أخبار علي بن الجهم ونسبه

أخبار علي بن الجهم ونسبه

نسبه ونسب قبيلته بني سامة: هو علي بن الجهم بن بدر بن الجهم بن مسعود بن أسيد بن أذينة بن كراز بن كعب بن مالك بن عيينة بن جابر بن الحارث بن عبد البيت بن الحارث بن سامة بن بن لؤي بن غالب. هكذا يدعون، وقريش تدفعهم عن النسب وتسميهم بني ناجية، ينسبون إلى أمهم ناجية. وهي امرأة سامة بن لؤي. وكان سامة، فيما يقال، خرج إلى ناحية البحرين مغاضباً لأخيه كعب بن لؤي في مماظة كانت بينهما، فطأطأت ناقته رأسها إلى االأرض لتأخذ شيئاً من العشب، فعلق بمشفرها أفعى فعطفته على قتبها فحكته به، فدب الأفعى على القتب حتى نهش ساق سامة فقتله. فقال أخوه يرثيه :

عين جودي لسامة بن لـؤي

 

علفت ساق ساقه العلاقـه

رب كأسٍ هرقتها ابن لؤي

 

حذر الموت لم تكن مهراقه

وقال من يدفع بني سامة من نسابي قريش: وكانت معه امراته ناجية. فلما مات تزوجت رجلاً من أهل البحرين فولدت منه الحارث، ومات أبوه وهو صغير. فلما ترعرع طمعت أمه في أن تلحقه بقريش، فأخبرته أنه ابن سامة بن لؤي. فرحل من البحرين إلى عمه كعب وأخبره أنه ابن أخيه سامة. فعرف كعب أمه وظنه صادقاً في دعواه. ومكث عنده مدةً، حتى قدم مكة ركب من أهل البحرين، فرأوا الحارث فسلموا عليه وحادثوه ساعةً. فسألهم عن كعب بن لؤي ومن أين يعرفونه، فقالوا له: هذا ابن رجلٍ من أهل بلدنا يقال له فلان، وشرحوا له خبره. فنفاه كعبٌ ونفى أمه، فرجعا إلى البحرين فكانا هناك، وتزوج الحارث وأعقب هذا العقب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” عمي سامة لم يعقب “. وكان بنوا ناجية ارتدوا عن الإسلام. ولما ولي علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخلافة دعاهم إلى الإسلام؛ فأسلم بعضهم وأقام الباقون على الردة فسباهم واسترقهم؛ فآشتراهم مصقلة بن هبيرة منه وأدى ثلث ثمنهم وأشهد بالباقي على نفسه، ثم أعتقهم وهرب من تحت ليله إلى معاوية، فصاروا أحراراً، ولزمه الثمن، فشعث علي بن أبي طالب شيئاً من داره، وقيل بل هدمها. فلم يدخل مصقلة الكوفة حتى قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وزعم ابن الكلبي: أن سامة بن لؤي ولد غالب بن سامة وأمه ناجية، ثم هلك سامة فخلف عليها ابنه الحارث بن سامة، ثم هلك ابنا سامة ولم يعقبا ، وأن قوماً من بني ناجية بنت جرم بن ربان علاف ادعوا أنهم بنو سامة بن لؤي، وأن أمهم ناجية هذه ونسبوها هذا النسب، وانتموا إلى الحارث بن سامة وهم الذين باعهم علي بن أبي طالب إلى مصقلة. قال: ودليل ذلك وأن هؤلاء بنو ناجية بنت جرم قول علقمة الخصي التميمي أحد بني ربيعة بن مالك:

زعمتم أن ناجي بنت جرم

 

عجوزٌ بعد ما بلي السنام

فإن كانت كذاك فألبسوها

 

فإن الحلى للأنثى تمـام

وهذا أيضاً قول الهيثم بن عدي. فأما الزبير بن بكار فإنه أدخلهم في قريش وقال: هم قريشٌ العازبة. وإنما سموا العازبة لأنهم عزبوا عن قومهم فنسبوا إلى أمهم ناجية بنت جرم بن ربان وهو علاف، وهو أول من اتخذ الرحال العلافية فنسبت إليه. واسم ناجية ليلى؛ وإنما سميت ناجية لأنها سارت في مفازةٍ معه فعطشت فاستسقته ماء، فقال لها: الماء بين يديك، وهو يريها السراب، حتى جاءت الماء فشربت وسميت ناجية. وللزبير في إدخاهم في قريش مذهبٌ وهو مخالفة فعل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وميله إليهم لإجماعهم على بغضه رضي الله عنه، حسب المشهور المأثور من مذهب الزبير في ذلك.

?كان شاعراً فصيحاً اختص بالمتوكل وهجاء عليا وشيعته: وكان علي بن الجهم شاعراً فصيحاً مطبوعاً؛ وخص بالمتوكل حتى صار من جلسائه، ثم أبغضه لأنه كان كثير السعاية إليه بندمائه والذكر لهم بالقبيح عنده، وإذا خلا به عرفه أنهم يعيبونه ويثلبونه ويتنقصونه، فيكشف عن ذلك فلا يجد له حقيقة، فنفاه بعد أن حبسه مدة. وأخباره تذكر على شرحٍ بعد هذا. وكان ينحو نحو مروان بن أبي حفصة في هجاء آل أبي طالب وذمهم والإغراء بهم وهجاء الشيعة، وهو القائل:

ورافضةٍ تقول بشعب رضوى

 

إمامٌ خاب ذلـك مـن إمـام

 

إمامٌ من له عشرون ألـفـاً

 

من الأتراك مشرعة السهام            

وفيه يقول البحتري:

إذا ما حصلت علـيا قـريشٍ

 

فلا في العير أنت ولا النفير

وما رغثاؤك الجهم بـن بـدرٍ

 

من الأقمار ثم ولا الـبـدور

ولو أعطاك ربك ما تمـنـى

 

لزاد الخلق في عظـم الأيور

علام هجوت مجتهداً عـلـياً

 

بما لفقت مـن كـذبٍ وزور

أما لك في استك الوجعاء شغلٌ

 

يكفك عن أذى أهل القبـور

وسمعه أبو العيناء يوماً يطعن على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال له: أنا أدري لما تطعن على علي أمير المؤمنين. فقال له: أتعني قصة بيعة أهلي من مصقلة بن هبيرة؟ قال: لا! أنت أوضع من ذلك، ولكن لأنه قتل الفاعل فعل قوم لوطٍ والمفعول به، وأنت أسفلهما.

