أخبار عبد الله بن علقمة وحبيشة

أخبار عبد الله بن علقمة وحبيشة

صوت من المائة المختارة

فلا زلن حسرى ظلعاً لم حملنها

 

إلى بلدٍ ناءٍ قـلـيل الأصـادق

ولا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرةٌ

 

أثيبي بودٍّ قبل إحدى الـبـوائق

عروضه من الطويل: قوله: فلا زلن حسرى: دعاء على الإبل التي ظعنت بها وأبعدتها عنه. وحسرى: قد حسرن أي بلغ منهن الجهد فلم يبقى فيهن بقيةً، يقال حسر ناقته فهو يحسرها، وهي حسرى، والذكر حسير ، قال الله عز وجل: “ينقلب إليك البصر خاسئاً وهو حسيرٌ”. وفي الحديث: “فإن أتعبتها حسرتها”. والظلع في كل شيء: أن تألم رجله فلا يقدر أن يمشي عليها فيغمز في مشيه كالأعرج إذا مشى، ويقال: ظلع فهو ظالعٌ. والنائي: البعيد، والنية: الناحية التي تنوي إليها، والنوى: البعد، والتنائي: التباعد. والبوائق: الحوادث التي تأتي بما يحذر بغتةً، وهي مثل المصائب والنوائب.

البيت الأول من الشعر لكثير، ويقال: إنه لأبي جندب الهذلي. والبيت الثاني لرجل من كنانة ثم من بني جذيمة، وزعم ابن دأبٍ أنه عبد الله بن علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، وقيل أيضاً: إنه يقال له عمرو الذي قتله خالد بن الوليد في بعض مغازيه التي وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. الغناء في اللحن المختار لمتيم مولاة علي بن هشام وأم أولاده. ولحنها رمل بالبنصر، من رواية إسحاق وعمرو، وهو من الأرمال النادرة المختارة. وفيه خفيف ثقيلٍ، يقال: إنه لحسين بن محرز، ويقال: إنه قديم من غناء أهل مكة.

أخبار عبد الله بن علقمة وتعشقه حبيشة: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني العباس بن بكار قال حدثنا ابن دأب قال: كان من حديث عبد الله بن علقمة أحد بني علقمة أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة أنه خرج مع أمه وهو مع ذلك غلامٌ يفعهٌ دون المحتلم لتزور جارةً لها، وكان لها بنت يقال لها حبيشة بنت حبيش أحد بني عامر بن عبد مناة بن كنانة. فلما رآها عبد الله بن علقمة أعجبته ووقعت في نفسه، وانصرف وترك أمه عند جارتها، فلبثت عندها يومين.

ثم أتاها عبد الله بن علقمة ليرجعها إلى منزلها، فوجد حبيشة قد زينت لأمرٍ كان في الحي، فازداد بها عجباً، وانصرف بأمه في غداةٍ تمطر، فمشى معها شيئاً ثم أنشأ يقول:

وما أدري بلـى إنـي لأدري

 

أصوب القطر أحسن أم حبيش

حبيشة والذي خلـق الـهـدايا

 

وما عن بعدها للصب عـيش

فسمعت ذلك أمه فتغافلت عنه وكرهت قوله. ثم مشيا ملياً، فإذا هو بظبي على ربوةٍ من الأرض، فقال:

يا أمتا أخبـرينـي غـير كـاذبةٍ

 

وما يريد مسول الحق بالـكـذب

أتلك أحسن أم ظـبـيٌ بـرابـيةٍ

 

لا بل حبيشة في عيني وفي أربي

فزجرته أمه وقالت له: ما أنت وهذا! نزوجك بنت عمك فهي أجمل من تلك. وأتت امرأة عمه فأخبرتها خبره، وقالت: زيني ابنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه. فلما رآها أطرق. فقالت له أمه: أيهما الآن أحسن؟ فقال:

إذا غيبت عـنـي حـبـيشة مـرةً

 

من الدهر لم أملك عزاءً ولا صبرا

كأن الحشى حر السعـير يحـشـه

 

وقود الغضى والقلب مسـتـعـرا

وجعل يراسل الجارية وتراسله حتى علقته كما علقها، وكثر قوله للشعر فيها. فمن ذلك قال:

حبيشة هل جدي وجدك جـامـعٌ

 

بشملكم شملي وأهلكـم أهـلـي

وهل أنا ملتفٌّ بـثـوبـك مـرةً

 

بصحراء بين الأليتين إلى النخـل

وهل أشتفي من ريق ثغرك مـرةً

 

