أخبار عروة بن الورد ونسبه

الثالث

أخبار عروة بن الورد ونسبه

نسبه، شاعر جاهلي فارس جواد مشهور

عروة بن الورد بن زيد، وقيل: ابن عمرو بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن لديم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد ين قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانها وصعلوك من صعاليكها المعدودين المقدمين الأجواد.

كان يلقب بعروة الصعاليك وسبب ذلك

وكان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى، وقيل: بل لقب عروة الصعاليك لقوله:

لحي الله صعلوكاً إذا جن ليلـه

 

مصافي المشاش آلفاً كل مجزر

يعد الغنى من دهره كـل لـيلة

 

أصاب قراها من صديق ميسر

ولله صعلوك صفيحة وجـهـه

 

كضوء شهاب القابس المتنـور

شرف نسبه وتمنى الخلفاء أن يصاهروه أو ينتسبوا إليه:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال بلغني أن معاوية قال: لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم.

أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، وحدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قلا جميعاً: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرني أن أحداً من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله:

إني امرؤ عافي إنـائي شـركة

 

وأنت امرؤ عافي إنائك واحـد

أتهزأ مني أن سمنت وأن تـرى

 

بجسمي مس الحق والحق جاهد

أفرق جسمي في جسوم كثـيرة

 

وأحسوا قراح الماء والماء بارد

قال الحطيئة لعمر بن الخطاب كنا نأتم في الحرب بشعره:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كيف كنتم في حربكم؟ قال: كنا ألف حازم، قال: وكيف؟ قال: كان فينا قيس بن زهير وكان حازماً وكنا لا نعصيه، وكنا نقدم إقدام عنترة، ونأتم بشعر عروة بن الورد، وننقاد لأمر الربيع بن زياد.

قال عبد الملك إنه أجود من حاتم

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال ويقال: إن عبد الملك قال: من زعم أن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
منع عبد الله بن جعفر معلم ولده من أن يرويهم قصيدة له يحث فيها على الاغتراب: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا معن بن عيسى قال: سمعت أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلم ولده: لا تروهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:

دعيني للغنى أسعى فإنـي

 

رأيت الناس شرهم الفقير

ويقول: إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم

خبر عروة مع سلمى سببته وفداء أهلها بها:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران الزهري عن عامر بن جابر قال: أغار عروة بن الورد على مزينة فأصاب منهم امرأة” من كنانة ناكحاً، فاستاقها ورجع وهو يقول:

تبغ عدياً حيث حـلـت ديارهـا

 

وأبناء عوف في القرون الأوائل

فإلا أنل أوساً فإني حسـبـهـا

 

بمنبطح الأدغال من ذي السلائل

ثم أقبل سائراً حتى نزل ببني النضير، فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر، ثم استوهبوها منه قوهبها لهم، وكان لا يمس النساء، فلما أصبح وصحا ندم فقال:

سقوني الخمر ثم تكنفوني

الأبيات: قال: وجلاها النبي صلى الله عليه وسلم مع من جلا من بني النصيروذكر أبو عمرو الشيباني من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة” من بني كنانة بكراً يقال لها أنها أرغب الناس فيه، وهب تقول له: لو حججت بي فأمر على أهلي وأراهم! فحج بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة، وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير فيقرضونه إن احتاج ويبايعهم إذا غنم، وكان قومها يخالطون بني النضير، فأتوهم وهو عندهم؛ فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحيون أن نكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبية”، وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحداً، فأتوه فسقوه الشراب، فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإن علينا سبة” أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك؛ فقال لهم: ذاك لكم، ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها وإن اختارتكم انطلقتم بها؛ قالوا: ذاك لك؛ قال: دعوني أله بها الليلة وأفادها غداً، فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها؛ فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر، فلم يقدر على الامتناع وفاداها، فلما فادوه بها خيروها فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: ياعروة أما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق: والله ماأعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خيرٍ منك وأغض طرفاً وأقل فحشاً وأجود يداً وأحمى لحقيقة؛ وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك، لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته؛ ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبداً، فارجع راشداً إلى ولدك وأحسن إليهم. فقال عروة في ذلك:

سقوني الخمر ثم كنفوني

وأولها:

أرقت وصحبتي بمضيق عميق

 

لبرق من تهامة مستـطـير

سقى سلمى وأين ديار سلمـى

 

إذا كانت مجاورة الـسـرير

إذا حلت بأرض بني عـلـي

 

وأهلي بـين إمـرة وكـير

ذكرت منازلاً مـن أم وهـب

 

