أخبار زيد الخيل ونسبه

أخبار زيد الخيل ونسبه

نسبه

هو زيد بن مهلهل بن يزيد بن منهب بن عبد رضا – ورضا: صنم كان لطيىء – ابن محلس بن ثور بن عدي بن كنانة بن مالك بن نائل بن نبهان، – وهو أسود بن عمرو بن الغوث بن جلهمة – وهو طيىء؛ سمي بذلك لأنه كان يطوى المناهل في غزواته – ابن أدد بن مذحج بن زيد بن يشجب الأصفر بن عريب بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن عابر، وهو هود النبي صلى الله عليه وسلم. كذا نسبه النسابون، والله أعلم.

وأم طيىء مدلة بنت ذي منحسان بن عريب بن الغوث بن زهير بن وائل بن الهميسع بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومدلة هذه هي مذحج، وهو لقبها، وهي أم مالك بن أدد، وكانت مدلة عند أدد أيضاً، فولدت له الأشعر واسمه نبت، ومرة، ابني أدد. ومن الناس من يقول مذحج ظرب صغير اجتمعوا عليه، وليس بأم ولا أب، والله أعلم.

سماه النبي صلى الله عليه وسلم زيد الخير

وكان زيد الخيل فارساً مغواراً مظفراً شجاعاً بعيد الصيت في الجاهلية، وأدرك الإسلام ووفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولقيه وسر به وقرظه، وسماه زيد الخير.

شاعر فارس

وهو شاعر مقل مخضرم معدود في الشعراء والفرسان، وإنما كان يقول الشعر في غاراته ومفاخراته ومغازيه وأياديه عند من مر عليه وأحسن في قراه إليه .

سبب تسميته زيد الخيل

وإنما سمي زيد الخيل لكثرة خيله، وأنه لم يكن لأحد من قومه ولا لكثير من العرب إلا الفرس والفرسان، وكانت له خيل كثيرة، منها المسماة المعروفة التي ذكرها في شعره وهي ستة، وهي: الهطال، ولاكميت، والورد، وكامل، ودؤول ، ولاحق.
قال شعراً في خيله وفي الهطال يقول:

أقرب مربط الهطال إنـي

 

أرى حرباً ستلقح عن حيال

وفي الورد يقول:

أبت عادة للورد أن يكره القنـا

 

وحاجة نفسي في نمير وعامر

وفي دؤول يقول:

فاقسم لا يفارقـنـي دؤول

 

أجول به إذا كثر الضراب

هذا ما حضرني من تسمية خيله في شعره، وقد ذكرها.

له ثلاثة بنين شعراء

وكان لزيد الخيل ثلاثة بنين كلهم يقول الشعر، وهم عروة، وحريث، ومهلهل. ومن الناس من ينكر أن يكون له من الولد إلا عروة وحريث.

وهذا الشعر الذي فيه الغناء يقوله في فرس من خيله ظلع في بعض غزواته بني أسد، فلم يتبع الخيل ووقف، فأخذته بنو الصيداء، فصلح عندهم واستقل.

وقيل: بل أغزى عليه بعض بني نبهان، فنكس عنه وأخذ. وقيل: إنه خلفه في بعض أحياء العرب ظالعاص ليستقل، فأغارت عليهم بنو أسد، فأخذوا الفرس فيما استاقوه لهم، فقال في ذلك زيد الخيل:

يا بني الصيداء ردوا فرسـي

 

إنما يفعل هـذا بـالـذلـيل

لا تذيلوه فـإنـي لـم أكـن

 

يا بني الصيدا لمهري بالمذيل

عودوه كـالـذي عـودتــه

 

دلج الليل وإبطاء الـقـتـيل

أحمل الزق على منـسـجـه

 

فيظل الضيف نشواناص يميل

قال أبو عمرو الشيباني: وكان زيد الخيل ملحاً على بني أسد بغاراته، ثم على بني الصيداء منهم، ففيهم يقول :

ضجت بنو الصيداء من حربنا

 

والحرب من يحلل بها يضجر

بتنا نرجي نحوهـم ضـمـراً

 

معروفة الأنساب من منسـر

حتى صبحناهم بـهـا غـدوة

 

نقتلهم قسراً علـى ضـمـر

يدعون بالويل وقد مـسـهـم

 

منا غداة الشعب ذي الهيشـر

ضرب يزيل الهام ذو مصدق

 

يعلو على البيضة والمغفـر

الهيشر: شجر كثير الشوك تأكله الإبل.