كراحٍ ومسكٍ خالطا ضرب النحل

فلما بلغ أهلها خبرهما حجبوها عنه مدة، وهو يزيد غراماً بها ويكثر قول الشعر فيها. فأتوها فقالوا لها: عديه السرحة، فإذا أتاك فقولي له: نشدتك الله إن كنت أحببتني فو الله ما على الأرض شيءٌ أبغض إلي منك، ونحن قريبٌ نستمع ما تقولين. فوعدته وجلسوا قريباً يستمعون، وجلست عند السرحة، وأقبل عبد الله لوعدها. فلما دنا منها دمعت عينها والتفتت إلى حيث أهلها جلوسٌ، فعرف أنهم قريب فرجع. وبلغه ما قالوا لها أن تقوله فأنشأ يقول:

لو قلت ما قالوا لزدت جوًى بكم

 

على أنه لم يبق ستر ولا صبر

ولم يك حبي عن نوالٍ بذلـتـه

 

فيسليني عنه التجهم والهـجـر

وما أنس م الأشياء لا أنس دمعها

 

ونظرتها حتى يغيبني القـبـر

سرية خالد بن الوليد إلى بني عامر بن عبد مناة: وبعث النبي صلى الله عليه وسلم على أثر ذلك خالد بن الوليد بن بني عامر بن عبد مناة بن كنانة وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوه وإلا قاتلهم . فصبحهم خالد بن الوليد بالغميصاء وقد سمعوا به فخافوه فظعنوا، وكانوا قتلوا أخاه الفاكه بن الوليد وعمه الفاكه بن المغيرة في الجاهلية، وكانوا من أشد حي في كنانة بأساً يسمون لعقة الدم. فلما صبحهم خالدٌ ومعه بنو سليم، وكانت بنو سليم طلبتهم بمالك بن خالد بن صخر بن الشريد وإخوته كرزٍ وعمرو والحارث، وكانوا قتلوهم في موطن واحد. فلما صبحهم خالدٌ في ذلك اليوم ورأوا معه بني سليم زادهم ذلك نفوراً. فقال لهم خالد: أسلموا تسلموا. قالوا: نحن قومٌ مسلمون. قال: فألقوا سلاحكم وانزلوا، قالوا: لا والله. فقال جذيمة بن الحارث أحد بني أقرم: يا قوم، لا تضعوا سلاحكم، والله ما بعد وضع السلاح إلا القتل. قالوا: لا والله لا نلقي سلاحنا ولا ننزل، ما نحن منك ولا لمن معك بآمنين. قال خالدٌ: فلا أمان لكم إن لم تنزلوا. فنزلت فرقةٌ منهم فأسرهم، وتفرق بقية القوم فرقتين، فأصعدت فرقةٌ وسفلت فرقةٌ أخرى.

رواية عبد الله بن أبي حدرد لما وقع لعبد الله بن علقمة مع حبيشة وهو يقتل: قال ابن دأب: فأخبرني من لا أتهم عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي قال: كنت يومئذ في جند خالد، فبعثنا في أثر ظعن مصعدةٍ يسوق بهن فتيةٌ، فقال: أدركوا أولئك. قال: فخرجنا في أثرهم حتى أدركناهم وقد مضوا، ووقف لنا غلام شابٌ على الطريق. فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا وهو يقول:

بين أطراف الذيول واربعن

 

مشي حيياتٍ كأن لم يفزعن

إن يمنع اليوم نساءٌ تمنعن

 

 

فقاتلنا طويلاً فقتلناه، ومضينا حتى لحقنا الظعن، فخرج إلينا غلام كأنه الأول، فجعل يقاتلنا ويقول:

أقسم ما إن خادرٌ ذو لبدة

 

يزأر بين أيكةٍ ووهـده

يفرس شبان الرجال وحده

 

بأصدق الغداة مني نجده

فقاتلنا حتى قتلناه، وأدركنا الظعن فأخذناهن، فإذا فيهن غلامٌ وضيءٌ به صفرةٌ في لونه كالمنهوك، فربطناه بحبل وقدمناه لنقتله، فقال لنا: هل لكم في خير؟ قلنا: وما هو؟ قال: تدركون بي الظعن أسفل الوادي ثم تقتلونني، قلنا، نفعل. فخرجنا حتى نعارض الظعن أسفل الوادي. فلما كان بحيث يسمعن الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمي حبيش، عند نفاد العيش. فأقبلت إليه جاريةٌ بيضاء حسناء فقالت: وأنت فاسلم على كثرة الأعداء، وشدة البلاء. فقال: سلامٌ عليكم دهراً، وإن بقيت عصراً. قالت: وأنت سلامٌ عليك عشراً، وشفعاً تترى، وثلاثاً وتراً. فقال:

إن يقتلونـي يا حـبـيش فـلـم يدع

 

هواك لهم مني سوى غلة الصـدر

وأنت التي أخليت لحمي مـن دمـي

 

وعظمي وأسبلت الدموع على نحري

فقالت له:

ونحن بكينا مـن فـراقـك مـرةً

 

وأخرى وآسيناك في العسر واليسر

وأنت فلا تبعد فنعم فتى الـهـوى

 

جميل العفاف في المودة والستـر

فقال لها:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكـم

 

بحلية أو أدركتكم بالخوانـق

ألم يك حقًّا أن ينول عاشـقٌ

 

تكلف إدلاج السرى والودائق

فقال: بلى والله. فقال:

فلا ذنب لي إذ قلت إذ نحن جيرةٌ

 

أثيبي بودٍّ قبل إحدى بالـبـوائق

أثيبي بود قبل أن تشحط النـوى

 

وينأى خليطٌ بالحبيب المفـارق

قال ابن أبي حدرد: فضربنا عنقه، فتقحمت الجارية من خدرها حتى أتت نحوه فالتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه وإنها لتكسع بنفسها حتى ماتت مكانها. وأفلت من القوم غلامٌ من بني أقرم يقال له السميدع حتى اقتحم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنع خالد وشكاه.

بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعل خالد فأرسل علياً رضي الله عنه لأهل القتلى فوداهم: قال ابن دأب: فأخبرني صالح بن كيسان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله: هل أنكر عليه أحدٌ ما صنع؟ فقال: نعم، رجل أصفر ربعةٌ ورجل أحمر طويلٌ. فقال عمر: أنا والله يا رسول الله أعرفهما، أما الأول فهو ابني وصفته، وأما الثاني فهو سالم مولى أبي حذيفة. وكان خالد قد أمر كل من أسر أسيراً أن يضرب عنقه، فأطلق عبد الله بن عمر وسالم مولى أبي حذيفة أسيرين كانا معهما. فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً رضي الله عنه بعد فراغه من حنين وبعث معه بإبلٍ وورقٍ وأمره أن يديهم فوداهم، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال علي: قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا الجمل بما أصيب منكم من القتلى والجرحى وتحللوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا نعم: فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثاني بما دخلكم من الروع والفزع؟ قالوا نعم. فقلت لهم: فهل لكم أن تقبلوا الثالث وتحللوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مما علم ومما لم يعلم؟ قالوا نعم. قال: فدفعته إليهم. وجعلت أديهم، حتى إني لأدي ميلغة الكلب، وفضلت فضلةٌ فدفعتها إليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفقبلوها؟ قال نعم. قال: فو الذي أنا عبده لهي أحب إلي من حمر النعم.
وقالت سلمى بنت عميس:

وكم غادروا يوم الغميصاء من فتًى

 

أصيب فلم يجرح وقد كان جارحا

ومن سيدٍ كهل عـلـيه مـهـابةٌ

 

أصيب ولما يعله الشيب واضحـا

أحاطت بخطاب الأيامى وطلقـت

 

غداتئذٍ من كان منهن نـاكـحـا

ولولا مقال القوم للقوم أسلـمـوا

 

للاقت سليمٌ يوم ذلك نـاطـحـا

ما وقع بين قريش وبين بني عامر بن عبد مناة في الجاهلية: قال ابن دأب: وأما سبب قتلهم القرشيين، فإنه كان نفرٌ من قريش بضعة عشر أقبلوا من اليمن حتى نزلوا على ماء من مياه بني عامر بن عبد مناة بن كنانة، وكان يقال لهم لعقة الدم وكانوا ذوي بأسٍ شديد. فجاءت إليهم بنو عامر فقالوا للقرشيين: إياكم أن يكون معكم رجل من فهم، لأنه كان له عندهم ذحل. قالوا: لا والله ما هو معنا، وهو معهم. فلما راحوا أدركهم العامريون ففتشوهم فوجدوا الفهمي معهم في رحالهم، فقتلوه وقتلوهم وأخذوا أموالهم. فقال راجزهم:

إن قريشاً غـدرت وعـاده

 

نحن قتلنا منهـم بـغـاده

عشرين كهلاً ما لهم زيادة

 

 

وكان فيمن قتل يومئذ عفان بن أبي العاصي أبو عثمان بن عفان، وعوف بن عوف أبو عبد الرحمن بن عوف، والفاكه بن المغيرة، والفاكه بن الوليد بن المغيرة. فأرادت قريشٌ قتالهم حتى خذلتهم بنو الحارث بن عبد مناة فلم يفعلوا شيئاً. وكان خالد بن عبيد الله أحد بني الحارث بن عبد مناة فيمن حضر الوقعة هو وضرار . فأشار إلى ذلك ضرار بن الخطاب بقوله:

دعوت إلى خطةٍ خالـداً

 

من المجد ضيعها خالد

فو الله أدري أضاهى بها

 

بني العم أم صدره بارد

ولو خالدٌ عاد في مثلهـا

 

لتابعـه عـنـقٌ وارد

وقال ضرارٌ أيضاً:

أرى ابني لؤىٍّ أسرعا أن تسالما

 

وقد سلكت أبناؤها كل مسلـك

فإن أنتم لم تثأروا برجـالـكـم

 

فدوكوا الذي أنتم عليه بمـدوك

فإن أداة الحرب ما قد جمعتـم

 

ومن يتق الأقرام بالشر يتـرك

سرايا النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح إلى قبائل كنانة: فلما كان يوم فتح مكة بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجيوش إلى قبائل بني كنانة حوله، فبعث إلى بني ضمرة نميلة بن عبد الله الليثي، وإلى بني الدئل عمرو بن أمية الضمري، وبعث إلى بني مدلج عياش بن أبي ربيعة المخزومي، وبعث إلى بني بغيض ومحارب بن فهر عبد الله بن نهيك أحد بني مالك بن حسل، وبعث إلى بني عامر بن عبد مناة خالداً.

فوافاهم خالدٌ بماء يقال له الغميصاء، وقد كان خبره سقط إليهم، فمضى منهم سلفٌ قتله بقوم منهم، يقال لهم بنو قيس بن عامر وبنو قعين بن عامر وهم خير القوم وأشرفهم، فأصيب من أصيب. فلما أقبل خالد ودخل المدينة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا خالد ما دعاك إلى هذا! قال: يا رسول الله آيات سمعتهن أنزلت عليك. قال: وما هي؟ قال: قول الله عز ذكره: “قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قومٍ مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم” وجاءني ابن أم أصرم فقال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تقاتل. فحينئذ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فوادهم.

أخبرنا محمد بن خلف وكيع قال حدثنا سعد بن أبي نصر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من مزينة يقال له ابن عاصم عن أبيه قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سريةٍ وأمرنا ألا نقتل أحداً إن رأينا مسجداً أو سمعنا أذاناً قال وكيع وأخبرني أحمد بن أبي خيثمة قال حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي قال حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن نوفل عن ابن عاصم هذا عن أبيه بهذا الحديث قال: فبينا نحن نسير إذا بفتًى يسوق ظعائن، فعرضنا عليه الإسلام فإذا هو لا يعرفه، فقال: ما أنتم صانعون بي إن لم أسلم؟ قلنا: نحن قاتلوك. قال: فدعوني ألحق هذه الظعائن، فتركناه، فأتى هودجاً منها وأدخل رأسه فيه وقال: اسلمي حبيش، قبل نفاذ العيش. فقالت: وأنت فاسلم تسعاً وتراً، وثمانياً تترى، وعشراً أخرى. فقال لها:

فلا ذنب لي قد قلت إذ نحن جيرةٌ

 

أثيبي بودٍّ قبل إحدى الـبـوائق

أثيبي بود قبل أن تشحط النـوى

 

وينأى أميرٌ بالحبيب المـفـارق

قال: ثم جاء فضربنا عنقه. فخرجت من ذلك الهودج جاريةٌ جميلة فجنأت عليه، فما زالت تبكي حتى ماتت.

حديث خالد للنبي صلى الله عليه وسلم عن غزوته بني جذيمة: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وعمرو بن عبد الله العتكي قالا حدثنا عمر بن شبة قال: يروى أن خالد بن الوليد كان جالساً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فسئل عن غزوته بني جذيمة فقال: إن أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم تحدثت. فقال: تحدث. فقال: لقيناهم بالغميصاء عند وجه الصبح، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب، فمنحنا الله أكتافهم فتبعناهم نطلبهم، فإذا بغلام له ذوائب على فرس ذنوبٍ في أخريات القوم، فبوأت له الرمح فوضعته بين كتفيه، فقال: لا إله، فقبضت عنه الرمح، فقال: إلا اللات أحسنت أو أساءت. فهمسته همسةً أذريته وقيذاً ، ثم أخذته أسيراً فشددته وثاقاً، ثم كلمته فلم يكلمني، واستخبرته فلم يخبرني. فلما كان ببعض الطريق رأى نسوةً من بني جذيمة يسوق بهن المسلمون، فقال: أيا خالد! قلت: ما تشاء؟ قال: هل أنت واقفي على هؤلاء النسوة؟! فأتيت على أصحابي ففعلت، وفيهن جارية تدعى حبيشة، فقال لها: ناوليني يدك فناولته يدها في ثوبها، فقال: اسلمي حبيش، قبل نفاد العيش. فقالت: حييت عشراً، وتسعاً وتراً، وثمانياً تترى. فقال:

أريتك إن طالبتكم فوجدتـكـم

 

بحلية أو أدركتكم بالخـوانـق

ألم يك حقًّا أن ينول عـاشـقٌ

 

تكلف إدلاج السرى والودائق

وقد قلت إذ أهلي لأهلك جيرةٌ

 

أثيبي بود قبل إحدى الصعائق

أثيبي بودٍّ قبل أن تشحط النوى

 

وينأ أميرٌ بالحبيب المـفـارق

فإني لا ضيعت سر أمانـتـي

 

ولا راق عيني بعد عينك رائق

سوى أن ما نال العشيرة شاغلٌ

 

عن الود إلا أن يكون التوامق

فلما جاء على حاله تلك قدمته فضربت عنقه. فأقبلت الجارية ووضعت رأسه في حجرها وجعلت ترشفه وتقول:

لا تبعدن يا عمرو حيًّا وهـالـكـاً

 

فحق بحسن المدح مثلك من مثلي

لا تبعدن يا عمرو حيًّا وهـالـكـاً

 

فقد عشت محمود الثنا ماجد الفعل

فمن لطراد الخيل تشجر بالقـنـا

 

وللفخر يوماً عند قرقرة البـزل

وجعلت تبكي وتردد هذه الأبيات حتى ماتت وإن رأسه لفي حجرها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد رفعت لي يا خالد وإن سبعين ملكاً لمطيفون بك يحضونك على قتل عمرو حتى قتلته.

أبو السائب المخزومي وطربه بصوت شغله عن الفطور والسحور وكان صائماً: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عبد الله بن المنذر عن صفية بنت الزبير بن هشام قالت: كان أبو السائب المخزومي رجلاً صالحاً زاهداً متقللاً يصوم الدهر، وكان أرق خلق الله وأشدهم غزلاً. فوجه ابنه يوماً يأتيه بما يفطر عليه، فأبطأ الغلام إلى العتمة. فلما جاء قال له: يا عدو نفسه، ما أخرك إلى هذا الوقت؟ قال: جزت بباب بني فلان فسمعت منه غناءً فوقفت حتى أخذته. فقال: هات يا بني، فو الله لئن كنت أحسنت لأحبونك، ولئن كنت أسأت لأضربنك. فاندفع يغني بشعر كثير:

ولما علوا شغباً تبـينـت أنـه

 

تقطع من أهل الحجاز علائقي

فلا زلن حسرى ظلعاً لم حملنها

 

إلى بلدٍ ناءٍ قلـيل الأصـادق

فلم يزل يغنيه إلى نصف الليل. فقالت له زوجته. يا هذا، قد انتصف الليل وما أفطرنا. قال لها: أنت طالقٌ إن كان فطورنا غيره. فلم يزل يغنيه إلى السحر. فلما كان السحر قالت له زوجته: هذا السحر وما أفطرنا! فقال: أنت طالقٌ إن كان سحورنا غيره. فلما أصبح قال لابنه: خذ جبتي هذه وأعطني خلقك ليكون الحباء فضل ما بينهما. فقال له: يا أبت، أنت شيخٌ وأنا شابٌ وأنا أقوى على البرد منك. قال، يا بني، ما ترك صوتك هذا للبرد علي سبيلاً ما حييت .

شعر لسليمان بن أبي دباكل: أخبرني وكيع قال أنشدنا أحمد بن يزيد الشيباني عن مصعب الزبيري لسليمان ابن أبي دباكل قال:

فهلا نظرت الصبح يا بعل زينـبٍ

 

فتقضى لبانات الحبيب المـفـارق

يروح إذا يمسي حنينـاً ويغـتـدي

 

وتهجيره عند احـتـدام الـودائق

فطر جاهداً أو كن حليفاً لصخـرةٍ

 

ممنعةٍ في رأس أرعن شـاهـق

فما زال هذا الدهر من شؤم صرفه

 

يفرق بين العاشـقـين الأوامـق

فيبعدنا ممـن نـريد اقـتـرابـه

 

ويدني إلينا من نـحـب نـفـارق

ولما علوا شغبـاً تـبـينـت أنـه

 

تقطع من أهل الحجاز عـلائقـي

فلا زلن حسرى ظلعاً لم حملنـهـا

 

إلى بلدٍ نـاءٍ قـلـيل الأصـادق