محل الحي أسفل من نـقـير

وأحدث معهد مـن أم وهـب

 

معرسنا بدار نبي بني النضير

وقالوا ما تشاء فقلت ألـهـو

 

إلى الأصباح آثـر ذي أثـير

بآنسة الحديث رضاب فـيهـا

 

بعيد النوم كالعنب العـصـير

وأخبرني علي بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي بهذه الحكاية كما ذكر أبو عمرو، وقال فيها: إن قومها أغلوا بها الفداء، وكان معه طلق وجبار أخوه وابن عمه، فقالا له: والله لئن قبلت ما أعطوك لا تفتقر أبداً، وأنت على النساء قادر متى شئت، وكان قد سكر فأجاب إلى فدائها، فلما صحا ندم فشهدوا عليه بالفداء فلم يقدر على الامتناع. وجاءت سلمى تثني عليه فقالت: والله إنك ما علمت لضحوك مقبلاً كسوب مدبراً خفيف على متن الفرس ثقيل على العدو طويل العماد كثير الرماد راضي الأهل والجانب، فاستوص ببنيك خيراً، ثم فارقته. فتزوجها رجل من بني عمها، فقال لها يوماً من الأيام: يا سلمى، أثني علي كما أثنيت على عروة -وقد كان قولها فيه شهر-فقالت له: لا تكلفني ذلك فإني إن قلت الحق غضبت ولا واللات والعزى لا أكذب؛ فقال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين، وخرج فجلس في ندي القوم، وأقبلت فرماها القوم والله إن شملتك لإلتحاف، وإن شربك لاستفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب، ثم انصرفت. فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها.

كان يجمع الصعاليك ويكرمهم ويغير بهم

أخبرني الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال حدثني أبو فقعس قال: كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سني شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم، ومن قوي منهم-إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته-خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيباً، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمةٍ إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمي عروة الصعاليك، فقال في ذلك بعض السنين وقد ضاقت حاله:

لعل ارتيادي في البلاد وبغيتي

 

وشدي حيازيم المطية بالرحل

سيدفعني يوماً إلى رب هجمةٍ

 

يدافع عنها بالعقوق وبالبخل

أغار مع جماعة من قومه على رجل فأخذ إبله وامرأته ثم اختلف معهم فهجاهم:

فزعموا أن الله عز وجل قيض له وهو مع قوم من هلاك عشيرته في شتاءٍ شديد ناقتين دهماوين، فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى، وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان، وكان بين النقرة والربذة فنزل بهم مابينهما بموضع يقال له: ماوان. ثم إن الله عز وج قيض له رجلاً صاحب مائةٍ من الإبل قد فر بها من حقوق قومه- وذلك أول ما ألبن الناس-فقتله وأخذ إبله وامرأته، وكانت من أحسن النساء، فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها لهم وحملهم عليها، حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم، فقالوا: لا واللات والعزى لا نرضى حتى نجعل المرأة نصيباً فمن شاء أخذها، فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم، ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع، فأفكر طويلاً ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله، فأبوا ذلك عليه، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه؛ فقال عروة في ذلك قصيدته التي أولها:

ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم

 

كما الناس لما أمرعوا وتمولوا

وإني لمدفـوع إلـي ولاؤهـم

 

بماوان إذ نمشي وإذ نتملمـل

وإني وإياهم كذي الأم أرهنت

 

له ماء عينيها تفدي وتحمـل

فباتت بحد المرفقين كليهـمـا

 

توحوح مما نالها وتـولـول

تخير من أمرين ليسا بغبـطة

 

هو الثكل إلا أنها قد تجـمـل

سبي ليلى بنت شعواء ثم اختارت أهلها فقال شعراً: وقال ابن الأعرابي في هذه الرواية أيضاً: كان عروة قد سبى امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها: ليلى بنت شعواء، فمكثت عنده زماناً وهي معجبة له تريه أنها تحبه، ثم استزارته أهلها فحملها حتى أتاهم بها، فلما أراد الرجوع أبت أن ترجع معه، وتوعده قومها بالقتل فانصرف عنهم، وأقبل عليها فقال لها: يا ليلى، خبري صواحبك عني كيف أنا؛ فقالت: ما أرى لك عقلاً! أتراني قد اخترت عليك وتقول: خبري عني! فقال في ذلك:

تحن إلى ليلى بجـو بـلادهـا

 

وأنت عليها بالملا كنت أقـدر

وكيف ترجيها وقد حيل دونهـا

 