نسخت من كتاب لأبي المحلم، قال: حدثني أضبط بن الملوح، قال لي أبي: أنشد حبيب بن خالد بن نضلة الفقعسي قول زيد الخيل:

عودوا مهري الذي عودته

فضحك ثم قال: قولوا له: إن عودناه ما عودته دفعناه إلى أول من يلقانا، وهربنا.

وفد على النبي في جماعة من طيىء

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي إجازة، قال: حدثني علي بن حرب، قال: أنبأني هشام بن الكلبي أبو المنذر، قال: حدثني عباد بن عبد الله النبهاني عن أبيه عن جده، وأضفت إلى ذلك ما رواه أبو عمرو الشيباني، قالا: وفد زيد الخيل بن مهلهل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه وزر بن سدوس النبهاني، وقبيصة بن الأسود بن عامر بن جوين الجرمي ، ومالك بن جبير المغني، وقعين بن خليل الطريفي، في عدة من طيىء، فأناخوا ركابهم بباب المسجد، ودخلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس، فلما رآهم قال: إني خير لكم من العزى، ومما حازت مناع من كل ضار غير يفاع، ومن الجبل الأسود الذي تعبدونه من دون الله عز وجل.

قال أبو المنذر: يعني بمناع : جبل طيىء.

إسلامه

فقام زيد، وكان من أجمل الرجال وأتمهم، وكان يركب الفرس المشرف ورجلاه تخطان الأرض كأنه على حمار، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك محمد رسول الله. قال: ومن أنت؟ قال: أنا زيد الخيل بن مهلهل. فقال رسول الله: بل أنت زيد الخير، وقال: الحمد لله الذي جاء بك من سهلك وجبلك، ورقق قلبك على الإسلام، يا زيد، ما وصف لي رجل قط فرأيته إلا كان دون ما وصف به إلا أنت؛ فإنك فوق ما قيل فيك.

أصابته الحمى ومات بها

فلما ولى قام النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل إن سلم من آطام المدينة! فأخذته الحمى، فأنشأ يقول:

أنخت بـآطـام الـمـدينة أربـعـاً

 

وخمساً يغني فوقها الـلـيل طـائر

شددت عليها رحلهـا وشـلـيلـهـا

 

من الدرس والشعراء والبطن ضامر

فمكث سبعاً، ثم اشتدت الحمى به فخرج، فقال لأصحابه: جنبوني بلاد قيس؛ فقد كان بيننا حماسات في الجاهلية، ولا والله لا أقاتل مسلماً حتى ألقى الله. فنزل بماء لحي من طيىء يقال له فردة، واشتدت به الحمى، فأنشأ يقول:

أمرتحل صحبي المشارق غدوة

 

وأترك في بيت بفردة منجـد

سقى الله ما بين القفيل فطـابة

 

فما دون أرمام فما فوق منشد

هنالك لو أني مرضت لعادنـي

 

عوائد من لم يشف منهن يجهد

فليت اللواتي عدنني لم يعدنني

 

وليت اللواتي غبن عني عودي

قال: وكتب معه رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني نبهان بفيدك كتاباً مفرداً، وقال له: أنت زيد الخير، فمكث بالفردة سبعة أيام ثم مات. فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سبعاً، ثم بعث راحلته ورحله، وفيه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظرت امرأته – وكانت على الشرك – إلى الراحلة ليس عليها زيد ضربتها بالنار وقالت:

ألا إنما زيد لكـل عـظـيمة

 

إذا أقبلت أوب الجراد رعالها

لقاهم فما طاشت يداه بضربهم

 

ولا طعنهم حتى تولى سجالها

قال: فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه ضرب امرأة زيد الراحلة بالنار، واحتراق الكتاب، قال: بؤساً لبني نبهان.
وقال ابو عمرو الشيباني: لما وفد زيد الخيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل إليه، طرح له متكأ فأعظم أن يتكىء بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرد المتكأ، فأعاده عليه ثلاثاً، وعلمه دعوات كان يدعو بها فيعرف الإجابة، ويستسقى فيسقى، وقال: يا رسول الله، أعطني ثلاثمائة فارس أغير بهم على قصور الروم، فقال له: أي رجل أنت يا زيد! ولكن أم الكلبة تقتلك – يعني الحمى – فلم يلبث زيد بعد انصرافه إلا قليلاً حتى حم ومات.

