أخبار علويه ونسبه

أخبار علويه ونسبه

نسب علويه وأصله: هو علي بن عبد الله بن سيف . وكان جده من السغد الذين سباهم الوليد بن عثمان بن عفان واسترق منهم جماعةً اختصهم بخدمته، وأعتق بعضهم، ولم يعتق الباقين فقتلوه. وذكر ابن خرداذبه، وهم ممن لا يحصل قوله ولا يعتمد عليه، أنه من أهل يثرب مولى بني أمية، والقول الأول أصح .

مهارته في الغناء والضرب وبعض أخلاقه ونشأته وسبب وفاته: ويكنى علويه أبا الحسن. وكان مغنياً حاذقاً، ومؤدباً محسناً، وصانعاً متفنناً، وضارباً متقدماً، مع خفة روح، وطيب مجالسة، وملاحة نوادر. وكان إبراهيم الموصلي علمه وخرجه وعني به جداً، فبرع وغنى لمحمد الأمين، وعاش أيام المتوكل، ومات بعد إسحاق الموصلي بمديدةٍ يسيرةٍ. وكان سبب وفاته أنه خرج به جرب، فشكاه إلى يحيى بن ماسويه، فبعث إليه بدواءٍ مسهلٍ وطلاء، فشرب الطلاء واطلى بالدواء المستهل، فقتله ذلك. وكان إسحاق يتعصب له في أكثر أوقاته على مخارق. فأما التقديم والوصف فلم يكن إسحاق يرى أحداً من جماعته لهما أهلاً، فكانوا يتعصبون عليه لإبراهيم بن المهدي، فلا يضره ذلك مع تقدمه وفضله .

رأي إسحاق الموصلي فيه وفي مخارق: أخبرني محمد بن مزيدٍ قال حدثنا حماد بن إسحاق قال: قلت لأبي: أيما أفضل عندك مخارق أو علويه؟ فقال: يا بني علويه أعرفهما فهماً بما يخرج من رأسه وأعلمهما بما يغنيه ويؤديه، ولو خيرت بينهما من يطارح جواري أو شاورني من يستنصحني لما أشرت إلا بعلويه؛ لأنه كان يؤدي الغناء، وصنع صنعةً محكمةً. ومخارق بتمكنه من حلقه وكثرة نعمه لا يقنع بالأخذ منه؛ لأنه لا يؤدي صوتاً واحداً كما أخذه ولا يغنيه مرتين غناءً واحداً لكثرة زوائده فيه. ولكنهما إذا اجتمعا عند خليفةٍ أو سوقةٍ غلب مخارق على المجلس لطيب صوته وكثرة نغمه .

حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله بن حمدون قال حدثني أبي قال: اجتمعت مع إسحاق يوماً في بعض دور بني هاشم، وحضر علويه فغنى أصواتاً ثم غنى من صنعته: صوت:

ونبئت ليلى أرسلت بشفاعةٍ

 

إلي فهلا نفس ليلى شفيعها

ولحنه ثاني ثقيل فقال له إسحاق: أحسنت والله يا أبا الحسن! أحسنت ما شئت !. فقام علوية من مجلسه فقبل رأس إسحاق وعينيه وجلس بين يديه وسر بقوله سروراً شديداً، ثم قال: أنت سيدي وابن سيدي، وأستاذي وابن أستاذي، ولي إليك حاجة. قال: قل، فوالله إني أبلغ فيها ما تحب. قال: أيما أفضل عندك أنا أو مخارق؟ فإني أحب أن أسمع منك في هذا المعنى قولاً يؤثر ويحكيه عنك من حضر، فتشرفني به. فقال إسحاق: ما منكم إلا محسن مجمل، فلا ترد أن ترى في هذا شيئاً. قال: سألتك بحقي عليك وبتربية أبيك وبكل حقٍ تعظمه إلا حكمت. فقال: ويحك! والله لو كنت أستجيز أن أقول غير الحق لقلته فيما تحب، فأما إذ أبيت إلا ما ذكرت فهاك ما عندي: فلو خيرت أنا من يطارح جواري أو يغنيني لما اخترت غيرك، ولكنما إذا غنيتما بين يدي خليفةٍ أو أمير غلبك على إطرابه واستبد عليك بجائزته. فغضب علويه وقام وقال: أفٍ من رضاك وغضبك! .
شاع له صوت كان الناس يظنونه لإسحاق: حدثني جعفر بن قدامة قال علي بن يحيى المنجم قال: قدمت من سر من رأى قدمةً إلى بغداد، فلقيت أبا محمد إسحاق بن إبراهيم الموصلي، فجعل يسألني عن أخبار الخليفة وأخبار الناس حتى انتهى إلى ذكر الغناء، فقال: أي شيء رأيت الناس يستحسونه في هذه الأيام من الأغاني، فإن الناس ربما لهجوا بالصوت بعد الصوت؟ فقلت: صوتاً من صنعتك. فقال: أي شيء هو؟ فقلت: صوت:

ألا يا حمامي قصر دوران هجتما

 

بقلبي الهوى لما تغنيتـمـا لـيا

وأبكيتماني وسط صحبتي ولم أكن

 

أبالي دموع العين لو كنت خاليا

فضحك وقال: ليس هذا لي، هذا لعلويه، ولقد لعمري أحسن فيه وجود ما شاء .

لحن علويه في هذين البيتين ثاني ثقيلٍ بالوسطى .

أتاه بعض أصحابه فأطعمهم وغناهم ألحاناً لهم: حدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال حدثني أحمد بن محمد بن عبد الله الأبزاري قال: أتيت علويه يوماً بالعشي، فوجدت عنده خاقان بن حامدٍ وعبد الله بن صالح صاحب المصلى، وكنت حملت معي قفص فراريج كسكرية مسمنة وجرابي دقيق سميذٍ ، فسلمته إلى غلامه، وبعث إلى بشر بن حارثة: أطعمنا ما عندك، فلم يزل يطعمنا فضلاتٍ حتى أدرك طعامه، ثم بعث إلى عبد الوهاب بن الخصيب بن عمرو فحضر، وقدم الطعام فأكل وأكلنا أكل معذرين ، ثم قال: إني صنعت البارحة لحناً أعجبني ن فأسمعوه وقولوا فيه ما عندكم، وغنانا فقال: صوت:

هزئت عميرة أن رأت ظهري انحنى

 

وذؤابتي علت بـمـاء خـضـاب

لا تهزئي مني عـمـير فـإنـنـي

 

محض كريم شيبتـي وشـبـابـي

لحن علويه في هذين البيتين من الثقيل الثاني بالوسطى فقلنا له: حسن والله جميل يا أبا الحسن، وشربنا عليه أقداحاً. ثم استؤذن لعثعثٍ غلام أحمد بن يحيى بن معاذ، فأذن له، ومع عثعث كتاب من مولاه أحمد بن يحيى: سمعت يا سيدي منك صوتاً عند أمير المؤمنين يعني المعتصم ، فأحب أن تتفضل وتطرحه على عبدك عثعث. وهو: صوت:

فوا حسرتا لم أقض منك لبـانةً

 

ولم أتمتع بالجوار وبالـقـرب

يقولون هذا آخر العهد منـهـم

 

فقلت وهذا آخر العهد من قلبي

لحن علويه في هذا الشعر ثقيل أول، وهو من مقدم أغانيه وصدورها. وأول هذا الصوت:

ألا يا حمام الشعب شعـب مـورقٍ

 

سقتك الغوادي من حمامٍ ومن شعب

قال: وإذا مع حسين رقعة من مولاه: سمعتك يا سيدي تغني عند الأمير أبي إسحاق إبراهيم ابن المهدي:

ألا يا حمامي قصر دوران هجمتما

 

بقلبي الهوى لما تغنـيتـمـا لـيا

أحب أن تطرحه على عبدك حسين. قال: فدعا بغلامٍ له يسمى عبد آل فطحه عليه حتى أحكماه ثم عرضاه عليه حتى صح لهما. فلما أعلم أنه مر لنا يوم يقارب طيب ذلك اليوم وحسنه .

وصف الواثق له: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: سمعت أبي يقول سمعت الواثق يقول: علويه أصح الناس صنعة بعد إسحاق، وأطيب الناس صوتاً بعد مخارق، وأضرب الناس بعد ربربٍ وملاحظ، فهو مصلي كل سابقٍ قادرٍ، وثاني كل أول واصلٍ متقدمٍ. قال: وكان الواثق يقول: غناء علويه مثل نقر الطست يبقى ساعةً في السمع بعد سكوته .

خطأ إسحاق لحناً غناه المعتصم فرد هو عليه: نسخت من كتاب أبي العباس بن ثوابة بخطة: حدثني أحمد بن إسماعيل أبو حاتم قال حدثني عبد الله بن العباس الربيعي قال: اجتمعت يوماً بين يدي المعتصم وحضر إسحاق الموصلي، فغنى علويه:

لعبدة دار ما تكلمـنـا الـدار

 

تلوح مغانيها كما لاح أسطار

فقال إسحاق: أخطأت فيه، ليس هو كذلك. فغضب علويه وقال: أم من أخذنا عنه هكذا زانية. فقال إسحاق: وشتمنا قبحه الله، ، وسكت وبان ذلك فيه. قال: وكان علويه أخذه من أبيه .

كان أعسر وعوده مقلوب الأوتار: حدثني عمي قال حدثنا هارون بن مخارق قال: كان علويه أعسر وكان عوده مقلوب الأوتار: البم أسفل الأوتار كلها، ثم المثلث فوقه، ثم المثنى، ثم الزير، وكان عوده إذا كان في يد غيره على هذه الصفة، وإذا كان معه أخذه باليمنى وضرب باليسرى، فيكون مستوياً في يده ومقلوباً في يد غيره .

