أخبار شبيب بن البرصاء ونسبه

أخبار شبيب بن البرصاء ونسبه

نسبه: هو شبيب بن يزيد بن جمرة، وقيل جبرة بن عوف بن أبي حارثة بن مرة بن نشبة بن غيظ ابن مرة بن سعد بن ذبيان. والبرصاء أمه، واسمها قرصافة بنت الحارث بن عوف بن أبي حارثة، وهو ابن خالة عقيل بن علفة، وأم عقيلٍ عمرة بنت حارثة بن عوف، ولقبت قرصافة البرصاء لبياضها، لا لأنها كان بها برص .

هاجى عقيل بن علفة: وشبيب شاعر فصيح إسلامي من شعراء الدولة الموية، بدوي لم يحضر إلا وافداً أو منتجعاً. وكان يهاجي عقيل بن علفة ويعاديه لشراسة كانت في عقيل وشر عظيم. وكلاهما كان شريفاً سيداً في قومه، في بيت شرفهم وسؤددهم. وكان شبيب أعور، أصاب عينه رجل من طيء في حرب كانت بينهم .

هاجى أرطأة بن سهية: أخبرنا محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم السجستاني عن أبي عبيدة قال: دخل أرطأة بن سهية على عبد الملك بن مروان وكان قد هاجى شبيب بن البرصاء فأنشده قوله فيه:

أبي كان خيراً من أبيك ولم يزل

 

جنيباً لآبائي وأنـت جـنـيب

فقال له عبد الملك: كذبت! ثم أنشده البيت الآخر فقال:

وما زلت خيراً منك مذ عض كارهاً

 

برأسك عادي الـنـجـاد ركـوب

فقال له عبد الملك: صدقت. وكان أرطأة أفضل من شبيبٍ نفساً، وكان شبيب أفضل من أرطأة بيتاً .

فاخره عقيل بن علفة فقال شعراً يهجوه: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو عن أبيه قال: فاخر عقيل بن علفة شبيب بن البرصاء فقال شبيب يهجوه، ويعير برجلٍ من طيء كان يأتي أمه عمرة بنت الحارث يقال له حيان، ويهجو غيظ بن مرة:

ألسنا بفرعٍ قد علمـتـم دعـامةً

 

ورابية تنشق عنها سـيولـهـا

وقد علمت سعد بن ذبيان أنـنـا

 

رحاها الذي تأوي إليها وجولها

إذا لم نسسكم في الأمور ولم نكن

 

لحربٍ عوانٍ لاقح من يئولهـا

فلستم بأهدى في البلاد من التـي

 

تردد حيرى حين غاب دليلـهـا

دعت جل يربوع عقيلا لحـادثٍ

 

من الأمر فاستخفى وأعيا عقيلها

فقلت له: هلا أجبت عـشـيرةً

 

لطارق ليلٍ حين جاء رسولها !

وكائن لنا من ربوة لا تنـالـهـا

 

مراقيك أو جرثومةٍ لا تطولهـا

فخرت بأيامٍ لغيرك فـخـرهـا

 

وغرتها معروفة وحجـولـهـا

إذا الناس هابوا سوءةً عمدت لها

 

بنو جابر شبانها وكـهـولـهـا

فهلا بني سعد صبحت بـغـارةٍ

 

مسومةٍ قد طار عنها نسيلهـا !

فتدرك وتراً عـنـد الأم واتـرٍ

 

وتدرك قتلى لم تتمم عقولـهـا

افتخر عليه عقيل بمصاهرته للملوك فهجاه: وقال أبو عمرو: اجتمع عقيل بن علفة وشبيب بن البرصاء عند يحيى بن الحكم فتكلما في بعض الأمر، فاستطال عقيل على شبيب بالصهر الذي بينه وبين بني مروان وكان زوج ثلاثاً من بناته فيهم، فقال شبيب يهجوه:

ألا أبلغ أبا الجربـاء عـنـي

 

بآيات التباغض والتـقـالـي

فلا تذكر أباك العبد وافـخـر

 

بأم لست مكرمـهـا وخـال

وهبها مهرةً لقحت بـبـغـل

 

فكان جنينها شر الـبـغـال

إذا طارت نفوسهم شعـاعـاً

 

حمين المحصنات لدى الحجال

بطعنٍ تعثر الأبطـال مـنـه

 

وصربٍ حيث تقتنص العوالي

أبـى لـي أن آبـائي كـرام

 

بنوا لي فوق أشرافٍ طـوال

بيوت المجد ثم نموت منـهـا

 

إلى علياء مشرقة الـقـذال

تزل حجارة الرامين عنـهـا

 

وتقصر دونها نبل النـضـال

أبالحفاث شر الـنـاس حـياً

 

وأعناق الأيور بنـي قـتـال

رفعت مسامياً لتنـال مـجـداً

 

فقد أصبحت منهم في سفـال

قال أبو عمرو: بنو قتال إخوة بني يربوع رهط عقيل بن علفة وهم قوم فيهم جفاء، قال أبو عمرو: مات رجل منهم فلفه أخوه في عباءة له، وقال أحدهما للآخر: كيف تحمله؟ قال: كما تحمل القربة. فعمد إلى حبل فشد طرفه في عنقه وطرفه في ركبتيه وحمله على ظهره كما تحمل القربة، فلما صار به إلى الموضع الذي يريد دفنه فيه حفر له حفيرةً، وألقاه فيها، وهال عليه التراب حتى واراه. فلما انصرفا قال له: يا هناه ، أنسيت الحبل في عنق أخي ورجليه، وسيبقى مكتوفاً إلى يوم القيامة. قال: دعه يا هناه، فإن يرد الله به خيره يحلله .

خطب بنت يزيد بن هاشم فرده ثم قبله فأبى: وقال أبو عمرو: خطب شبيب بن البرصاء إلى يزيد بن هاشم بن حرملة المري ثم الصرمي ابنته، فقال: هي صغيرة، فقال شبيب: لا؛ ولكنك تبغي أن تردني، فقال له يزيد: ما أردت ذاك، ولكن أنظرني هذا العام، فإذا انصرم فعلي أن أزوجك. فرحل شبيب من عنده مغضباً، فلما مضى قال ليزيد بعض أهله: والله ما أفلحت! خطب إليك شبيب سيد قومك فرددته! قال: هي صغيرة، قال: إن كانت صغيرة فستكبر عنده. فبعث إليه يزيد: ارجع فقد زوجتك، فإني أكره أن ترجع إلى أهلك وقد رددتك، فأبى شبيب أن يرجع وقال:

لعمري لقد أشرفت يوم عنـيزةٍ

 

على رغبةٍ لو شد نفسي مريرها

ولكن ضعف الأمر ألا تـمـره

 

ولا خير في ذي مرةٍ لا يغيرها

تبين أدبار الأمور إذا مـضـت

 

وتقبل أشباهاً عليك صـدورهـا

ترجي النفوس الشيء لا تستطيعه

 

وتخشى من الأشياء ما لا يضيرها

ألا إنما يكفي النفوس إذا اتـقـت

 

تقى الله ما حاذرت فـيجـيرهـا

ولا خير في العيدان إلا صلابهـا

 

ولا ناهضات الطير إلا صقورها

ومستنبحٍ يدعو وقـد حـال دونـه

 

من الليل سجفا ظلمةٍ وستورهـا

رفعت له ناري فلما اهتدى لـهـا

 

زجرت كلابي أن يهر عقورهـا

فبات وقد أسرى من الليل عقـبةً

 

بليلة صدقٍ غاب عنها شرورهـا

وقد علم الأضـياف أن قـراهـم

 

شواء المتالي عندنـا وقـديرهـا

إذا افتخرت سعد بن ذبيان لم يجـد

 

سوى ما بيننا ما يعد فخـورهـا

وإني لتراك الضـغـينة قـد بـدا

 

ثراها من المولى فلا أستثيرهـا

مخافة أن تجنى عـلـي وإنـمـا

 

يهيج كبيرات الأمور صغيرهـا

إذا قيلت العوراء وليت سمعـهـا

 

سواي ولم أسمع بها ما دبيرهـا

وحاجة نفسٍ قد بلـغـت وحـاجةٍ

 

تركت إذا ما النفس شح ضميرها

حياءً وصبراً في المواطن إنـنـي

 

حي لدى أمثال تلك سـتـيرهـا

وأحبس في الحق الكريمة إنـمـا

 

يقوم بحق النائبات صـبـورهـا

أحابي بها الحي الذي لا تهـمـه

 

وأحساب أمواتٍ تعد قـبـورهـا

ألم تر أنـا نـور قـوم وإنـمـا

 

يبين في الظلماء للناس نـورهـا

تمثل محمد بن مروان بشعره: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال حدثني محمد بن عبد الله بن آدم بن جشم العبدي قال: كانت بين بني كلب وقوم من قيس ديات، فمشى القوم إلى أبناء أخواتهم من بني أمية يستعينون بهم في الحمالة ، فحملها محمد بن مروان كلها عن الفريقين، ثم تمثل بقول شبيب ابن البرصاء:

ولقد وقفت النفس عن حاجاتـهـا

 

والنفس حاضرة الشعاع تطـلـع

وغرمت في الحسب الرفيع غرامةً

 

يعيا بها الحصر الشحيح ويظلـع

إني فتًى حـر لـقـدري عـارف

 

أعطي به وعليه مـمـا أمـنـع

نزل هو وأرطأة بن زفر وعويف القوافي على رجل من أشجع فلم يكرم ضيافتهم فهجوه: أخبرني محمد بن خلفٍ وكيع قال. حدثنا إسحاق بن محمد النخعي قال. حدثني الحرمازي قال: نزل شبيب بن البرصاء وأرطأة بن زفر وعويف القوافي برجل من أشجع كثير المال يسمى علقمة، فأتاهم بشربة لبن ممذوقةٍ ولم يذبح لهم، فلما رأوا ذلك منه قاموا إلى رواحلهم فركبوها ثم قالوا: تعالوا حتى نهجو هذا الكلب. فقال شبيب:

أفي حدثان الدهر أم في قـديمـه

 

تعلمت ألا تقري الضيف علقما ؟

وقال أرطأة:

لبثنا طـويلاً ثـم جـاء بـمـذقةٍ

 

كماء السلا في جانب القعب أثلما

وقال عويف:

فلما رأينا أنه شر مـنـزلٍ

 

رمينا بهن الليل حتى تخرما

عاد من سفر فعلم بموت جماعة من بني عمه فرثاهم: أخبرني هاشم بن محمدٍ الخزاعي قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القذاحمي قال: غاب شبيب بن البرصاء عن أهله غيبةً، ثم عاد بعد مدة، وقد مات جماعة من بني عمه، فقال شبيب يرثيهم:

تخرم الدهر إخواني وغادرني

 

كما يغادر ثور الطارد الفـئد

إني لباقٍ قليلاً ثم تـابـعـهـم

 

ووارد منهل القوم الذي وردوا

هاجى رجلاً من غني فأعانه أرطأة بن سهية عليه: قال أبو عمرو: هاجى شبيب بن البرصاء رجلاً من غني، أو قال من باهلة، فأعانه أرطأة ابن سهية على شبيب، فقال شبيب:

لعمري لئن كانت سهية أوضعت

 

بأرطأة في ركب الخيانة والغدر

فما كان بالطرف العتيق فيشترى

 

لفحلته، ولا الجـواد إذا يجـري

أتنصر مني معشراً لست منـهـم

 

وغيرك أولى بالحياطة والنصر !

ويروي: وقد كنت أولى بالحياطة، وهو أجود .

استعدى عليه رهط أرطاة عثمان بن حيان لهجائه إياهم فهدده ابن حيان بقطع لسانه: وقال ابن عمرو: استعدى رهط أرطاة بن سهية على شبيب بن البرصاء إلى عثمان بن حيان المري وقالوا له: يعمنا بالهجاء ويشتم أعراضنا، فأمر بإشخاصه إليه فأشخص، ودخل إلى عثمان وقد أتى بثلاثة نفرٍ لصوصٍ قد أفسدوا في الأرض يقال لهم بهدل ومثغور وهيصم، فقتل بهدلاً وصلبه، وقطع مثغوراً والهيصم، ثم أقبل على شبيبٍ فقال: كم تسب أعراض قومك وتستطيل عليهم! اقسم قسماً حقاً لئن عاودت هجاءهم لأقطعن لسانك، فقال شبيب:

سجنت لساني يابن حيان بعدمـا

 

تولى شبابي، إن عقدك محكم

وعيدك أبقى من لساني قـذاذةً

 

هيوباً، وصمتا بعد لا يتكـلـم

رأيتك تحلو لي إذا شئت لامرئٍ

 

ومراً مراراً فيه صاب وعلقم

وكل طريدٍ هالك مـتـحـير

 

كما هلك الحيران والليل مظلم

أصبت رجالاً بالذنوب فأصبحوا

 

كما كان مثغور عليك وهيصم

خطاطيفك اللاتي تخطفن بهدلاً

 

فأوفى به الأشراف جذع مقوم

يداك يدا خير وشرٍ فمنهـمـا

 

تضر وللأخرى نوال وأنعـم

ذهب دعيج بن سيف بإبله فخرج في طلبها فرماه دعج فأصاب عينه: وقال أبو عمرو: استاق دعيج بن سيف بن جذيمة بن وهب الطائي ثم الجرمي إبل شبيب بن البرصاء فذهب بها، وخرج بنو البرصاء في الطلب، فلما واجهوا بني جرم قال شبيب: اغتنموا بني جرم، فقال أصحابه: لسنا طالبين إلا أهل القرحة ، فمضوا حتى أتوا دعيجاً وهو برأس الجبل، فناداه شبيب: يا دعيج، إن كانت الطراف حية فلك سائر الإبل، فقال: يا شبيب تبصر رأسها بين سائر الإبل، فنظر فأبصرها، فقال شبيب: شدوا عليه واصعدوا وراءه، فأبوا عليه، فحمل شبيب وحده، ورماه دعيج فأصاب عينه، فذهب بها وكان شبيب أعور ثم عمي بعد ما أسن، فانصرف وانصرف معه بنو عمه، وفاز دعيج بالأبل، فقال شبيب:

