أخبار سعيد بن حميد ونسبه

أخبار سعيد بن حميد ونسبه

نسبه

سعيد بن حميد بن سعيد بن حميد بن بحر يكنى أبا عثمان من أولاد الدهاقين وأصله من النهروان الأوسط وكان هو يقول: إنه مولى بني سامة بن لؤي من أهل بغداد بها ولد ونشأ ثم كان ينتقل في السكنى بينه وبين سر من رأى.

كان كاتباً شاعراً كاتبٌ شاعر مترسل حسن الكلام فصيح وكان أبوه وجهاً من وجوه المعتزلة فخالف أحمد بن أبي داود في بعض مذهبه فأغرى به المعتصم وقال: إنه شعوبي زنديق فحبسه مدة طويلة ثم بانت براءته له أو للواثق بعده فخلى سبيله وكان شاعراً أيضاً فكان يهجو أحمد بن أبي داود وأنشدنيها جماعةٌ من أصحابنا قال:  أخبار سعيد بن حميد ونسبه نسبه

سعيد بن حميد بن سعيد بن حميد بن بحر يكنى أبا عثمان من أولاد الدهاقين وأصله من النهروان الأوسط وكان هو يقول: إنه مولى بني سامة بن لؤي من أهل بغداد بها ولد ونشأ ثم كان ينتقل في السكنى بينه وبين سر من رأى.

كان كاتباً شاعراً كاتبٌ شاعر مترسل حسن الكلام فصيح وكان أبوه وجهاً من وجوه المعتزلة فخالف أحمد بن أبي داود في بعض مذهبه فأغرى به المعتصم وقال: إنه شعوبي زنديق فحبسه مدة طويلة ثم بانت براءته له أو للواثق بعده فخلى سبيله وكان شاعراً أيضاً فكان يهجو أحمد بن أبي داود وأنشدنيها جماعةٌ من أصحابنا قال:  أبوه يهجو أحمد بن أبي دواد

لقد اصبحت تنسب في إيادٍ بأن يكنـى أبـوك أبـا دواد

فلو كان اسمه عمرو بن معدي دعيت إلى زبيدٍ أو مراد

وإن تك قد أصبت طريف مالٍ فبخلك باليسير من التلاد

قوة حافظته

فذكر محمد بن موسى أن أبا يوسف بن الدقاق اللغوي أخبره أن حميد بن سعيد بن حميد دفع إليه ابنه سعيداً وهو صبي فقال له: امض به معك إلى مجلس ابن الأعرابي قال: فحضرناه ذات يوم فأنشدنا أرجوزةً لبعض العرب فاستحسنتها ولم تكن معنا محبرة نكتبها منها فلما انصرفنا قلت له: فائتنا هذه الأرجوزة فقال: لم تفتك أتحب أن أنشدكها قلت: نعم فأنشدنيها وهي نيف وعشرون بيتاً قد حفظها عنه وإنما سمعها مرة واحدة فلقيت أباه من غد فقال لي: كيف رأيت سعيداً قلت له: إنك أوصيتني به وأنا أسألك الآن أن توصيه بي فضحك وسألني عن الخبر فأعلمته فسر به.

خبره مع أبي العباس بن ثوابة

أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال: حدثني ابن أبي المدور قال: دخل سعيد بن حميد يوماً على أبي العباس بن ثوابة وكان أبو العباس يعاتبه على الشغف بالغلمان المرد فرأى على رأسه غلاماً حسن الوجه عليه منطقةٌ وثياب حسان فقال له:

يا أبا أزعمت أنك لا تلوط فقل لنا هذا المقرطق قائماً ما يصنع!

شهدت ملاحته عليك بريبةٍ وعلى المريب شواهـدٌ لا تـدفـع

فضحك أبو العباس وقال: خذه لا بورك لك فيه حتى نستريح من عتبك.