هجا بختيشوع فسبه عند المتوكل فحبسه سنة ثم نفاه وقال في ذلك شعراً: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد الهشامي قال: كان علي بن الجهم قد هجا بختيشوع ، فسبه عند المتوكل فحبسه المتوكل. فقال علي بن الجهم في حبسه عدة قصائد كتب بها إلى المتوكل فأطلقه بعد سنة، ثم نفاه بعد ذلك إلى خراسان. فقال أول ما حبس قصيدةً كتب بها إلى أخيه، أولها قوله:

توكلنا علـى رب الـسـمـاء

 

وسلمنا لأسباب الـقـضـاء

ووطنا على غير الـلـيالـي

 

نفوساً سامحت بـعـد الإبـاء

وأفنية الملوك مـحـجـبـاتٌ

 

وباب الله مبـذول الـفـنـاء

هي الأيام تكلمـنـا وتـأسـو

 

وتأتي بالسعادة والـشـقـاء

وما يجدي الثراء على غـنـيٍ

 

إذا ما كان محظور العطـاء

حلبنا الدهر أشطـره ومـرت

 

بنا عقب الشدائد والـرخـاء

وجربـنـا وجـرب أولـونـا

 

فلا شيءٌ أعز من الـوفـاء

ولم ندع الحياء لـمـس ضـر

 

وبعض الضر يذهب بالحـياء

ولم نحزن على دنـيا تـولـت

 

ولم نسبق إلى حسن العـزاء

توق الناس يابن أبـي وأمـي

 

فهم تبع المخافة والـرجـاء

ولا يغررك من وغـدٍ إخـاءٌ

 

لأمرٍ ما غدا حسـن الإخـاء

ألم تر مظهرين علي عـيبـاً

 

وهم بالأمس إخوان الصفـاء

فلما أن بليت غـدوا وراحـوا

 

علي أشد أسـبـاب الـبـلاء

أبت أخطارهم أن ينصرونـي

 

بمـالٍ أو بـجـاه أو ثـراء

وخافوا أن يقال لهم خـذلـتـم

 

صديقاً فادعوا قدم الجـفـاء

تضافرت الروافض والنصارى

 

وأهل الاعتزال على هجـائي

– يعني بأهل الاعتزال علي بن يحيى بن المنجم وقد كان بلغه عنه ذكر له: –

وعابوني وما ذنـبـي إلـيهـم

 

سوى علمي بـأولاد الـزنـاء

فبختيشوع يشهد لابن عـمـرو

 

وعزونً لهـارون الـمـرائي

وما الجذماء بنت أبي سـمـيرٍ

 

بجذماء اللسان عن الـخـنـاء

إذا ماعد مـثـلـكـم رجـالاً

 

فما فضل الرجال على النساء

عليكم لـعـنة الـلـه ابـتـداءً

 

وعوداً في الصباح وفي المساء

إذا سميتم لـلـنـاس قـالـوا

 

أولئك شر من تحت السـمـاء

أنا المتـوكـلـي هـوًى ورأياً

 

وما بالواثقـية مـن خـفـاء

وما حبس الخليفة لـي بـعـارٍ

 

وليس بمؤيسي منه التـنـائي

قال أبو الشبل شعره في الحبس كشعر عدي بن زيد: أخبرني عمي قال حدثنا محمد قال قال لي أبو الشبل البرجمي: ما شعر علي بن الجهم في الحبس بدون شعر عدي بن زيد .

حبسه المتوكل بسعاية جلسائه ونفاه إلى خراسان فعذبه طاهر بن عبد الله فقال شعراً: أخبرني عمي قال حدثنا محمد قال: كان سبب حبس المتوكل علي بن الجهم أن جماعةً من الجلساء سعوا به إليه وقالوا له: إنه يجمش الخدم ويغمزهم، وأنه كثير الطعن عليك والعيب لك والإزراء على أخلاقك؛ ولم يزالوا به يوغرون صدره عليه حتى حبسه؛ ثم أبلغوه عنه أنه هجاه. فنفاه إلى خراسان وكتب بأن يصلب إذا وردها يوماً إلى الليل. فلما وصل إلى الشاذياخ حبسه طاهر بن عبد الله بن طاهر بها، ثم أخرج فصلب يوماً إلى الليل مجرداً ثم أنزل. فقال في ذلك:

لم ينصبوا بالشاذياخ عـشـية

 

الإثنين مسبوقاً ولا مجهـولاً

نصبوا بحمد الله ملء قلوبهـم

 

شرفاً وملء صدورهم تبجيلا

ما ازداد إلا رفعةً بنـكـولـه

 

وازدادت الأعداء عنه نكـولا

هل كان إلا الليث فارق غيله

 

فرأيته في محمل محـمـولا

لا يأمن الأعداء من شـداتـه

 

شداً يفصل هامهم تفـصـيلا

ما عابه أن بز عنه لـبـاسـه

 

فالسيف أهول ما يرى مسلولا

إن يبتذل فالبدر لا يزري بـه

 

أن كان ليلة تمـه مـبـذولا

أو يسلبوه المال يحرن فـقـده

 

ضيفاً ألم وطارقـاً ونـزيلاً

أو يحبسوه فليس يحبس سـائرٌ

 

من شعره يدع العزيز ذلـيلا

إن المصائب ما تعـدت دينـه

 

نعمٌ وإن صعبت عليه قلـيلا

والله ليس بغافلٍ عـن أمـره

 

وكفى بربك ناصراً ووكـيلا

ولتعلمن إذا القلوب تكشـفـت

 

عنها الأكنة من أضل سبـيلا

كتب المتوكل لطاهر بإطلاقه فأطلقه فقال شعراً: أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال: كتب المتوكل إلى طاهر بن عبد الله بإطلاق علي بن الجهم. فلما أطلقه قال:

أطاهر إني عن خراسان راحـل

 

ومستخبرٌ عنها فمـا أنـا قـائل

أأصدق أم أكني عن الصدق أيمـا

 

تخيرت أدته إليك المـحـافـل

وسارت به الركبان واصطفقت به

 

أكف قيانٍ واجتبتـه الـقـبـائل

وإني بغالي الحمد والـذم عـالـم

 

بما فيهما نامي الرمية نـاضـل

وحقاً أقول الصدق إني لـمـائلٌ

 

إليك وإن لم يحظ بالـود مـائل

ألا حرمةٌ ترعى ألا عـقـد ذمةٍ

 

لجارٍ ألا فعلٌ لقولٍ مـشـاكـل

ألا منصفٌ إن لم نجد متفـضـلاً

 

علينا ألا قاضٍ من الناس عـادل

فلا تقطعن غيظاً علي أنـامـلاً

 

فقبلك ما عضت علي الأنـامـل

أطاهر إن تحسن فإني محـسـنٌ

 

إليك وإن تبخل فإنـي بـاخـل

فقال له طاهر: لا تقل إلا خيراً فإني لا أفعل بك إلا ما تحب؛ فوصله وحمله وكساه.

جمش جارية فباعدته فقال شعراً فأجابته: أخبرني عمي قال حدثني محمد قال: كان علي بن الجهم في مجلس فيه قينةٌ، فعابثها وجمشها، فباعدته وأعرضت عنه، فقال فيها:

خفي الله فيمن قد تبـلـت فـؤاده

 

وغادرته نضواً كأن بـه وقـرا

دعي البخل لاأسمع به منك إنمـا

 

سألتك أمراً ليس يعري لكم ظهرا

فقالت له: صدقت يا أبا الحسن، ليس يعري لنا ظهراً، ولكنه يملأ بطناً !! كان يتشاءم من الحارثي فرآه فقال شعراً: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا إبراهيم بن المدبر قال حدثنا علي بن الجهم قال: كان الحارثي يجيء إلى حلوان وأنا أتولاها – وكان علي بن الجهم على مظالمها – فإذا وردها وقع الإرجاف ، فلم يزل متصلاً حتى يخرج، فإذا خرج سكن الإرجاف. فأتاني مرةً وظهر كوكب الذنب في تلك الليلة، فقلت:

لما بدا أيقنت بالعطـب

 

فسألت ربي خير منقلب

لم يطـلـعـا إلا لآبـدةٍ

 

الحارثي وكوكب الذنب

قال ابن المدبر: وكان الحارثي أعور مقبح الوجه، وفيه يقول أبو علي البصير:

يا معشر البصراء لا تتطرفوا

 

جيشي ولا تتعرضوا لنكيري

ردوا علي الحارثي فـإنـه

 

أعمى يدلس نفسه في العور

انتحل شعراً لإبراهيم بن العباس: أخبرني الحسن قال حدثنا أبن مهرويه قال أنشدني إبراهيم بن المدبر لعلي بن الجهم وذكر أن علياً أنشده إياه لنفسه:

أميل مع الذمام على ابن أمي

 

وآخذ للصديق من الشقـيق

وإن ألفيتني حراً مطـاعـاً

 

فإنك واجدي عبد الصـديق

أفرق بين معروفي ومنـي

 

وأجمع بين مالي والحقـوق

فقال إبرهيم: كذب والله علي بن الجهم وأثم. والله لهذا الشعر أشهر بإبراهيم بن العباس من إبراهيم بالعباس أبيه.
قال المتوكل إنه كذاب وأثبت كذبه بكلامه له: أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثنا إبراهيم بن المدبر قال قال المتوكل: علي بن الجهم أكذب خلق الله. حفظت عليه أنه أخبرني أنه أقام بخراسان ثلاثين سنة، ثم مضت مدة أخرى وأنسي ما أخبرني به، فأخبرني أنه أقام بالثغور ثلاثين سنة، ثم مضت مدة أخرى وأنسي الحكايتين جميعاً، فأخبرني أنه أقام بالجبل ثلاثين سنة، ثم مضت مدةٌ أخرى فأخبرني أنه أقام بمصر والشأم ثلاثين سنة، فيجب أن يكون عمره على هذا وعلى التقليل مائةً وخمسين سنة ، وإنما يزاهي سنه الخمسين سنةً. فليت شعري أي فائدة له في هذا الكذب وما معناه فيه ! ! عربد عليه بعض ولد علي بن هشام فهجاهم: أخبرني محمد بن إبراهيم قال حدثنا عبد الله بن المعتز ،وحدثني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال: إجتمع علي بن الجهم مع قوم من ولد علي بن هشام في مجلس، فعربد عليه بعضهم، فغضب وخرج من المجلس، واتصل الشر حتى تقاطعوا وهجروه وعابوه واغتابوه. فقال يهجوهم:

بنـي مـتـيم هـل تـدرون مـا الـــخـــبـــر

 

وكـيف يسـتـر أمـر لــيس يســـتـــتـــر

حاجـبـتـكـم: مـن أبـوكـم يابـنـي عـصـــبٍ

 

شتـى ولـكـنـمـا لـلـعـاهـر الـحــجـــر

قد كـان شـيخـكـم شـيخـاً لـــه خـــطـــرٌ

 

لكـن أمـكـم فـي أمـــرهـــا نـــظـــر

ولم تكن أمكم والله يكلؤها محجوبةً دونها الحراس والستر

 

 

كانت مغنية الفتيان إن شربوا

 

وغـير مـمـنـوعةٍ مـنـهـم إذا ســـكـــروا

وكـان إخـــوانـــه غـــراً غـــطـــارفةً

 

لا يمـكـن الـشـيخ أن يعـصـــي إذا أمـــروا

قومٌ أعــفـــاء إلا فـــي بـــيوتـــكـــم

 

فإن فـي مـثـلـهـا قـد تـخـلـع الـــعـــذر

فأصـبـحـت كـمـراح الـشــول حـــافـــلةً

 

من كـل لاقـحةٍ فـي بــطـــنـــهـــا درر

فجـئتـم عـصـبـاً مــن كـــل نـــاحـــية

 

نوعـا مـخـانـيث فـي أعـنـاقـهـا الـكـبــر

فواحـدٌ كـسـرويٌ فـــي قـــراطـــقـــه

 

وآخـرٌ قـرشـــي حـــين يتـــبـــخـــر

ما عـلـم أمـكـم مــن حـــل مـــئزرهـــا

 

ومـن رمـاهـا بـكــم يأيهـــا الـــقـــذر

قوم إذا نـــســـبـــوا فـــالأم واحـــــدةٌ

 

والـلـه أعـلـم بـــالآبـــاء إذ كـــثـــروا

لم تـعـرفـوا الـطـعـن إلا فـي أسـافـلـكـــم

 

وأنـتـم فـي الـمـخـازي فـتـيةٌ صـــبـــر

أحـبـبـت إعـلامـكـم إنـي بـــأمـــركـــم

 

وأمـر غـيركـم مـن أهـلـكـــم خـــبـــر

تفـكـهـون بـأعـراض الـــكـــرام و مـــا

 

أنـتـم وذكـركــم الـــســـادات يا عـــرر

هذا الـهـجـاء الـذي تـبـقـى مـياســـمـــه

 

علـى جـبـاهـكـم مـا أورق الــشـــجـــر

سعى عند المتوكل بندمائه وبلغه أنه هجاه فحبسه، وأحسن شعره في الحبس: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني بن المدبر قال: كتب صاحب الخبر إلى المتوكل أن الحسن بن عبد الملك بن صالح احترق فمات. فقال علي بن الجهم: قد بلغني أن العامل قتله وصانع صاحب الخبر حتى كتب بهذا. وكان يسعى بالجلساء إلى المتوكل فأبغضه وأمره بأن يلزم بيته، ثم بلغه أنه هجاه فحبسه. وأحسن شعر قاله في الحبس بقصيدته التي أولها:

قالت حبست فقلت ليس بضائري

حبسي وأي مهنـدٍ لا يغـمـد

أو ما رأيت الليث يألف غـيلـه

كبراً وأوباش السـبـاع تـردد

والشمس لولا أنها مـحـجـوبةٌ

عن ناظريك لما أضاء الفرقـد

والبدر يدركه السرار فتنجلـي

أيامـه وكـأنـه مـتـجـدد

والغيث يحصره الغمام فما يرى

إلا وريقـه يروع ويرعـــد

والزاعبية لا يقيم كـعـوبـهـا

إلا الثقاف وجـذوةٌ تـتـوقـد

والنار في أحجارها مخـبـوءةٌ

لا تصطلى إن لم تثرها الأزند

والحبس ما لم تغشـه لـدنـيةٍ

شنعاء نعم المنزل المـتـورد

بيتٌ يجدد لـلـكـريم كـرامةً

ويزار فيه ولا يزور و يحمـد

لو لم يكن في الحبـس إلا أنـه

لا يستذلك بالحجاب الأعـبـد

كم من عليل قد تخطاه الـردى

فنجا ومات طبيبـه والـعـود

يا أحمد بـن أبـي دوادٍ إنـمـا

تدعى لكل عظيمة يا أحـمـد

أبلغ أمير المؤمنـين فـدونـه

خوض الردى ومخاوفٌ لا تنفد

أنتم بنو عم النبـي مـحـمـدٍ

أولى بما شرع النبي محـمـد

ما كان من كرمٍ فأنتـم أهـلـه

كرمت مغارسكم وطاب المحتد

أمن السوية يا بن عم محـمـدٍ

خصمٌ تقربه وآخـر تـبـعـد

إن الذين سعوا إليك بـبـاطـل

حساد نعمتك التي لا تجـحـد

شهدوا وغبنا عنهم فتحكـمـوا

فينا وليس كغائب من يشـهـد

لو يجمع الخصماء عندك مجلسٌ

يوماً لبان لك الطريق ألاقصـد

فبأي جرمٍ أصبحت أعراضنـا

نهباً تقسمها الـلـئيم الأوغـد            

دخل على المتوكل والطبيب يفحص علته وكانت جاريته قبيحة أغضبته فضربها ثم اغتم لذلك فقال هو في ذلك شعراً: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني حماد بن إسحاق قال قال لي أبو الفضل الربعي قال قال لي علي بن الجهم: دخلت على المتوكل وقد بلغني أنه كلم قبيحة جاريته بشيء أغضبه، فرماها بمخدة فأصابت عينها فأثرت فيها، فتأوهت وبكت وبكى المعتز لبكائها؛ فخرج المتوكل وقد حم من الغم والغضب. فلما بصر بي دعاني وإذا الفتح يري بختيشوع القارورة ويشاوره فيها. فقال لي: قل يا علي في علتي هذه شيئاً وصف أن الطبيب ليس يدري ما بي؛ فقلت:

تنكر حال علتي الـطـبـيب

 

وقال أرى بجسمك مـا يريب

جسست العرق منك فدل جسي

 

على ألمٍ له خبـرٌ عـجـيبٌ

فما هذا الذي بك هات قل لي

 

فكان جوابه مني النـحـيب

وقلت أيا طبيب الهجـر دائي

 

وقلبي يا طبيب هو الكـئيب

فحرك رأسه عجباً لقـولـي

 

وقال الحب ليس له طـبـيب

فأعجبني الذي قد قـال جـداً

 

وقلت بلى إذا رضي الحبيب

فقال هو الشفاء فلا تقـصـر

 

فقلت أجل ولكـن لا يجـيب

ألا هل مسعدٌ يبكي لشجـوي

 

فإنـي هـائم فـردٌ غـريب

فقال: أحسنت وحياتي ! يا غلام اسقني قدحاً؛ فجاءه بقدح منثرب وسقيت الجماعة مثله. وخرجت إليه فضل الشاعرة بأبيات أمرتها قبيحة أن تقولها عنها: فقرأها فإذا هي:

أكتمن الذي في القلب من حرقٍ

 

حتى أموت ولم يعلم به النـاس

ولا يقال شكا من كان يعشـقـه

 

إن الشكاة لمن تهوى هي الياس

ولا أبوح بشيءٍ كنت أكـتـمـه

 

عند الجلوس إذا ما دارت الكاس

فقال المتوكل: أحسنت يا فضل. وأمر لي ولها بعشرين ألف درهم، ودخل إلى قبيحة فترضاها.

خرج مع جماعة إلى الشام فقطع عليهم الأعراب الطريق ففر أصحابه وثبت هو وقال شعراً: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد قال: خرج علي بن الجهم إلى الشام في قافلة، فخرجت عليهم الأعراب في خساف فهرب من كان في القافلة من المقاتلة، وثبت علي بن الجهم فقاتلهم قتالاً شديداً، وثاب الناس إليه فدفعهم ولم يحظوا بشيء. فقال في ذلك:

صبرت ومثلي صبره ليس ينكر

وليس على ترك التقحم يعـذر

غريزة حر لا اختلاق تكـلـفٍ

إذا خام في يوم الوغى المتصبر

ولما رأيت الموت تهفو بنـوده

وبانت علاماتٌ له ليس تنكـر

وأقبلت الأعراب من كل جانبٍ

وثار عجاجٌ أسود اللون أكـدر

بكل مشيحٍ مستميت مـشـمـرٍ

يجول به طرفٌ أقب مشمـر

بأرض خسافٍ حين لم يك دافعٌ

ولا مانعٌ إلا الصفيح المذكـر

فقلل في عيني عظم جموعهـم

عزيمة قلبٍ فيه ما جل يصغر

بمعتركٍ فيه المنـايا جـواسـرٌ

ونار الوغى بالمشرفية تسعـر

فما صنت وجهي عن ظبات سيوفهـم

ولا انحزت عنهم والقنا تـتـكـسـر

ولم أك في حر الكريهة محـجـمـاً

إذا لم يكن في الحرب للورد مصـدر

إذا ساعد الطرف الفتـى وجـنـانـه

وأسمر خطـي وأبـيض مـبـتـر

فذاك، وإن كان الكريم بـنـفـسـه ،

إذا اصطكت الأبطال في النقع عسكر

منعتـهـم مـن أن ينـالـوا قـلامةً

وكنت شجاهم والأسـنة تـقـطـر

وتلك سجـايانـا قـديمـاً وحـادثـاً

بها عرف الماضي وعز المـؤخـر

أبت لي قرومٌ أنجـبـتـنـي أن أرى

وإن جل خطبٌ خاشعاً أتـضـجـر

أولئك آل اللـه فـهـر بـن مـالـكٍ

بهم يجبر العظم الكسـير ويكـسـر

هم المنكب العالي على كل منـكـبٍ

سيوفهم تفني وتغـنـي وتـفـقـر            

قال إن أباه حبسه في الكتاب وهو صبي فكتب إلى أمه شعراً فكذبه إبراهيم بن المدبر: أخبرني عيسى بن الحسين الوراق والحسن بن علي قالا جميعاً حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عيسى بن أبي حرب قال حدثني علي بن الجهم قال: حبسني أبي في الكتاب، فكتبت إلى أمي:

يا أمتـا أفـديك مـن أم

 

أشكو إليك فظاظة الجهم

قد سرح الصبيان كلـهـم

 

وبقيت محصوراً بلا جرم

قال: وهو أول شعر قلته وبعثت به إلى أمي؛ فأرسلت إلى أبي: والله لئن لم تطلقه لأخرجن حاسرةً حتى أطلقه. قال عيسى فحدثت بهذا الخبر إبراهيم بن المدبر فقال: علي بن الجهم كذاب، وما يمنعه من أن يكون ولد هذا الحديث وقال هذا الشعر وله ستون سنة، ثم حدثكم أنه قاله وهو صغير، ليرفع من شأن نفسه !.

مدح أحمد بن أبي داود وكان منحرفاً عنه ليشفع له في حبسه فقعد عنه فهجاه وشمت به بعد أن نفاه المتوكل: أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال: كان أحمد بن أبي داود منحرفاً عن علي بن الجهم لاعتقاده مذهب الحشوية . فلما حبس علي بن الجهم مدح أحمد بن أبي داود عدة مدائح، وسأله أن يقوم بأمره ويشفع فيه، فلم يفعل وقعد عنه. فمنها قوله:

يا أحمد بن أبـي داودٍ إنـمـا

 

تدعى لكل عظيمةٍ يا أحـمـد

أبلغ أمير المؤمـنـين ودونـه

 

خوض الردى ومخاوفٌ لا تنفد

أنتم بنو عم النبـي مـحـمـد

 

أولى بما شرع النبي محـمـد

وهذه الأبيات من قصيدته التي أولها:

قالت حبست فقلت ليس بضائري

فلما نفى المتوكل أحمد بن أبي داود شمت به علي بن الجهم وهجاه فقال:

يا أحمد بـن أبـي داودٍ دعـوةً

 

بعثت إليك جـنـادلاً وحـديداً

ما هذه البدع التي سمـيتـهـا

 

بالجهل منك العدل والتوحـيدا

أفسدت أمر الدين حين ولـيتـه

 