وقد جاوزت حياً بتيماء منكرا

لعلك يوماً أن تسـري نـدامة”

 

علي بما جشمتني يوم غضورا

وهي طويلة. قال: ثم إن بني عامر أخذوا امرأة من بني عبس ثم من بني سكين يقال لها أسماء، فما لبثت عندهم إلا يوماً حتى استنقذها قومها؛ فبلغ عروة أن عامر بن الطفيل فخر بذلك وذكر أخذه إياها، فقال عروة يعيرهم بأخذه ليلى بنت شعواء الهلالية:

إن تأخذوا أسماء موقـف سـاعةٍ

 

فمأخذ ليلى وهي عذراء أعجب

لبسنا زماناً حسنها وشـبـابـهـا

 

وردت إلى شعواء والرأس أشيب

كمأخذنا حسناء كرهاً ودمعـهـا

 

غداة اللوي معصوية يتصـبـب

خرج ليغير فمنعته امرأته فعصاها وقال في ذلك شعراً: إغاثته لعبس في مجاعتهم وقال ابن الأعرابي: أجدب ناس من بين عبس في سنة أصابتهم فأهلكت أموالهم وأصابهم جوع شديد وبؤس، فأتوا عروة بن الورد فجلسوا أمام بيته، فلما بصروا به صرخوا وقالوا: يا أبا الصعاليك، أغثنا؛ فرق لهم وخرج ليغزو بهم ويصيب معاشاً، فنهته امرأته عن ذلك لما تخوفت عليه من الهلاك، فعصاها وخرج غازياً، فمر بمالك بن حمار الفزاري ثم الشمخي؛ فسأله: أين يريد؟ فأخبره، فأمر له بجزور فنحرها فأكلوا منها؛ وأشار عليه مالك أن يرجع، فعصاه ومضى حتى انتهى إلى بلاد بين القين، فأغار عليهم فأصاب هجمة عاد بها على نفسه وأصحابه؛ وقال في ذلك:

أرى أم حسان الغداة تلومـنـي

 

تخوفني الأعداء والنفس أخوف

تقول سليمى لو أقمت لسـرنـا

 

ولم تدر أنى للمقـام أطـوف

لعل الذي خوفتنا من أمامـنـا

 

يصادفه في أهله المتخـلـف

وهي طويلة: وقال في ذلك أيضاً:

أليس ورائي أن أدب على العصا

 

فيشمت أعدائي ويسأمني أهلي

رهينة قعر البيت كل عـشـية

 

يطيف بي الولدان أهدح كالرأل

أقيموا بين لبني صدور ركابكـم

 

فكل منايا النفس خير من الهزل

فإنكم لن تبلغوا كل هـمـتـي

 

ولاأربى حتى تروا منبت الأثل

لعل ارتيادي في البلاد وحيلتـي

 

وشدي حيازيم المطية بالرحـل

سيدفعني يوماً إلى رب هجـمةٍ

 