قال أبو عمرو: وأسلموا جميعاً إلا وزر؛ فإنه قال لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم إني لأرى رجلاً ليملكن رقاب العرب، ووالله لا يملك رقبتي أبداً؛ فلحق بالشام، فتنصر وحلق رأسه، فمات على ذلك.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثني السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبي قال: أقبل زيد الخيل الطائي حتى أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان زيد رجلاً جسيماً طويلاً جميلاً، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أنت؟ قال: أنا زيد الخيل. قال: بل أنت زيد الخير، أما إني لم أخبر عن رجل خبراً إلا وجدته دون ما أخبرت به عنه غيرك؛ إن فيك لخصلتين يحبهما الله عز وجل ورسوله، قال: وما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم، فقال زيد: الحمد لله الذي جبلني على ما يحب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

عمر يسأله عن طيىء وأصحاب مرابعها

قال: ودخل زيد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عمر رضي الله عنه، فقال عمر لزيد: أخبرنا يا أبا مكنف عن طيىء وملوكها نجدتها وأصحاب مرابعها، فقال زيد: في كل يا عمر نجدة وبأس وسيادة، ولكل رجل من حيه مرباع، أما بنو حية فملوكنا وملوك غيرنا، وهم القداميس القادة، والحماة الذادة، والأنجاد السادة، أعظمنا خميساً ، وأكرمنا رئيساً، وأجملنا مجالس، وأنجدنا فوارس.

فقال له عمر رضي الله عنه: ما تركت لمن بقي من طيىء شيئاً، فقال: بلى والله؛ أما بنو ثعل وبنو نبهان وجرم ففوارس العدوة وطلاعو كل نجوة، ولا تحل حبوة، ولا تراع لهم ندوة، ولا تدرك لهم نبوة، عمود البلاد، وحية كل واد، وأهل الأسل الحداد، والخيل الجياد، والطارف والتلاد.

وأما بنو جديلة فأسهلنا قراراً، وأعظمنا أخطاراً، وأطلبنا للأوتار، وأحمانا للذمار، وأطعمنا للجار.

فقال له عمر: سم لنا هؤلاء الملوك، قال: نعم، منهم عفير المجير على الملوك، وعمرو المفاخر، ويزيد شارب الدماء، والغمر ذو الجود، ومجير الجراد، وسراج كل ظلام ولامة ، وملحم بن حنظلة؛ هؤلاء كلهم من بني حية.

وأما حاتم بن عبد الله الثعلي الجواد فلا يجاري، والسمح فلا يباري ، والليث الضرغامة، قراع كل هامة، جوده في الناس علامة، لا يقر على ظلامة. فاعترض رجل من بني ثعل لما مدح زيد حاتماً، فقال: ومنا زيد بن مهلهل النبهاني رئيس قومه وسيد الشيب والشبان، وسم الفرسان، وآفة الأقران، والمهيب بكل مكان، أسرع إلى الإيمان، وآمن بالفرقان، رئيس قومه في الجاهلية وقائدهم إلى أعدائهم، على شحط المزار، وطموس الآثار، وفي الإسلام رائدنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومجيبه من غير تلعثم ولاتلبث.

ومنا زيد بن سدوس النبهاني عصمة الجيران، والغيث بكل أوان، ومضرم النيران، ومطعم الندمان، وفخر كل يمان.
ومنا الأسد الرهيص، سيد بني جديلة، ومدوخ كل قبيلة، قاتل عنترة فارس بني عبس، ومكشف كل لبس. فقال عمر لزيد الخيل: لله درك يا أبا مكنف فلو لم يكن لطيء غيرك وغير عدي بن حاتم لقهرت بكما العرب.

قصته مع الشيباني

أخبرني ابن دريد، قال: أخبرني عمي، عن أبيه، عن ابن الكلبي، عن أبيه، قال: أخبرني شيخ من بني نبهان، قال: أصابت بني شيبان سنة ذهبت بالأموال، فخرج رجل منهم بعياله، حتى أنزلهم الحيرة، فقال لهم: كونوا قريباً من الملك يصبكن من خيره حتى أرجع إليكن، وآلى ألية لا يرجع حتى يكسبهن خيراً أو يموت. فتزود زاداً، ثم مشى يوماً إلى الليل، فإذا هو بمهر مقيد يدور حول خباء. فقال: هذا أول الغنيمة، فذهب يحله ويركبه، فنودي: خل عنه واغنم نفسك، فتركه، ومضى سبعة أيام حتى انتهى إلى عطن إبل مع تطويل الشمس، فإذا خباء عظيم وقبة من أدم، فقال في نفسه: ما لهذا الخباء بد من أهل، وما لهذه القبة بد من رب، وما لهذا العطن بد من إبل، فنظر في الخباء، فإذا شيخ كبير قد اختلفت ترقوتاه، كأنه نسر.

قال: فجلست خلفه، فلما وجبت الشمس إذا فارس قد أقبل لم أر فارساً قط أعظم منه ولا أجسم، على فرس مشرف ومعه أسودان يمشيان جنبيه، وإذا مائة من الإبل مع فحلها، فبرك الفحل، وبركت حوله، ونزل الفارس، فقال لأحد عبديه: احلب فلانة، ثم اسق الشيخ، فحلب في عس حتى ملأه، ووضعه بين يدي الشيخ وتنحى، فكرع منه الشيخ مرة أو مرتين، ثم نزع، فثرت إليه فشربته، فرجع إليه العبد. فقال: يا مولاي، قد أتى على آخره، ففرح بذلك، وقال: احلب فلانة، فحلبها، ثم وضع العس بين يدي الشيخ، فكرع منه واحدة، ثم نزع، فثرت إليه فشربت نصفه، وكرهن أن آتي على آخره، فأتهم ، فجاء العبد فأخذه وقال لمولاه: قد شرب وروي، فقال: دعه، ثم أمر بشاة فذبحت، وشوى للشيخ منها، ثم أكل هو وعبداه، فأمهلت حتى إذا ناموا وسمعت الغطيط ثرت إلى الفحل، فحللت عقاله وركبته، فاندفع بي وتبعته الإبل، فمشيت ليلتي حتى الصباح، فلما أصبحت نظرت فلم أر أحداً، فشللتها إذاً شلا عنيفاً حتى تعالى النهار، ثم التفت التفاتة فإذا أنا بشيء كأنه طائر، فما زال يدنو حتى تبينته، فإذا هو فارس على فرس، وإذا هو صاحبي بالأمس، فعقلت الفحل، ونثلت كنانتي، ووقفت بينه وبين الإبل، فقال: احلل عقال الفحل، فقلت: كلا والله، لقد خلفت نسيات بالحيرة، وآليت إلية لا أرجع حتى أفيدهن خيراً أو أموت. قال: فإنك لميت، حل عقاله، لا أم لك! فقلت: ما هو إلا ما قلت لك، فقال: إنك لمغرور: انصب لي خطامه، واجعل فيه خمس عجر ففعلت، فقال: أين تريد أن أضع سهمي؟ فقلت: في هذا الموضع، فكأنما وضعه بيده، ثم أقبل يرمي حتى أصاب الخمسة بخمسة أسهم، فرددت نبلي، وحططت قوسي، ووقفت مستسلماً؛ فدنا مني وأخذ السيف والقوس، ثم قال: ارتدف خلفي، وعرف أني الرجل الذي شربت اللبن عنده، فقال: كيف ظنك بي؟ قلت: أسوأ الظن . قال: وكيف؟ قلت: لما لقيت من تعب ليلتك، وقد أظفرك الله بي، فقال: أترانا كنا نهيجك، وقد بت تنادم مهلهلاً؟ قلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، أنا زيد الخيل، فقلت: كن خير آخذ، فقال: ليس عليك بأس.

فمضى إلى موضعه الذي كان فيه، ثم قال: أما لو كانت هذه الإبل لي لسلمتها إليك، ولكنها لبنت مهلهل، فأقم علي؛ فإني على شرف غارة.

فأقمت أياماً، ثم أغار على بني نمير بالملح، فأصاب مائة بعير، فقال: هذه أحب إليك أم تلك؟ قلت: هذه، قال: دونكها. وبعث معي خفراء من ماء إلى ماء، حتى وردوا بي الحيرة، فلقيني نبطي: فقال لي: يا أعرابي، أيسرك أن لك بإبلك بستاناً من هذه البساتين؟ قلت: وكيف ذاك؟ قال: هذا قرب مخرج نبي يخرج فيملك هذه الأرض، ويحول بين أربابها وبينها، حتى إن أحدهم ليبتاع البستان من هذه البساتين بثمن بعير.

قال: فاحتملت بأهلي حتى انتهيت إلى موضع الشيطين فبينما نحن في الشيطين على ماء لنا، وقد كان الحوفزان بن شريك أغار على بني تميم، فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمنا، وما مضت الأيام حتى شربت بثمن بعير من إبلي بستاناً بالحيرة. فقال في يوم الملح زيد الخيل:

ويوم الملح ملح بني نمير

 

أصابتكم بأظفار ونـاب

يسأل النبي ما تصيده الكلاب من الوحش

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: أخبرني عمي عن ابن الكلبي، عن أبيه، والشرقي: أن زيد الخيل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن في الحي رجلين لهما كلاب مضريات تصيد الوحش، أفنأكل مما أمسكته ولم تدرك ذكاته؟ فقال: “إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله عليه وكل مما أمسك”، أو كما قال عليه السلام.

حفيدته ليلى تنشد شعراً لأبيها

في يوم محجر أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه إسحاق، عن الهيثم بن عدي، عن حماد الراوية، عن ابن أبي ليلى، قال: أنشدتني ليلى بنت عروة بن زيد الخيل الطائي شعر أبيها في يوم محجر :

بني عامر هل تعرفون إذا غـدا

 

أبو مكنف قد شد عقد الدوابـر

بجيش تضل البلق في حجراتـه

 

ترى الأكم فيه سجداً للحوافـر

وجمع كمثل الليل مرتجز الوغى

 

كثير حواشيه سريع الـبـوادر

قالت ليلى: فقلت لأبي: يا أبه، أشهدت ذلك اليوم مع أبيك؟ قال: إي والله يا بنية، لقد شهدته، قلت: كم كانت خيل أبيك هذه التي وصفت؟ قال: ثلاثة أفراس .

غزا بني عامر

نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني بخطه عن أبيه: أن زيد الخيل بن مهلهل جمع طيئاً وأخلاطاً لهم، وجموعاً من شذاذ العرب، فغزا بهم بني عامر ومن جاورهم من قبائل العرب من قيس، وسار إليهم فصبحهم من طلوع الشمس، فنذروا به وفزعوا إلى الخيل وركبوها، وكان أول من نذر بهم، فلقي جمعهم غني بن أعصر وإخوتهم: الحارث وهو الطفاوة، واسمه مالك بن سعد بن قيس بن عيلان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزمت بنو عامر، فاستحر القتل بغني، وفيهم يومئذ فرسان وشعراء، فملأت طيىء أيديهم من غنائمهم .

اسر الحطيئة وأطلقه

وأسر زيد الخيل يومئذ الحطيئة الشاعر، فجز ناصيته وأطلقه.

ثم إن غنيا تجمعت بعد ذلك مع لف من بني عامر فغزوا طيئاً في أرضهم، فغنموا وقتلوا وأدركوا ثأرهم منهم.

وقد كان زيد الخيل قال في وقعته لبني عامر قصيدته التي يقول فيها:

وخيبة من يخيب على غني

 

وباهلة بن أعصر والكلاب

فلما أدركوا ثأرهم أجابه طفيل الغنوي، فقال:

سمونا بالجياد إلى أعـادٍ

 

مغورة بجد واعتصـاب

نؤمهم على وعث وشحط

 

بقود يطلعن من النقاب

وهي طويلة يقول فيها:

أخذنا بالمخطم مـن أتـاهـم

 

من السود المزنمة الرغاب

وقتلنا سراتـهـم جـهـاراً

 

وجئنا بالسبايا والـنـهـاب

سبايا طيىء أبرزن قـسـراً

 

وأبدلن القصور من الشعاب

سبايا طيىء من كـل حـي

 

نما في الفرع منها والنصاب

وما كانت بناتـهـم سـبـيا

 

ولا رغباً يعد من الرغـاب

ولا كانت دمـاؤهـم وفـاء

 

لنا فيما يعد من الـعـقـاب

عروة بن زيد الخيل

أخبرني الحسن بن يحيى، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: كان لزيد الخيل ابن يقال له عروة، وكان فارساً شاعراً، فشهد القادسية، فحسن فيها بلاؤه، وقال في ذلك يذكر حسن بلائه:

برزت لأهل القـادسـية مـعـلـمـاً

 

وما كل من يغشى الكـريهة يعـلـم

ويوم بأكناف الـنـخـيلة قـبـلـهـا

 

شهدت فلـم أبـرح أدمـي وأكـلـم

وأقعصت منهم فارساً بـعـد فـارس

 

