أخبار عبد الله الزبير ونسبه

أخبار عبد الله الزبير ونسبه

نسبه عبد الله بن الزبير بن الأشم بن الأعشى بن بجرة بن قيس بن منقذ بن طريف بن عمرو بن قعين بن الحرث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة.

أخبرني بذلك أحمد عن الخراز عن أبن الأعرابي؛ وهو شاعر كوفي المنشأ والمنزل، من شعراء الدولة الأموية، وكان من شيعة بني أمية وذوي الهوى فيهم والتعصب والنصرة على عدوهم، فلما غلب مصعب بن الزبير على الكوفة أتي به أسيراً فمن عليه ووصله وأحسن إليه، فمدحه وأكثر، وانقطع إليه، فلم يزل معه حتى قتل مصعب ثم عمي عبد الله بن الزبير بعد ذلك، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان، ويكنى عبد الله أبا كثير، وهو القائل يعني نفسه:

فقالت: ما فعلتأبـا كـثـير

 

أصح الود أم أخلفت بعدي؟

وهو أحد الهجائين للناس، المرهوب شرهم.

خبره مع عبد الرحمن بن أم الحكم  قال ابن الأعرابي: كان عبد الرحمن بن أم الحكم على الكوفة من قبل خاله معاوية بن أبي سفيان، وكان ناس من بني علقمة بن قيس بن وهب بن الأعشى بن بجرة بن قيس بن منقذ قتلوا رجلاً من بني الأشيم، من رهط عبد الله بن الزبير دنية ، فخرج عبد الرحمن بن أم الحكم وافداً إلى معاوية، ومعه ابن الزبير ورفيقان له من بني أسد، يقال لأحدهما أكل بن ربيعة من بني جذيمة بن مالك بن نصر بن قعين، وعدي بن الحرث أحد بني العدان من بني نصر، فقال عبد الرحمن بن أم الحكم لابن الزبير: خذ من بني عمك ديتين لقتيلك، فأبى ابن الزبير، وكان ابن أم الحكم يميل إلى أهل القاتل، فغضب عليه عبد الرحمن ورده عن الوفد من منزل يقال له فياض، فخالف ابن الزبير الطريق إلى يزيد بن معاوية، فعاذ به، فأعاده وقام بأمره، وأمره يزيد بأن يهجو ابن أم الحكم، وكان يزيد يبغضه وينتقصه ويعيبه، فقال فيه أين الزبير قصيدة أولها قوله:

أبى الليل بالمران أن يتصـرمـا

 

كأني أسوم العين نوعاً محرمـا

ورد بثنـييه كـأن نـجـومـه

 

صوار تنتهي من إران فقومـا

إلى الله أشكو لا إلى الناس أننـي

 

أمص بنات الدر ثدياً مصرمـا

وسوق نساء يسلبـون ثـيابـهـا

 

يهادونها همدان رقا وخثعـمـا

على أي شيء يا لؤي بن غالـب

 

تجيبون من أجرى علي وألجمـا

وهاتوا فقصوا آية تقـرءونـهـا

 

أحلت بلادي أن تباح وتظلـمـا

وإلا فأقصى الله بيني وبـينـكـم

 

وولى كثير اللؤم من كان ألأمـا

وقد شهدتنا من ثقـيف رضـاعة

 

وغيب عنها الحوم قوام زمزمـا

بنو هاشم لو صادفوك تجـدهـا

 

مججت ولم تملك حيازيمك الدما

ستعلم إن زلت بك النـعـل زلة

 

وكل أمرئ لاقي الذي كان قدما

بأنك قد ما طلـت أنـياب حـية

 

تزجي بعينيها شجاعاً وأرقـمـا

وكم من عدو قد أراد مسـاءتـي

 

بغيب ولو لاقيتـه لـتـنـدمـا

وأنتم بني حام بن نوح أرى لكـم

 

شفاهاً كأذناب المشاجر ورمـا

فإن قلت خالي من قريش فلم أجد

 

من الناس شراً من أبيك وألأمـا

صغيراً ضغا في خرقة فأمضـه

 

مربية حتى إذ أهم وأفـطـمـا

رأى جلدة من آل حـام مـتـينة

 

ورأساً كأمثال الجريب مؤومـا

وكنتم سقيطاً في ثقيف، مكانكـم

 

بني العبد، لا توفي دماؤكمودما

شعره حين عزل عبد الرحمن عن الكوفة قال ابن الأعرابي: ثم عزل ابن أم الحكم عن الكوفة، ووليها عبيد الله بن زباد، فقال ابن الزبير:

أبلغ عبيد الله عـنـي فـإنـنـي

 

رميت ابن عوذ إذ بدت لي مقاتله

على قفرة إذ هابه الوفد كلـهـم

 

ولم أك أشوي القرن حين أناضله

وكان يماري مـن يزيد بـوقـعة

 

فما زال حتى استدرجته حبائلـه

فتقصيه من ميراث حرب ورهطة

 

وآل إلى مـا ورثـتـه أوائلـه

وأصبح لما أسلمته حـبـالـهـم

 

ككلب القطار حل عنه جلاجلـه

ونسخت من كتاب جدي لأمي يحيى بن محمد بن ثوابة، قال يحيى بن حازم وحدثنا علي بن صالح صاحب المصلى عن القاسم بن معدان: أن عبد الرحمن بن أم الحكم غضب على عبد الله بن الزبير الأسدي لما يلغه أنه هجاه، فهدم داره، فأتى معاوية فشكاه إليه، فقال له: كم كانت قيمة دارك؟ فاستشهد أسماء بن خارجة ، وقال له: سله عنها؛ فسأله؛ فقال: ما أعرف يا أمير المؤمنين قيمتها، ولكنه بعث إلى البصرة بعشرة آلاف درهم للساج ،فأمر له معاوية بألف درهم، قال: وإنما شهد له أسماء كذلك ليرفده عند معاوية، ولم تكن داره إلا خصائص قصب.

وكان عبد الرحمن بن أم الحكم لما ولي الكوفة أساء بها السيرة، فقدم قادم من الكوفة إلى المدينة، فسألته امرأة عبد الرحمن عنه، فقال لها: تركته يسأل إلحافاً، وينفق إسرافاً، وكان محمقاً ، ولاه معاوية خاله عدة أعمال، فذمه أهلها وتظلموا منه، فعزله وأطرحه ، وقال له: يا بني، قد جهدت أن أنفقك وأنت تزداد كساداً . وقالت له أخته أم الحكم بنت أبي سفيان بن حرب: يا أخي، زوج ابني بعض بناتك؛ فقال: ليس لهن بكفء؛ فقالت له: زوجني أبو سفيان أباه، وأبو سفيان خير منك؛ وأنا خير من بناتك، فقال لها: يا أخية، إنما فعل ذلك أبو سفيان لأنه كان حينئذ يشتهي الزبيب، وقد كثر الآن الزبيب عندنا، فلن نزوج إلا كفئاً خبره مع عمرو بن عثمان بن عفان حدثنا الحسن بن الطيب البلخي قال: حدثني أبو غسان قال: بلغني أن أول من أخذ بعينه في الإسلام عمرو بن عثمان بن عفان، أتاه عبد الله بن الزبير الأسدي، فرأى عمرو تحت ثيابه ثوباً رثاً، فدعا وكيله وقال: اقترض لنا مالاً؛ فقال: هيهات! ما يعطينا التجار شيئاً. قال: فأربحهم ما شاءوا، فاقترض له ثمانية آلاف درهم، وثانياً عشرة آلاف، فوجه بها إليه مع تخت ثياب، فقال عبد الله بن الزبير في ذلك:

سأشكر عمراً إن تراخت منـيتـي

 

أيادي لم تمنن وإن هـي جـلـت

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه

 

ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت

رأى خلتي من حيث يخفي مكانهـا

 

فكانت قذى عينيه حتى تـجـلـت

مدحه أسماء بن خارجة أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي إجازة قال: حدثني أحمد بن عرفة المؤدب قال: أخبرني أبو المصبح عادية بن المصبح السلولي قال: أخبرني أبي قال: كان عبد الله بن الزبير الأسدي قد مدح أسماء بن خارجة الفزاري فقال:

تراه إذا ما جئته مـتـهـلـلا

 

كأنك تعطيه الذي أنت نائلـه

ولو لم يكن في كفه غير روحه

 

لجاد بها فليتق اللـه سـائلـه

فاثابه أسماء ثواباً لم يرضه، فغضب وقال يهجوه:

بنت لكم هند بتلذيع بـظـرهـا

 

دكاكين من جص عليها المجالس

فوالله لولا رهز هند ببظـرهـا

 

لعد أبوها في اللئام العـوابـس

فبلغ ذلك أسماء، فركب إليه، فاعتذر من فعله بضيقة شكاها، وأرضاه وجعل على نفسه وظيفة في كل سنة، واقتطعه جنتيه، فكان بعد ذلك يمدحه ويفضله. وكان أسماء يقول لبنيه: والله ما رأيت قط جصاً في بناء ولا غيره إلا ذكرت بظر أمكم هند فخجلت.

حبسه ابن أم الحكم وشعره أخبرني عمي عن ابن مهرويه، عن أبي مسلم، عن ابن الأعرابي قال: حبس ابن أم الحكم عبد الله بن الزبير وهو أمير في جناية وضعها عليه، وضربه ضرباً مبرحاً لهجائه إياه، فاستغاث بأسماء بن خارجة، فلم يزل يلطف في أمره، ويرضي خصومه ويشفع إلى ابن أم الحكم في أمره حتى يخلصه، فاطلق شفاعته، وكساه أسماء ووصله وجعل له ولعياله جراية دائمة من ماله، فقال فيه هذه القصيدة التي أولها الصوت المذكور بذكر أخبار ابن الزبير، يقول فيها:

ألم تر أن الجود أرسل فأنـتـقـى

 

حليف صفاء وأتـلـى لا يزايلـه

تخير أسماء بن حصن فبـطـنـت

 

بفعل العلا أيمانـه وشـمـائلـه

ولا مجد إلا مجد أسمـاء فـوقـه

 

ولا جرى إلا جري أسماء فاضله

ومحتمل ضغنا لأسماء لـو جـرى

 

بسجلين من أسماء فارت اباجلـه

عوى يستجيش النابحـات وإنـمـا

 

بأنيابه صم الصفـا وجـنـادلـه

وأقصر عن مجراة أسماء سـعـيه

 

حسيراً كما يلقي من الترب ناخله

وفضل أسماء بن حصن علـيهـم

 

سماحة أسماء بن حصن ونـائلـه

فمن مثل أسماء بن حصن إذا غدت

 

شآبـيبـه أم أي شـيء يعـادلـه

وكنت إذا لاقيت منهـم حـطـيطة

 

لقيت أبا حسان تنـدى أصـائلـه

تضيفه غسـان يرجـون سـيبـه

 

وذو يمن أحبوشـه ومـقـاولـه

فتى لا يزال الدهر ما عاش مخصباً

 

ولو كان الموماة تخدي رواحـلـه

فأصبح: ما في الأرض خلق علمته

 

من الناس إلا باع أسماء طـائلـه

تراه إذا ما جـئتـه مـتـهـلـلا

 

كأنك تعطيه الذي أنـت سـائلـه

ترى الجند والأعراب يغشون بابـه

 

كما وردت ماء الكلاب نواهـلـه

إذا ما أتوا أبوابه قال: مـرحـبـا

 

لجو الباب حتى يقتل الجوع قاتلـه

ترى البازل البختي فوق خـوانـه

 

مقطعة أعضاؤه ومـفـاصـلـه

إذا ما أتوا أسماء كان هو الذي

 

تحلب كفاه الندى وأنامـلـه

تراهم كثيراً حين يغشون بابه

 

فتسترهم جدرانه ومنـازلـه

قال: فأعطاه أسماء حين أنشده هذه القصيدة ألفي درهم.

شعره بين يدي عبيد الله بن زياد أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا العباس بن ميمون طائع قال: حدثني أبو عدنان عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، وقال ابن الأعرابي أيضاً: دخل عبد الله بن الزبير على عبيد الله بن زياد بالكوفة وعنده أسماء بن خارجة حين قدم ابن الزبير من الشأم، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

حنت قلوصي وهناً بعد هدأتـهـا

 

فهيجت مغرماً صبا على الطرب

حنت إلى خير من حث المطي له

 

كالبدر بين أبي سفيان والعـتـب

تذكرت بقرى البلـقـاء نـائلـه

 

لقد تذكرته مـن نـازح عـزب

والله ما كان بـي لـولا زيارتـه

 

وأن ألاقي أبا حسان مـن أرب

حنت لترجعني خلفي فقلت لهـا

 

هذا أمامك فالقيه فتى الـعـرب

لا يحسب الشر جاراً لا يفارقـه

 

ولا يعاقب عند الحلم بالغضـب

من خير بيت علمناه وأكـرمـه

 

كانت دماؤهم تشفى من الكلـب

قال ابن الأعرابي: كانت العرب تقول : من أصابه الكلب والجنون لا يبرأ منه إلى أن يسقى من دم ملك فيقول: إنه من أولاد الملوك.
بقية أخبار عبد الله بن الزبير معاونة ابن زياد على قتل هانىء بن عروة أخبرني أحمد بن عيسى العجلي بالكوفة قال: حدثنا سليمان بن الربيع البرجمي قال: حدثنا مضر بن مزاحم، عن عمرو بن سعد، عن أبي مخنف، عن عبد الرحمن بن عبيد بن أبي الكنود، وأخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا الحارث بن محمد قال: حدثنا ابن سعد عن الواقدي، وذكر بعض ذلك ابن الأعرابي في روايته عن المفضل، وقد دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين، أن المختار بن أبي عبيد خطب الناس يوماً على المنبر فقال: لتنزلن نار من السماء، تسوقها ريح حالكة دهماء، حتى تحرق دار أسماء وآل أسماء وكان لأسماء بن خارجة بالكوفة ذكر قبيح عند الشيعة، يعدونه في قتلة الحسين عليه السلام، لما كان من معاونته عبيد الله بن زياد على هانىء بن عروة المرادي حتى قتل، وحركته في نصرته على مسلم بن عقيل بن أبي طالب، وقد ذكر ذلك شاعرهم فقال:

أيركب أسماء الهماليج آمنا

 

وقد طلبته مذحج بقتـيل!

يعني يالقتيل هانىء بن عروة المرادي، وكان المختار يحتال ويدبر في قتله من غير أن يغضب قيساً فتنصره، فبلغ أسماء قول المختار فيه، فقال: أوقد سجع بي أبو إسحاق! لا قرار على زأر من الأسد ،وهرب إلى الشأم، فأمر المختار بطلبه ففاته، فأمر بهدم داره، فما تقدم عليها مضري بتة لموضع أسماء وجلالة قدره في قيس، فتولت ربيعة واليمن هدمها، وكانت بنو تيم الله وعبد القيس مع رجل من بني عجل كان على شرطة المختار ، فقال في ذلك عبد الله بن الزبير :

تأوب عين ابن الزبير سهـودهـا

 

وولى على ما قد عراها هجودها

كأن سواد العين أبطـن نـحـلـه

 

وعادها ممـا تـذكـر عـيدهـا

محضرة من نحل جيحان صعـبة

 

لوى بجناحيهـا ولـيد يصـيدهـا

من الليل وهنأ، أو شظية سنـبـل

 

أذاعت به الأرواح يذرى حصيدها

إذا طرفت أذرت دموعاً كأنـهـا

 

نثير جمان بان عنهـا فـريدهـا

وبت كأن الـصـدر فـيه ذبـالة

 

شبا حرها القنديل ذاك وقـودهـا

فقلت أناجي النفس بيني وبينـهـا

 

كذاك الليالي نحسها وسعـودهـا

فلا تجزعي مما ألـم فـإنـنـي

 

أرى سنة لم يبـق إلا شـريدهـا

أتاني وعرض الشام بيني وبينـهـا

 

أحاديت والأنباء ينمي بـعـيدهـا

بأن أبـا حـسـان تـهــدم داره

 

لكيز سعت فساقها وعـبـيدهـا

جزت مضراً عني الجوازي بفعلها

 

ولا أصبحت إلا بشر جـدودهـا

فما خيركم؟ لا سيداً تنصـرونـه

 

ولا خائفاً إن جاء يوماً طريدهـا

أخذلانـه فـي كـل يوم كـريهة

 

ومسألة ما إن ينـادى ولـيدهـا

لأمـكـم الـويلات أنـى أتـيتــم

 

جماعات أقوام كـثـير عـديدهـا

فيا ليتكم من بعـد خـذلانـكـم لـه

 

جوار على الأعناق منها عقودهـا

ألم تغضبوا تبا لكم إذ سطت بـكـم

 

مجوس القرى في داركم ويهودها!

تركتم أبـا حـسـان تـهـدم داره

 

مشـيدة أبـوابـهـا وحـديدهــا

يهدمها العجلي فـيكـم بـشـرطة

 

كما نب في شبل التيوس عتـودهـا

لعمري لقد لف الـيهـودي ثـوبـه

 

على غدرة شنعاء باق نـشـيدهـا

فلو كان من قحطان أسماء شمـرت

 

كتائب من قحطان صعر خدودهـا

ففي رجب أو غرة الشهـر بـعـده

 

تزوركم حمر المنـايا وسـودهـا

ثمانون ألفا دين عثـمـان دينـهـم

 

كتائب فيهـا جـبـرئيل يقـودهـا

فمن عاش منكم عاش عبداً ومن يمت

 

ففي النار سقياه هنـاك صـديدهـا          

وقال ابن مهرويه: أخبرني به الحسن بن علي عنه، حدثني عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي: أن مصعب بن الزبير لما ولي العراق لأخيه هرب أسماء بن خارجة إلى الشام، وبها يومئذ عبد الملك بن مروان قد ولي الخلافة، وقتل عمرو بن سعيد، وكان أسماء أموي الهوى، فهدم مصعب بن الزبير داره وحرقها، فقال عبد الله بن الزبير في ذلك:

تأوب عين ابن الزبير سهودها

وذكر القصيدة بأسرها، وهذا الخبر أصح عندي من الأول، لآن الحسن بن علي حدثني قال: حدثنا أحمد بن سعيد الدمشقي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي مصعب قال: لما ولي مصعب بن الزبير العراق، دخل إليه عبد الله بن الزبير الأسدي، فقال له: إيه يا بن الزبير، أنت القائل:

إلى رجب السبعين أو ذاك قبله

 

تصبحكم حمر المنايا وسودها

ثمانون ألفاً نصر مروان دينهم

 

كتائب فيها جبرئيل يقـودهـا

فقال: أنا القائل لذلك، وإن الحقين ليأبى العذرة ، ولو قدرت على جحده لجحدته، فاصنع ما أنت صانع؛ فقال: أما إني ما أصنع بك إلا خيراً، أحسن إليك قوم فاحببتهم وواليتهم ومدحتهم، ثم أمر له بجائزة وكسوة، ورده إلى منزله مكرماً، فكان ابن الزبير بعد ذلك يمدحه ويشيده بذكره، فلما قتل مصعب بن الزبير اجتمع ابن الزبير وعبيد الله بن زياد بن ظبيان في مجلس، فعرف ابن الزبير خبره وكان عبيد الله هو الذي قتل مصعب بن الزبير فاستقبله بوجهه وقال له:

أبا مطر شلت يمـين تـفـرعـت

 

بسيفك رأس ابن الحواري مصعب

فقال له ابن ظبيان: فكيف النجاة من ذلك؟ قال: لا نجاة، هيهات! سبق السيف العذل، قال: فكان ابن ظبيان بعد قتله مصعباً لا ينتفع بنفسه في نوم ولا يقظه، كان يهول عليه في منامه فلا ينام، حتى كل جسمه ونهك، فلم يزل كذلك حتى مات.
شعره عند عبيد الله بن زياد وقال ابن الأعرابي لما قدم ابن الزبير من الشأم إلى الكوفة دخل على عبيد الله بن زياد بكتاب من يزيد بن معاوية إليه يأمره بصيانته وإكرامه وقضاء دينه وحوائجه وإدرار عطائه، فأوصله إليه، ثم استاذنه في الإنشاد، فأذن له، فأنشده قصيدته التي أولها: صوت

أصرم بليلى حادث أم تجنـب

 

أم الحبل منها واهن متقضب

أم الود من ليلى كعهدي مكانه

 

ولكن ليلى تستزيد وتعـتـب

غنى في هذين البيتين حنين ثاني ثقيل عن الهشامي.

ألم تعلمـي يا لـيل أنـي لـين

 

هضوم وأني عنبس حين أغضب

وأني متى أنفق من المال طارفاً

 

فإني أرجو أن يثوب المـثـوب

أأن تلف المال التلاد بـحـقـه

 

تشمس ليلى عن كرمي وتقطب

عشية قالت والركـاب مـنـاخة

 

بأكوارها مشدودة: أين تذهـب؟

أفي كل مصر نازح لك حـاجة

 

كذلك ما أمر الفتى المتشـعـب

فوالله ما زالت تلبث نـاقـتـي

 

وتقسم حتى كادت الشمس تغرب

دعيني ما للموت عـنـي دافـع

 

ولا للذي ولى من العيش مطلب

إليك عبيد الله تهوي ركـابـنـا

 

تعسف مجهول الفـلاة وتـدأب

وقد ضمرت حتى كأن عيونهـا

 

نطاف فلاة ماؤها متـصـبـب

فقلت لها: لا تشتـكـي الأين إنـه

 

أمامك قرم من أمية مـصـعـب

إذا ذكروا فضل امرىء كان قبلـه

 

ففضل عبيد الله أثـرى وأطـيب

وأنك لو يشفي بك القرح لـم يعـد

 

وأنت على الأعداء ناب ومخلـب

تصافى عبيد الله والمجد صفوة ال

 

حليفين ما أرسى ثبـير ويثـرب

وأنت إلى الخـيرات أول سـابـق

 

فابشر، فقد أدركت ما كنت تطلب

أعني بسجل من سجالـك نـافـع

 

ففي كل يوم سرى لك محـلـب

فإنك لـو إياي تـطـلـب حـاجة

 

جرى لك أهل في المقال ومرحب

قال: فقال له عبيد الله وقد ضحك من هذا البيت الأخير: فإني لا أطلب إليك حاجة، كم السجل الذي يرويك؟ قال: نوالك أيها الأمير يكفيني، فأمر له بعشرة آلاف درهم.

شعره في صديقه قال ابن الأعرابي: كان نعيم بن دجانة بن شداد بن حذيفة بن بكر بن قيس بن منقذ بن طريف صديقاً لعبيد الله بن الزبير، ثم تغير عليه، وبلغه عنه قول قبيح فقال في ذلك:

ألا طرقت رويمة بعـد هـدء

 

تخطى هول أنـمـار وأسـد

تجوس رحالنا حتى أتـتـنـا

 

طروقاً بين أعراب وجـنـد

فقالت: ما فعلت أبـا كـثـير

 

اصح الود أم أخلفت عهدي؟

كأن المسك ضم على الخزامى

 

إلى أحشائها وقضـيب رنـد

ألا من مبلغ عنـي نـعـيمـاً

 

فسوف يجرب الإخوان بعدي

رأيتك كالشموس ترى قريبـاً

 

وتمنع مسح نـاصـية وخـد

فإني إن أقع بـك لا أهـلـل

 

كوقع السيف ذي الأثر الفرند

فأولى ثـم أولـى ثـم أولـى

 

فهل للدر يحلب مـن مـرد؟

رثاؤه لصديقه أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثني عيسى بن إسمعيل تينة، وأخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثني عيسى بن إسمعيل عن المدائني عن خالد بن سعيد عن أبيه قال: كان عبد الله بن الزبير صديقاً لعمرو بن الزبير بن العوام، فلما أقامه أخوه ليقتص منه بالغ كل ذي حقد عليه في ذلك، وتدسس فيه من يقترب إلى أخيه، وكان أخوه لا يسأل من ادعى عليه شيئاً بينةً، ولا يطالبه بحجة، وإنما يقبل قوله ثم يدخله إليه السجن ليقتص منه، فكانوا يضربونه والقيح ينتضح من ظهره وأكتافه على الأرض لشدة ما يمر به، ثم يضرب وهو على تلك الحال، ثم أمر بأن يرسل عليه الجعلان ، فكانت تدب عليه فتثقب لحمه، وهو مقيد مغلول يستغيث فلا يغاث، حتى مات على تلك الحال، فدخل الموكل به على أخيه عبد الله بن الزبير وفي يده قدح لبن يريد أن يتسحر به وهو يبكي فقال له: مالك؟ أمات عمرو؟ قال: نعم، قال: أبعده الله، وشرب اللبن، ثم قال: لا تغسلوه ولا تكفنوه، وادفنوه في مقابر المشركين، فدفن فيها، فقال ابن الزبير الأسدي يرثيه ويؤنب أخاه بفعله، وكان له صديقاً وخلاً ونديماً:

أيا راكـبـاً إمـا عـرضــت فـــبـــلـــغـــن

كبـير بـنـي الـعـوام إن قـيل مـن تـعـــنـــي

ستـعـلـم إن جـالـت بـك الـــحـــرب جـــولة

إذا فـوق الـرامـون أسـهـم مـن تـــغـــنـــي

فأصـبـحـت الأرحــام حـــين ولـــيتـــهـــا

بكـفـيك أكـراشـاً تـجــر عـــلـــى دمـــن

عقـدتـم لـعـمــرو عـــقـــدة وغـــدرتـــم

بابـيض كـالـمـصـبـاح فـي لــيلة الـــدجـــن

وكـبـلـتـه حـولا يجــود بـــنـــفـــســـه

تنـوء بـه فـي سـاقـه حـلــق الـــلـــبـــن

فما قال عمرو إذ يجود بنفسهلضاربه حتى قضى نحبه: دعني

 

تحدث من لاقيت أنك عائذ

وصـرعـت قـتـلـى بـين زمــزم والـــركـــن

جعـلـتـم لـضـرب الـظـهـر مـنـه عـصـيكــم

تراوحـه، والأصـبـحــية لـــلـــبـــطـــن

تعـذر مـنـه الآن لــمـــا قـــتـــلـــتـــه

تفـاوت أرجـاء الـقـلـيب مـن الـــشـــطـــن

فلـم أر وفـداً كـان لــلـــغـــدر عـــاقـــداً

كوفـدك شـدوا غـير مــوف ولا مـــســـنـــي

وكـنـت كـذات الـفـسـق لـم تـدر مـــا حـــوت

تخـير حـالـيهــا أتـــســـرق أم تـــزنـــي

جزى الـلـه عـنـي خـالـداً شــر مـــا جـــزى

وعـروة شـراً، مـن خــلـــيل، ومـــن خـــدن

قتـلـتـم أخـاكـم بـالـــســـياط ســـفـــاهة

فيا لـك لـلـرأي الـمـــضـــلـــل والأفـــن

فلو أنكم أجهـزتـم إذ قـتـلـتـم!

ولكن قتلتم بالسياط وبـالـسـجـن

وإني لأرجو أن أرى فيك ما تـرى

به من عقاب الله ما دونه يغـنـي

قطعت من الأرحام ما كان واشجـاً

على الشيب، وابتعت المخافة بالأمن

وأصبحت تسعى قاسطاً بـكـتـيبة

تهدم ما حول الحطيم ولا تـبـنـي

فلا تجز عن من سنة قد سنـتـهـا

فما للدماء الدهر تهرق من حقـن            

رثاؤه يعقوب بن طلحة أخبرني عمي قال: حدثني الخراز عن المدائني قال: قتل يعقوب بن طلحة يوم الحرة ، وكان يعقوب ابن خالة يزيد بن معاوية فقال يزيد: يا عجباً قاتلني كل أحد حتى ابن خالتي! قال: وكان الذي جاء بنعيه إلى الكوفة رجل يقال له الكروس، فقال ابن الزبير الأسدي يرثيه:

لعمرك ما هذا بعيش فيبتغـى

 

هنىء ولا موت يريح سـريع

لعمري لقد جاء الكروس كاظماً

 

على أمر سوء حين شاع فظيع

نعى أسرة يعقوب منهم فأقفرت

 

منازلهم من رزمة فـبـقـيع

وكلهم غيث إذا قحـط الـورى

 

ويعقوب منهم للأنـام ربـيع

وقال ابن الأعرابي: كان على ابن الزبير دين لجماعة، فلازموه ومنعوه التصرف في حوائجه، وألح عليه غريم له من بني نهشل يقال له: ذئب، فقال ابن الزبير:

أحابس كيد الفيل عن بطـن مـكة

 

وأنت على ما شئت جم الفواضـل

أرحني من اللائي إذا حل على دينهم

 

يمشون في الدارات مشي الأرامل

إذا دخلوا قالوا: السـلام عـلـيكـم

 

وغير السلام بـالـسـلام يحـاول

ألين إذا اشتد الـغـريم وألـتـوي

 

إذا استد حتى يدرك الدين قـابـل

عرضت على زيد ليأخذ بعض مـا

 

يحاوله قبل اشتغال الـشـواغـل

تثاءب حتى قلت: داسع نـفـسـه

 

وأخرج أنياباً لـه كـالـمـعـاول

دخوله المدينة مع عبد الرحمن بن الحكم وقال ابن الأعرابي: استجار ابن الزبير بمروان بن الحكم وعبد الله بن عامر لما هجا عبد الرحمن بن أم الحكم، فأجاراه وقاما بأمره، ودخل مع مروان إلى المدينة ، وقال في ذلك:

أجدي إلى مروان عدواً فقلصـي

 

وإلا فروحي واغتدي لابن عامر

إلى نفر حول النبـي بـيوتـهـم

 

مكاريم للعافي رقاق الـمـآزر

لهم سورة في المجد قد علمت لهم

 

تذبذب باع المتعب المتقـاصـر

لهم عامر البطحاء من بطن مكة

 

ورومة تسقي بالجمال القياسـر

حبسه زفر فقال شعراً وقال ابن الأعرابي: عرض قوم من أهل المدراء لابن الزبير الأسدي في طريقه من الشام إلى الكوفة وقد نزل بقرقيسياء ، فاستعدوا عليه زفر بن الحارث الكلابي وقالوا: إنه أموي الهوى، وكانت قيس يومئذ زبيرية، وقرقيسياء وما وإلاها في يد ابن الزبير، فحبسه زفر أياما وقيده، وكان معه رفيق من بني أمية يقال له: أبو الحدراء، فرحل وتركه في حبسه أياماً، ثم تكلمت فيه جماعة من مضر، فأطلق، فقال في ذلك:

أغاد أبو الحـدراء أم مـتـروح؟

 

كذاك النوى مما تجـد وتـمـزح

لعمري لقد كانت بـلاد عـريضة

 

لي الروح فيها عنك والمتسـرح

ولكنه يدنو البغـيض ويبـعـد ال

 

حبيب وينأى في المزار وينـزح

ألا ليت شعري هل أتى أم واصـل

 

كبول أعضوها بساقي تـجـرح

إذا ما صرفت الكعب صاحت كأنها

 

صريف خطا طيف بدلوين تمتـح

تبغي أباها في الرفاق وتنـثـنـي

 

وألوى به في لجة البحر تمـسـح

أمرتحل وفد العـراق وغـودرت

 

تحن بأبـواب الـمـدينة صـيدح

فإنك لا تدرين فيمـا أصـابـنـي

 

أريثك أم تعجيل سـيرك أنـجـح

أظن أبو الحدراء سجني تـجـارة

 

ترجى وما كل التجارة تـربـح!

خبره مع الحجاجأخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليل قال: حدثني محمد بن معاوية الأسدي قال: لما قدم الحجاج الكوفة والياً عليها صعد المنبر، فخطبهم فقال: يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق، ومساوىء الأخلاق، إن الشيطان قد باض وفرخ في صدوركم، ودب ودرج في حجوركم، فأنتم له دين، وهو لكم قرين، “ومن يكن الشيطان له قريناً فساء قريناً” ثم حثهم على اللحاق بالمهلب بن أبي صفرة، وأقسم ألا يجد منهم أحداً اسمه في جريدة المهلب بعد ثالثة بالكوفة إلا قتله، فجاء عمير بن ضابىء البرجمي فقال: أيها الأمير، إني شيخ لا فضل في، ولي ابن شاب جلد، فاقبله بدلاً مني، فقال له عنبسة بن سعيد بن العاص: أيها الأمير، هذا جاء إلى عثمان وهو مقتول، فرفسه وكسر ضلعين من أضلاعه، وهو يقول:

أين تركت ضابئاً يا نعثل

فقال له الحجاج: فهلا يومئذ بعثت بديلاً، يا حرسي ! اضرب عنقه، وسمع الحجاج ضوضاء، فقال: ما هذا؟ فقال: هذا البراجم جاءت لتنصر عميراً فيما ذكرت، فقال: أتحفوهم برأسه، فرموهم برأسه، فولوا هاربين، فازدحم الناس على الجسر للعبور إلى المهلب حتى غرق بعضهم ، فقال عبد الله بن الزبير الأسدي:

أقول لإبراهيم لمـا لـقـيتـه

 

أرى الأمر أمسى واهياً متشعباً

تخير فإما أن تزور ابن ضابىء

 

عميراً وإما أن تزور المهلبـا

هما خطتا خسف نجاؤك منهمـا

 

ركوبك حوليا من الثلج أشبهـا

فأضحى ولو كنت خراسان دونه

 

رآها مكان السوق أو هي أقربا

أخبرني عيسى بن الحسين الوراق قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني علي عثام الكلابي قال: دخل عبد الله بن الزبير الأسدي على مصعب بن الزبير بالكوفة لما وليها وقد مدحه، فاستأذنه الإنشاد، فلم يأذن له، وقال له: ألم تسقط السماء علينا وتمنعنا قطرها في مديحك لأسماء بن خارجة! ثم قال لبعض من حضر: أنشدها، فأنشده:

إذا مات ابن خارجة بن حصـن

 

فلا مطرت على الأرض السماء

ولا رجع الوفود بغـنـم جـيش

 

ولا حملت على الطهر النسـاء

ليوم مـنـك خـير مـن أنـاس

 

كثير حولـهـم نـعـم وشـاء

فبورك في بنيك وفـي أبـيهـم

 

إذا ذكروا ونحن لـك الـفـداء

فالتفت إليه مصعب وقال له: اذهب إلى أسماء، فمالك عندنا شيء، فانصرف، وبلغ ذلك أسماء، فعوضه حتى أرضاه، ثم عوضه مصعب بعد ذلك، وخص به، وسمع مديحه، وأحسن عليه ثوابه.

مدحه لبشر بن مروان قال ابن الأعرابي: لما ولي بشر بن مروان الكوفة أدنى عبد الله بن الزبير الأسدي وبره وخصه بأنسه، لعلمه بهواه في بني أمية، فقال يمدحه:

ألم ترني والحـمـد لـلـه أنـنـي

 

برئت وداواني بمعـروفـه بـشـر

رعى ما رعى مروان مني قبـلـه

 

فصحت له مني النصيحة والشكـر

ففي كل عام عاشه الدهر صالـحـاً

 

علي لرب العـالـمـين لـه نـذر

إذا ما أبو مروان خلـى مـكـانـه

 

فلا تهنأ الدنيا ولا يرسل الـقـطـر

ولا يهنىء الناس الـولادة بـينـهـم

 

ولا يبق فوق الأرض من أهلها شفر

فليس البحور بالتي تخـبـرونـنـي

 

ولكن أبو مروان بشر هو البـحـر

وقال فيه أيضا فذكر أمه قطبة بنت بشر بن مالك ملاعب الأسنة:

جاءت به عجز مـقـابـلة

 

ما هن من جرم ومن عكل

يابشر يا بن الجعفـرية مـا

 

خلق الإله يديك للـبـخـل

أنت ابن سادات لأجمعـهـم

 

وفي بطن مكة عزة الأصل

بحر من الأعياص جدن بـه

 

في مغرس للجود والفضل

متـهـلـل تـنـدى يداه إذا

 

ضن السحاب بوابل سجـل

خروجه مع الحجاج أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عباس قال: أخبرني مشيخة من بني أسد أن ابن الزبير الأسدي لما قفل من قتال الأزارقة صوب بعث إلى الري، قال: فكنت فيه، وخرج الحجاج إلى القنطرة يعني قنطرة الكوفة التي بزبارة ليعرض الجيش، فعرضهم، وجعل يسأل عن رجل رجل من هو؟ فمر به ابن الزبير، فسأله من هو؟ فأخبره، فقال أنت الذي تقول:

تخير فإما أن تزور ابن ضابىء

 

عميراً، وإما أن تزور المهلبا

قال: بلى، أنا الذي أقول:

ألم تر أني قد أخذت جـعـيلة

 

وكنت كمن قاد الجنيب فأسمحا

قال له الحجاج: ذلك خير لك، فقال:

وأوقدت الأعداء يا مي فأعلمي

 

بكل شرى ناراً فلم أر مجمحاً

فقال له الحجاج: قد كان بعض ذلك، فقال:

ولا يعدم الداعي إلى الخير تابعـاً

 

ولا يعدم الداعي إلى الشر مجدحا

فقال له الحجاج: إن ذلك كذلك، فامض إلى بعثك، فمضى إلى بعثه فمات بالري.
مدح ابن أم الحكم فلم يعطه فهجاه أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني عمي قال: لما ولي عبد الرحمن ابن أم الحكم الكوفة، مدحه عبد الله بن الزبير، فلم يثبه، وكان قدم في هيئة رثة، فلما اكتسب وأثرى بالكوفة تاه وتجبر، فقال ابن الزبير فيه:

تبقلت لمـا أن أتـيت بـلادكـم

 

وفي مصرنا أنت الهمام القلمس

ألست ببـغـل أمـه عـربـية

 

أبوك حمار أدبر الظهر ينخس

قال: وكان بنو أمية إذا رأوا عبد الرحمن يلقبونه البغل، وغلبت عليه حتى كان يشتم من ذكر بغلاً، يظنه يعرض به .
شعره في مقتل عبد الله بن الزبير أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني عن العمري عن العتبي قال: لما قتل عبد الله بن الزبير صلب الحجاج جسده، وبعث برأسه إلى عبد الملك، فجلس على سريره وأذن للناس فدخلوا عليه، فقام عبد الله بن الزبير الأسدي فاستأذنه في الكلام، فقال له: تكلم ولا تقل إلا خيراً، وتوخ الحق فيما تقوله، فأنشأ يقول:

مشى ابن الزبير القهقرى فتقدمت

 

أمية حتى أحرزوا القصـبـات

وجئت المجلي يا بن مروان سابقاً

 

أمام قريش تنفض الـعـذرات

فلا زلت سباقاً إلى كـل غـاية

 

من المجد نجاء من الغـمـرات

قال: فقال له: أحسنت فسل حاجتك: فقال له: أنت أعلى عيناً بها وأرحب صدراً يا أمير المؤمنين؛ فأمر له بعشرين ألف درهم وكسوة، ثم قال له: كيف قلت؟ فذهب بعيد هذه الأبيات، فقال: لا، ولكن أبياتك في المحل في وفي الحجاج التي قلتها: فأنشده: شعره في المحل وفي الحجاج

كأني بعبد الله يركـب ردعـه

 

وفيه سنان زاعبي مـحـرب

وقد فر عنه الملحدون وحلقت

 

به وبمن آساه عنقاء مغـرب

تولوا فخلوه فشال بـشـلـوه

 

طويل من الأجذاع عار مشذب

بكفي غلام من ثقيف نمت بـه

 

قريش وذو المجد التليد معتب

فقال له عبد الملك: لا تقل غلام، ولكن همام، وكتب له إلى الحجاج بعشرة آلاف درهم أخرى؛ والله أعلم هجاؤه عبد الله بن الزبير أخبرني أبو الحسن الأسدي قال: خدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد قال: قتل ابن الزبير من شيعة بني أمية قوماً بلغه أنهم يتجسسون لعبد الملك، فقال فيه عبد الله بن الزبير في ذلك يهجوه ويعبره بفعله:

أيها العائذ في مـكة كـم

 

من دم أهرقته في غير دم

أيد عـائذة مـعـصـمة

 

ويد تقتل من حل الحـرم!

مدحه بشر بن مروان قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب لإسحاق بن إبراهيم الموصلي فيه إصلاحات بخطه، والكتاب بخط النضر بن حديد من أخبار عبد الله بن الزبير وشعره، قال: دخل عبد الله بن الزبير على بشر بن مروان وعليه ثياب كان بشر خلعها عليه، وكان قد بلغ بشراً عنه شيء يكرهه، فجفاه، فلما وصل إليه وقف بين يديه، وجعل يتأمل من حواليه من بني أمية، ويجيل بصره فيهم كالمتعجب من جمالهم وهيئتهم، فقال له بشر، إن نظرك يا بن الزبير ليدل أن وراءه قولاً؛ فقال: نعم؛ قال: قل؛ فقال:

كأن بني امية حول بـشـر

 

نجوم وسطها قمر مـنـير

هو الفرع المقدم من قريش

 

إذا أخذت مآخذها الأمـور

لقد عمت نوافله فأضـحـى

 

غنيا من نوافله الـفـقـير

جبرت مهيضنا وعدلت فينـا

 

فعاش البائش الكل الكسـير

فأنت الغيث قد علمت قريش

 

لنا، والواكف الجون المطير

قال: فأمر له بخمسة آلاف درهم ورضي عنه، فقال ابن الزبير:

لبشر بن مروان على الناس نعمة

 

تروح وتغدو لا يطاق ثوابـهـا

به أمن الله النفوس مـن الـردى

 

وكانت بحال لا يقـر ذبـابـهـا

دمغت ذوي الأضغان يا بشر عنوة

 

بسيفك حتى ذل منها صعابـهـا

وكنت لنا كهفاً وحصناً ومعـقـلاً

 

إذا الفتنة الصماء طارت عقابها

وكم لك يا بشر بن مروان من يد

 

مهذبة بيضاء راس ظـرابـهـا

وطدت لنا دين النبـي مـحـمـد

 

بحلمك إذا هرت سفاها كلابهـا

وسدت ابن مروان قريشاً وغيرها

 

إذا السنة الشهباء قل سحابـهـا

رأبت ثآنا واصطـنـعـت أيادياً

 

إلينا ونار الحرب ذاك شهابـهـا

شعره لبشر بن مروان قال النضر بن حديد في كتابه هذا: ودخل عبد الله بن الزبير إلى بشر بن مروان متعرضاً له ويسمعه بيتاً من شعره فيه، فقال له بشر: أراك متعرضاً لأن أسمع منك وهل أبقى أسماء بن خارجة منك أو من شعرك أو من ودك شيئاً؟ لقد نزحت فيه بحرك يا بن الزبير؛ فقال: أصلح الله الأمير، إن أسماء بن خارجة كان للمدح أهلاً، وكانت له عندي أياد كثيرة، وكنت لمعروفه شاكراً، وأيادي الأمير عندي أجل، وأملي فيه أعظم، وإن كان قولي لا يحيط بها ففي فضل الأمير على أوليائه ما قبل به ميسورهم، وإن أذن لي في الإنشاد رجوت أن أوفق للصواب. فقال: هات، فقال:

تداركني بشر بن مروان بـعـدمـا

 

تعاونت إلى شلوي الذئاب العواسـل

غياث الضعاف المرملين وعصمة ال

 

يتامى ومن تأوي إليه العـبـاهـل

قريع قريش والهـمـام الـذي لـه

 

أقرت بنو قحـطـان طـرا ووائل

وقيس بن عيلان وخنـدف كـلـهـا

 

أقرت وجن الأرض طرا وخـابـل

يداك ابن مروان يد تقـتـل الـعـدا

 

وفي يدك الأخـرى غـياث ونـائل

إذا أمطرتنا منـك يومـاً سـحـابة

 

روينا بما جادت علـينـا الأنـامـل

فلا زلت يابشر بـن مـروان سـيداً

 

يهل علينـا مـنـك طـل ووابـل

فأنت المصفى يا بن مروان والـذي

 

توافت إليه بالعـطـاء الـقـبـائل

يرجون فضل الله عـنـد دعـائكـم

 

إذا جمعتكم والحجـيج الـمـنـازل

ولولا بنو مروان طاشت حلـومـنـا

 

وكنا فراشاً أحرقتهـا الـشـعـائل

شعره في أمير المؤمنين فأمر له بجائزة وكساه خلعة، وقال له: إني أريد أن أوفدك على أمير المؤمنين، فتهيأ لذلك يا بن الزبير، قال: أنا فاعل أيها الأمير، قال: فماذا تقول له إذا وفدت عليه ولقيته إن شاء الله. فارتجل من وقته هذه القصيدة ثم قال:

أقول: أمير المؤمنين عصمتـنـا

 

ببشر من الدهر الكثير الزلازل

وأطفأت عنا نار كل مـنـافـق

 

بأبيض بهلول طويل الحـمـائل

نمته قروم من أمـية لـلـعـلا

 

إذا افتخر الأقوام وسط المحافل

هو القائد الميمون والعصمة التي

 

أتى حقها فينا على كل باطـل

أقام لنا الدين القويم بـحـلـمـه

 

ورأي له فضل على كل قـائل

أخوك أمير المؤمنين ومـن بـه

 

نجاد ونسقي صوب أسحم هاطل

إذا ما سألنا رفده هطلـت لـنـا

 

سحابة كفـيه بـجـود ووابـل

حليم على الجهال منـا ورحـمة

 

على كل حاف من معد وناعـل

فقال بشر لجلسائه: كيف تسمعون؟ هذا والله الشعر، وهذه القدرة عليه! فقال له حجار بن ابجر العجلي، وكان من أشراف أهل الكوفة، وكان عظيم المنزلة عند بشر: هذا أصلح الله الأمير أشعر الناس وأحضرهم قولاً إذا أراد، فقال محمد بن عمير بن عطارد وكان عدواً لحجار أيها الأمير، إنه لشاعر، وأشعر منه الذي يقول: شعر الفرزدق في بشر بن مروان

لبشر بن مـروان عـلـى كـل حـالة

 

من الدهر فضل في الرخاء وفي الجهد

قريع قـريش والـذي بـاع مـالــه

 

ليكسب حمـداً حـين لا أحـد يجـدي

ينافس بشر في السـمـاحة والـنـدى

 

ليحرز غايات المكـارم بـالـحـمـد

فكم جبرت كفاك يا بشر مـن فـتـى

 

ضريك، وكم عيلت قوماً على عـمـد

وصيرت ذا فقر غنياً، ومثـرياً

 

فقيراً، وكلا قد حذوت بلا وعد

             

خبره مع حجار بن أبجر فقال بشر: من يقول هذا؟ قال: الفرزدق، وكان بشر مغضباً عليه، فقال، أبعث إليه فأحضره، فقال له: هو غائب بالبصرة، وإنما قال هذه الأبيات وبعث بها لأنشدكها ولترضى عنه، فقال بشر: هيهات! لست راضياً عنه حتى يأتيني، فكتب محمد بن عمير إلى الفرزدق، فتهيأ للقدوم على بشر، ثم بلغه أن البصرة قد جمعت له مع الكوفة، فأمام وأنتظر قدومه، فقال عبد الله بن الزبير لمحمد بن عمير في مجلسه ذلك بحضرة بشر:

بني دارم هل تعرفون مـحـمـداً

 

بدعوته فيكم إذا الأمـر حـقـقـا

وساميتم قوماً كراماً بـمـجـدكـم

 

وجاء سكيتا آخر القوم مخـفـقـاً

فأصلك دهمان بن نصر فـردهـم

 

ولا تك وغداً في تميم مـعـلـقـاً

فإن تميماً لست منـهـم ولا لـهـم

 

أخا يا بن دهمان فلا تك أحمـقـاً

ولولا أبو مـروان لاقـيت وابـلا

 

من السوط ينسيك الرحيق المعتقـا

أحين علاك الشيب أصبحت عاهراً

 

وقلت أسقني الصهباء صرفاً مروقاً

تركت شراب المسلمـين ودينـهـم

 

وصاحب وغداً من فزارة أزرقـاً

نبيتان من شرب المـدامة كـالـذي

 

أتيح له حبل فأضحى مـخـنـقـا

فقال بشر: أقسمت عليك إلا كففت، فقال: أفعل أصلحك الله، والله لولا مكانك لأنفذت حضنيه بالحق وكف ابن الزبير وأحسن بشر جائزته وكسوته، وشمت حجار بن أبحر بمحمد بن عمير وكان عدوه وأقبلت بنو أسد على ابن الزبير فقالوا: عليك غضب الله، أشمت حجاراً بمحمد، والله لا نرضى عنك حتى تهجوه هجاء يرضى به محمد بن عمير عنك، أو لست تعلم أن الفرودق أشعر العرب؟ قال: بلى، ولكن محمداً ظلمني وتعرض لي، ولم أكن لأحلم عنه إذ فعل، فلم تزل به بنو أسد حتى هجا حجاراً، فقال:

سليل النصارى سدت عجلاً ولم تكن

 

لذلك أهلاً أن تسود بني عـجـل

ولكنهم كانوا لئامـاً فـسـدتـهـم

 

ومثلك من ساد اللئام بـلا عـقـل

وكيف بعجل إن دنا الفصح واغتدت

 

عليك بنو عجل ومرجلكم يغـلـي

وعندك قسيس النصارى وصلبهـا

 

وعانية صهباء مثل جنى النـحـل

قال: فلما بلغ حجاراً قوله شكاه إلى بشر بن مروان، فقال له بشر: هجوت حجاراً؟ فقال: لا والله أعز الله الأمير، ما هجوته، لكنه كذب علي، فأتاه ناس من بني عجل وتهددوه بالقتل، فقال فيهم:

تهددني عجل، وما خلـت أنـنـي

 

خلاة لعجل والصليب لها بـعـل

وما خلتني والدهر فيه عـجـائب

 

أعمر حتى قد تهددنـي عـجـل

وتوعدني بالقتل منهـم عـصـابة

 

وليس لهم في العز فرع ولا أصل

وعجل أسود في الرخاء، ثعالـب

 

إذا التقت الأبطال واختلف النبـل

فإن تلقنا عجل هناك فـمـا لـنـا

 

ولا لهم م الموت منجى ولا وعل

منعه عبد الرحمن الخروج إلى الشام وقال النضر في كتابه: لما منع عبد الرحمن بن أم الحكم عبد الله بن الزبير الخروج إلى الشأم، وأراد حبسه، لجأ إلى سويد بن منجوف، واستجار به، فأخرجه مع بني شيبان في بلادهم، وأجازه عمل ابن أم الحكم، فقال يمدحه:

أليس ورائي إن بلاد تجـهـمـت

 

سويد بن منجوف وبكر بـن وائل

حصون براها الله لم ير مثـلـهـا

 

طوال أعاليها شـداد الأسـافـل

هم أصبحوا كنزي الذي لست تاركاً

 

ونبلي التي أعددتها للمـنـاضـل

حاجب بشر قال شعراً وقال أيضا في هذا الكتاب: جاء عبد الله بن الزبير يوماً إلى بشر بن مروان، فحجبه حاجبه، وجاء حجار بن أبجر فأذن له، وانصرف ابن الزبير يومئذ، ثم عاد بعد ذلك إلى بشر وهو جالس جلوساً، فدخل إليه، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

ألم تر أن الله أعطى فـخـصـنـا

 

بأبيض قرم مـن أمـية أزهـرا

طلوع ثنايا المجد، سام بـطـرفـه

 

إذا سئل المعروف ليس بـأوعـرا

فلولا أبو مروان بشر لقـد غـدت

 

ركابي في فيف من الأرض أغبرا

سراعاً إلى عبد الـعـزيز دوائبـاً

 

تخلل زيتونا بمصـر وعـرعـرا

وحاربت في الإسلام بكر بـن وائل

 

كحرب كليب أو أمـر وأمـقـرا

إذا قادت الإسلام بـكـر بـن وائل

 

فهب ذاك دينا قد تغير مـهـتـرا

بأي بـلاء أم بـأي نـصـــيحة

 

تقدم حجاراً أمامي ابـن أبـجـرا

ومازلت مذ فارقت عثمان صـادياً

 

ومروان ملتاحاً عن المـاء أزورا

ألا لتني قدمت واللـه قـبـلـهـم

 

وأن أخي مروان كان المـؤخـرا

بهم جمع الشمل الشتيت، وأصلح ال

 

إله، وداوى الصدع حتى تجـبـرا

قضى الله: لا ينفك منهم خـلـيفة

 

كريم يسوس الناس يركب منبـرا

فاعتذر إليه بشر ووصله وحمله، وأنكر على حاجبه ما تشكاه، وأمر أن ياذن له عند إذنه لأخص أهله وأوليائه شعر لأبيه وقال النضر في كتابه هذا: كان الزبير بن الأشيم أبو عبد الله بن الزبير شاعراً، وكان لعبد الله بن الزبير ابن يقال له الزبير شاعر، فأما ابوه الزبير بن ألشيم فهو الذي يقول:

ألا يا لقومي للرقـاد الـمـؤرق

 

وللربع بعد الغبطة المتـفـرق

وهم الفتى بالأمر من دون نيلـه

 

مراتب صعبات على كل مرتقي

ويوم بصحراء البديدين قـلـتـه

 

بمنزلة النعمان وابن مـحـرق

وذلك عيش قد مضي كان بعـده

 

أمور أشابت كل شأن ومفـرق

وغير ما استنكرت يا ام واصـل

 

حوادث إلا تكسر العظم تعـرق

فراق حبـيب أو تـغـير حـالة

 

من الدهر أورام لشخصي مفوق

على أنني جلد صـبـور مـرزأ

 

وهل تترك أليام شيئاً لمشفـق؟

شعر لابنه وأما ابنه الزبير بن عبد الله بن الزبير، فهو القائل يمدح محمد بن عيينة بن اسماء بن خارجة الفزاري:

قالت عبيدة مـوهـنـاً

 

اين أعتراك الهم أينـه

هل تبلغن بك المـنـى

 

ما كنت تأمل في عيينه

بدر له الشيم الـكـرا

 

ئم كاملات فاعتلـينـه

والجوع يقتله الـنـدى

 

منه إذا قحط تـرينـه

فهناك يحمـده الـورى

 

أخلاق غيركم اشتكينه

قال: وهو القائل في بعض بني عمه:

ومولى كداء البطن أو فـوق دائه

 

يزيد موالي الصدق خيراً وينقص

تلومت أرجو أن يثوب فيرعـوي

 

به الحلم حتى استيأس المتربص

هروبه إلى معاوية وقال النضر في كتابه هذا: لما هرب ابن الزبير من عبد الرحمن بن أم الحكم إلى معاوية، أحرق عبد الرحمن داره، فتظلم منه وقال: أحرق لي داراً قد قامت علي بمائة ألف درهم، فقال معاوية: ما أعلم بالكوفة داراً أنفق عليها هذا القدر، فمن يعرف صحة ما ادعيت؟ قال: هذا المنذر بن الجارود حاضر ويعلم ذلك، فقال معاوية للمنذر: ما عندك في هذا؟ قال: إني لم آبه لنفقته على داره ومبلغها، ولكني لما دخلت الكوفة وأردت الخروج عنها، أعطاني عشرين ألف درهم وسألني أن ابتاع له بها ساجاً من البصرة، ففعلت، فقال معاوية: إن داراً اشترى لها ساج بعشرين ألف درهم لحقيق أن يكون سائر نفقتها مائة ألف درهم! وأمر له بها، فلما خرجا أقبل معاوية على جلسائه، ثم قال لهم: أي الشيخين عندكم أكذب؟ والله إني لأعرف داره، وما هي إلا خصاص قصب، ولكنهم يقولون فنسمع، ويخادعوننا فننخدع، فجعلوا يعجبون منه.

مدحه إبراهيم بن الأشتر أخرجه الحسن بن علي ومحمد بن يحيى قالا: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي عن عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدي قال: أتى عبد الله بن الزبير إبراهيم بن الأشتر النخعي فقال له: إني قد مدحتك بابيات فاسمعهن، فقال: إني لست أعطي الشعراء، فقال: اسمعها مني وترى رأيك، فقال: هات إذا، فأنشده قوله:

الله أعطاك المهابة والـتـقـى

 

وأحل بيتك في العديد الأكـثـر

وأقر عينك يوم وقـعة خـازر

 

والخيل تعثر بالقنا المتكـسـر

وإني مدحتك إذ نبا بي منزلـي

 

وذممت إخوان الغنى من معشر

وعرفت أنك لا تخيب مدحتـي

 

ومتى أكن بسبيل خير أشـكـر

فهلم نحوي من يمينـك نـفـحة

 

إن الزمان ألح يابن الأشـتـر

فقال: كم ترجو أن أعطيك؟ فقال: ألف درهم أصلح بها أمر نفسي وعيالي، فأمر له بعشرين ألف درهم.
صوت

ما هاج شوقك من بكاء حمامة

 

تدعو إلى فنن الأراك حمامـا

تدعو أخا فرخين صادف ضارياً

 

ذا مخلبين من الصقور قطاما

إلا تذكرك الأوانس بـعـدمـا

 

قطع المطي سباسباً وهـيامـا

الشعر لثابت قطنة؛ وقيل إنه لكعب الأشقري، والصحيح أنه لثابت، والغناء ليحيى المكي، خفيف ثقيل أول بالبنصر، من رواية ابنه والهشامي أيضاً.