كان بينه وبين ابن أخته الخلنجي القاضي منازعة فغنى بشعره للمأمون فعزله عن القضاء: أخبرنا محمد بن خلفٍ وكيع قال كان الخلنجي القاضي، واسمه عبد الله بن محمد ، ابن أخت علويه المغني، وكان تياهاً صلفاً، فتقلد في خلافة الأمين قضاء الشرقية ، فكان يجلس إلى أسطوانة من أساطين المسجد فيستند إليها بجميع جسده ولا يتحرك، فإذا تقدم إليه الخصمان أقبل عليهما بجميع جسده وترك الاستناد حتى يفصل بينهما ثم يعود لحاله. فعمد بعض المجان إلى رقعةٍ من الرقاع التي يكتب فيها الدعاوى فألصقها في موضع ذنبته بالدبق ومكن منها الدبق. فلما تقدم إليه الخصوم وأقبل عليهم بجميع جسده كما كان يفعل انكشفت رأسه وبقيت الذنبة موضعها مصلوبة ملتصقةً، فقام الخلنجي مغضباً وعلم أنها حيلة وقعت عليه، فغطى رأسه بطيلسانه وقام وانصرف وتركها مكانها، حتى جاء بعض أعوانه فأخذها. وقال بعض شعراء ذلك العصر فيه هذه الأبيات:

إن الخلنجي من تـتـايهـه

 

أثقل بادٍ لنا بطـلـعـتـه

ما إن لذي نخوةٍ منـاسـبةٍ

 

بين أخاوينه وقصـعـتـه

يصالح الخصم من يخاصمه

 

خوفاً من الجور في قضيته

لو لم تدبقه كف قانـصـه

 

لطار تيهاً على رعـيتـه

قال وشهرت الأبيات والقصة ببغداد، وعمل له علويه حكايةً أعطاها للزفانين والمخنثين فأحرجوه فيها، وكان علويه يعاديه لمنازعةٍ كانت بينهما ففضحه، واستعفى الخلنجي من القضاء ببغداد وسأل أن يولى بعض الكور البعيدة، فولي جند دمشق أو حمص. فلما ولي المأمون الخلافة غناه علويه بشعر الخلنجي فقال:

برئت من الإسلام إن كـان ذا الـذي

 

أتاك به الواشون عني كمـا قـالـوا

ولـكـنـهـم لـمـا رأوك غـرية

 

بهجري تواصوا بالنميمة واحتـالـوا

فقد صرت أذناً للـوشـاة سـمـيعةً

 

ينالون من عرضي وإن شئت ما نالوا

فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ فقال: قاضي دمشق. فأمر المأمون بإحضاره، فكتب إلى صاحب دمشق بإشخاصه فأشخص، وجلس المأمون للشرب وأحضر علويه، ودعا بالقاضي فقال له: أنشدني قولك:

برئت من الإسلام إن كان ذا الذي

 

أتاك به الواشون عني كما قالوا

فقال له: يا أمير المؤمنين هذه أبيات قلتها منذ أربعين سنةً وأنا صبي، والذي أكرمك بالخلافة وورثك ميراث النبوة ما قلت شعراً منذ أكثر من عشرين سنةً إلا في زهدٍ أو عتاب صديق. فقال له: اجلس فجلس، فناوله قدح نبيذ التمر أو الزبيب. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرف شيئاً منها. فأخذ القدح من يده وقال: أما والله لو شربت شيئاً من هذا لضربت عنقك، وقد ظننت أنك صادق في قولك كله، ولكن لا يتولى لي القضاء رجل بدأ في قوله بالبراءة من الإسلام، انصرف إلى منزلك. وأمر علويه فغير الكلمة وجعل مكانها: حرمت مناي منك .

ضربه الأمين بوشاية ابن الربيع ثم تقرب بذلك إلى المأمون فلم ير منه ما يحب: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال: كان علويه بين يدي الأمين، فغنى في بعض غنائه:

ليت هنداً أنجزتنا ما تعد

 

وشفت أنفسنا مما تجد

وكان الفضل بن الربيع يطعن عليه، فقال للأمين: إنما يعرض بك ويستبطئ المأمون في محاربته، فأمر به فضرب خمسين سوطاً وجر برجله، وجفاه مدةً، حتى ألقى نفسه على كوثرٍ فترضاه له ورد إلى خدمته، وأمر له بخمسة آلاف دينار. فلما قدم المأمون تقرب إليه بذلك، فلم يقع له بحيث يحب، وقال له: إن الملك بمنزلة الأسد أو النار، فلا تتعرض لما يغضبه، فإنه ربما جرى منه ما يتلفك ثم لا تقدر بعد ذلك على تلافي ما فرط منه ، ولم يعطه شيئاً .

غضب الأمين على إبراهيم الموصلي بعد موته لتقديم اسم المأمون عليه في شعره وترضاه ابنه إسحاق: ومثل هذا من فعل الأمين، ما حدثني به محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال: دخلت على الأمين فرأيته مغضباً كالحاً، فقلت له: ما لأمير المؤمنين تمم الله سروره ولا نغصه أراه كالحائر؟ قال: غاظني أبوك الساعة لا رحمه الله! والله لو كان حياً لضربته خمسمائة سوطٍ، ولولاك لنبشت الساعة قبره وأحرقت عظامه. فقمت على رجلي وقلت: أعوذ بالله من سخطك يا أمير المؤمنين! ومن أبي وما مقداره حتى تغتاظ منه! وما الذي غاظك فلعل له فيه عذراً؟ فقال: شدة محبته للمأمون وتقديمه إياه حتى قال في الرشيد شعراً يقدمه فيه علي وغناه فيه، وغنيته الساعة فأورثني هذا الغيظ. فقلت: والله ما سمعت بهذا قط ولا لأبي غناء إلا وأنا أرويه، ما هو؟ فقال قوله:

أبو المأمون فينا والأمين

 

له كنفان من كرمٍ ولين

فقلت له: يا أمير المؤمنين لم يقدم المأمون في الشعر لتقديمه إياه في الموالاة، ولكن الشعر لم يصح وزنه إلا هكذا. فقال: كان ينبغي له إذا لم يصح الشعر إلا هكذا أن يدعه إلى لعنة الله. فلم أزل أداريه وأرفق به حتى سكن. فلما قدم المأمون سألني عن هذا الحديث فحدثته به، فجعل يضحك ويعجب منه .

مدحه عبد الله بن طاهر: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: سمعت أبي يقول: لو خيرت لوناً من الطعام لا أزيد عليه غيره لاخترت الدراجة ؛ لأني إن زدت في خلها صارت سكباجة ، وإن زدت في مائها صارت إسفيد باجةً ، وإن زدت في تصبيرها بل في تشييطها صارت مطجنة ، ولو اقتصرت على رجل واحد لما اخترت سوى علويه؛ لأنه إن حدثني ألهاني، وإن غناني أشجاني، وإن رجعت إلى رأيه كفاني .

حضر عند سعيد بن عجيف فأكرمه ثم طلبه عجيف: حدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد الأبزاري قال: كنت عند سعيد بن عجيفٍ أنا وعبد الوهاب بن الخصيب وعبد الله بن صالح صاحب المصلى، إذ دخل عليه حاجبه فقال له: علويه بالباب، فأذن له فدخل. فقال له: لا تحمدني فإني لم يجئني رسول رجلٍ اليوم، فعرضت إخواني جميعاً على قلبي فلم يقع عليه غيرك. فدعا له ببرذونٍ أدهم بسرجه ولجامه فأهداه إليه، وجلسنا نشرب وعلويه يغني. فلما توسطنا أمرنا جاء رسول عجيفٍ يطلبه في منزله، فقالوا له: هو عند ابنه سعيد. فأتاه الرسول فقال له: أجب الأمير. فقلنا: هذا شيء ليس فيه حيلة. وقد جاء الرسول وهو يغني: صوت:

ألم تر أني يوم جـو سـويقةٍ

 

بكيت فنادتني هنيدة مـا لـيا

فقلت لها إن البكـاء لـراحة

 

به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا

لحن علويه في هذا رمل. والشعر للفرزدق قال: فقام علويه ثم قال: هو ذا، أمضي إلى الأمير فأحدثه بحديثنا وأستأذنه في الانصراف بوقتٍ يكون فيه فضل لكم. فانصرف بعد المغرب ومعه جام، فيه مسك وعشرة آلاف درهمٍ ومنيان فيهما رماطون ، فقال: جئت أشرب عندكم، وآخذه وأنصرف إلى إنسانٍ له عندي أيادٍ يعني علي بن معاذٍ أخا يحيى ابن معاذ فلم يزل عندنا حتى هم بالانصراف. فلما رأيت ذلك فيه قمت قبله فأتيت منزل علي ابن معاذٍ، فقيل له: ابن الأبزاري بالباب. فبعث إلي: إن أردت مضاء فخذه يعني غلاماً كان يغني ، فقلت له: لست أريده، إنمكا أريدك أنت، فأذن لي فدخلت. فقال: ألك حاجة في هذا الوقت؟ فقلت: الساعة يجيئك علويه. فقال: وما يدريك؟ فحدثته بالحديث. ودخل علويه، فقال لي: ما جاء بك إلى ها هنا فقلت : ما كنت لأدع بقية ليلتي هذه تضيع، فما زال يغنينا ونشرب حتى نام الناس ثم انصرفنا .