يدافع عنها بالعقوق وبالبـخـل

قصته مع هزلي أغار على فرسه

نسخت من “كتاب أحمد بن القاسم بن يوسف” قال حدثني حر بن قطن أن ثمامة بن الوليد دخل على المنصور؛ فقال: يا ثمامة، أتحفظ حديث ابن عمك عروة الصعاليك بن الورد العبسي؟ فقال: أي حديثه يا أمير المؤمنين؟ فقد كان كثير الحديث حسنه؛ قال: حديثه مع الهذلي الذي أخذ فرسه؛ قال: ما يحضرني ذلك فأرويه يا أمير المؤمنين؛ فقال المنصور: خرج عروة حتى دنا من منازل هذيل فكان منها على نحو ميلين وقد جاع فإذا هو بأرنب فرماها ثم أورى ناراً فشواها وأكلها ودفن النار على مقدار ثلاث أذرع وقد ذهب الليل وغارت النجوم، ثم أتى سرحة فصعدها وتخوف الطلب، فلما تغيب فيها إذ الخيل قد جاءت وتخوفوا البيات. قال: فجاءت جماعة منهم ومعهم رجل على فرس فجاء حتى ركز رمحه في موضع النار وقال: لقد رأيت النار هاهنا؛ فنزل رجل فحفر قدر ذراع فلم يجد شيئاً، فأكب القوم على الرجل يعذلونه ويعيبون أمره ويقولون: عنيتنا في مثل هذه الليلة القرة وزعمت لنا شيئاً كذبت فيه؛ فقال: ما كذبت، ولقد رأيت النار في موضع رمحي؛ فقالوا: ما رأيت شيئاً ولكن تحذلقك وتدهيك هو الذي حملك على هذا، وما نعجب إلا لأنفسنا حين أطعنا أمرك واتبعناك؛ ولم يزالوا بالرجل حتى رجع عن قوله لهم. واتبعهم عروة، حتى إذا وردوا منازلهم جاء عروة فتمكن في كسر بيت؛ وجاء الرجل إلى امرأته وقد خالفه إليها عبد أسود، وعرة ينظر، فأتاها العبد بعلبة فيها لبن فقال: اشربي؛ فقالت لا، أو تبدأ، فبدأ الأسود فشرب؛ فقالت للرجل حين جاء: لعن الله صلفك! عنيت قومك منذ الليلة؛ قال: لقد رأيت ناراً، ثم دعا بالعلبة ليشرب، فقال حين ذهب ليكرع: ريح رجل ورب الكعبة! فقالت امرأته: وهذه أخرى، أي ريح رجل تجده في إنائك غير ريحك! ثم صاحت، فجاء قومها فأخبرتهم خبره، فقالت: يتهمني ويظن بي الظنون! فأقبلوا عليه باللوم حتى رجع عن قوله؛ فقال عروة: هذه ثانية. قال ثم أوى الرجل إلى فراشه، فوثب عروة إلى الفرس وهو يريد أن يذهب به، فضرب الفرس بيده وتحرك، فرجع عروة إلى موضعه، ووثب الرجل فقال: ما كنت لتكذبيني فمالك؟ فأقبلت عليه امرأته لوماً وعدلاً. قال: فصنع عروة ذلك ثلاثاً وصنعه الرجل، ثم أوى الرجل إلى فراشه وضجر من كثرة ما يقوم، فقال: لا أقوم إليك الليلة؛ وأتاه عروة فحال في متنه وخرج ركضاً، وركب الرجل فرساً عنده أنثى. قال عروة: فجعلت أسمعه خلفي يقول: الحقي فإنك من نسله. فلما انقطع عن البيوت، قال له عروة قال له عروة بن الورد: أيها الرجل قف، فإنك لو عرفتني لم تقدم علي، أنا عروة بن الورد، وقد رأيت الليلة منك عجباً، فأخبرني به وأرد إليك فرسك؛ قال: وما هو؟ قال: جئت مع قومك حتى ركزت رمحك في موضع نارٍ قد كنت أوقدتها فثنوك عن ذلك فانثنيت وقد صدقت، ثم اتبعتك حتى أتيت منزلك وبينك وبين النار ميلان فأبصرتها منهما، ثم شممت رائحة رجل في إنائك، وقد رأيت الرجل حين آثرته زوجتك بالإناء، وهو عبدك الأسود وأظن أن بينهما مالا تحب، فقلت: ريح رجل؛ فلم تزل تثنيك عن ذلك حتى انثنيت، ثم خرجت إلى فرسك فأردته فاضطرب وتحرك فخرجت إليه، ثم خرجت وخرجت، ثم أضربت عنه، فرأيتك في هذه الخصال أكمل الناس ولكنك تنثني وترجع؛ فضحك وقال: ذلك لأخوال السوء، والذي رأيت من صرامتي فمن قبل أعمامي وهم هذيل، وما رأيت من كعاعتي فمن قبل أخوالي وهم بطن من خزاعة والمرأة التي رأيت عندي امرأة منهم وأنا نازل فيهم، فذلك التي رأيت عندي امرأة منهم وأنا نازل فيهم، فذلك الذي يثنيني عن أشياء كثيرة، وأنا لاحق بقومي وخارج عن أخوالي هؤلاء ومخل سبيل المرأة، ولولا ما رأيت من كعاعتي لم يقو على مناوأة قومي أحد من العرب. فقال عروة: خذ فرسك راشداً؛ قال: ما كنت لآخذه منك وعندي من نسله جماعة مثله، فخذه مباركاً لك فيه. قال ثمامة: إن له عندنا أحاديث كثيرة ما سمعنا له بحديث هو أظرف من هذا.
قصة غزوان لماوان وحديثه مع غلام تبين بعد أنه ابنه: قال المنصور: أفلا أحدثك له بحديث هو أظرف من هذا؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، فإن الحديث إذا جاء منك كان له فضل على غيره؛ قال: خرج عروة وأصحابه حتى أتى ماوان فنزل أصحابه وكنف عليهم كنيفاً من الشجر، وهم أصحاب الكنيف الذي سمعته قال فيهم:

ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم

 

كما الناس لما أمرعوا وتمولوا

وفي هذه الغزاة يقول عروة:

أقول لقوم في الكنيف تروحوا

 

