أخبار عبد بني الحسحاس

أخبار عبد بني الحسحاس

اسمه سحيم، وكان عبداً أسود نوبياً أعجمياً مطبوعاً في الشعر، فاشتراه بنو الحسحاس، وهم بطن من بني أسد، قال أبو عبيدة: الحسحاس بن نفاثة بن سعيد بن عمرو بن مالك بن ثعلبة بد دودان بن أسد بن خزيمة.

قال أبو عبيدة – فيما أخبرنا هاشم بن محمد الخزاعي عن أبي حاتم عنه: كان عبد بني الحسحاس عبداً أسود أعجمياً، فكان إذا أنشد الشعر – استحسنه أم استحسنه غيره منه – يقول: أهشنت والله – يريد أحسنت والله – وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: إنه تمثل بكلمات من شعره غير موزونة.

يستشهد الرسول ببيت له أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن منصور قال حدثنا الحسن بن موسى قال حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم تمثل:

كفى بالإسلام والشيب ناهيا

فقال أبو بكر: يا رسول الله:

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

فجعل لا يطيقه، فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله (وما علمنا الشعر وما ينبغي له).

قال محمد بن خلف وحدثني أحمد بن شداد عن أبي سلمة التبوذ كي عن حماد بن سلمة، عن رجل، عن الحسن مثله، وروي عن أبي بكر الهذلي أن اسم عبد بني الحسحاس حية.

كان أسود الوجه وأخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: كان عبد بني الحسحاس حلو الشعر رقيق الحواشي، وفي سواده يقول:

وما ضر أثوابي سوادي وإنـنـي

 

لكالمسك لا يسلو عن المسك ذائقة

كيست قميصاً ذا سواد وتـحـتـه

 

قميص من القوهي بيض بنائقـه

ويروى: وتحته قميص من الإحسان أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال: أنشدني مصعب بن عبد الله الزبيري لعبد بني الحسحاس – وكان يستحسن هذا الشعر ويعجب به – قال:

أشعار عبد بني الحسحاس قمن له

 

عند الفخار مقام الأصل والورق

إن كنت عبداً فنفسي حرة كرمـاً

 

أو أسود اللون إني أبيض الخلق

وقال الأثرم: حدثني السري بن صالح بن أبي مسهر قال: أخبرني بعض الأعراب، أن أول ما تكلم به عبد بني الحسحاس من الشعر أنهم أرسلوه رائداً فجاء وهو يقول:

أنعت غيثاً حسناً نباته

 

كالحبشي حلوه بناته

فقالوا: شاعر والله، ثم انطلق بالشعر بعد ذلك.
بيت له يستحسنه عمر أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: أنشد سحيم عمر بن الخطاب قوله:

عميرة ودع إن تهجـزت غـاديا

 

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

فقال عمر: لو قلت شعرك كله مل هذا لأعطيتك عليه.

لا حاجة لعثمان به أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز قال: حدثني خالي يوسف بن الماجشون قال: كان عبد الله بن أبي ربيعة عاملاً لعثمان بن عفان على الجند، فكتب إلى عثمان: إني قد اشتريت غلاماً حبشياً يقول الشعر، فكتب إليه عثمان: “لا حاجة لي إليه، فاردده، فإنما حظ أهل العبد الشاعر منه، إن شبع أن يتشبب بنسائهم، وإن جاع أن يهجوهم”، فرده فاشتراه أحد بني الحسحاس.

وروى إبراهيم بن المنذر الحزامي هذا الخبر عن ابن الماجشون قال: كان عبد الله بن أبي ربيعة – مثل ما رواه الزبير – إلا أنه قال فيه: إن جاع هر، وإن شبع فر.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو بكر العامري عن الأثرم عن أبي عبيدة. وأخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: أنشد عبد بني الحسحاس عمر قوله:

توسدني كفاً وتثني بمعـصـم

 

علي وتحوي رجلها من ورائيا

فقال عمر: ويلك إنك مقتول.
أخبرني محمد بن جعفر الصيلاني قال: حدثني أحمد بن القاسم قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي، عن ابن أبي عائشة قال: أنشد عبد بني الحسحاس عمر قوله:

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً

الإسلام أولا فقال له عمر: لو قدمت الإسلام على الشيب لأجزتك.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز وحبيب بن نصر قالا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا معاذ بن معاذ وأبو عاصم عن ابن عون عن محمد بن سيف، أن عبد بني الحسحاس أنشد عمر هذا وذكر الحديث مثل الذي قبله.