فضله عمرو بن بانة على نفسه: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثنا هارون بن مخارق قال حدثني أبي قال: قلت لعمرو بن بانة: أيما أجود صنعتك أم صنعة علويه؟ فقال: صنعة علويه، لأنه ضارب وأنا مرتجل. ثم أطرق ساعة وقال: لا أكذبك يا أبا المهنأ والله ما أحسن أن أصنع مثل صنعة علويه:

فوا حسرتا لم أقض منك لبانةً

 

ولم أتمتع بالجوار وبالقرب

ولا مثل صنعته:

هزئت أميمة أن رأت ظهري انحنى

 

وذؤابتي علت بـمـاء خـضـاب

ولا مثل صنعته:

ألا يا حمامي قصر دوران هجتما

 

لقلبي الهوى لما تغنيتـمـا لـيا

وقد مضت نسبة هذه الأصوات .
غنى في شعر هجى به علي بن الهيثم فأغرى الفضل بن الربيع به الأمين حتى ضربه ثم رضي عنه: حدثني جحظة قال حدثني أحمد بن الحسين بن هشام أبو عبد الله قال حدثني أحمد بن الخليل ابن هشام قال: كان بين علويه وبين علي بن الهيثم جونقا شر في عربدةٍ وقعت بينهما بحضرة الفضل بن الربيع وتمادى الشر بينهما، فغنى علويه في شعرٍ هجاه به أبو يعقوب في حاجة، فهجاه وذكر أنه دعي. وكان جونقا يدعي أنه من بني تغلب، فقال فيه أبو يعقوب:

يا علي بن هيثمٍ يا جونـقـا

 

أنت عندي من الأراقم حقا

عربي وجـده نـبـطـي!

 

فدبنقا لذا الحديث دبـنـقـا

قد أصابتك في التقرب عين

 

فاستنارت لشهبها الفلك برقا

وإذا قال إنـنـي عـربـي

 

فانتهزه وقل له أنت شفقـا

وللخريمي فيه أهاجٍ كثيرة نبطية فغنى علويه لحناً صنعه في هذه الأبيات بحضرة الأمين وكان الفضل بن الربيع حاضراً فقال: يا أمير المؤمنين علي بن الهيثم كابني، وإذا استخف به فإنما استخف بي. فقال الأمين: خذوه، فأخذوه وضرب ثلاثين درةً، وأمر بإخراجه. فطرح علويه نفسه على كوثرٍ فاستصلح له الفضل بن الربيع، وترضى له المين حتى رضي عنه ووهب له خمسة آلاف دينار .

ادعى أنه لو شاء جعل الغناء كالجوز فرد عليه إسحاق بما أخجله: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني مخارق قال: غنى علويه يوماً بحضرة الواثق هذا الصوت: صوت:

من صاحب الدهر لم يحمد تصرفه

 

عناً وللدهـر إحـلاء وإمـرار

ولحنه ثقيل أول فاستحسنه الواثق وطرب عليه. فقال علويه: والله لو شئت لجعلت الغناء في أيدي الناس أكثر من الجوز، وإسحاق حاضر بين يدي الواثق، فتضاحك ثم قال: يا أبا الحسن، إذا تكون قيمته مثل قيمة الجوز، ليتك إذ قللته صنعت شيئاً، فكيف إذا كثرته! فخجل علويه حتى كأنما ألقمه إسحاق حجراً، ما انتفع بنفسه يومئذٍ .

ترك موعد المأمون ليذهب إلى عريب ثم غناه بما صنعاه فاستظرفه: حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني عبد الله بن المعتز قال حدثني عبد الله الهشامي قال: قال لي علويه: أمرنا المأمون أن نباكره لنصطبح، فلقيني عبد الله بن إسماعيل المراكبي مولى عريب، فقال: أيها الظالم المعتدي أما ترحم ولا ترق، عريب هائمة من الشوق إليك تدعو الله وتستحكمه عليك وتحلم بك في نومها كل ليلة ثلاث مرات. قال علويه: فقلت أم الخلافة زانية، ومضيت معه. فحين دخلت قلت: استوثق من الباب، فأنا أعرف الناس بفضول الحجاب، فإذا عريب جالسة على كرسي تطبخ ثلاث قدور من دجاجٍ. فلما رأتني قامت فعانقتني وقبلتني وقالت: أي شيء تشتهي؟ فقلت: قدراً من هذه القدور، فأفرغت قدراً بيني وبينها فأكلنا، ودعت بالنبيذ فصبت رطلاً فشربت نصفه وسقتني نصفه، فما زلت أشرب حتى كدت أن أسكر. ثم قالت: يا أبا الحسن، غنيت البارحة في شعرٍ لأبي العتاهية أعجبني، أفتسمعه مني وتصلحه؟ فغنت: صوت:

عذيري من الإنسان لا إن جفوتـه

 

صفا لي ولا إن صرت طوع يديه

وإني لمشتاق إلى ظل صـاحـبٍ

 

يروق ويصفو إن كدرت عـلـيه

فصيرناه مجلساً. وقالت: قد بقي فيه شيء، فلم أزل أنا وهي حتى أصلحناه. ثم قالت: وأحب تغني أنت فيه أيضاً لحناً، ففعلت. وجعلنا نشرب على اللحنين ملياً. ثم جاء الحجاب فكسروا الباب واستخرجوني، فدخلت إلى المأمون فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان وأصفق وأغني بالصوت، فسمع المأمون والمغنون ما لم يعرفوه فاستظرفوه، وقال المأمون: ادن يا علويه ورده ، فرددته عليه سبع مرات. فقال لي في آخرها عند قولي:

يروق ويصفو إن كدرت عليه

يا علويه خذ الخلافة وأعطني هذا الصاحب .

لحن عريب في هذا الشعر رمل. وفيه لعلويه لحنان: ثاني ثقيلٍ، وماخوري .

سمع منه إبراهيم بن المهدي صوتين فحسده: وقال العتابي حدثني أحمد بن حمدون قال: غاب عنا علويه مدةً ثم صار إلينا. فقال له إبراهيم بن المهدي: ما الذي أحدثت بعدي من الصنعة يا أبا الحسن؟ قال: صنعت صوتين. قال: فهاتهما إذاً؛ فغناه: صوت:

ألا إن لي نفسين نفساً تقول لـي

 

تمتع بليلى ما بدا لك لـينـهـا

ونفساً تقول استبـق ودك واتـئد

 

ونفسك لا تطرح على من يهينها

لحن علويه في هذين البيتين خفيف ثقيل قال: فرأيت إبراهيم بن المهدي قد كاد يموت من حسده وتغير لونه ولم يدر ما يقول له؛ لأنه لم يجد في الصوت مطعناً، فعدل عن الكلام في هذا المعنى وقال: هذا يدل على أن ليلى هذه كانت من لينها مثل الموم بالبنفسج، فسكت علويه. ثم سأله عن الصوت الآخر فغناه .
صوت:

إذا كان لي شيئان يا أم مالـكٍ

 

فإن لجاري منهما ما تخـيرا

وفي واحدٍ إن لم يكن غير واحدٍ

 

أراه له أهلاً إذا كان مقتـرا

والشعر لحاتمٍ الطائي. لحن علويه في هذين البيتين أيضاً خفيف ثقيلٍ. وقد روي أن إبراهيم الموصلي صنعه ونحله إياه، وأنا أذكر خبره بعقب هذا الخبر قال أحمد بن حمدون: فأتى والله بما برز على الأول وأوفى عليه؛ وكاد إبراهيم يموت غيظاً وحسداً لمنافسته في الصنعة وعجزه عنها. فقال له: وإن كانت لك امرأتان يا أبا الحسن حبوت جارك منهما واحدةً؟ فخجل علويه وما نطق بصوتٍ بقية يومه .

نحله إبراهيم الموصلي صوتاً فلم يظهره إلا أمام المأمون: وحدثني عمي عن علي بن محمد عن جده حمدون هذا الخبر، ولفظه أقل من هذا .

فأما الخبر الذي ذكرته عن علويه أن إبراهيم الموصلي نحله هذا الصوت. فحدثني جحظة قال حدثني ابن المكي المرتجل وهو محمد بن أحمد بن يحيى قال حدثني علويه قال: قال إبراهيم الموصلي يوماً: إني قد صنعت صوتاً وما سمعه مني أحد بعد، وقد أحببت أن أنفعك وأرفع منك بأن ألقيه عليك وأهبه لك، ووالله ما فعلت هذا بإسحاق قط وقد خصصتك به، فانتحله وادعه، فلست أنسبه إلى نفسي وستكسب به مالاً. فألقى علي قوله:

إذا كان لي شيئان يا أم مالكٍ

 

فإن لجاري منهما ما تخيرا

فأخذته وادعيته وسترته طول أيام الرشيد خوفاً من أتهم فيه وطول أيام الأمين حتى حدث عليه ما حدث. وقدم المأمون من خراسان وكان يخرج إلى الشماسية دائماً يتنزه، فركبت في زلالٍ وجئت أتبعه، فرأيت حراقة علي بن هشام، فقلت للملاح: اطرح زلالي على الحراقة ففعل، واستؤذن لي فدخلت وهو يشرب مع الجواري وما كانوا يحجبون جواريهم في ذلك الوقت ما لم يلدن فإذا بين يديه متيم وبذل من جواريه، فغنيته الصوت فاستحسنه جداً وطرب عليه وقال: لمن هذا؟ فقلت: هذا صوت صنعته وأهديته لك، ولم يسمعه أحد قبلك، فازداد به عجباً وطرباً وقال لها: خذيه عنه، فألقيته عليها حتى أخذته، فسر بذلك وطرب، وقال لي : ما أجد لك مكافأةً على هذه الهدية إلا إن أتحول عن هذه الحراقة بما فيها وأسلمه إليك أجمع. فتحول إلى أخرى، وسلمت الحراقة بخزانتها وجميع آلاتها إلي وكل شيء فيها، فبعث ذلك بمائةٍ وخمسين ألف درهمٍ واشتريت بها ضيعتي الصالحية .