أمرت بني الرصـاء يوم حـزابةٍ

 

بأمرٍ جميع لم تشتت مـصـادره

بشول ابن معروف وحسان بعدما

 

جرى لي يمن قد بدا لي طـائره

أيرجع حر دون جرم ولـم يكـن

 

طعان ولا ضرب يذعذع عاسره؟

فأذهب عيني يوم سفح سـفـيرةٍ

 

دعيج بن سيف، أعوزته معاذره

ولما رأيت الشول قد حال دونهـا

 

من الهضب مغبر عنيف عمائره

وأعرض ركن من سفيرة يتقـى

 

بشم الذرا لا يعبد اللـه عـامـره

أخذت بني سيفٍ ومالك مـوقـعٍ

 

بما جرى مولاهم وجرت جرائره

ولو أن رجلي يوم فر ابن جوشنٍ

 

علقن ابن ظبي أعوزته مغـاوره

هجاه أرطاة بن سهية ونفاه عن بني عوف: أخبرني عمي قال حدثني الكراني قال حدثنا العمري عن عاصم بن الحدثان قال: هجا أرطاة بن سهية بن البرصاء ونفاه عن بني عوف فقال:

فلو كنت عوفياً عميت وأسهلت

 

كداك ولكن المريب مـريب

قال: فعمي شبيب بن البرصاء بعد موت أرطاة بن سهية، فكان يقول: ليت ابن سهية حياً حتى يعلم أني عوفي، قال: والعمى شائع في بني عوف، إذا أسن الرجل منهم عمي، وقل من يفلت من ذلك منهم .

امتدح شعره عبد الملك بن مروان وفضله على الأخطل: وحدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني علي بن الصباح عن ابن الكلبي قال: أنشد الأخطل عبد الملك بن مروان قوله:

بكر العواذل أذا يبتدرن ملامتي

 

والعاذلون فكلهم يلـحـانـي

في أن سبقت بشربة مـقـديةٍ

 

صرفٍ مشعشعةٍ بماء شنـان

فقال له عبد الملك: شبيب بن البرصاء أكرم منك وصفا لنفسه حيث يقول:

وإني لسهل الوجه مـجـلـسـي

 

إذا أحزن القاذورة المتـعـبـس

يضيء سنا جودي لمن يبتغي القرى

 

وليل بخيل القوم ظلماء حـنـدس

ألين لذي القربى مراراً وتلـتـوي

 

بأعناقي أعدائي حبـال تـمـرس

كان عبد الملك يتمثل بشعره في بذل النفس عند اللقاء ويعجب به: قال: وكان عبد الملك يتمثل بقول شبيبٍ في بذل النفس عند اللقاء ويعجب به:

دعاني حصن للفرار فسـاءنـي

 

مواطن أن يثنى علي فأشتـمـا

فقلت لحصنٍ نح نفسـك إنـمـا

 

يذود الفتى عن حوضه أن يهدما

تأخرت أستبقي الحياة فلـم أجـد

 

لنفسي حياةً مثل أن أتـقـدمـا

سيكفيك أطراف الآسـنة فـارس

 

إذا ريع نادى بالجواد وبالحمـى

إذا المرء لم يغش المكاره أوشكت

 

حبال الهوينى بالفتى أن تجذمـا

سبب مهاجاته عقيل بن علفة: نسخت من كتاب أبي عبد الله اليزيدي ولم أقرأه عليه، قال خالد بن كلثوم: كان الذي هاج الهجاء بين شبيب بن البرصاء وعقيل بن علفة أنه كان لبني تشبة جار من بني سلامان بن سعد، فبلغ عقيلاً عنه أنه يطوف في بني مرة يتحدث إلى النساء فامتلأ عليه غيظاً، فبينا هو يوماً جالس وعنده غلمان له وهو يجز إبلاً له على الماء ويسمها إذ طلع عليه السلاماني على راحلته، فوثب عليه وهو وغلمانه فضربوه ضرباً مبرحاً، وعقر راحلته، وانصرف من عنده بشر، فلم يعد إلى ذلك الموضع، ولج الهجاء بينهما. وكان عقيل شرساً سيء الخلق غيوراً .