهـدى

 

رأس وأنت العين في الراس

فقال له حميد: قد أجدت، ولكن ليس هذا مثل ذلك، ووصله.
يرثي حميداً الطوسي: قال أحمد بن عبيد، ثم مات حميد الطوسي، فرثاه علي بن جبلة، فلقيته، فقلت له: أنشدني مرثيتك حميداً، فأنشدني:

نعاء حميداً للسرايا إذا غـدت

 

تذاد بأطراف الرماح وتوزع

حتى أتى على آخرها.
لا يبلغ شأو الخزيمي في رثاه أبي الهيذام: فقلت له: ما ذهب على النحو الذي نحوته يا أبا الحسن، وقد قاربته وما بلغته. فقال: وما هو؟ فقلت: أردت قول الخزيمي في مرثيته أبا الهيذام:

وأعددته ذخراً لكل ملـمة

 

وسهم المنايا بالذخائر مولع

فقال: صدقت والله، أما والله لقد نحوته وأنا لا أطمع في اللحاق به، لا والله ولا امرؤ القيس لو طلبه وأراده ما كان يطمع أن يقاربه في هذه القصيدة.

هربه من المأمون وقد طلبه لتفضيله أبا دلف عليه وعلى آله:

أخبرني عمي، قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر، قال: حدثني ابن أبي حرب الزعفراني، قال: لما بلغ المأمون قول علي بن جبلة لأبي دلف:

كل من في الأرض من عرب

 

بين بـاديه إلـى حـضـره

مستعـير مـنـك مـكـرمة

 

يكتسيهـا يوم مـفـتـخـره

غضب من ذلك، وقال: اطلبوه حيث كان، فطلب فلم يقدر عليه، وذلك أنه كان بالجبل، فلما اتصل به الخبر هرب إلى الجزيرة، وقد كانوا كتبوا إلى الآفاق في طلبه، فهرب من الجزيرة أيضاً، وتوسط الشام فظفروا به، فأخذوه، وحملوه إلى المأمون، فلما صار إليه قال له: يا بن اللخناء ، أنت القائل للقاسم بن عيسى:

كل من في الأرض من عرب

 

بين بـاديه إلـى حـضـره

مستعـير مـنـك مـكـرمة

 

يكتسيهـا يوم مـفـتـخـره

جعلتنا ممن يستعير المكارم منه! فقال له: يا أمير المؤمنين، أنتم أهل بيت لا يقاس بكم أحد، لأن الله جل وعز فضلكم على خلقه، واختاركم لنفسه. وإنما عنيت بقولي في القاسم أشكال القاسم وأقرانه، فقال: والله ما استثنيت أحداً عن الكل، سلوا لسانه من قفاه.

أمر المأمون أن يسل لسانه لكفره

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن موسى قال: وحدثني أحمد بن أبي فنن: أن المأمون لما أدخل عليه علي بن جبلة قال له: إني لست أستحل دمك لتفضيلك أبا دلف على العرب كلها وإدخالك في ذلك قريشاً- وهم آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعترته- ولكني أستحله بقولك في شعرك وكفرك حيث تقول القول الذي أشركت فيه:

أنت الذي تنزل الأيام منزلهـا

 

وتنقل الدهر من حال إلى حال

وما مددت مدى طرف إلى أحد

 

إلا قضيت بـأرزاق وآجـال

كذبت يا ماص بظر أمه، ما يقدر على ذلك أحد إلا الله -عز وجل- الملك الواحد القهار. سلوا لسانه من قفاه.

صوت

لا بد من سكرة على طرب

 

لعل روحاً يدال من كرب

-ويروى:

لعل روحاً يديل من كرب

-وهو أصوب:

فعاطنيها صهباء صـافـية

 

تضحك من لؤلؤ على ذهب

خليفة الله أنت منـتـخـب

 

لخير أم من هـاشـم وأب

اكرم بأصلين أنت فرعهـمـا

 

من الإمام المنصور في النسب

الشعر للتيمي، والغناء لسليم بن سلام، خفيف ثقيل أول بالبنصر عن عمرو، وفيها لنظم العمياء خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي.