أخبار عبد الله بن العجلان

أخبار عبد الله بن العجلان

اسمه ونسبه هو عبد الله بن العجلان بن عبد الأحب بن عامر بن كعب بن صباح بن نهد بن زيد بن ليث بن أسود بن أسلم ابن الحاف بن قضاة. شاعر جاهلي أحد المتيمين من الشعراء ومن قتله الحب منهم.

وكانت له زوجة يقال لها هند، فطلقها، ثم ندم على ذلك، فتزوجت زوجاً غيره، فمات أسفاً عليها.

قصته تشبه قصة قيس ولبنى أخبرني محمد بن مزبد قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الهيثم بن عدي قال: كان عبد الله بن العجلان النهدي سيداً في قومه وابن سيد من ساداتهم، وكان أبوه أكثر بني نهد مالاً، وكانت هند امرأة عبد الله بن العجلان التي يذكرها في شعره امرأة من قومه من بني نهد، وكانت أحب الناس إليه، وأحظاهم عنده، فمكثت معه سنين سبعاً أو ثمانياً لم تلد، فقال له أبوه: إنه لا ولد لي غيرك، ولا ولد لك، وهذه المرأة عاقر، فطلقها، وتزوج غيرها، فأبى ذلك عليه، فآلى ألا يكلمه أبداً حتى يطلقها. فأقام على أمره، ثم عمد إليه يوماً، وقد شرب الخمر حتى سكر، وهو جالس مع هند، فأرسل إليه أن صر إلي، فقالت له هند: لا تمض إليه، فوالله ما يريدك لخير، وإنما يريدك لأنه بلغه أنك سكران، فطمع فيك أن يقسم عليك، فتطلقني، فنم مكانك، ولا تمض إليه. فأبى، وعصاها، فتعلقت بثوبه، فضربها بمسواك، فأرسلتها، وكان في يدها زعفران، فأثر في ثوبه مكان يدها، ومضى إلى أبيه، فعاوده في أمرها، وأنبه، وضعفه، وجمع عليه مشيخة الحي وفتيانهم، فتناولوه بألسنتهم، وعيروه بشغفه بها وضعف حزمه، ولم يزالوا به حتى طلقها. فلما أصبح خبر بذلك، وقد علمت به هند، فاحتجبت عنه، وعادت إلى أبيها، فأسف عليها أسفاً شديداً، فلما رجعت إلى أبيها خطبها رجل من بني نمير، فزوجها أبوها منه، فبنى بها عندهم، وأخرجها إلى بلده. فلم يزل عبد الله بن العجلان دنفاً سقيماً، يقول فيها الشعر، ويبكيها حتى مات أسفاً عليها، وعرضوا عليه فتيات الحي جميعاً فلم يقبل واحدة منهن، وقال في طلاقه إياها:

فارقت هنداً طـائعـاً

 

فندمت عند فراقـهـا

فالعين تـذري دمـعة

 

كالدر من آمـاقـهـا

متحلـياً فـوق الـردا

 

ء يجول من رقراقها

خود رداح طـفــلة

 

ما الفحش من أخلاقها

ولقد ألذ حديثهـا

 

وأسر عند عناقها

وفي هذه القصيدة يقول:

إن كنت ساقية بـبـز

 

ل الادم أو بحقاقهـا

فاسقي بني نـهـد إذا

 

شربوا خيار زقاقهـا

فالخيل تعلم كيف نـل

 

حقها غداة لحاقـهـا

بأسنة زرق صـبـح

 

نال القوم حدج رقاقها

حتى ترى قصد القنـا

 

والبيض في أعناقهـا

شعره في غارة شنها قومه قال أبو عمرو الشيباني: لما طلق عبد الله بن العجلان هنداً أنكحت في بني عامر، وكانت بينهم وبين نهد مغاورات، فجمعت نهد لبني عامر جمعاً، فأغاروا على طوائف منهم، فيهم بنو العجلان وبنو الوحيد وبنو الحريش وبنو قشير، ونذروا بهم، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزمت بنو عامر، وغنمت نهد أموالهم، وقتل في المعركة ابن لمعاوية بن قشير بن كعب وسبعة بنين له، وقرط وجدعان ابنا سلمة بن قشير ومرداس بن جزعة بن كعب وحسين بن عمرو بن معاوية ومسحقة بن المجمع الجعفي، فقال عبد الله بن العجلان في ذلك:

ألا أبلغ بني العجلان عني

 

فلا ينبيك بالحدثان غـيري

بأنا قد قتلنا الخير قـرطـا

 