غنى المأمون لحناً في بيت لم يعرفه أحد ثم عرف بعد: حدثني جحظة قال ابن المكي المرتجل عن أبيه قال قال إسحاق بن حميدٍ كاتب أبي الرازي، وحدثني به عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني حسان بن محمد الحارثي عن إسحاق بن حميدٍ كاتب أبي الرازي قال: غنى علويه الأعسر يوماً بين يدي المأمون :

تخيرت من نعمان عود أراكةٍ

 

لهندٍ فمن هذا يبلغه هـنـدا

فقال المأمون: اطلبوا لهذا البيت ثانياً فلم يعرف، وسأل كل من بحضرته من أهل الأدب والرواة والجلساء عن قائل هذا الشعر فلم يعرفه أحد. فقال إسحاق بن حميد: لما رأيت ذلك عنيت بهذا الشعر وجهدت في المسألة وطلبته ببغداد عند كل متأدب وذي معرفةٍ فلم يعرفه. وقلد المأمون أبا الرازي كور دجلة وأنا أكتب له، ثم نقله إلى اليمامة والبحرين. قال إسحاق ابن حميد: فلما خرجنا ركبت مع أبي الرازي في بعض الليالي على حمارة، فابتدأ الحادي يحدو بقصيدةٍ طويلةٍ، وإذا البيت الذي كنت أطلبه، فسألته عنها فذكر أنها للمرقش الأكبر، فحفظت منها هذه الأبيات:

خليلي عوجا بارك الله فيكـمـا

 

وإن لم تكن هند لأرضكما قصدا

وقولا لها ليس الضلال أجازنـا

 

ولكننا جزنا لنلقـاكـم عـمـدا

تخيرت من نعمان عـود أراكةٍ

 

لهندٍ فمن هذا يبلـغـه هـنـدا

وأنطيته سيفي لكيمـا أقـيمـه

 

فلا أوداً فيه استنبت ولا خضدا

ستبلغ هنداً إن سلمنـا قـلائص

 

مهاري يقطعن الفلاة بنا وخـدا

فلما أنحنا العيس قد طار سيرها

 

إليهم وجدناهم لنا بالقرى حشـدا

فناولتها المسواك والقلب خـائف

 

وقلت لها يا هند أهلكتنا وجـدا

فمدت يداً في حسن دلٍ تـنـاولاً

 

إليه وقالت ما أرى مثل ذا يهدى

وأقبلت كالمجتـاز أدى رسـالةً

 

وقامت تجر الميساني والبـردا

تعرض للحـي الـذين أريدهـم

 

وما التمست إلا لتقتلني عـمـدا

فما شبه هندٍ غير أدمـاء خـاذلٍ

 

من الوحش مرتاع طلاً فـردا

قال: فكتب بها إلى المأمون فاستحسنت ورويت، وأمر علويه فصنع في البيتين الأولين منها غناء يشبه . أغاني علويه في هذه الأبيات: اللحن الأول في قوله:

تخيرت من نعمان عود أراكةٍ

غناه علويه وليس اللحن له، اللحن لإبراهيم خفيف ثقيلٍ بالبنصر. ولحنه الثاني الذي أمره أن يصنعه في:

خليلي عوجا بارك الله فيكما

رمل .
دفع إلى المعتصم رقعة في أمر رزقه ثم غناه بشعر لابن هرمة: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال: عرض علويه على المعتصم رقعةً في أمر رقعةً في أمر رزقه وإقطاعه وهو يشرب دفعها إليه من يده، فلما أخذها اندفع علويه يغني: صوت:

إني أستحيتك أن أفوه بحاجتي

 

فإذا قرأت صحيفتي فتفهـم

وعليك عهد الله إن خبرتـه

 

أحداً ولا أظهرته بتـكـلـم

فقرأ المعتصم الرقعة وهو يضحك، ثم وقع له فيها بما أراد . الشعر لابن هرمة كتب به إلى بعض آل أبي طالبٍ وهو إبراهيم بن الحسن يطلب منه نبيذاً وقد خرج هو وأصحابه إلى السيالة ، فكتب إليه البيت الأول على ما رويناه، والثاني غيره المغنون، وهو:

وعليك عهد الله إن أعلمتـه

 

أهل السيالة إن فعلت وإن لم

فلما قرأ الرقعة قال: علي عهد الله إن لم أعلم به عامل السيالة. وكتب إلى عامل السيالة : إن ابن هرمة وأصحاباً له سفهاء يشربون بالسيالة، فاركب إليهم ونذروا به، فهرب، وقال يهجو إبراهيم:

كتبت إليك أستهدي نـبـيذاً

 

وأدلي بالمودة والحقـوق

فخيرت الأمير بذاك جهلاً

 

وكنت أخا مفاضحةٍ وموق

حدثني بذلك الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير. وقد ذكرته في أخبار ابن هرمة . والغناء لعبادل .
غنى هو ومخارق معترضين بفرس كميت للمعتصم فأعطاهما غيره: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني موسى بن هارون الهاشمي قال حدثني أبي قال: كنت واقفاً بين يدي المعتصم وهو جالس على حير الوحش والخيل تعرض عليه وهو يشرب وبين يديه علويه ومخارق يغنيان، فعرض عليه فرس كميت أحمر ما رأيت مثله قط، فتغامز علويه ومخارق، وغناه علويه:

وإذا ما شربوها وانتشوا

 

وهبوا كل جوادٍ وطمر

فتغافل عنه. وغناه مخارق:

يهب البيض كالظباء وجـرداً

 

تحت أجلالها وعيس الركاب

فضحك ثم قال: اسكتا يا ابني الزانيتين، فليس يملكه والله واحد منكما. قال: ثم دار الدور، فغنى علويه:

وإذا ما شربوها وانتشوا

 

وهبوا كل بغالٍ وحمر

فضحك وقال: أما هذا فنعم، وأمر لأحدهما ببغلٍ وللآخر بحمار .

اجتمع مع أصحاب له عند زلبهزة ومعه هاشمي حصلوا منه بحيلة على مال: حدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد الأبزاري قال: كنا عند زلبهزة النخاس، وكانت عنده جارية يقال لها خشف ابتاعها من علويه، وذلك في شهر رمضان، ومعنا رجل هاشمي من ولد عبد الصمد بن علي يقال له عبد الصمد، وإبراهيم بن عمرو بن نهبون وكان يحبها، فأعطى بها زلبهزة أربعة آلاف دينارٍ فلم يبعها منه، وبقيت معه حتى توفيت، فغنتنا أصواتاً كان فيها:

أشارت بطرف العين خيفة أهلـهـا

 

إشارة محـزونٍ ولـم تـتـكـلـم

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحـبـاً

 

وأهلاً وسهلاً بالحبيب الـمـسـلـم

وأبرزت طرفي نحوها لأجـيبـهـا

 

وقلت لها قول امرئ غير معـجـم

هنيئاً لكم قتلي وصـفـو مـودتـي

 

وقد سيط في لحمي هواك وفي دمي

الغناء لابن عائشة ثقيل أول عن الهشامي قال: فلما وثبنا للانصراف قال لنا وقد اشتد الحر: أقيموا عندي. فوجهت غلاماً معي وأعطيته ديناراً وقلت له ابتع فراريج بعشرة دراهم وثلجاً بخمسة دراهم وعجّل، فجاء بذلك فدفعه إلى زلبهزة وأمره بإصلاح الفراريج ألواناً، وكتب إلى علويه فعرفته خبرنا، فجاءنا وأقام، وأمطرنا عند زلبهزة، وشرب منا من كان يستجيز الشراب، وغنى علويه لحناً ذكر أنه لابن سريجٍ ثقيل أول، فاستغربه الجماعة، وهو: صوت:

يا هند إن الناس قد أفسـدوا

 

ودك حتى عزني المطلب

يا ليت من يسعى بنا كاذبـاً

 

عاش مهاناً في أذى يتعب

هبيه ذنباً كنـت أذنـبـتـه

 

قد يغفر الله لمـن يذنـب

وقد شجاني وجرت دمعتي

 

أن أرسلت هند وهي تعتب

ما هكذا عاهدتنا في منًـى

 

ما أنت إلا ساحر تخلـب

حلفت لي بالله لا تبتـغـي

 

غيرك ما عشت ولا نطلب

قال: وقام عبد الصمد الهاشمي ليبول. فقال علويه: كل شيء قد عرفت معناه: أما أنت فصديق الجماعة، وهذا يتعشق هذه، وهذا مولاها، وأنا ربيتها وعلمتها، وهذا الهاشمي أيشٍ معناه! فقلت لهم: دعوني أحكه وآخذ لزلبهزة منه شيئاً. فقال: لا والله ما أريد. فقلت له: أنت أحمق، أنا آخذ منه شيئاً لا يستحي القاضي من أخذه. فقال: إن كان هكذا فنعم. فقلت له إذا جاء عبد الصمد فقل لي: ما فعل الآجر الذي وعدتني به، فإن حائطي قد مال وأخاف أن يقع، ودعني والقصة. فلما جاء الهاشمي قال لي زلبهزة ما أمرته به، فقلت: ليس عندي آجر، ولكن اصبر حتى أطلب لك من بعض أصدقائي، وجعلت أنظر إلى الهاشمي نظر متعرضٍ به. قال الهاشمي: يا غلام دواةً ورقعةً، فأحضر ذلك. فكتب له بعشرة آلاف آجرةٍ إلى عامل له، وشربنا حتى السحر وانصرفنا. فجئت برقعته إلى الآجري ثم قلت: بكم تبيعه الآجر؟ فقال: بسبعة وعشرين درهماً الألف. قلت فبكم تشتريه مني؟ قال: بنقصان ثلاثة دراهم في الألف. فقلت: فهات، فأخذت منه مائتين وأربعين درهماً، واشتريت منها نبيذاً وفاكهةً وثلجاً ودجاجاً بأربعين درهماً، وأعطيت زلبهزة مائتي درهم وعرفته الخبر، ودعونا علويه والهاشمي وأقمنا عند زلبهزة ليلتنا الثانية. فقال علويه: نعم! الآن صار للهاشمي عندكم موضع ومعنى .