كان قبيح الوجه أخبرني محمد بن خلف قال: حدثنا إسحاق بن محمد قال: حدثنا عبد الرحمن، ابن أخي الأصمعي عن عمه قال: كان عبد بني الحسحاس قبيح الوجه، وفي قبحه يقول:

أتيت نساء الحارثيين غدوة

 

بوجه براه الله غير جميل

فشبهنني كلباً ولست بفوقه

 

ولا دونه إن كان غير قليل

كان يشبب بنساء مواليه أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: أتي عثمان بن عفان بعبد بني الحسحاس ليشتريه فأعجب به فقالوا: إنه شاعر: وأرادوا أن يرغبوه فيه: فقال: لا حاجة لي به؛ إذ الشاعر لا حريم له، إن شبع تشبب بنساء أهله، وإن جاع هجاهم، فاشتراه غيره، فلما رحل قال في طريقه:

أشوقاً ولما تمض لي غـير لـيلة

 

فكيف إذا سار المطي بنا شهرا؟

وما كنت أخشى مالكاً أن يبيعنـي

 

بشيء ولو أمست أنامله صفـرا

أخوكم ومولى مالكم وحلـيفـكـم

 

ومن قد ثوى فيكم وعاشركم دهرا

فلما بلغهم شعره هذا رثوا له، فاستردوه.
فكان يشبب بنسائهم، حتى قال:

ولقد تحدر من كريمة بعضكـم

 

عرق على متن الفراش وطيب

قال: فقتلوه.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن خاله يوسف بن الماجشون بمثل هذه الرواية وزاد فيها: فلما استردوه نشب يقول الشعر في نسائهم، فأخبرني من رآه واضعاً إحدى رجليه على الأخرى يقرض الشعر ويشبب بأخت مولاه وكانت عليلة، ويقول:

ماذا يريد السقام من قـمـر

 

كل جمال لوجهه تـبـع!

ما يرتجى خاب من محاسنها

 

آماله في القباح متـسـع!

غير من لونها وصفـرهـا

 

فزيد فيه الجمال والـبـدع

لو كان يبغي الفداء قلت له:

 

ها أنا دون الحبيب يا وجع

أخبرني محمد بن خلف قال: حدثنا أبو بكر العامري، عن علي بن المغيرة الأثرم قال: قال أبو عبيدة: الذي تناهى إلينا من حديث سحيم عبد بني الحسحاس أنه جالس نسوة من بني صبير بن يربوع، وكان من شأنهم إذا جلسوا للتغزل أن يتعابثوا بشق الثياب وشدة المغالبة على إبداء المحاسن، فقال سحيم:

كأن الصبيريات يوم لـقـينـنـا

 

ظباء حنت أعناقها في المكانس

فكم قد شققنا مـن رداء مـنـير

 

ومن برقع عن طلفة غير ناعس

إذا شق برد شق بالبرد بـرقـع

 

على ذاك حتى كلنا غير لابـس

فيقال: إنه لما قال هذا الشعر أتهمه مولاه، فجلس له في مكان كان إذا رعى نام فيه، فلما اضطجع تنفس الصعداء، ثم قال:

يا ذكرة مالك في الحاضر

 

تذكرها وأنت في الصادر

من كل بيضاء لها كفـل

 

مثل سنام البكرة المـائر

قال: فظهر سيده من الموضع الذي كان فيه كامنا، وقال له: مالك؟ فلجلج في منطقه، فاستراب به، فأجمع على قتله، فلما ورد الماء خرجت إليه صاحبته، فحادثته، وأخبرته بما يراد به، فقام ينفض ثوبه ويعفى أثره، ويلقط رضاً من مسكها كان كسرها في لعبه معها، وأنشأ يقول: صوت

أتكتم حييتم على النأي تكـتـمـا

 

تحية من أمسى بحبك مغرمـا

زما تكتـمـين إن أتـيت دنـية

 

ولا إن ركبنا يا بنة القوم محرما

ومثلك قد أبرزت من خدر أمها

 

إلى مجلس تجر برداً مسهمـاً

الغناء للغريض ثقيل أول بالوسطى وفيه ليحيى المكي ثاني ثقيل، قال:

وماشية مشى القطاة اتبعتـهـا

 

من الستر تخشى أهلها أن تكلما

فقالت: صه يا ويح غيرك إنني

 

سمعت حديثاً بينهم يقطر الدمـا

فنفضت ثوبيها ونظرت حولهـا

 

ولم أخس هذا الليل أن يتصرما

أعفى بآثار الثياب مـبـيتـهـا

 

وألقط رضا من وقوف تحطما

قال: وغدوا به ليقتلوه، فلما رأته ارمأة كانت بينها وبينه مودة ثم فسدت، ضحكت به شماتة فنظر إليها وقال:

فإن تضحكي مني فيا رب ليلة

 

تركتك فيها كالقباء المفـرج

فلما قدم ليقتل قال:

شدوا وثاق العبد لا يفلـتـكـم

 

إن الحياة من الممات قـريب

فلقد تحدر من جبين فتـاتـكـم

 

عرق على متن الفراش وطيب

يحرق في أخدود قال: وقدم فقتل. وذكر ابن دأب أنه حفر له أخدود، وألقي فيه، وألقي عليه الحطب فأحرق.