وما كال من يلقى الفـوارس يسـلـم

ونجانـي الـلـه الأجـل وجـيرتـي

 

وسيف لأطراف المـرازب مـخـذم

وأيقـنـت يوم الـديلـمـيين أنـنـي

 

متى ينصرف وجهي عن القوم يهزموا

فما رمت حتى مزقوا بـرمـاحـهـم

 

ثيابي وحتى بـل أخـمـصـي الـدم

محافـظة إنـي امـرؤ ذو حـفـيظة

 

إذا لم أجـد مـسـتـأخـراً أتـقـدم

قال: وشهد مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه صفين، وعاش إلى إمارة معاوية، فأراده على البراءة من علي، فامتنع عليه، وقال:

يحاولني معاوية بن حـرب

 

وليس إلى الذي يهوى سبيل

على جحدي أبا حسن علـيا

 

وحظي من أبي حسن جليل

قال: وله أشعار كثيرة.

قتله رئيس تغلب

قال أبو عمرو: كان لتغلب رئيس يقال له الجرار، وأدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وأبى الإسلام، وامتنع منه، فيقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليه زيد الخيل، وأمره بقتاله، فمضى زيد فقاتله فقتله لما أبى الإسلام، وقال في ذلك:

صبحـت حـي بـنـي الـجـرار داهـية

 

ما إن لـتـغـلـب بـعـد الـيوم جـرار

نحوي الـنـهـاب ونـحـوي كـل جـارية

 

كأن نقبتها في الخد دينارأغار على بني عامر

قال مؤرج: خرج رجل من طيىء يقال له: ذؤاب بن عبد الله إلى صهر له من هوازن، فأصيب الرجل – وكان شريفاً ذا رياسة في حيه – فبلغ ذلك زيداً، فركب في نبهان ومن تبعه من ولد الغوث، وأغار على بني عامر، وجعل كلما أخذ أسيراً قال له: ألك علم بالطائي المقتول؟ فإن قال: نعم، قتله، وإن قال: لا، خلى سبيله ومن عليه. وأصاب رجالاً من بني الوحيد والضباب وبني نفيل. ثم رجع زيد إلى قومه، فقالوا: ما صنعت؟ فقال: ما أصبت بثأر ذؤاب، ولا يبوء به إلا عامر بن مالك ملاعب الأسنة، فأما ابن الطفيل فلا يبوء به، وأنشأ زيد يقول:

لا أرى بالـقـتـيل قـتـيلاً

 

عامريا يفي بـقـتـل ذؤاب

ليس من لاعب الأسنة في الن

 

قع وسمي ملاعبـاً بـأراب

عامر ليس عامر بن طفـيل

 

لكن العمر رأس حي كلاب

ذاك إن ألقه أنال بـه الـوت

 

ر وقرت به عيون الصحاب

أو يفتني فقد سبقت بـوتـر

 

مذحجي وجد قومي كأبـي

قد تقنصت للضبـاب رجـالاً

 

وتكرمت عن دماء الضباب

وأصبنا من الوحـيد رجـالاً

 

ونفيل فما أساغوا شـرابـي

فبلغ عامر بن الطفيل قول زيد الخيل وشعره، فأغضبه وقال مجيباً له:

قل لزيد قد كنت تؤثر بالـحـل

 

م إذا سفهت حلوم الـرجـال

ليس هذا القتيل من سلف الـح

 

ي كلاع ويحصـب وكـلال

أو بني آكل المرار ولا صـي

 

د بني جفنة الملوك الـطـوال

وابن ماء السماء قد علم الـنـا

 

س ولا خير في مقالة غالـي

إن في قتل عامر بن طـفـيل

 

لبـواء لـطـيىء الأجـبـال

إنني والذي يحـج لـه الـنـا

 

س قليل في عامر الأمـثـال

يوم لا مال للمحارب في الحر

 

ب سوى نصل أسمر عسـال

ولجام في راس أجرد كالـجـذ

 

ع طوال وأبـيض قـصـال

ودلاص كالنهي ذات فضـول

 

ذاك في حلبة الحوادث مالـي

ولعمي فضل الـرياسة والـس

 

ن وجد على هوازن عـالـي

غير أني أولي هوازن في الحر

 

ب بضرب المتوج المخـتـال

وبطعن الكمي في حمس النـق

 