هو مصلي كل سابق في الصنعة والضرب وطيب الصوت: أخبرني جحظة قال حدثني أحمد بن حمدون قال حدثني أبي قال: قال لنا الواثق يوماً: من أحذق الناس بالصنعة؟ قلنا إسحاق؟ قال: ثم من؟ قلنا: علويه. قال: فمن أضرب الناس؟ قلنا: ثقيف . قال: ثم من؟ قلنا: علويه؟ قال: فمن أطيب الناس صوتاً؟ قلنا: مخارق. قال: ثم من؟ قلنا: علويه. قال: اعترفتم بأنه مصلي كل سابقٍ، وقد جمع الفضائل كلها وهي متفرقة فيهم، فما ثم ثانٍ لهذا الثالث .

غنى المأمون في دمشق بما أسره فغضب عليه وشتمه: وحدثني جحظة قال حدثني محمد بن أحمد المكي المرتجل قال حدثني أبي قال: دخلت إلى علويه أعود من علة اعتلها ثم عوفي منها، فجرى حديث المأمون، فقال لي: كدت علم الله أذهب دفعةً ذات يومٍ وأنا معه لولا أن الله تعالى سلمني ووهب لي حلمه. فقلت: كيف كان السبب في ذلك؟ فقال: كنت معه لما خرج إلى الشام، فدخلنا دمشق فطفنا فيها، وجعل يطوف على قصور بني أمية ويتبع آثارهم، فدخل صحناً من صحونهم، فإذا هو مفروش بالرخام الأخضر كله وفيه بركة ماء يدخلها ويخرج منها من عين تصب إليها، وفي البركة سمك، وبين يديها بستان على أربع زواياه أربع سرواتٍ كأنها قصت بمقراض من التفافها أحسن ما رأيت من السرو قط قداً وقدراً. فاستحسن ذلك، وعزم على الصبوح، وقال: هاتوا لي الساعة طعاماً خفيفاً، فأتي ببزماوردٍ فأكل، ودعا بشرابٍ، وأقبل علي وقال: غني ونشطني، فكأن الله عز وجل أنساني الغناء كله إلا هذا الصوت:

لو كان حولي بنو أمية لم

 

تنطق رجال أراهم نطقوا

فنظر إلي مغضباً وقال: عليك وعلى بني أمية لعنه الله! ويلك! أقلت لك سؤني أو سرني! ألم يكن لك وقت تذكر فيه بني أمية إلا هذا الوقت تعرض بي !. فتحيلت عليه وعلمت أني قد أخطأت ، فقلت: أتلومني على أن أذكر بني أمية! هذا مولاكم زرياب عندهم يركب في مائتي غلامٍ مملوكٍ له، ويملك ثلاثمائة ألف دينارٍ وهبوها له سوى الخيل والضياع والرقيق، وأنا عندكم أموت جوعاً. فقال أو لم يكن لك شيء تذكرني به نفسك غير هذا! فقلت: هكذا حضرني حين ذكرتهم فقال: اعدل عن هذا وتنبه على إرادتي. فأنساني الله كل شيء أحسنه إلا هذا الصوت:

الحين ساق إلى دمشق ولم أكن

 

أرضى دمشق لأهلنا بـلـدا

فرماني بالقدح فأخطأني فانكسر القدح، وقال: قم عني إلى لعنة الله وحر سقر، وقام فركب. فكانت والله تلك الحال آخر عهدي به، حتى مرض ومات . قال: ثم قال لي: يا أبا جعفر كم تراني أحسن! أغني ثلاثة آلاف صوت، أربعة آلاف صوت، خمسة آلاف صوت، أنا والله أغني أكثر من ذلك، ذهب علم الله كله حتى كأني لم أعرف غير ما غنيت. ولقد ظننت أنه لو كانت لي ألف روح ما نجت منه واحدة منها، ولكنه كان رجلاً حليماً، وكان في العمر بقية .

نسبة هذين الصوتين المذكورين في الخبر:

صوت:

لو كان حولي بنو أمية لم

 

تنطق رجال أراهم نطقوا

 

من كل قرمٍ محضٍ ضرائبه

 

عن منكبيه القميص ينخرق            

الشعر لعبد الله بن قيس الرقيات. والغناء لمعبد، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، وذكر الهاشمي أنه لابن سريج. وذكر ابن خرداذبه أن فيه لدكين بن عبد الله بن عنبسة بن سعيد بن العاصي لحناً من الثقيل الأول، وأن دكيناً مدني كان منقطعاً إلى جعفر بن سليمان .
صوت:

الحين ساق إلى دمشق وما

 

كانت دمشق لأهلنا بلـدا

قادتك نفسك فاستقدت لها

 

وأريت أمر غوايةٍ رشدا

لعمر الوادي في هذا الشعر ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي. قال: وفيه ليعقوب الوادي رمل بالبنصر .

اعترض علي خضابه فأجاب: حدثني عمي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال سمعت الحسن بن وهبٍ الكاتب يحدث: أن علويه كان يصطبح في يوم خضابه مع جواريه وحرمه، ويقول: أجعل صبوحي في أحسن ما يكون عند جواري. فقيل له: إن ابن سيرين كان يقول: لابأس بالخضاب ما لم تغرر به امرأة مسلمة. فقال: إنما كره لئلا يتصنع به لمن لا يعرفه من الحرائر فيتزوجها على أنه شاب وهو شيخ، فأما الإماء فهن ملكي، وما أريد أن أغرهن .

قال الحسن: فتعالل علويه على المعتصم ثلاثة أيامٍ متوالية واصطبح فيها، فدعاني، وكان صوته على جواريه في شعر الأخطل:

كأن عطارةً باتت تـطـيف بـه

 

حتى تسربل مثل الورس وانتعلا

فقال لي: كيف رويته؟ فقلت له: قرأت شعر الأخطل وكان أعلم الناس به، كان يختار، تسرول، ويقول: إنما وصف ثوراً دخل روضة فيها نوار أصفر فأثر في قوائمه وبطنه فكان كالسراويل، لا أنه صار له سربل. ولو قال: تسربل أيضاً لم يكن فاسداً، ولكن الوجه تسرول .

مدح إسحاق لحناً له: خبرني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: قدمت من سر من رأى قدمةً بعد طول غيبة، فدخلت إلى إسحاق الموصلي، فسلم علي وسألني خبري وخبر الناس حتى انتهيا إلى ذكر الغناء، فسألني عما يتشاغل الناس من الأصوات المستجادة . فقلت له: تركت الناس كلهم مغرمين بصوتٍ لك. قال: وما هو؟ فقلت:

ألا يا حمامي قصر دوران هجتما

فقال: ليس ذلك لي، ذاك لعلويه. وقد لعمري أحسن فيه وجود ما شاء .

قال المأمون أبياتاً فغناه فيها فوصله: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال حدثني علويه قال: خرج المأمون يوماً ومعه أبيات قد قالها وكتبها في رقعة بخطه، وهي: صوت:

خرجنا إلى صيد الظباء فصادنـي

 

هناك غزال أدعج العـين أخـور

غزال كأن البدر حـل جـبـينـه

 

وفي خده الشعرى المنيرة تزهـر

فصاد فؤادي إذا رماني بسهـمـه

 

وسهم غزال الإنس طرف ومحجر

فيا من رأى ظبياً يصيد ومـن رأى

 

أخا قنصٍ يصطاد قهراً ويقـسـر

قال: فغنيته فيها ، فأمر لي بعشرة آلاف درهم .

قال أبو القاسم جعفر بن قدامة: لحن في هذا الشعر ثقيل أول ابتداؤه نشيد .

غنى في مجلس الرشيد بما أغضبه عليه: أخبرني محمد بن مزيدٍ قال حدثني حماد عن أبيه قال: غنيت الرشيد يوماً:

هما فتاتان لما يعرفا خلقي

 

وبالشباب على شيبتي يدلان

فطرب وأمر لي بألف دينار. فقال له ابن مجامع وكان أحسد الناس: اسمع غناء العقلاء ودع غناء المجانين وكنت أخذت هذا الصوت من مجنون بالمدينة كان يجيده ثم غنى قوله:

ولقد قالت لأترابٍ لـهـا

 

كالمها يلعبن في حجرتها

خذن عني الظل لا يتبعني

 

وغدت تسعى إلى قبتهـا

فطرب وأمر له بألف وخمسمائة دينار. ثم تغنى وجه القرعة:

يمشون فيها بكل سابـغةٍ

 

أحكم فيها القتير والحلق

فاستحسنه وشرب عليه وأمر له بخمسمائة دينار. ثم تغنى علويه:

وأرى الغواني لا يواصلن أمرأً

 

فقد الشباب وقد يصلن الأمردا

فدعاه الرشيد وقال له: يا عاض بظر أمه! تغني في مدح المرد وذم الشيب وستارتي منصوبة وقد شبت! كأنك إنما عرضت بي! ثم دعا بمسرور فأمره أن يأخذ بيده فيضربه ثلاثين درةً ولا يرده إلى مجلسه ففعل ذلك، ولم ينتفع الرشيد يومئذٍ بنفسه ولا انتفعنا به بقية يومنا، وجفا علويه شهراً فلم يأذن له حتى سألناه فأذن له .
نسبة هذه الأصوات التي تقدمت: صوت:

هما فتاتان لما يعرفـا خـلـقـي

 

وبالشباب عـلـى شـيبـي يدلان

كل الفعال الذي يفعلنـه حـسـن

 

يضني فؤادي ويبدي سر أشجاني

بل احذرا صولةً من صول شيخكما

 