ورميته بأبي الـولـيد ولـيدا

لا محكماً جزلاً ، ولا مستطرفاً

 

كهلاً، ولا مستحدثاً معـمـودا

شرهاً، إذا ذكر المكارم والعلا

 

ذكر القلايا مبـدئاً ومـعـيدا

ويود لو مسخت ربيعة كلـهـا

 

وبنـو إيادٍ صـحـفةً وثـريدا

وإذا تربع في المجالس خلتـه

 

ضبعاً وخلت بني أبيه قـرودا

وإذا تبسم ضاحكاً شـبـهـتـه

 

شرقاً تعجل شربـه مـردودا

لا أصبحت بالخير عينٌ أبصرت

 

تلك المناخر والثنايا الـسـودا

كتب من حبسه شعراً لطاهر بن عبد الله بن طاهر بن الحسين: أخبرني عمي قال حدثنا محمد قال: كتب علي بن الجهم إلى طاهر من الحبس :

إن كان لي ذنبٌ فلي حرمةٌ

 

والحق لا يدفعه الباطـل

وحرمتي أعظم من زلتـي

 

لو نالني من عدلكم نـائل

ولي حقوقٌ غير مجهـولةٍ

 

يعرفها العاقل والجاهـل

وكل إنسانٍ لـه مـذهـبٌ

 

وأهل ما يفعله الفـاعـل

وسيرة الأملاك منـقـولةٌ

 

لا جائرٌ يخفى ولا عـادل

وقد تعجلت الذي خفـتـه

 

منك ولم يأت الذي آمـل

شعره في مقين كان ينزل عنده في جماعة بالكرخ: حدثني عمي قال حدثنا محمد قال: كان علي بن الجهم يعاشر جماعةً من فتيان بغداد لما أطلق من حبسه ورد من النفي، وكانوا يتقاينون ببغداد، ويلزمون منزل مقين بالكرخ يقال له المفضل. فقال فيه علي بن الجهم:

نزلنا بباب الكرخ أطـيب مـنـزل

 

على محسناتٍ من قيان المفضـل

فلآبن سريجٍ والغريض ومـعـبـدٍ

 

بدائع في أسماعـنـا لـم تـبـدل

أوانس ما للضيف منهن حـشـمةٌ

 

ولا ربهن بالجلـيل الـمـبـجـل

يسر إذا ما للضـيف قـل حـياؤه

 

ويغفل عنه وهو غير مـغـفـل

ويكثر من ذم الـوقـار وأهـلـه

 

إذا الضيف لم يأنس ولـم يتـبـذل

ولا يدفع الأيدي الـمـريبة غـيرةً

 

إذا نال حظاً من لبوسٍ ومـأكـل

ويطرق إطراق الشجـاع مـهـابةً

 

ليطلق طرف الناظر المـتـأمـل

أشر بيدٍ واغمز بطرفٍ ولا تخـف

 

رقيباً إذا ما كنت غير مـبـخـل

وأعرض عن المصباح والهج بمثله

 

فإن خمد المصباح فـادن وقـبـل

وسل غير ممنوعٍ وقل غير مسكتٍ

 

ونم غير مذعورٍ وقم غير معجـل

لك البيت ما دامت هـداياك جـمةً

 

وكنت ملياً بالنبـيذ الـمـعـسـل

فبادر بأيام الـشـبـاب فـإنـهـا

 

تقضى وتفنى والغواية تنـجـلـي

ودع عنك قول الناس أتلف مـالـه

 

فلانٌ فأضحى مدبراً غير مقـبـل

هل الدهر إلا ليلةٌ طرحـت بـنـا

 

أواخرها في يوم لهوٍ مـعـجـل

سقى الله باب الكرخ من متـنـزهٍ

 

إلى قصر وضاحٍ فبـركة زلـزل

مساحب أذيال القيان ومـسـرح ال

 

حسان ومثوى كل خرقٍ مـعـذل

لو أن امرأ القيس بن حجرٍ يحلهـا

 

لأقصر عن ذكر الدخول وحومـل

إذاً لرأى أن يمنـح الـود شـادنـاً

 

مقصر أذيال القبا غير مـسـبـل

إذا اليل أدنى مضجعي منه لم يقـل

 

عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل

أنشد إبراهيم بن المدبر شعراً لنفسه فكذبه وقال إن الشعر لإبراهيم بن العباس: حدثني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال أنشدني علي بن الجهم لنفسه:

وإذا جزى الله أمرأً بفعالـه

 

فجزى أخاً لي ماجداً سمحا

ناديته عن كربةٍ فكأنـمـا

 

أطلعت عن ليلٍ به صبحا

فقلت له: ويلك ! هذا لإبراهيم بن العباس يقوله في محمد بن عبد الملك الزيات ! فجحدني وكابر. فدخل يوماً علي بن الجهم إلى إبراهيم بن العباس وأنا عنده. فلما رآني قال: اجتمع الإبراهيمان. فتركته ساعةً ثم أنشدت البيتين، وقلت لإبراهيم بن العباس: إن هذا يزعم أن هذين البيتين له. فقال: كذب، هذان لي في محمد ابن عبد الملك بن الزيات. فقال له علي بن الجهم بقحةٍ: ألم أنهك أن تنتحل شعري ! فغضب إبراهيم وجعل يقول له بيده: سوءةً عليك سوءةً لك ! ما أوقحك ! وهو لا ينكر في ذلك ولا يخجل. ثم التقينا بعد مدة فقال: أرأيت كيف أخزيت إبراهيم بن العباس !! فجعلت أعجب من صلابة وجهه.

شعر له في الفراق: حدثني عمي قال أنشدنا محمد بن سعد لعلي بن الجهم وفيه غناء:

اعلمي يا أحـب شـيءٍ إلـيا

 

أن شوقي إليك قاضٍ عـلـيا

إن قضى الله لي رجوعاً إليكم

 

لا ذكرت الفراق ما دمت حيا

إن حر الفراق أنحل جسمـي

 

وكوى القلب منك بالشوق كيا

كان محمد بن عبد الملك الزيات منحرفاً عنه ويسبعه عند الخليفة فهجاه: حدثني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال: كان محمد بن عبد الملك الزيات منحرفاً عن علي بن الجهم وكان يسبعه عند الخليفة ويعيبه ويذكره بكل قبيح. فقال فيه علي بن الجهم:

لعائن اللـه مـتـابـعـات

مصبحاتٍ ومـهـجـرات

على ابن عبد الملك الـزيات

عرض شمل الملك للشتات

وأنفذ الأحـكـام جـائرات

على كتـاب الـلـه ذاريات

وعن عقول الناس خارجات

يرمي الدواوين بتوقيعـات

معقداتٍ كرقـى الـحـيات

سبحان من جل عن الصفات

بعد ركوب الطوف في الفرات

وبعد بيع الزيت بالـحـبـات

صرت وزيراً شامخ الثـبـات

هارون يا ابن سيد السـادات

أما ترى الأمور مـهـمـلات

تشكو إليك عـدم الـكـفـاة

فعاجل العلج بـمـرهـفـات

من بعد ألفٍ صخب الأصوات

بمثمـراتٍ غـير مـورقـات

ترى بمتنـيه مـرصـفـات

ترصف الأسنان في اللثـات

             

