أخبار عبد الرحمن ونسبه

أخبار عبد الرحمن ونسبه

هو عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد منافٍ. وأمه أم أخيه مروان، آمنة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق بن رقبة بن مخدج من بني كنانة. ويكنى عبد الرحمن أبا مطرف، شاعر إسلامي متوسط الحال في شعراء زمانه، وكان يهاجى عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فيقاومه وينتصف كل واحدٍ منهما من صاحبه.

أخبرني محمد بن العباس العسكري قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، عن العمري، عن العتبي والهيثم بن عدي، عن صالح بن حسان.

وأخبرني به عمي عن الكراني، عن العمري، عن الهيثم، عن صالح بن حسانٍ قال: قدم عبد الرحمن بن الحكم على معاوية بن أبي سفيان، وقد عزل أخاه مروان عن الحجاز وولى سعيد بن العاص، وكان مروان وجه به وقال له: القه أمامي فعاتبه لي واستصلحه. وقال عمي في خبره: كان عبد الرحمن بدمشق، فلما بلغه خبر أخيه خرج إليه فتلقاه، وقال له: أقم حتى أدخل إلى الرجل، فإن كان عزلك عن موجدة دخلت إليه منفرداً. وإن كان عن غير موجدة دخلت إليه مع الناس. قال: فأقام مروان ومضى عبد الرحمن أمامه، فلما قدم عليه دخل إليه وهو يعشي الناس، فأنشأ يقول:

أتتك العيس تنفخ في براها

 

تكشف عن مناكبها القطوع

بأبيض من أمية مضرحـي

 

كأن جبينه سيفٌ صـنـيع

شخص مروان بن الحكم ومعه أخوه عبد الرحمن، إلى معاوية، ثم ذكر نحواً من الحديث الأول، ولم يذكر فيه مخاطبة معاوية في أمرهم للأحنف، وزاد فيه: فقال عبد الرحمن في ذلك:

أتقطر آفاق السمـاء لـه دمـاً

 

إذا قيل الطرف أجرد سابـح

فحتى متى لا نرفع الطرف ذلةً

 

وحتى متى تعيا عليك المنادح

أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعيد قال: حدثنا علي بن الصباح عن ابن الكلبي عن أبيه، قال: كان عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي عند يزيد بن معاوية، وقد بعث إليه عبيد الله بن زياد برأس الحسين بن علي عليهما السلام فلما وضع بين يدي يزيد في الطشت بكى عبد الرحمن ثم قال:

أبلغ أمير المؤمـنـين فـلا تـكـن

 

كموتر أقواسٍ وليس لـهـا نـبـل

لهامٌ بجنب الـطـف أدنـى قـرابةً

 

من ابن زياد الوغد ذي لحسب الرذل

سمية أمسى نسلها عدد الـحـصـى

 

وبنت رسول الله ليس لهـا نـسـل

فصاح به يزيد: اسكت يا ابن الحمقاء، وما أنت وهذا؟! أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني هارون بن معروف قال: حدثنا بشر بن السري قال: حدثنا عمر بن سعيد عن أبي مليكة قال: رأيتهم – يعني بني أمية – يتتايعون نحو ابن عباس حين نفى ابن الزبير بني أمية عن الحجاز، فذهبت معهم وأنا غلامٌ، فلقينا رجلاً خارجاً من عنده، فدخلنا عليه، فقال له عبيد بن عمير، ما لي أراك تذرف عيناك؟ فقال له: إن هذا – يعني عبد الرحمن بن الحكم – قال بيتاً أبكاني، وهو:

وما كنت أخشى أن ترى الذل نسوتي

 

وعبد منافٍ لم تغلـهـا الـغـوائل

فذكر قرابة بيننا وبين بني عمنا بني أمية، وإنا إنما كنا أهل بيتٍ واحد في الجاهلية، حتى جاء الإسلام فدخل الشيطان بيننا أيما دخل.

أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا العمري عن الهيثم قال: حدثني أخي عباسٌ: أن عبد الرحمن بن الحكم كان يولع بجاريةٍ لأخيه مروان يقال لها شنباء ويهيم بمحبتها، فبلغ ذلك مروان، فشتمه وتوعده وتحفظ منه في أمر الجارية وحجبها، فقال فيها عبد الرحمن:

لعمر أبي شنباء إنـي بـذكـرهـا

 

وإن شحطت دار بهـا لـحـقـيق

وإني لها، لا ينزع اللـه مـا لـهـا

 

علي وإن لم تـرعـه لـصـديق

ولما ذكرت الوصل قالت وأعرضت

 

متى أنت عن هذا الحديث مـفـيق

أخبرني عمي قال: حدثنا الكراني قال: حدثنا الخليل بن أسد عن العمري، ولم أسمعه من العمري، عن الهيثم بن عدي قال: لما ادعى معاوية زياداً قال عبد الرحمن بن الحكم في ذلك – والناس ينسبونها إلى ابن مفرغ لكثرة هجائه إلى زياد، وذلك غلط – قال:

إلا أبلغ معاوية بـن حـربٍ

 

مغلغلةً من الرجل الهجـان

أتغضب أن يقال أبوك عفٌ

 

وترضى أن يقال أبوك زان

فأشهد إن رحمك مـن زيادٍ

 

كرحم الفيل من ولد الأتـان

وأشهد أنـهـا ولـدت زياداً

 

وصخرٌ من سمية غير داني

فبلغ ذلك معاوية بن حرب، فحلف ألا يرضى عن عبد الرحمن حتى يرضى عنه زياد، فخرج عبد الرحمن إلى زياد، فلما دخل عليه قال له: إيه يا عبد الرحمن، أنت القائل:

ألا أبلغ معاوية بن حـربٍ

 

مغلغلةً من الرجل الهجان

قال: لا أيها الأمير، ما هكذا قلت، ولكني قلت:

ألا من مبـلـغ عـنـي زياداً

 

مغلغلةً من الرجل الهـجـان

من ابن القرم قرم بني قصـي

 

أبي العاصي بن آمنة الحصان

حلفت برب مكة والمصـلـى

 

وبالتوراة أحلف والـقـرآن

لأنـت زيادةٌ فـي آل حـرب

 

أحب إلي من وسطى بنانـي

سررت بقربه وفرحت لـمـا

 

أتاني الله مـنـه بـالـبـيان

وقلت لـه أخـو ثـقةٍ وعـمٌّ

 

بعون الله في هذا الـزمـان

كذاك أراك والأهواء شـتـى

 

فما أدري بغيبٍ ما تـرانـي

فرضي عنه زيادٌ، وكتب له بذلك إلى معاوية، فلما دخل عليه بالكتاب قال: أنشدني ما قلت لزياد. فانشده، فتبسم ثم قال: قبح الله زياداً، ما أجهله، والله لما قلت له أخيراً حيث تقول: لأنت زيادة في آل حرب  شر من القول الأول، ولكنك خدعته فجازت خديعتك عليه.

هجاء عبد الرحمن لأخيه الحارث حين استعفى من الغزو

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: استعمل معاوية بن أبي سفيان الحارث بن الحكم بن أبي العاصي على غزاة البحر، فنكص واستعفى، فوجه مكانه ابن أخيه عبد الملك بن مروان، فمضى وأبلى وحسن بلاؤه، فقال عبد الرحمن بن الحكم لأخيه الحارث:

شنئتك إذ رأيتك حـوتـكـيا

 

قريب الخصيتين من التراب

كأنك قملة لقحت كشـافـاً

 

لبرغوث ببعرة أو صـوأب

كفاك الغزو إذا أحجمت عنه

 

حديث السن مقتبل الشبـاب

فليتك حيضة ذهبت ضـلالاً

 

وليتك عند منقطع السحاب

هجاؤه لمروان حين أعدي عليه الحناط

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة قال: لطم عبد الرحمن بن الحكم مولى لأهل المدينة حناطاً، وأخوه مروان يومئذ وال لأهل المدينة، فاستعداه الحناط عليه، فأجلسه مروان بين يديه وقال له: الطمه – وهو أخو مروان لأبيه وأمه – فقال الحناط: والله ما أردت هذا، وإنما أردت أن أعلمه أن فوقه سلطاناً ينصرني عليه، وقد وهبتها لك. قال: لست أقبلها منك فخذ حقك. فقال: والله لا ألطمه، ولكني أهبها لك. فقال له مروان: إن كنت ترى أن ذلك يسخطني فوالله لا أسخط، فخذ حقك. فقال: قد وهبتها لك، ولست والله لاطمه. قال: لست والله قابلها، فإن وهبتها فهبها لمن لطمك، أو لله عز وعلا. فقال: قد وهبتها لله تعالى. فقال عبد الرحمن يهجو أخاه مروان:

كل ابن أم زائد غير نـاقـص

 

وأنت ابن أم ناقص غير زائد

وهبت نصيبي منك يا مرو كله

 

لعمرو وعثمان الطويل وخالد

رئاؤه لقتلى قريش يوم الجمل

أخبرني هاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي، قال: حدثنا أبو غسان دماذ، عن أبى عبيدة قال: نظر عبد الرحمن بن الحكم إلى قتلى قريش يوم الجمل فبكى، وأنشأ يقول:

أيا عين جودي بدمـع سـرب

 

على فتية من خيار الـعـرب

وما ضرهم، غير حين النقوس،

 

أي أميري قـريش غـلـب

غضب معاوية عليه ثم عفوه عنه

أخبرني إسماعيل بن يونس قال: حدثني عمر بن شبة قال: حدثني المدائني عن شيخ من أهل مكة قال: عرض معاوية على عبد الرحمن بن الحم خيله، فمر به فرس فقال له: كيف تراه؟ فقال: هذا سابح. ثم عرض عليه آخر فقال: هذا ذو علالة. ثم مر به آخر فقال: وهذا أجش هزيم. فقال له معاوية: قد علمت ما أردت، إنما عرضت بقول النجاشي في:

ونجى ابن حرب سابح ذو عـلالة

 

أجش هـزيم والـرمـاح دوان

سليم الشظى عبل الشوى شنح النسا

 

كسيد الغضى باق على النسـلان

أخرج عني فلا تساكني في بلد، فلقي عبد الرحمن أخاه مروان فشكا إليه معاوية، وقال له عبد الرحمن: وحتى متى نستذل ونضام؟ فقال له مروان: هذا عملك بنفسك. فأنشأ يقول:

أتقطر آفاق السماء لـنـا دمـاً

 

إذا قلت هذا الطرف أجرد سابح

فحتى متى لا نرفع الطرف ذلة

 

وحتى متى تعيا عليك المنـادح

فدخل مروان على معاوية، فقال له مروان: حتى متى هذا الاستخفاف بآل أو أبي العاصي؟ أما والله إنك لتعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم وآله فينا، ولقل ما بقي من الأجل فضحك معاوية وقال: لقد عفوت لك عنه ياأبا عبد الملك. والله أعلم بالصواب صوت

قولا لنائل ما تقضين في رجـل

 

يهوى هواك وما جنبته اجتنبـا

يمسي معي جسدي والقلب عندكم

 

فما يعيش إذا ما قلبـه ذهـبـا

الشعر لمسعدة بن البختري، والغناء لعبادل، ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيه لعريب ثقيل أول آخر عن ابن المعتز، ولها فيه أيضاً خفيف رمل عنه.