مهلاً عن الشيخ مهلاً يا فتـاتـان

لم يقع إلي شاعره. فيه لابن سريج ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وفيه لابن سريج رمل بالبنصر عن عمرو. وفيه لسليمان المصاب رمل كان يغنيه، فدس الرشيد إليه إسحاق حتى أخذه منه، وقيل: بل دس عليه ابن جامع .
خبر أخذ إسحاق صوتاً من سليمان المصاب: أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دعاني الرشيد لما حج، فقال: صر إلى موضع كذا وكذا من المدينة؛ فإن هناك غلاماً مجنوناً يغني صوتاً حسناً، وهو:

هما فتاتان لما يعرفا خلقي

 

وبالشباب على شيبي يدلان

وله أم، فصر إليها وأقم عندها واحتل حتى تأخذه. فجئت أستدل حتى وقفت على بيتها، فخرجت إلي فوهبت لها مائتي درهم، وقلت لها: أريد أن تحتالي على ابنك حتى آخذ منه الصوت الفلاني. فقالت: نعم، وأدخلتني دارها، وأمرتني فصعدت إلى علية لها، فما لبثت أن جاء ابنها فدخل. فقالت له: يا سليمان فدتك نفسي! أمك قد أصبحت اليوم خاثرةً مغرمةً ، فأحب أن تغني ذلك الصوت:

هما فتاتان لما يعرفا خلقي

فقال لها: ومتى حدث لك هذا الطرب؟ قالت: ما طربت ولكنني أحبت أن أتفرج من هم قد لحقني. فاندفع فغناه، فما سمعت أحسن من غنائه، فقالت له أمه: أحسنت! فديتك! فقد والله كشفت عني قطعةً من همي، فأسألك أن تعيده. قال: والله ما لي نشاط، ولا أشتري غمي بفرحك. فقالت: أعده مرتين ولك درهم صحيح تشتري به ناطفاً . قال: ومن أين لك درهم؟ ومتى حدث لك هذا السخاء؟ فقالت: هذا فضول لا تحتاج إليه وأخرجت إليه درهماً فأعطته إياه، فأخذه وغناه مرتين، فدار لي وكان يستوي، فأومأت إليها من فوق أن تستزيده. فقالت: يا بني بحقي عليك إلا أعدته. فقال: أظن أنك تريدين أن تأخذيه فتصيري مغنية. فقالت: نعم! كذا هو. قال لا! وحق القبر لا أعدته إلا بدرهم آخر. فأخرجت له درهماً آخر. فأخذه وقال: أظنك والله قد تزندقت وعبدت الكبش فهو ينقد لك هذه الدراهم، أو قد وجدت كنزاً. فغناه مرتين، وأخذته واستوى لي. ثم قام فخرج يعدو على وجهه. فجئت إلى الرشيد فغنيته به وأخبرته بالقصة، فطرب وضحك وأمر لي بألف دينار، وقال لي: هذه بدل مائتي الدرهم .
صوت:

ولقد قالت لأترابٍ لـهـا

 

كالمها يلعبن في حجرتها

خذن عني الظل لا يتبعني

 

وعدت سعياً إلى قبتهـا

لم يصبها نكر فيما مضى

 

ظبية تختال في مشيتهـا

في هذه الأبيات رمل بالبنصر ذكر الهشامي أنه لابن جامع المكي، وذكر ابن المكي أنه لابن سريج. وهو في أخبار ابن سريج وأغانيه غير مجنس .
صوت:

يمشون فيها بـكـل سـابـغةٍ

 

أحكم فيها القتير والـحـلـق

تعرف إنصافهم إذا شـهـدوا

 

وصبرهم حين تشخص الحدق

الغناء لابن محرز، خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن الهشامي وحبش .
صوت:

يجحدنني ديني النهار وأقتضي

 

ديني إذا وقذ النعاس الرقـدا

وأرى الغواني لا يواصلن أمرأً

 

فقد الشباب وقد يصلن الأمردا

الشعر للأعشى. والغناء لمعبدٍ، خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو .
صوت:

أية حـالٍ يابـن رامــين

 

حال المحبين المسـاكـين

تركتهم موتى وما مـوتـوا

 

قد جرعوا منك الأمـرين

وسرت في ركبٍ على طيةٍ

 

ركبٍ تـهـامٍ ويمـانـين

يا راعي الذود لقد رعتهـم

 

ويلك من روع المحـبـين

الشعر لإسماعيل بن عمارٍ الأسدي. والغناء لمحمد بن الأشعث بن فجوة الزهري الكوفي، ولحنه خفيف ثقيلٍ مطلق في مجرى الوسطى، عن الهشامي وأحمد بن المكي .

نسب إسماعيل بن عمار وأخباره

نسب إسماعيل بن عمار: هو إسماعيل بن عمار بن عيينة بن الطفيل بن جذيمة بن عمرو بن خلف بن زبان بن كعب ابن مالك بن ثعلبة بن دوذان بن أسد بن خزيمة. أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن السكري عن ابن حبيب .
من مخضرمي الدولتين وكان ينزل الكوفة: وإسماعيل بن عمارٍ شاعر، مقل، مخضرم من شعراء الدولتين الأموية والهاشمية. وكان ينزل الكوفة .

كان ممن يختلف إلى ابن رامين وجواريه: قال ابن حبيب: كان في الكوفة صاحب قيانٍ يقال له ابن رامين، قدمها من الحجاز؛ فكان من يسمع الغناء ويشرب النبيذ يأتونه ويقيمون عنده: مثل يحيى بن زيادٍ الحارثي، وشراعة ابن الزندبوذ، ومطيع بن إياس، وعبد الله بن العباس المفتون، وعونٍ العبادي الحيري، ومحمد بن الأشعث الزهري المغني. وكان نازلاً في بني أسدٍ في جيران إسماعيل بن عمار، فكان إسماعيل يغشاه ويشرب عنده. ثم انتقل من جواره إلى بني عائذ الله ، فكان إسماعيل يزوره هناك على مشقة لبعد ما بينهما. وكان لابن رامين جوارٍ يقال لهن سلامة الزرقاء، وسعدة، وربيحة وكن من أحسن الناس غناء، واشترى بعد ذلك محمد بن سليمان سلامة الزرقاء التي يقول فيها محمد بن الأشعث:

أمسى لسلامة الزرقاء في كبـدي

 

صدع مقيم طوال الدهر والأبـد

لا يستطيع صناع القوم يشعـبـه

 

وكيف يشعب صدع الحب في كبد

قصيدة له في جواري ابن رامين: وفي جواريه يقول إسماعيل بن عمار:

هل من شفاءٍ لقلبٍ لج مـحـزون

 

صبا وصب إلى رئم ابن رامـين

إلى ربيحة إن اللـه فـضـلـهـا

 

بحسنهـا وسـمـاعٍ دي أفـانـين

وهاج قلبي منها مضحك حـسـن

 

ولثغة بعد في زايٍ وفـي سـين

نفسي تأبى لـكـم إلا طـواعـيةً

 

وأنت تأبين لؤماً أن تطـيعـينـي

وتلك قسمة ضيزى قد سمعت بهـا

 

وأنت تتلينها مـا ذاك فـي الـدين

إن تسعفيني بذاك الشيء أرض به

 

وإن ضننت به عني فـزنـينـي

أنت الطبيب لداء قد تلـبـس بـي

 

من الجوى فانفثي في فيّ وارقيني

نعم شفاؤك منها أن تقـول لـهـا

 

أضنيتني يوم دير اللج فاشفـينـي

يا رب إن ابن رامينٍ لـه بـقـر

 

عين وليس لنا غـير الـبـراذين

لو شئت اعطيته مالاً علـى قـدرٍ

 

يرضى به منك غير الربرب العين

لا أنس سعدة الزرقاء يوم هـمـا

 

باللج شرقيه فـوق الـدكـاكـين

يغنين ابن رامينٍ عـلـى طـربٍ

 

بالمسجحي وتشبيب المـحـبـين

أذاك أنعـم أم يوم ظـلـلـت بـه

 

فراشي الورد في بستان شـورين

يشوي لنا الشيخ شورين دواجـنـه

 

بالجردناج وسحاج الـشـقـابـين

نسقى طلاءً لعمـرانٍ يعـتـقـه

 

يمشي الأصحاء ممنه كالمجانـين

يزل أقدامنا من بعد صـحـتـهـا

 

كأنها ثقلاً يقلـعـن مـن طـين

نمشي وأرجلنا مـطـوية شـلـلاً

 

مشي الإوز التي تأتي من الصـين

أو مشي عميان ديرٍ لا دليل لـهـم

 

سوى العصي إلى يوم السعـانـين

وفي فتيةٍ من بني تميمٍ لهوت بهـم

 

تيم بـن مـرة لا تـيم الـعـديين

خمر الوجوه كأنا من تحشـمـنـا

 

حسناء شمطاء وافت من فلسطين

ما عائذ الله لولا أنت من شجـنـي

 

ولا ابن رامين لولا ما يمـنـينـي

في عائذ الله بيت ما مـررت بـه

 

إلا وجئت على قلبي بـسـكـين

يا سعدة القينة الخضراء أنت لـنـا

 

أنس لأنك فـي دار ابـن رامـين

ما كنت أحسب أن الأسد تؤنسنـي

 

حتى رأيت إليك القلب يدعـونـي

لولا ربيحة ما استأنست ما عمـدت

 

نفسي إليك ولو مثلت مـن طـين

باع ابن رامين سلامة في حجه فقال هو شعراً: قال: وحج ابن رامين وحج بجواريه معه، وكان محمد بن سليمان إذ ذاك على الحجاز، فاشترى منه سلامة الزرقاء بمائة ألف درهمٍ. فقال إسماعيل بن عمار:

أية حـــالٍ يا ابــــن رامـــــــين

 

حال الـمـحـبـين الـمــســـاكـــين

تركـتـهـم مـوتـى ومــا مـــوتـــوا

 