استرفد عمر بن الفرج فلم يرفده ثم قبض على عمر فشمت وقال شعراً: أخبرني عمي قال حدثني محمد بن سعد قال: كان علي بن الجهم سأل عمر بن الفرج الرخجي معاونته، واسترفده في نكبته فلم يعاونه ولم يرفده، ثم قبض على عمر بن الفرج وأسلم إلى نجاح ليصادره. فقال علي بن الجهم له:

أبلغ نجاحاً فتى الفتـيان مـألـكةً

 

تمضي بها الريح إصداراً وإيرادا

لن يخرج المال عفواً من يدي عمرٍ

 

أو يغمد السيف في فوديه إغمـادا

الرخجيون لا يوفون مـا وعـدوا

 

والرخجيات لا يخلفـن مـيعـادا

قال وقال في عمر بن الفرج أيضاً:

جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما

 

تيه الملوك وأفعال الممـالـيك

أردت شكراً بلا بـرٍ ومـرزئةٍ

 

لقد سلكت طريقاً غير مسلـوك

ظننت عرضك لا يرمى بقارعةٍ

 

وما أراك على حالٍ بمتـروك

تمثل بشعره نديم لسليمان بن وهب وكان عربد عليه وأغضبه فرضي عنه: أخبرني عمي قال حدثني الحسن بن الحسن بن رجاء عن أبيه قال: كان لسليمان بن وهبٍ نديمٌ يأنس به ويألفه، فعربد عليه ليلةً من الليالي عربدةً قبيحةً، فاطرحه وجفاه مدة. فوقف له على الطريق. فلما مر به وثب إليه فقال له: أيها الوزير، ألا تكون في أمري كما قال علي بن الجهم:

القوم إخوان صدقٍ بينهم نسـب

 

من المودة لم يعدل بها نسـب

تراضعوا درة الصهباء بينـهـم

 

فأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب

لا تحفظن على السكران زلتـه

 

ولا تريبنك من أخلاقـه ريب

فقال له سليمان: قد رضيت عنك رضاً صحيحاً، فعد إلى ما كنت عليه من ملازمتي.
وأول هذه الأبيات:

الورد يضحك والأوتار تصطخـب

 

والناي يندب أشجاناً وينـتـحـب

والراح تعرض في نور الربيع كما

 

تجلى العروس عليها الدر والذهب

واللهو يلحق مغبوقاً بمصـطـبـحٍ

 

والدور سيان محثوثٌ ومنتـخـب

وكلما انسكبت في الـكـأس آونةً

 

أقسمت أن شعاع الشمس ينسكـب

أنشد عبد الله بن طاهر شعراً وكان مغتماً فسرى عنه: أخبرني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال حدثني أسلم مولى عبد الله بن طاهر قال: دخل علي بن الجهم يوماً على عبد الله بن طاهر في غدوة من غدوات الربيع وفي السماء غيم رقيق والمطر يجيء قليلاً ويسكن قليلاً، وقد كان عبد الله عزم على الصبوح. فغاضبته حظيةٌ له، فتنغص عليه عزمه وفتر. فخبر علي بن الجهم بالخبر وقيل له: قل في هذا المعنى شيئاً، لعله ينشط للصبوح. فدخل عليه فأنشده: صوت

أما ترى اليوم ما أحـلـى شـمـائلـه

 

صحـوٌ وغـيمٌ وإبـراقٌ وإرعـــاد

كأنـه أنـت يا مـن لا شـبـيه لــه

 

وصلٌ وهجـرٌ وتـقـريبٌ وإبـعـاد

فباكر الراح واشـربـهـا مـعـتـقةً

 

لم يدخر مثلـهـا كـسـرى ولا عـاد

واشرب على الروض إذ لاحت زخارفه

 

زهـــرٌ ونـــورٌ وأوراقٌ وأوراد

كأنما يومنا فـعـل الـحـبـيب بـنـا

 

بذلٌ وبـخـلٌ وإيعـادٌ ومـيعـــاد

وليس يذهب عنـي كـل فـعـلـكـم

 

غيٌ ورشـدٌ وإصـلاحٌ وإفـســـاد

فاستحسن الأبيات وأمر له بثلثمائة دينار؛ وحمله وخلع عليه، وأمر بأن يغنى في الأبيات. الغناء لبذل الطاهرية، خفيف رملٍ. وفيه لغيرها هزجٌ.

جلس في المقابر بعد خروجه من السجن

حدثني عمي قال حدثني محمد بن سعد قال حدثني رجلٌ من أهل خراسان قال: رأيت علي بن الجهم بعدما أطلق من حبسه جالساً في المقابر؛ فقلت له: ويحك ! ما يجلسك ها هنا؟ !فقال:

يشتاق كل غريب عند غربتـه

 

ويذكر الأهل والجيران والوطنا

 

وليس لي وطنٌ أمسيت أذكـره

 

إلا المقابر إذ صارت لهم وطنا            

شعر له وفيه غناء: حدثني عمي قال أنشدنا أحمد بن عبيد ومحمد بن سعد لعلي بن الجهم وفيه غناء: صوت

لو تنصلـت إلـينـا

 

لوهبنا لك ذنـبـك

بأبي ما أبغض العي

 

ش إذا فارقت قربك

ليتني أملك قلـبـي

 

مثل ما تملك قلبـك

أيها الواثق بـالـلـه

 

لقد ناصحت ربـك

ما رأى الناس إماماً

 

أنهب الأموال نهبك

أصبحت حجتك العل

 

يا وحزب الله حزبك

الغناء لعريب رملٌ. وفيه لغيرها هزجٌ.

مدح أبا أحمد بن الرشيد فلم يعطه شيئاً فهجاه: حدثني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال: كان علي بن الجهم قد مدح أبا أحمد بن الرشيد فلم يعطه شيئاً، فقال يهجوه:

يا أبـا أحـمـد لا ين

 

جي من الشعر الفرار

لبني العـبـاس أحـلا

 

مٌ عـظـامٌ ووقـار

ولهم في الحرب إقـدا

 

مٌ ورأيٌ واصطبـار

ولهـم ألـسـنةٌ تـب

 

ري كما تبري الشفار

ووجوهٌ كنجوم الـلـي

 

ل تهدي مـن يحـار

ونسيمٌ كنـسـيم الـرو

 

ض جادته القـطـار

ولعطفيك عن الـمـج

 

د شمـاسٌ وازورار

إن تكن منهم بـلا ش

 

كٍ فللـعـود قـتـار

رثى عبد الله بن طاهر بشعر وأنشده ابنه يعزيه: حدثني جحظة وعمي قالا حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: دخل إلينا علي بن الجهم بعقب موت أبي والمجلس حافلٌ بالمعزين، فمثل قائماً وأنشدنا يرثيه:

أي ركن وهى مـن الإسـلام

 

أي يومٍ أخنـى عـلـى الأيام

جل رزء الأمير عن كل رزءٍ

 

أدركته خـواطـر الأوهـام

سلبتنـا الأيام ظـلاً ظـلـيلاً

 

وأباحت حمىً عزيز المـرام

يا بني مصعبٍ حللتم من النـا

 

س محل الأرواح في الأجسام

فإذا رابكم من الـدهـر ريبٌ

 

عم ما خصكم جمـيع الأنـام

انظروا هل ترون إلا دموعـاً

 

شاهداتٍ على قلوبٍ دوامـي

من يداوي الدنيا ومن يكلأ المل

 

ك لدى فادح الخطوب العظام

نحن متنا بمـوتـه واجـل ال

 

خطب موت السادات والأعلام

لم يمت والأمير طاهـر حـيٌ

 

دائم الإنـتـقـام والإنـعـام

وهو من بعده نظام المعـالـي

 

وقوام الدنيا وسـيف الإمـام

قال: فما أذكر أني بكيت أو رأيت في دورنا باكياً أكثر من يومئذٍ.