وجرنا في سراة بني قشير

وأفلتنا بنو شكـل رجـالا

 

حفاة يربئون على سمـير

قيسية ترثي قتل قيس وقالت امرأة من بني قيس ترثي قتلاهم:

أصبتم يا بني نـهـد بـن زيد

 

قروما عند قعقعة الـسـلاح

إذا اشتد الزمان وكان محـلا

 

وحاذر فيه أخوان السـمـاح

أهانوا المال في اللزبات صبراً

 

وجادوا بالمتالي والـلـقـاح

وابكي مالكاً وابكي بـجـيرا

 

وشداداً لمشتجـر الـرمـاح

وكعبا فاندبيه معـا وقـرطـا

 

أولئك معشري هدوا جناحـي

وبكي إن بكيت على حـسـيل

 

ومرداس قتيل بني صـبـاح

حسيل يغدر به أسيره قال: وأسر عبد الله بن العجلان رجلاً من بني الوحيد، فمن عليه، وأطلقه، ووعده الوحيدي الثواب فلم في فقال عبد الله:

وقالوا لن تنال الدهر فقراً

 

إذا شكرتك نعمتك الوحيد

فيا ندما ندمت على رزام

 

ومخلفه كما خلع العتود

نعم النذير هند قال أبو عمرو: ثم إن بني عامر جمعوا لبني نهد، فقالت هند امرأة عبد الله بن العجلان التي كانت ناكحاً فيهم لغلام منهم يتيم فقير من بني عامر: لك خمس عشرة ناقة على أن تأتي قومي فتنذرهم قبل أن يأتيهم بنو عامر، فقال: أفعل، فحملته على ناقة لزوجها ناجية، وزودته تمراً ووطياً من لبن، فركب فجد في السير؛ وفني اللبن، فأتاهم والحي خلوف في غزو وميرة، فنزل بهم، وقد يبس لسانه، فلما كلموه لم يقدر على أن يجيبهم، وأومأ لهم إلى لسانه، فأمر خراش بن عبد الله بلبن وسمن، فأسخن، وسقاه إياه، فابتل لسانه، وتكلم، وقال لهم: أتيتم، أنا رسول هند إليكم تنذركم، فاجتمعت بنو نهد واستعدت ووافتهم بنو عامر فلحقوهم على الخيل، فاقتتلوا قتالاً شديداً فانهزت بنو عامر، فقال عبد الله بن العجلان في ذلك:

عاود عيني نصبهـا وغـرورهـا

 

أهم عناها أم فذاهـا يعـورهـا؟

أم الدار أمست قد تعفت كأنـهـا

 

زبور يمان رقشته سطـورهـا؟

ذكرت بها هنداً وأترابهـا الألـى

 

بها يكذب الواشي ويعصي أميرها

فما معول تبكي لفقـد ألـيفـهـا

 

إذا ذكرتـه لا يكـف زفـيرهـا

بأغزر مني عـبـرة إذ رأيتـهـا

 

بحث بها قبل الصباح بعـيرهـا

ألم يأت هنداً كيفما صنع قومـهـا

 

بني عامر إذ جاء يسعى نذيرهـا

فقالوا لنا إنا نـحـب لـقـاءكـم

 

وإنا نحيي أرضكـم ونـزورهـا

فقلنا: إذا لا ننكل الدهر عـنـكـم

 

بصم القنا اللائي الدماء تميرهـا

فلا غرو أن الخيل تنحط في القنـا

 

تمطر من تحت العوالي ذكورها

تأوه مما مسـهـا مـن كـريهة

 

وتصفى الخدود والرماح تصورها

وأربابها صرعى ببـرقة أخـرب

 

تجررهم صبعانها ونـسـورهـا

فأبلغ أبا الحجاج عـنـي رسـالة

 

مغلغلة لا يغلبنـك بـسـورهـا

فأنت منعت السلم يوم لـقـيتـنـا

 

بكفيك تسدي غـية وتـنـيرهـا

فذوقوا على ما كان من فرط إحنة

 

حلائبنا إذ غاب عنا نصـيرهـا

نهاية حبه قال أبو عمرو: فلما اشتد ما بعبد الله بن العجلان من السقم خرج سراً من أبيه مخاطراً بنفسه حتى أتى أرض بني عامر لا يرهب ما بينهم من الشر والتراث، حتى نزل ببني نمير، وقصد خباء هند، فلما قارب دارها رآها وهي جالسة على الحوض، وزوجها يسقي، ويذود الإبل عن مائة، فلما نظر إليها ونظرت إليه رمى بنفسه عن بعيره، وأقبل يشتد إليها، وأقبلت تشتد إليه، فاعتنق كل واحد منهما صاحبه، وجعلا يبكيان وينشجان ويشهقان، حتى سقطا على وجوههما، وأقبل زوج هند ينظر ما حالهما، فوجدهما ميتين.

قال أبو عمرو: وأخبرني بعض بني نهد أن عبد الله بن العجلان أراد المضي إلى بلادهم، فمنعه أبوه وخوفه الثارات وقال: نجتمع معهم في الشهر الحرام بعكاظ أو بمكة، ولم يزل يدافعه بذلك حتى جاء الوقت، فحج، وحج أبوه معه، فنظر إلى زوج هند وهو يطوف بالبيت وأثر كفها في ثوبه بخلوق، فرجع إلى أبيه في منزله، وأخبره بما رأى ثم سقط على وجهه فمات. هذه رواية أبي عمرو.

وقد أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال حدثني عبد الله بن علي بن الحسن قال: حدثنا نصر بن علي عن الأصمعي عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن أيوب عن ابن سيرين قال: خرج عبد الله بن العجلان في الجاهلية فقال:

ألا إن هنداً أصبحت منك محرماً

 

وأصبحت من أدنى حموتها حما

وأصبحت كالمقمور جفن سلاحه

 

يقلب بالكفين قوساً وأسهـمـا

ثم مد بها صوته فمات.
الشعر له أم لمسافر قال ابن سيرين: فما سمعت أن أ؛داً مات عشقاً غير هذا. وهذا الخبر عندي خطأ لأن أكثر الرواة يروى هذين البيتين لمسافر بن أبي عمرو بن أمية، قالهما لما خرج إلى النعمان بن المنذر يستعينه في مهر هند بنت عتبة بن ربيعة، فقدم أبو سفيان بن حرب، فسأله عن أخبار مكة، وهل حدث بعده شيء، فقال: لا، إلاّ أني تزوجت هنداً بنت عتبة، فمات مسافر أسفاً عليها، وبدل على صحة ذلك قوله:

وأصبحت من أدنى حموتها حما

لأنه ابن عم أبي سفيان بن حرب لحاً وليس النميري المتزوج هنداً النهدية ابن عم عبد الله بن العجلان فيكون من أحمائها، والقول الأول على هذا أصح.

من شعره في هند ومن مختار ما قاله ابن العجلان في هند:

ألا أبلغا هنداً سلامي فإن نأت فقلبي مذ شطت بها الدار مدنف

 

ولم أر هنداً بعد موقف ساعة

 

بأنـعـم فـــي أهـــل الـــديار تـــطـــوف

أتـت بـين أتــراب تـــمـــايس إذ مـــشـــت

 

دبـيب الـقـطـا أوهـن مـنـهـــن أقـــطـــف

يبـــاكـــرن مـــرآة جـــلـــياً وتـــــارة

 

ذكـــيا وبـــالأيدي مـــداك ومـــســـــوف

أشـارت إلـينـا فــي خـــفـــاة وراعـــهـــا

 

ومـراة الـضـحـى مـنـي عـلـى الـحـي مـوقـف

وقـالـت: تـبـاعـد يا بـن عـمـي فــإنـــنـــي

 

منـيت بـــذي صـــول يغـــار ويعـــنـــف

أخبرني الحسن بن علي قال: أنشدنا فضل اليزيدي عن إسحاق لعبد الله بن العجلان النهدي قال إسحاق وفيه غناء:

خليلي زورا قبل شحط النوى هنداً

 

ولا تأمنا من دار ذي لطف بعدا

ولا تعجلا، لم يدر صاحب حاجة

 

أغيا يلاقي في التعجل أم رشـدا

ومرا عليها بارك الله فـيكـمـا

 

وإن لم تكن هند لوجهيكما قصدا

وقولا لها ليس الضلال أجـازنـا

 

ولكننا جزنا لنلقـاكـم عـمـدا

صوت

ألا يا ظبـية الـبـلـد

 

براني طول ذا الكمد

فردي يا معـذبـتـي

 

فؤادي أو خذي جسدي

بليت لشقوتـي بـكـم

 

غلاماً ظاهر الجلـد

فشيب حبكـم رأسـي

 

وبيض هجركم كبدي

الشعر للمؤمل بن أميل، والغناء لإبراهيم ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.