حيلة له مع غلام من أولاد الموالي

أخبرني عمي رحمه الله قال: قال لي محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات الكاتب: كان سعيد بن حميد يهوى غلاماً له من أولاد الموالي فغاب عنه مدة ثم جاءه مسلماً فقال له: غبت عني هذه المدة ثم تجيئني فلا تقيم عندي! فقال له: قد أمسينا فقال: تبيت قال: لا والله لا أقدر ولم يزل به حتى اتفقا على أنه إذا سمع أذان العتمة انصرف فقال له: قد رضيت.
ووضع النبيذ فجعل سعيد يحث السقي بالأرطال فلما قرب وقت العتمة أخذ رقعةً فكتب فيه إلى إمام المسجد وهو مؤذنه قوله:

قل لداعي الفراق أخر قليلاً قد قضينا حق الصلاة طويلا

أخر الوقت في الأذان وقدم بعدها الوقت بكرةً وأصـيلا

ليس في ساعة تؤخرها وز رٌ فنحيا بها وتأتي جـمـيلا

فلما قرأ المؤذن الرقعة ضحك وكتب إليه يحلف أنه لا يؤذن ليلته تلك العتمة وجعل الفتى ينتظر الأذان حتى أمسى وسمع صوت الحارث فعلم أنها حيلة وقعت عليه وبات في موضعه وقال سعيد في ذلك:

عرضت بالحب له وعرضا حتى طوى قلبي على جمر الغضـى

وأظهرت نفسي عن الدهر الرضا ثم جفاني وتولـى مـعـرضـا

لم ينقض الحب بلى صبري انقضى فداك من ذاق الكرى أو غمضا

حتى طرقت فنسيت ما مضى سـألـتـه حـويجةً فـأعـرضـا

وقال: لا قول مجيبٍ برضا فكان ما كان وكـابـرنـا الـقـضـا

في هذه الأبيات هزج لأحمد بن صدقة أخبرني بذلك ذكاء وجه الرزة.

وجدت في بعض الكتب: حدثني أحمد بن سليمان بن وهب أنه كان في مجلس فيه سعيد بن حميد فلما سكروا قام سعيد قومة بعد العصر فلم نشعر إلا وقد أخذ ثيابه فلبسها وأخذ بعضدتي الباب وأنشأ يقول:

سلام عليكم حالت الراح بيننا وألوت بنا عن كل مرأىً ومسمع

فقام له أهل المجلس وقالوا: يا سيدنا اذهب في حفظ الله وفي ستره فانصرف وودعهم.

كتب لفضيل الشاعرة يعتذر إليها

حدثني محمد بن الطلاس أبو الطيب قال: حدثني عبد الله بن طالب الكاتب قال: قرأت رقعة بخط سعيد بن حميد إلى فضل الشاعرة يعتذر إليها من تغير ظنته به وفي آخرها:

تظنون أني قد تبدلت بعدكم بديلاً وبعض الظن إثمٌ ومنـكـر

إذا كان قلبي في يديك رهينةً فكيف بلا قلب أصافي وأهجر!

في هذين البيتين لابن القصار الطنبوري رمل وفيهما لمحمد قريض خفيف رمل.

خبره مع كعب جارية أبي عكل المقين

أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال: حدثني أبو علي المادراني أنه كان في مجلس فيه كعب جارية أبي عكل المقين وكان بعض أهل المجلس يهواها قال: فدخل إلينا سعيد بن حميد فقام إليه أهل المجلس جميعاً سوى الجارية والفتى فأخذ سعدي الدواة فكتب رقعة وألقاها في حجرها فإذا فيها قوله:

ما على أحسن خل ق الله أن يحسن فعله

وبخيلٍ بالهوى لو كان يسلى عنه بخلـه

أكثر العاذل في حب ك لو ينفع عذلـه

فهو مشغولٌ بعذلي وفؤادي بكل شغلـه

أكثر الشكوى وأستع دي على من قل بذله

فوثبت الجارية فقبلت رأسه وجلست إلى جنبه فقال الرجل الذي كان يهواها: هذا والله كلام الشياطين ورقية الزنا وبهذا يتم الأمر أما أنا فإني أشهدكم لا قرأت اليوم في صلاتي غير هذه الأبيات لعلها تنفعني فضحك سعيد وقال: بحياتي قومي فارجعي إليه حتى تكون الأبيات قد نفعته قبل أن يقرأها في صلاته وسريني بذلك فقامت فرجعت إلى موضعها.

خبره مع جارية زارته على غير وعد

قال علي بن العباس: وحدثني أبو علي المارداني: أنه كان عنده يوماً فدخلت إليه جاريةٌ – كان يهواها – غفلةً على غير وعد فسر بذلك وقال لها: قد كنت على عتابك فأما الآن فلا فقالت: أما العتاب فلا طاقة لي به ووالله ما جئتك إلا عند غفلة البواب فقال سعيد في ذلك:

زارك زورٌ على ارتقاب مغتنماً غفلة الحـجـاب

كالشمس تبدو وقد طواها دونك سترٌ من السحـاب

قد كان في النفس منك عتبٌ يدعو إلى شدة اجتناب

فملت بالعتب عن حبيبٍ يضعف عن موقف العتاب

والذنب منه وأنت تخشى في هجره صولة العقاب

عبد الله بن داود يستحسن شعراً له

أخبرني عمي قال: حدثني ابن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الله بن داود قال: كان أبي يستحسن قول سعيد بن حميد:

تظنون أني قد تبدلت بعدكم بديلاً وبعض الظن إثمٌ ومنـكـر

غذا كان قلبي في يديك رهينةً فكيف بلا قلبٍ أصافي وأهجر!

ويقول: لئن عاش هذا الغلام ليكونن له في الشعر شأن.
في هذين البيتين غناء من خفيف الرمل وذكر قريض أنه له.

زارته فضل الشاعرة فجأة أثناء ذهابها إلى القصر فقال في ذلك شعراً

أخبرني ابن أبي طلحة قال: حدثني إسحاق بن مسافر أنه كان عند سعيد بن حميد يوماً إذ دخلت عليه فضل الشاعرة على غفلة فوثب إليها وسلم عليها وسألها أن تقيم عنده فقالت: قد جاءني وحياتك رسولٌ من القصر فليس يمكنني الجلوس وكرهت أن أمر ببابك ولا أراك فقال سعيد من وقته على البديهة:

قربت ولا نرجو اللقاء ولا نرى لنا حيلة يدنيك منا احتيالـهـا

قأصبحت كالشمس المنيرة ضوؤها قريبٌ ولكن أين منا منالها!

كظاعنةٍ ضنت بها غربة النوى علينا ولكن قد يلم خـيالـهـا

تقربها الآمال ثم تعوقها مماطلة الدنيا بـهـا واعـتـلالـهـا

ولكنها أمنيةٌ فلعلها يجود بها صرف النوى وانـتـقـالـهـا

تغاضب فضل وسعيد

أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الله بن يعقوب بن داود قال: تغاضب سعيد بن حميد وفضل الشاعرة أياماً ثم كتب إليها:

ونجري على سنة العاشقين ونضمن عني وعنك الرضا

ويبذل هذا لهذا هواه ويصبر في حبـه لـلـقـضـا

ونخضع ذلاً خضوع العبيد لمولى عزيز إذا أعرضـا

فإني مذ لج هذا العتاب كأني أبطنت جمر الغـضـى

فصارت إليه وصالحته.

في هذه الأبيات لهاشم بن سليمان ثقيل أول بالوسطى وفيها لابن القصار خفيف رمل.

رسول الحسن بن مخلد يدعوه فيقول

أخبرني ابن أبي طلحة قال: حدثنا أبو العباس بن أبي المدور قال: بات سعيد بن حميد عند أبي الفضل بن أحمد بن إسرائيل واصطبحا على غناءٍ حسن كان عندهما فجاءه رسول الحسن بن مخلد وقد أمر ألا يفارقه لأمرٍ مهم فقام فلبس ثيابه وأنشأ يقول:

يا ليلةً بات النحوس بعيدةً عنها على رغم الرقيب الراصد

تدع العوازل لا يقمن لحاجةٍ وتقوم بهجتها بعذر الحاسـد

والدمع ينطق للضمير مصدقاً قول المقر مكذباً للجاحـد

أبو العباس بن ثوابة يعاتبه فيجيبه

أخبرني ابن أبي طلحة قال: حدثني أبو العباس بن أبي المدور قال: كان سعيد بن حميد صديقاً لأبي العباس بن ثوابة فدعاه يوماً وجاءه رسول فضل الشاعرة يسأله المصير إليها فمضى معه وتأخر عن أبي العباس فكتب إليه رقعةً يعاتبه فيها معاتبة فيها بعض الغلظة فكتب إليه سعيد:

أقلل عتابك فالبقاء قليل والدهـر يعـدل تـارةً ويمـيل

لم أبك من زمن ذممت صروفه إلا بكيت عليه حين يزول

ولكل نائبةٍ ألمت مدة ولكل حـالٍ أقـبـلـت تـحـويل

والمنتمون إلى الإخاء جماعةٌ إن حصلوا أفناهم التحصيل

ولعل أحداث الليالي والردى يوماً ستصدع بيننا وتـحـول

فلئن سبقت لتبكين بحسرة وليكثرن علي مـنـك عـويل

ولتفجعن بمخلصٍ لك وامقٍ حبل الوفاء بحبله موصـول

ولئن سبقت ولا سبقت ليمضين من لا يشاكله لدي عليل

وأراك تكلف بالعتاب وودنا باقٍ عليه من الوفاء دلـيل

ود بدا لذوي الإحاء جميله وبدت عليه بهجةٌ وقـبـول

ولعل أيام الحياة قصيرةٌ فعلام يكثر عتبـنـا ويطـول

مظلومة جارية الدقيقي تعاتبه فيرد عليها

أخبرني الطلحي قال: حدثني أبو علي بن أبي الرعد: أن سعيد بن حميد كان يهوى مظلومة جارية الدقيقي فبلغه أنها تواصل بعض أعدائه فهجرها مدة فكتبت إليه تعاتبه وتتشوقه فكتب إليها:

أمري وأمرك شيءٌ غير متفق والهجر أفضل من وصلٍ على ملق

لا أكذب الله ما نفسي بساليةٍ ولا خليقة أهل الغدر من خـلـقـي

فإن وثقت بود كنت أبذله فعاودي سوء ظـن بـي ولا تـثـقـي

اعتذر إلى هبة المغنية فقبلت رأسه

وذكر اليوسفي الكاتب أنه حضر سعيداً في منزل بعض إخوانه وعندهم هبة المغنية وكان سعيد يتعشقها ويهيم بها فغضبت عليه يوماً لبعض الكلام على النبيذ ودخلت بعد ذلك وهو في القوم فسلمت عليهم سواه فقالوا لها: أتهجرين أبا عثمان فقالت: أحب أن تسألوه ألا يكلمني فقال سعيد:

اليوم أيقنت أن الهجر متلفةٌ وأن صاحبه منه عـلـى خـطـر

كيف الحياة لمن أمسى على شرفٍ من المنية بين الخوف والحذر

يلوم عينيه أحياناً بذنبهما ويحمل الذنب أحيانـاً عـلـى الـقـدر

تنأون عنه وينأى قلبه معكم فقلبه أبداً مـنـه عـلـى سـفـر

فوثبت إليه وقبلت رأسه وقالت: لا أهجرك والله أبداً ما حييت.

غضبت عليه فضل فكتب إليها

أخبرني جحظة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: غضبت فضل الشاعرة على سعيد بن حميد فكتب إليها:

يا أيها الظالم ما لي ولك أهكذا تهـجـر مـن واصـلـك!

لا تصرف الرحمة عن أهلها قد يعطف المولى على من ملك

تبارك الله فما أعلم اللـه بـم ا ألـقـى ومـا أغـفـلـك!

فراجعت وصله وصارت إليه جواباً للرقعة.

في هذه الأبيات لعريب ثاني ثقيل وهزج عن ابن المعتز وأخبرني ذكاء الرزة أن الثقيل الثاني لأحمد بن أبي العلاء.

فضل الشاعرة تشكو شدة شوقها إليه أخبرني الطوسي الطلحي قال: حدثنا محمد بن السري: أن سعيد بن حميد كان في مجلس الحسن بن مخلد إذ جاءه الغلام برقعة فضل الشاعرة تشكو فيها شدة شوقها فقرأها وضحك – فقال له الحسن بن مخلد: بحياتي عليك أقرئنيها فدفعها إليه فقرأها وضحك وقال له: قد وحياتي ملحت فأجب فكتب إليها:

يا واصف الشوق عندي من شواهده قلبٌ يهيم وعينٌ دمعها يكف

والنفس شاهدةٌ بالود عارفةٌ وأنفس الناس بالأهـواء تـأتـلـف

فكن على ثقةٍ مني وبينةٍ إني على ثقةٍ من كـل مـا تـصـف

عدلت فضل عنه إلى بنان بن عمرو فقال لما عشقت فضل الشاعرة بنان بن عمرو المغني وعدلت عن سعيد بن حميد إليه أسف عليها وأظهر تجلداً ثم قال فيها:

قالوا: تعز وقد بانوا فقلت لهم: بان العزاء على آثار من بـانـا

وكيف يملك سلواناً لحبهم من لم يطق للهوى ستراً وكتمـانـا!

كانت عزائم صبري أستعين بها صارت علي بحمد الله أعوانـا

لا خير في الحب لا تبدو شواكله ولا ترى منه في العينين عنوانا

قال أبو الحسن جحظة: وغنى فيه بعض المحدثين لحناً حسناً وأظنه عنى نفسه.

كتب إلى أبي هفان يتبرأ من طعن فيه نسب إليه ظلماً

أخبرني الطلحي قال: حدثني أبو عيسى الكاتب: أن أبا هفان بلغه عن سعيد بن حميد كلامٌ فيه جفاء وطعن على شعره فتوعده بالهجاء وكان الحاكي عن ذلك كاذباً فبلغ سعيداً ما جرى فكتب إلى أبي هفان:

أمسى يخوفني العبدي صولته وكيف آمن بأس الضيغم الهـصـر!

ولا أبارزه بالأمر يكرهه ولو أعنت بـأنـصـار مـن الـغـير

له سهامٌ بلا ريشٍ ولا عقبٍ وقوسه أبداً عـطـلٌ مـن الـوتـر

وكيف آمن من نحري له غرضٌ وسهمه صائبٌ يخفى عن البصر!

عاتبته فضل الشاعرة فزارها وقال فيها شعراً

أخبرني الطلحي قال: حدثني محمد بن السري: أنه سار إلى سعيد بن حميد وهو في دار الحسن بن مخلد في حاجة له قال: فإني عنده إذ جاءته رقعة فضل الشاعرة وفيها هذان البيتان: صوت

الصبر ينقص والسقام يزيد والدار دانيةٌ وأنت بـعـيد

أشكوك أم أشكو إليك فإنه لا يستطيع سواهما المجهود

أنا يا أبا عثمان في حال التلف ولم تعدني ولا سألت عن خبري. فأخذ بيدي فمضينا إليها فسأل عن خبرها فقالت: هو ذا أموت وتستريح مني فأنشأ يقول:

لا مت قبلي بل أحيا وأنت معاً ولا أعيش إلى يوم تموتـينـا

حتى إذا قدر الرحمن ميتتنا وحان من أمرنا ما ليس يعدونـا

متنا جميعاً كغصني بانةٍ ذبلا من بعد ما نضرا واستوسقا حينا

ثم السلام علينا في مضاجعنا حتى نعود إلى ميزان منشينـا

أخبرني إبراهيم بن القاسم بن زرزور قال: قال لي أبي: كانت فضل الشاعرة تتعشق سعيد بن حميد مدة طويلة ثم تعشقت بناناً وعدلت عنه فقال فيها قصيدته الدالية التي يقول فيها: تنامين عن ليلي وأسهره وحدي فلم تتعطف عليه وبلغها بعد ذلك أنه قد عشق جارية من جواري القيان فكتبت إليه:

يا عالي السن سيىء الأدب شبت وأنت الغلام في الطرب

ويحك إن القيان كالشرك الم نصوب بين الغرور والعطب

لا تصدين للفقير ولا يطـلـبـن إلا مـعـادن الـذهـب

بينا تشكى هواك إذ عدلت عن زفرات الشكوى إلى الطلب

تلحظ هذا وذاك وذا لحظ محب وفـعـل مـكـتـسـب

عادته فضل في مرضه وأهدته هدايا كثيرة افتصد سعيد بن حميد فسألتني فضل الشاعرة وسألت عريب أن نمضي إليه ففعلنا وأهدت إليه هدايا فكان منها ألف جدي وحمل وألف دجاجة فائقة وألف طبق ريحان وفاكهة ومع ذلك طيبٌ كثير وشرابٌ وتحفٌ حسانٌ فكتب إليها سعيد: إن سروري لا يتم إلا بحضورك فجاءته في آخر النهار وجلسنا نشرب فاستأذن غلامه لبنان فأذن له فدخل إلينا وهو يومئذ شاب طرير حسن الوجه حسن الغناء نظيف الثياب شكلٌ فذهب بها كل مذهب وأقبلت عليه بحديثها ونظرها فتشمز سعيد واستطير غضباً وتبين بنان القصة فانصرف وأقبل عليها سعيد يعذلها ويؤنبها ساعة ثم أمسك فكتبت إليه:

يا من أطلت تفرسي في وجهه وتنفـسـي

أفديك من متدللٍ يزهى بقـتـل الأنـفـس

هبني أسأت وما أسأ ت بلى أقر أنا المسي

أحلفتني ألا أسا رق نظرةً في مجلـسـي

فنظرت نظرة مخطىءٍ أتبعتها بتـفـرس

ونسيت أني قد حلف ت فما عقوبة من نسي

فقام سعيد فقبل رأسها وقال: لا عقوبة عليه بل نحتمل هفوته ونتجافى عن إساءته وغنت عريب في هذا الشعر هزجاً فشربنا عليه بقية يومنا ثم افترقنا. وأثر بنان في قلبها وعلقت به فلم تزل حتى واصلته وقطعت سعيداً.

وجدت في بعض الكتب عن عبد الله بن المعتز قال: قال لي إبراهيم بن المهدي: كانت فضل الشاعرة من أحسن خلق الله خطاً وأفصحهم كلاماً وأبلغهم في مخاطبة وأثبتهم في محاورة فقلت يوماً لسعيد بن حميد: أظنك يا أبا عثمان تكتب لفضل رقاعها وتقيدها وتخرجها فقد أخذت نحوك في الكلام وسلكت سبيلك فقال لي وهو يضحك: ما أخيب ظنك ليتها تسلم مني ولا آخذ كلامها ورسائلها والله يا أخي لو أخذ أفاضل الكتاب وأماثلهم عنها لما استغنوا عن ذلك.

صوت

كل حي لاقي الحمام فمودي ما لحي مؤملٍ من خلود

لا تهاب المنون شيئاً ولا تب قي على والدٍ ولا مولود

الشعر لابن مناذر والغناء لبنان ثقيل أول بالسبابة في مجرى الوسطى من كتابه الذي جمع فيه صنعته وفيه لساجي جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ثقيلٌ أول أيضاً على مذهب النوح ابتداؤه نشيد.