غنت عريب المعتز بشعر له فطرب وفرق مالاً: حدثني عمي قال حدثنا أبو الدهقانة النديم قال: دخلنا يوماً إلى المعتز وهو مصطبحٌ على صوتٍ اختاره واقترحه على عريب، وأظن الصنعة لها، فلم يزل يشرب عليه بقية يومه، فلما سكر أمر لها بثلاثين ألف درهم، وفرق على الجلساء كلهم الجوائز والطيب والخلع. والصوت:

العين بعدك لم تنظر إلى حـسـنٍ

 

والنفس بعدك لم تسكن إلى سكن

كأن نفسي إذا ما غـبـت غـائبةٌ

 

حتى إذا عدت لي عادت إلى بدني

والشعر لعلي بن الجهم.
خرج مع عبد الله بن طاهر للصيد وشربوا فقال شعراً يصف ذلك: حدثني جحظة ومحمد بن خلف ووكيع وعمي قالوا جميعاً حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: لما أطلق أبي طاهرٌ علي بن الجهم من الحبس أقام معه بالشاذياخ مدةً. فخرجوا يوماً إلى الصيد، واتفق لهم مرجٌ كثير الطير والوحش، وكانت أيام الزعفران، فاصطادوا صيداً كثيراً حسناً، وأقاموا يشربون على الزعفران. فقال علي بن الجهم يصف ذلك:

وطئنا رياض الزعفران وأمسكـت

 

علينا البزاة البيض حمر الدرارج

 

ولم تحمها الأدغال مـنـا وإنـمـا

 

أبحنا حماها بالكلاب الـنـوابـج

 

بمستروحاتٍ سابحاتٍ بطـونـهـا

 

على الأرض أمثال السهام الزوالج

 

ومستشرفاتٍ بالهـوادي كـأنـهـا

 

وما عقفت منها رؤوس الصوالج

 

ومن دالعاتٍ ألسنـاً فـكـأنـهـا

 

لحىً من رجالٍ خاضعين كواسـج

فلينا بها الغيطان فلـياً كـأنـهـا

 

أنامل إحدى الغانيات الـحـوالـج

فقل لبغاة الصيد هل من مفـاخـرٍ

 

بصيدٍ وهل من واصفٍ أو مخارج

قرنا بزاةً بالصقـور وحـومـت

 

شواهيننا من بعد صيد الزمـامـج            

كتب من حبسه إلى المتوكل شعراً: حدثني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال: كتب علي بن الجهم إلى المتوكل وهو محبوس: صوت

أقلني أقالـك مـن لـم يزل

 

يقيك ويصرف عنك الردى

ويغذوك بالنعم السـابـغـات

 

ولـيداً وذا مـيعةٍ أمــردا

وتجري مقـاديره بـالـذي

 

تحب إلى أن بلغت المـدى

ويعليك حتى لو ان السمـاء

 

تنال لجاوزتها مـصـعـدا

فما بين ربك جـل اسـمـه

 

وبينك إلا نـبـي الـهـدى

فشـكـراً لأنـعـمـه إنـه

 

إذا شكرت نـعـمةٌ جـددا

وعفوك من مذنبٍ خـاضـعٍ

 

قرنت المقيم به المقـعـدا

إذا ادرع الليل أفضـى بـه

 

إلى الصبح من قبل أن يرقدا

عفا الله عـنـك ألا حـرمةٌ

 

تعوذ بفضلـك أن أبـعـدا

لئن جل ذنبً ولم أعـتـمـد

 

لأنـت أجـل وأعـلـى يدا

ألم تر عبـداً عـدا طـوره

 

ومولىً عفا ورشيداً هـدى

ومفسـد أمـرٍ تـلافـيتـه

 

فعاد فأصلح مـا أفـسـدا

فلا عدت أعصيك فيما أمـر

 

ت حتى أزور الثرى ملحدا

وإلا فخالفت رب السـمـاء

 

وخنت الصديق وعفت الندى

وكنت كعزون أو كابن عمرو

 

مبيح العيال لـمـن أولـدا

يكثر في البيت صـبـيانـه

 

يغيظ بهم معشـراً جـسـدا

شمت بأحمد بن أبي داود حين فلج وقال شعراً يهجوه: حدثني عمي قال حدثنا محمد بن سعد قال: لما فلج ابن أبي داود شمت به علي بن الجهم وأظهر ذلك له وقال فيه:

لم يبق منك سوى خيالك لامعـاً

 

فوق الفراش ممهداً بـوسـاد

فرحت بمصرعك البرية كلهـا

 

من كان منهم موقناً بـمـعـاد

كم مجلسٍ لله قد عـطـلـتـه

 

كي لا يحدث فيه بـالإسـنـاد

ولكم مصابيحٍ لنا أطـفـأتـهـا

 

حتى يزول عن الطريق الهادي

ولكم كريمة معشرٍ أرملتـهـا

 

ومحدثٍ أوثقـت فـي الأقـياد

إن الأسارى في السجون تفرجوا

 

لما أتتك مـواكـب الـعـواد

وغدا لمصرعك الطبيب فلم يجد

 

شيئاً لدائك حـيلة الـمـرتـاد

فذق الهوان معجلاً ومـؤجـلاً

 

والله رب العرش بالمـرصـاد

لا زال فالجك الذي بـك دائبـاً

 

وفجعت قبل المـوت بـالأولاد

شعر له غنت فيه عريب: أنشدني عمي لابن الجهم وفيه غناء لعريب:

نطق الهوى بجوىً هو الحق

 

وملكتني فليهـنـك الـرق

رفقاً بقلـبـي يا مـعـذبـه

 

رفقاً وليس لظـالـمٍ رفـق

وإذا رأيتك لا تكـلـمـنـي

 

ضاقت علي الأرض والأفق

وأنشدني له وفيه غناء أيضاً، ويقال إنه آخر شعر قاله:

يا رحمةً للغريب بالبلد الن

 

ازح ماذا بنفسه صنعـا

فارق أحبابه فما انتفعـوا

 

بالعيش بعده وما انتفعـا

هجا مغنياً بشعر: وقال لمغنٍ حضر معه مجلساً وكان غير طيب:

كنت في مجلس فقال مغني ال

 

قوم كم بيننا وبين الـشـتـاء

فذرعت البساط مـنـي إلـيه

 

قلت هذا المقدار قبل الغنـاء

فإذا ما عزمت أن تتـغـنـى

 

آذن الحر كله بانـقـضـاء

استشفع بقبيحة إلى المتوكل وهو في حبسه فأرسلت إليه ابنها المعتز: أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني عبد الله بن المعتز قال: لما حبس أمير المؤمنين المتوكل علي بن الجهم، وأجمع الجلساء على عداوته وإبلاغ الخليفة عنه كل مكروه ووصفهم مساويه، قال هذه القصيدة يمدحه ويذكره حقوقه عليه، وهي:

عفا الله عنك ألا حرمةٌ

 