قد جـرعــوا مـــنـــك الأمـــرين

وسـرت فـي ركـبٍ عــلـــى طـــية

 

ركـــبٍ تـــهـــامٍ ويمـــانـــين

حججت بيت الله تبغي به البر ولم ترث لمحرون

 

 

يا راعي الذود لقد زعتهم

 

ويلك من روع المحبـين

 

فرقت قوماً لا يرى مثلهم

 

ما بين كوفانٍ إلى الصين

             

مات له ابن فرثاه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا السكري عن محمد قال: كان لإسماعيل بن عمارٍ ابن يقال له معن فمات، فقال يرثيه:

يا موت مالك مولعـاً بـضـراري

 

إني عليك وإن صبـرت لـزاري

تعدو علي كـأنـنـي لـك واتـر

 

وأؤول منك كمـا يؤول فـراري

نفس الـبـعـيد إذا أردت قـريبةً

 

ليست بـنـاجـيةٍ مـع الأقـدار

والمرء سوف وإن تطاول عمـره

 

يوماً بصير لحفـرة الـجـفـار

لما غلا عـظـم بـه فـكـأنـه

 

من حسن بنيته قضـيب نـضـار

فجعتني بأعز أهـلـي كـلـهـم

 

تعدو عـلـيه عـدوة الـجـبـار

هلا بنفسي أو ببعض قـرابـتـي

 

أوقعت أم ما كنت للـمـخـتـار

وتركت ربتي التي من أجـلـهـا

 

عفت الجهاد وصرت في الأمصار

رفض أن يكون عاملاً لما رأى العمال يعذبون وشعره في ذلك: أخبرني علي بن سليمان قال حدثني السكري عن محمد بن حبيب قال: قال رجل من بني أسدٍ كان وجهاً ، لإسماعيل بن عمار: هلم أركب معك إلى يوسف بن عمر، فإنه صديق، حتى أكلمه فيك يستعملك على عملٍ تنتفع به. فقال له إسماعيل: دعني حتى يقول الحول. فنظر إسماعيل إلى عمال يوسف يعذبون، فقال في ذلك:

رأيت صبيحة النـيروز أمـراً

 

فظيعاً عن إمارتهم نهـانـي

فررت من العمالة بعد يحـيى

 

وبعد النهشـلـي أبـي أبـان

وبعد الزور ابن أبـي كـثـيرٍ

 

وفقيد أشجع وأبـي بـطـان

فحاب بها أبا عثمـان غـيري

 

فما شأن الإمارة لي بـشـان

أحاذر أن أقصر في خراجـي

 

إلى النيروز أو في المهرجان

أعجل إن أتى أجلي بـوقـتٍ

 

وحسبي بالمجرحة المـتـان

فما عذري إذا عرضت ظهري

 

لألفٍ من سياط الشاهـجـان

تعد ليوسفٍ عداً صـحـيحـاً

 

ويحفظها عليه الـجـالـدان

وأسحب في سراويلي بقـيدي

 

إلى حسان معتقل الـلـسـان

فمنهم قائل بعـداً وسـحـقـاً

 

ومـنـهـم أخـران يفـديان

كفاني من إمارتهم عـطـائي

 

وما أحذيت من سبق الرهـان

كفاني ذاك منهم ما بـقـينـا

 

كما فيما مضى لي قد كفاني

شعره في بوبة وصيفة عبد الرحمن بن عنبسة: وقال ابن حبيب في الإسناد الذي ذكرناه: إنه كانت لعبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاصي وصيفة مغنية يؤدبها ويصنعها ليهديها إلى هشام بن عبد الملك يقال لها بوبة. فقال فيها إسماعيل بن عمار:

بوب حييت عن جليسك بوبـا

 

مخطئاً في تحيتي أو مصيبـا

ما رأينا قتيل حيٍ حبا ألـقـا

 

تل بالوتر أن يكون حبـيبـا

غير ما قد رزقت يا بوب مني

 

فهنيئاً وإن أتـيت عـجـيبـا

غير من به غلـيك وإن كـن

 

ت بقدر القيان طباً طبـيبـاً

بنت عشرٍ أديبة فـي قـريشٍ

 

بخ فأكرم بهم أباً ونـسـيبـا

أدبت في بني أمـية حـتـى

 

كملت في حجورهم تـأديبـا

قال: ثم أهداها ابن عنبسة إلى هشام. فقال إسماعيل بن عمار:

ألا حـييت عـنـا ث

 

م سقياً لك يا بـوبـه

وأكرم بـك مـهـداةً

 

وأحبب بك مطلوبـه

وواهاً لك من بـكـرٍ

 

وواهاً لك مثقـوبـه

وواهاً لك مـلـقـاةً

 

وواهاً لك مكبـوبـه

لقد عاين مـن يلـقـا

 

ك من حسنك أعجوبه

ويا ويلي ويا عـولـي

 

فنفسي الدهر مكروبه

على هيفـاء حـوراء

 

على جيداء رعبوبـه

إذا ضاجعها المولـى

 

فقد أدرك محبـوبـه

هجاؤه لجارية له كان يبغضها: قال ابن حبيب في هذه الرواية: كان لإسماعيل بن عمار جارية قد ولدت منه، وكانت سيئة الخلق قبيحة المنظر، وكان يبغضها وتبغضه، فقال فيها:

بليت بزمردةٍ كالعصـا

 

ألص وأخبث من كندش

 

تحب النساء وتأبى الرجـال

 

وتمشي مع الأسفه الأطيش

لها وجـه قـردٍ إذا ازينـت

 

ولون كبيض القطا الأبرش

ومن فوقـه لـمة جـثـلة

 

كمثل الخوافي من المرعش

وبطن خواصره كـالـوطـا

 

ب زاد على كرش الأكرش

وإن نكهت كدت من نتنـهـا

 

أخر على جانب المفـرش

وثدي تدلى على بطـنـهـا

 

كقربة ذي الثلة المعطـش

وفخذان بينهـمـا بـسـطة

 

إذا مشت مشية المنتـشـي

وسلق يخلخـلـهـا خـاتـم

 

كساق الدجاجة أو أحمـش

وفي كل ضرسٍ لهـا أكـلة

 

أصل من القبر ذي المنبـش

ولما رأيت خـوا أنـفـهـا

 

وفيها وإصلال ما تحتشـي

إلى ضامرٍ مثل ظلف الغزال

 

أشد اصفراراً من المشمش

فررت من البيت من أجلهـا

 

فرار الهجين من الأعمـش

وأبرد من ثلـج سـاتـيدمـا

 

إذا راح كالعطب المنفـش

وأرسح من ضـفـدعٍ عـثةٍ

 

تنق على الشط من مرعش

وأوسع من باب جسر الأمير

 

تمر المحامل لـم تـخـدش

فهذي صفاتي فلا تـأتـهـا

 

فقد قلت طرداً لها كشكشي            

هجا جاراً له بنى مسجداً قرب داره: وقال ابن حبيب: كان في جوار إسماعيل بن عمار رجل من قومه ينهاه عن السكر وهجاء الناس ويعذله، وكان إسماعيل له مغضباً. فبنى ذلك الرجل مسجداً يلاصق دار إسماعيل وحسنه وشيده، وكان يجلس فيه هو وقومه وذوو التستر والصلاح منهم عامة نهارهم، فلا يقدر إسماعيل أن يشرب في داره ولا يدخل إليه أحد ممن كان يألفه من مغن أو مغنية أو غيرهما من أهل الريبة. فقال إسماعيل يهجوه وكان الرجل يتولى شيئاً من الوقوف للقاضي بالكوفة:

بنى مسجداً بنيانه مـن خـيانةٍ

 

لعمري لقدماً كنت غير موفق

كصاحبة الرمان لما تصدقـت

 

جرت مثلاً للخائن المتصـدق

يقول لها أهل الصلاح نصيحةً

 

لك الويل لا تزني ولا تتصدقي

استعدى على غاضري كلف رهطه الطواف: وقال ابن حبيب: ولي العسس رجل غاضري، فأخذ من بني مالكٍ وهم رهط إسماعيل بن عمار بأن كانوا معه، فطافوا إلى الغداة. فلما أصبح غدا على الوالي مستعدياً على الغاضري. فقال له الوالي وكان رجلاً من همدان: ماذا صنع بك؟ فأنشأ يقول:

عس بنا لـيلـتـه كـلـهـا

 

ما نحن في دنيا ولا آخـره

يأمر أشياخ بـنـي مـالـكٍ

 

أن يحرسوادون بني غاضره

والله لا يرضى بـذا كـائنـاً

 

من حكم همدان إلى الساهره

قال فقال له الوالي: قد لعمري صدقت، ووظف على سائر البطون أن يطوفوا مع صاحب العسس في عشائرهم ولا يتجاوزوا قبيلةً إلى قبيلةٍ، ويكون ذلك بنوائب بينهم .