عشية قلنا حول ماوان رزح

وفي هذه القصيدة يقول:

ليبلغ عذراً أو يصيب غنـيمة”

 

وملغ نفسٍ عذرها مثل منجح

ثم مضى يبتغي لهم شيئاً وقد جهدوا، فإذا هو بأبيات شعرٍ وبامرأة قد خلا من سنها وشيخ كبير كالحقاء الملقى، فكمن في كسر بيت منها، وقد أجدب الناس وهلكت الماشية، فإذا هو في البيت بسحور ثلاثة مشوية – فقال ثمامة: ومالسحور؟ قال: الحلقوم بما فيه- والبيت خال فأكلها، وقد مكث قبل ذلك يومين لا يأكل شيئاً فأشبعته وقوي، فقال: لا أبالي من لقيت بعد هذا. ونظرت المرأة فظنت أن الكلب أكلها فقالت للكلب: أفعلتها ياخبيث! وطردته. فإنه لكذلك إذا هو عند المساء بإبل قد ملأت الأفق وإذا هي تلتفت فرقاً، فعلم أن راعيها جلد شديد الضرب لها، فلما أتت المناخ بركت، ومكث الراعي قليلاً ثم أتى ناقة” منها فمرى أخلاقها، ثم وضع العلبة على ركبتيه وحلب حتى ملأها، ثم أتى الشيخ فسقاه، ثم أتى ناقة أخرى ففعل بها ذلك وسقى العجوز، ثم أتى أخرى ففعل بها كذلك فشرب هو، ثم التفع بثوب واضطجع ناحيةٍ، فقال الشيخ للمرأة وأعجبه ذلك: كيف ترين ابني؟ فقالت: ليس بابنك! قال: فابن من ويلك؟ قالت: ابن عروة بن الورد، قال: ومن أين؟ قالت: أتذكر يوم مر بنا يريد سوق ذي المجاز فقلت: هذا عروة بن الورد، ووصفته لي بجلد فإني استطرفته. قال: فسكت، حتى إذا نوم وثب عروة وصاح بالإبل فاقتطع منها نحواً من النصف ومضى ورجا ألا يتبعه الغلام- وهو غلام حين بدا شاربه-فاتبعه. قال: فاتخذا وعالجه، قال: فضرب به الأرض فيقع قائماً، فتخوفه على نفسه، ثم واثبه فضرب به وبادره، فقال: إني عروة بن الورد، وهو يريد أن يعجزه عن نفسه. قال: فارتدع، ثم قال مالك ويلك! لست ينهاك عن شيء، قال: الذي بقي من عمر الشيخ قليل، وأنا مقيم معه مابقي، فإن له حقاً وذماماً، فإذا هلك فما أسرعني إليك، وخذ من هذا الإبل بعيراً؛ قلت: لا يكفيني، إن معي أصحابي قد خلفتهم؛ قال: فثانياً، قلت لا؛ قال: فثالثاً، والله لازدتك على ذلك. فأخذها ومضى إلى أصحابه، ثم إن الغلام لحق به بعد هلاك الشيخ. قال: والله يا أمير المؤمنين لقد زينته عندنا وعظمته في قلوبنا؛ قال: فهل أعقب عنكم؟ قال لا، ولقد كنا نتشاءم بأبيه، لأنه هو الذي وقع الحرب بين عبس وفزاره بمراهنته حذيفة، ولقد بلغني أنه كان له ابن أسن من عروة فكان يؤثره على عروة فيما يعطيه ويقربه، فقيل له: أتؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضعفه! قال: أترون هذا الأصغر! لئن بقي مع ما رأى من شدة نفسه ليصبرن الأكير عيالاً عليه.

صوت من المائة المختارة

أزرى بنا أننا شالت نعامتنـا

 

فخالني دونه بل خلته دوني

فإن تصبك من الأيام جائحة

 

لم أبك منك على دنيا ولادين

الشعر لذي الإصبع العدواني، والغناء لفيل مولى العبلات هزج خفيف بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. معنى قوله أزرى بنا: قصر بنا، يقال: زريت عليه إذا عبت عليه فعله، وأزريت به إذا قصرت به في شيء. وشالت نعامتهم إذا انتقلوا بكليتهم، يقال: شالت نعامتهم، وزف رألهم، إذا انتقلوا عن لاموضع فلم يبق فيه منهم أحد ولم يبق لهم فيه شيء. وخالني: ظنني، يقال: خلت كذا وكذا فأنا أخاله إذ ظننته.

 والجائحة: النازلة التي تحتاج ولاتبقى على ما نزلت به.