أصابهن كلهن إلا واحدة أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: كان عبد بني الحسحاس يسمى حية، وكان لسيده بنت بكر، فأعجبها، فأمرته أن يتمارض، ففعل وعصب رأسه. فقالت للشيخ: أسرح أيها الرجل إبلك، ولا تكلها إلى العبد، فكان فيها أياماً، ثم قال له: كيف تجدك؟ قال: صالحاً، قال: فرح في إبلك العشية، فراح فيها، فقالت الجارية لأبيها: ما أحسبك إلا قد ضيعت إبلك العشية، أن وكلتها إلى حية، فخرج في آثار إبله فوجده مستلقياً في ظل شجرة، وهو يقول:

يا رب شجو لك في الحاضر

 

تذكرها وأنت في الصـادر

من كل حمراء جـمـالـية

 

طيبة الـقـادم والآخــر

فقال الشيخ: إن لهذا لشأنا، وانصرف، ولم يره وجهه. وأتى أهل الماء، وقال لهم: تعلموا والله أن هذا العبد قد فضحنا، وأخبرهم الخبر، وأنشدهم ما قال، فقالوا: اقتله، فنحن طوعك، فلما جاءهم وثبوا عليه، فقالوا له قلت وفعلت، فقال: دعوني إلى غد حتى أعذرها عند أهل الماء، فقالوا: إن هذا صواب فتركوه، فلما كان الغد اجتمعوا فنادى: يا أهل الماء، ما فيكم امرأة إلا قد أصبتها إلا فلانة فإني على موعد منها فأخذوه فقتلوه.

ومما يغنى فيه من قصيدة سحيم عبد بني الحسحاس، وقال: إن من الناس من يرويها لغيره:

تجمعن من شتى ثلاثاً وأربعـا

 

وواحدة حتى كملن ثـمـانـيا

وأقبلن من أقصى الخيام يعدنني

 

بقية ما أبقين نصلا يمـانـيا

يعدن مريضا هن قد هجن داءه

 

ألا إنما بعض الـعـوائد دائيا

فيه لحنان كلاهما من الثقيل الأول، والذي ابتداؤه “تجمعن من شتى ثلاث” لبنان.

والذي أوله “وأقبلن من أقصى الخيام”. ذكر الهشامي أنه لإسحاق وليس يشبه صنعته ولا أدري لمن هو؟.

مخارق يكبد لإسحاق أخبرني جحظة عن ابن حمدون أن مخارقا عمل لحناً في هذا الشعر:

وهبت شمالا آخر الليل قرة

 

ولا ثوب إلا بردها وردائيا

على عمل صنعة إسحاق في:

أماوي إن المال غاد ورائح

ليكيد به إسحاق، وألقاه على عجوز عمير الباذ عيسى، وقال لها: إذا سئلت عنه فقولي: أخذته من عجوز مدنية، ودار الصوت حتى غني به الخليفة، فقال لإسحاق: ويلك أخذت لحن هذا الصوت تغنيه كله، فحلف له بكل يمين يرضاه أنه لم يفعل وتضمن له كشف القصة، ثم أقبل على من غناهم الصوت فقال: عمن أخذته؟ فقال: عن فلان، فلقيه، فسأله عمن أخذه فعرفه، ولم يزل يكشف عن القصة، حتى أنتهت من كل وجه إلى عجوز عمير، فسئلت عن ذلك، فقالت: أخذته عن عجوز مدنية، فدخل إسحاق على عمير، فحلف له بالطلاق والعتاق وكل محرج من الأيمان ألا يكلمه أبدا ولا يدخل داره ولا يترك كيده وعداوته أو يصدقه عن حال هذا الصوت وقصته، فصدقه عمير عن القصة، فحدث بها الواثق بحضرة عمير ومخارق، فلم يكن مخارقاً دفع ذلك، وخجل خجلاً بان فيه، ويطل ما أراده بإسحاق.

صوت

ثلاثة أبـيات فـبـيت أحـبـه

 

وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي

ألا أيها البيت الذي حـيل دونـه

 

بنا أنت من بيت وأهلك من أهل

الشعر لجميل، والغناء لإسحاق ماخوري بالبنصر من جامع أغانيه، وفيه رمل مجهول ذكره حبش لعلوية ولم أجد طريقته.