تعوذ بعفوك أن أبعدا

ووجه بها إلى بيدون الخادم، فدخل بها إلى قبيحة وقال لها: إن علي بن الجهم قد لاذ بك وليس له ناصرٌ سواك، وقد قصده هؤلاء الندماء والكتاب لأنه رجل من أهل السنة وهم روافض، فقد اجتمعوا على الإغراء بقتله. فدعت المعتز وقالت له: اذهب بهذه الرقعة يا بني إلى سيدك وأوصلها إليه، فجاء بها ووقف بين يدي أبيه. فقال له: ما معك فديتك؟ فدنا منه وقال: هذه رقعة دفعتها إلي أمي. فقرأها المتوكل وضحك. ثم أقبل عليهم فقال: أصبح أبو عبد الله – فديته -خصمكم. هذه رقعة علي بن الجهم يستقيل ، وأبو عبد الله شفيعه، وهو ممن لا يرد، وقرأها عليهم. فلما بلغ إلى قوله:

فلا عدت أعصيك فيما أمرت

 

إلى أن أحل الثرى ملحـدا

وإلا فخالفت رب السـمـاء

 

وخنت الصديق وعفت الندى

وكنت كعزون أو كابن عمرو

 

مبيح العيال لـمـن أولـدا

وثب ابن حمدون وقال للمعتز: يا سيدي فمن دفع هذه الرقعة إلى السيدة؟ قال بيدون الخادم: أنا. فقالوا له: أحسنت. تعادينا وتوصل رقعة عدونا في هجائنا !! فانصرف بيدون وقام المعتز فانصرف. واستلب ابن حمدون قوله:

وكنت كعزون أو كابن عمرو

 

مبيح العيال لـمـن أولـدا

فجعل ينشدهم إياه وهم يشتمون ابن حمدون ويضجون والمتوكل يضحك ويصفق ويشرب حتى سكر ونام، وسرقوا قصيدته من بين يدي المتوكل وانصرفوا، ولم يوقع بإطلاقه ونسيه. فقالوا لابن حمدون: ويلك ! تعيد هجاءنا وشتمنا !! فقال: يا حمقى والله لو لم أفعل ذلك فيضحك ويشرب حتى يسكر وينام لوقع في إطلاقه ووقعنا معه في كل ما نكره.

هنأ المتوكل بفتح أرمينية: أخبرني علي بن الحسين قال حدثني جعفر بن هارون بن زياد قال حدثني أحمد بن حمدون قال: لما افتتحت أرمينية وقتل إسحاق بن إسماعيل دخل علي بن الجهم فأنشد المتوكل قصيدته التي يهنيه فيها بالفتح ويمدحه، فقال فيها وأومأ بيده إلى الرسول الوارد بالفتح وبرأس إسحاق بن إسماعيل:

أهلاً وسهلاً بك من رسول

 

جئت بما يشفي من الغليل

بجملةٍ تغني عن التفصـيل

 

برأس إسحاق بن إسماعيل

قهراً بلا ختلٍ ولا تطويل

 

 

فاستحسن جميع من حضر ارتجاله هذا وابتداءه، وأمر له المتوكل بثلاثين ألف درهم، وتمم القصيدة. وفيها يقول:

جاوز نهر الكر بـالـخـيول

 

تردي بفتيانٍ كأسـد الـغـيل

معوداتٍ طـلـب الـذحـول

 

خزر العيون طيبي النصـول

شعثٌ على شعثٍ من الفحول

 

جيشٌ يلف الحزن بالسهـول

كأنه مـعـتـلـج الـسـيول

 

يسوسه كهلٌ من الكـهـول

لا ينثني للصعـب والـذلـول

 

على أغر واضح الحـجـول

حتى إذا أصحر للمـخـذول

 

ناجزه بـصـارمٍ صـقـيل

ضرباً طلحفاً ليس بالقـلـيل

 

ومنجنيق مثل حلق الـفـيل

ترفض عن خرطومه الطويل

 

صواعقٌ من حجر السجـيل

تترك كيد القوم في تضـلـيل

 

ما كان إلا مثل رجع القـيل

حتى انجلت عن حزبه المفلول

 

وعن نساءٍ حـسـرٍ ذهـول

صوارخٍ يعثرون في الـذيول

 

ثواكل الأولاد والـبـعـول

لا والذي يعرف الـعـقـول

 

من غير تحديدٍ ولا تمـثـيل

ما قام للـه ولا لـلـرسـول

 

بالدين والدنيا وبالـتـنـزيل

خليفةٌ كجعفر الـمـأمـول

 

 

مدح المتوكل بقصيدة وأرسلها من حبسه مع علي بن يحيى: أخبرني علي بن العباس قال حدثني محمد بن عبد السلام قال: رأيت مع علي بن يحيى المنجم قصيدة علي بن الجهم يمدح المتوكل ويصف الهاروني ، فقلت له: يا أبا الحسن، ما هذه القصيدة معك؟ فضحك وقال: قصيدةٌ لعلي بن الجهم سألني عرضها على أمير المؤمنين فعرضتها. فلما سمع قوله:

وقـبة مـلـكٍ كـأن الـنـجـو

 

م تصغي إليهـا بـأسـرارهـا

تخر الـوفـود لـهـا سـجـداً

 

إذا ما تجـلـت لأبـصـارهـا

وفوارة ثأرها فـي الـسـمـاء

 

فليست تقصـر عـن ثـارهـا

ترد على المـزن مـا أنـزلـت

 

إلى الأرض من صوب مدرارها

تهلل وجهه واستحسنها. فلما انتهيت إلى قوله:

تبوأت بعدك قعر السجون

 

وقد كنت أرثي لزوارها

غضب وتربد وجهه وقال: هذا بما كسبت يداه، ولم يسمع تمام القصيدة.

شاع مذهبه وشره فسافر لحلب فقتل في الطريق وقال شعراً قبل موته: أخبرني علي بن العباس قال حدثني الحسين بن موسى قال: لما شاع في الناس مذهب علي بن الجهم وشره وذكره كل أحدٍ بسوءٍ من صديقه وعدوه تحاماه الناس، فخرج عن بغداد إلى الشام، فاتفقنا إلى قافلةٍ إلى حلب. وخرج علينا نفرٌ من الأعراب، فتسرع إليهم قومٌ من المقاتلة، وخرج فيهم فقاتل قتالاً شديداً وهزم الأعراب. فلما كان من غدٍ خرج علينا منهم خلقٌ كثير، فتسرعت إليهم المقاتلة وخرج فيهم فأصابته طعنةٌ قتلته، فجئنا به واحتملناه وهو ينزف دمه. فلما رآني بكى وجعل يوصيني بما يريد. فقلت له: ليس عليك بأس. فلما أمسينا قلق قلقاً شديداً وأحس بالموت، فجعل يقول:

أزيد في الليل لـيل

 

أم سال بالصبح سيل

ذكرت أهل دجـيلٍ

 

وأين منـي دجـيل

فأبكى كل من كان في القافلة، ومات مع السحر، فدفن في ذلك المنزل على مرحلة من حلب.
ومن صنعة أبي عيسى بن المتوكل صوت

إن الناس غطوني تغطيت عنهم

 

وإن بحثوا عني ففيهم مباحـث

وإن حفروا بئري حفرت بئارهم

 

فسوف ترى ماذا تثير النبـائث

الشعر لأبي دلامة. والغناء لأبي عيسى بن المتوكل، ولحنه ثقيلٌ أول عن المعتز.