كان منقطعاً إلى خالد بن خالد بن وليد فلما مات رثاه: وقال ابن حبيب: كان إسماعيل بن عمار منقطعاً إلى خالد بن الوليد بن عقبة بن معيطٍ، وكان إليه محسناً، وكان ينادمه. فولي خالد بن خالدٍ عملاً للوليد بن يزيد بن عبد الملك فخرج إليه، وكان إسماعيل عليلاً فتأخر عنه، ثم لم يلبث خالد أن مات في عمله، فورد نعيه الكوفة في يوم فطرٍ. فقال إسماعيل بن عمار يرثيه:

ما لعيني تفيض غير جـمـود

 

ليس ترقا ولا لها من هجـود

فإذا قرت العيون استـهـلـت

 

فإذا نمن أولعت بالـسـهـود

ألنعي ابن خالدٍ خالـد الـخـي

 

رات في يوم زينةٍ مشـهـود

سنحت لي يوم الخميس غداة ال

 

فطر طير بالنحس لا بالسعود

فتـعـيفـت أنـهـن لأمـرٍ

 

مفظعٍ ما جرين في يوم عـيد

فنعت خالد بن أروى وجـل ال

 

خطب فقدان خالد بن الولـيد

سعى به عثمان بن درباس فهجاه فاستعدى عليه السلطان فحبسه: وقال ابن حبيب: كان لإسماعيل بن عمار جار يقال له عثمان بن درباس، فكان يؤذيه ويسعى به إلى السلطان في كل حال، ثم سعى به أنه يذهب مذهب الشراة ، فأخذ وحبس. فقال يهجوه:

من كان يحسدني جاري ويغبطني

 

من الأنام بعثمان بـن دربـاس

 

فقرب الله منـه مـثـلـه أبـداً

 

جاراً وأبعد منه صالح الـنـاس

جار له باب ساجٍ مغـلـق أبـداً

 

عليه من داخلٍ حراس أحـراس

عبد وعبد وبـنـتـاه وخـادمـه

 

يدعون مثلهم ما ليس مـن نـاس

صفر الوجوه كأن السل خامرهـم

 

وما بهم غير جهد الجوع من باس

له بنون كـأطـبـاءٍ مـعـلـقةٍ

 

في بطن خنزيرةٍ في دار كنـاس

إن يفتح الباب عنهم بعد عاشـرةٍ

 

تظنهم خرجوا من قعر أرمـاس

فليت دار ابن درباسٍ مـعـلـقة

 

بالنجم بين سـلالـيم وأمـراس

فكان آخر عهدي مـنـهـم أبـداً

 

وابتعت داراً بغلماني وأفراسـي            

وقال: قال فيه أيضاً:

ليت بـرذونـي وبـغــلـــي

 

وجــوادي وحـــمـــاري

كن فـي الـنــاس وأبـــدل

 

ت غـداً جـاراً بـــجـــار

جار صـدق بـابــن دربـــا

 

سٍ وإلا بـــعــــت داري

فتـبـدلـــت بـــه مـــن

 

يمـــنٍ أو مـــن نـــزار

بدلاً يعــرف مـــا الـــل

 

ه ومـا حـق الـــجـــوار

لو تـبـــدلـــت ســـواه

 

طاب لـيلـي ونــهـــاري

واسـتـرحـنـا مـن بـــلايا

 

ه صـغـارٍ أو كـــبـــار

لو جزيناه بها كنا جميعاً في فجار

 

 

أو سكتنا كان ذلاً

 

داخـلاً تـحـت الـشـعــار

كتب إلى ابن أخيه شعراً من الحبس فأجابه: قال: فلما قال فيه الشعر استعدى عليه السلطان، وذكر أنه من الشراة، وأنهم مجتمعون عنده، وأنه من دعاة عبد الله بن يحيى وأبي حمزة المختار. فكتب من السجن إلى ابن أخٍ له يقال له معان:

أبلغ معاناً عنـي وأخـوتـه

 

قولاً وما عالم كمن جهـلا

بأنني والمصبحـات مـنًـى

 

يعدون طوراً وتارةً رمـلا

لخـائف أن يكـون ودكـم

 

إياي بعد الصفا قـد أفـلا

أئن عراني دهري بـنـائبةٍ

 

أصبح منها الفؤاد مشتعـلا

حاولتم الصرم أو لعـلـكـم

 

ظننتم ما أصابنـي جـلـلا

لا تغفلونا بني أخي فلـقـد

 

أصبحت لا أبتغي بكم بـدلا

تمسكوا بالذي امتسكـت بـه

 

فإن خير الإخوان من وصلا

قال: فكتب إليه ابن أخيه:

يا عم عوفيت من عذابهم الن

 

كر وفارقت سجنهم عجـلا

كتبت تشكو بني أخيك وقـد

 

أرسل من كان قبلنا مـثـلا

أبدأهم بالصراخ ينهـزمـوا

 

فأنت يا عم تبتغي العـلـلا

زعمت أنا نرى بلاءك فـي

 

دار بلاءٍ مكـبـلاً جـلـلا

يا عم بئس الفتيان نـحـن إذاً

 

أما وفي رجلك الكبول فـلا

علي إن كنت صادقاً حجـج

 

للبيت عامين حافـياً رجـلا

بعد عنك الهموم فارج من ال

 

له خلاصاً وأحسن الأمـلا

أطلقه الحكم بن الصلت من السجن وشعره فيه حين عزل: قال: ثم ولي الحكم بن الصلت فأطلقه وأحسن إليه، فلم يزل يشكره ويمدحه. ثم عزل الحكم بعد ذلك، فقال إسماعيل فيه:

تبـارك كـيف أوحـشـت ال

 

كوفة أن لم يكن بها الحـكـم

الحكم العذل فـي رعـيتـه ال

 

كامل فيه العفاف والـفـهـم

فأصبح القصر والسريران وال

 

منبر كالـكـل مـن أبٍ يتـم

يذري عليه السرير عـبـرتـه

 

والمبتر المشـرفـي يلـتـدم

والناس من حسن سيرة الحكم ب

 

ن الصلت يبكون كلما ظلمـوا

مثل السكارى في فرط وجدهم

 

إلا عـدواً عـلـيه يتـهــم

يوم جرى طائر النحوس لـهـم

 

ينزع منه القرطاس والقـلـم

فأرغم اللـه حـاسـديه كـمـا

 

أرغم هود القرود إذ رغمـوا

في سبتهم يوم كاب خطـبـهـم

 

والله ممن عـصـاه ينـتـقـم

إنا إلى اللـه راجـعـون أمـا

 

للناس عهـد يوفـى ولا ذمـم

حول علينا، ولـيلـتـان لـنـا

 

من لذة العيش، بئسما حكمـوا

لا حكـم إلا الـلـه يظـهـره

 

يقضي لضيزائها التي قسمـوا

ماذا ترجي من عيشها مـضـر

 

إن كان من شأنها الذي زعموا

ذم ولاية خالد القسري: وقال ابن حبيب: سمع إسماعيل بن عمار رجلاً ينشد أبياتاً للفرزدق يهجو بها عمر بن هبيرة الفزاري لما ولي العراق ويعجب من ولايته إياها، وكان خالد القسري في تلك الأيام العراق، فقال إسماعيل: أعجب والله مما عجب منه الفرزدق من ولاية ابن هبيرة، وهو ما لست أراه يعجب منه، ولاية خالدٍ القسري وهو مخنث دعيّ ابن دعيٍّ، ثم قال:

عجب الفرزدق من فزارة أن رأى

 

عنها أمية بالمـشـارق تـنـزع

فلقد رأى عجباً وأحـدث بـعـده

 

أمر تطير له القلـوب وتـفـزع

بكت المنابر من فزارة شجـوهـا

 

فالآن من قسرٍ تضج وتـجـزع

فملوك خندف أضرعونا لـلـعـدا

 

لله در ملوكنـا مـا تـصـنـع

كانوا كقاذفةٍ بـينـهـمـا ضـلةً

 

سفهاً وغيرهم ترب وتـرضـع

شعر له في عينه وقلبه: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا عبد الله بن سعيد ابن أسيد العامري قال حدثني محمد بن أنسٍ الأسدي قال: شعر له في عينه وقلبه: جلست إلى إسماعيل بن عمار، وإذا هو يفتل أصابعه متأسفاً، فقلت: علام هذا التأسف والتلهف؟ فقال:

عيناي مشؤمتان ويحهمـا

 

والقلب حران مبتلًى بهما

عرفتاه الهوى لظلمهـمـا

 

يا ليتني قبل ذا عدمتهمـا

هما إلى الحين دلتا وهمـا

 

ذل على من أحب دمعهما

سأعذر القلب في هواه وما

 

سبب كل البلاء غيرهمـا

شعر للأعشى وشرحه: صوت:

فكعبة نجران حتم علي

 

ك حتى تناخي بأبوابها

نزور يزيد وعبد المسيح

 

وقيساً هم خير أربابها

وشاهدنا الجل والياسمي

 

ن والمسمعات بقصابها

وبربطنا دائم معـمـل

 

فأي الثلاثة أزرى بها

إذا الحبرات فلوت بهم

 

وجرو أسافل هدابهـا

فلما التقينا عـلـى آيةٍ

 

ومدت إلي بأسبابـهـا

عروضه من المتقارب. الشعر للأعشى يمدح بني عبد المدان الحارثيين من بني الحارث بن كعب. والغناء لحنين، خفيف ثقيل بالوسطى في مجراها عن إسحاق. وذكر يونس أن فيه لحناً لمالك، وزعم عمرو بن بانة أنه خفيف ثقيلٍ. وزعم أبو عبد الله الهشامي أن فيه لابن المكي خفيف رملٍ بالوسطى أوله:

تنازعني إذ خلت بردها

ومعه باقي الأبيات مخلطةً مقدمةً ومؤخرةً. والكعبة التي عناها الأعشى ها هنا يقال إنها بيعة بناها بنو عبد المدان على بناء الكعبة، وعظموها مضاهاة للكعبة، وسموها كعبة نجران، وكان فيها أساقفة يقيمون، وهم الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى المباهلة، وقيل: بل هي قبة من أدمٍ سموها الكعبة. وكان إذا نزل بها مستجير أو أجير، أو خائف أمن، أو طالب حاجة قضيت، أو مسترفد أعطي ما يريده. والمسمعات: القيان. والقصاب: أوتار العيدان. وقال الأصمعي: قلت لبعض الأعراب: أنشدني شيئاً من شعرك. قال: كنت أقول الشعر وتركته. فقلت: ولم ذاك؟ قال: لأنني قلت شعراً وغنى فيه حكم الوادي وسمعته فكاد يذهل عقلي، فآليت ألا أقول شعراً، وما حرك حكم قصابه إلا توهمت أن الله عز وجل مخلدي بها في النار.