ع على متن هـيكـل جـوال

أغار على بني مرة قال أبو عمرو الشيباني: لما بلغ زيد الخيل ما كان من الحارث بن ظالم وعمرو بن الإطنابة الخزرجي وهجائه إياه، غضب زيد لذلك، فأغار على بني مرة بن غضفان، فأسر الحارث بن ظالم وامرأته في غارته، ثم من عليهما، وقال يذكر ذلك:

ألا هل أتى غوثاً ورومان أنـنـا

 

صبحنا بني ذبيان إحدى العظـائم

وسقنا نساء الحي مرة بالـقـنـا

 

وبالخيل تردي قد حوينا ابن ظالم

جنيباً لأعضاد النواجـي يقـدنـه

 

على تعب بين النواجي الرواسـم

يقول: اقبلوا مني الفداء وأنعمـوا

 

علي وجزوني مكان الـقـوادم

قود مس حد الرمح قوارة استـه

 

فصارت كشدق الأعلم المتضاجم

وسائل بنا جار ابن عوف فقد رأى

 

حليلته جالت عليها مقـاسـمـي

تلاعب وحدان العضاريط بعدمـا

 

جلاها بسهميه لقيط بـن حـازم

أغرك أن قيل ابن عوف ولا ارى

 

عزيمك إلا واهياً في الـعـزائم

غداة سبينا من خفاجة سـبـيهـا

 

ومرت لهم منا نحـوس الأشـائم

فمن مبلغ عني الخزارج غـارة

 

على حي عوف موجفاً غير نائم

غارته على بني فزارة وبني عبد الله بن غطفان

وقال أبو عمرو: أغار زيد على بني فزارة وبني عبد الله بن غطفان ورئيسهم يومئذ أبوضب، ومع زيد الخيل من بني نبهان بطنان يقال لهما: بنو نصر وبنو مالك، فأصاب وغنم، وساقوا الغنيمة، وانتهى إلى العلم، فاقتسموا النهاب، فقال لهم زيد: أعطوني حق الرياسة، فأعطاه بنو نصر، وأبى بنو مالك، فغضب زيد، وانحدر إلى بني نصر، فبينما بنو مالك يقتسمون إذ غشيتهم فزارة وغطفان، وهم حلفاء، فاستنقذوا ما بأيديهم. فلما رأى زيد ذلك شد على القوم فقتل رئيسهم أبا ضب، وأخذ ما في أيديهم، فدفعه إلى بني مالك، وكانوا نادوه يومئذ: يا زيداه أغثنا! فكر على القوم حتى استنفذ ما في أيديهم، ورده، وقال يذكر ذلك:

كررت على أبطال سعد ومـالـك

 

ومن يدع الداعـي إذا هـو نـددا

فلأياً كررت الورد حتى رأيتـهـم

 

يكبون في الصحراء مثنى وموحدا

وحتى نبذتم بالصعـيد رمـاحـكـم

 

وقد ظهرت دعوى زنيم وأسـعـدا

فما زلت أرميهم بـغـرة وجـهـه

 

وبالسيف حتى كل تحـت وبـلـدا

إذا شك أطراف العوالي لـبـانـه

 

أقدمه حتى يرى الـمـوت أسـودا

علالتها بالأمس ما قد عـلـمـتـم

 

وعل الجواري بيننا أن تـسـهـدا

لقد علمت نبهان أني حـمـيتـهـا

 

وأنى منعت السـبـي أن يتـبـددا

عشية غادرت ابن ضب كـأنـمـا

 

هوى عن عقاب من شماريخ صنددا

بذي شطب أغشي الكتيبة سلـهـبـاً

 

أقب كسر حان الظـلام مـعـودا

زيد وعامر بن الطفيل

قال أبو عمرو: وخرج زيد الخيل يطلب نعماً من بني بدر، وأغار عامر بن الطفيل على بني فزارة، فأخذ امرأة يقال لها هند، واستاق نعماً لهم، فقالت بنو بدر لزيد: ما كنا قط إلى نعمك أحوج منا اليوم، فتبعه زيد الخيل، وقد مضى، وعامر يقول: يا هند، ما ظنك بالقوم؟ فقالت: ظني بهم أنهم سيطلبونك، وليسوا نياماً عنك.

قال: فحطأ عجزها، ثم قال: لا تقول استها شيئاً، فذهبت مثلاً.

فأدركه زيد الخيل، فنظر إلى عامر فأنكره لعظمه وجماله، وغشيه زيد فبرز له عامر، فقال: يا عامر؛ خل سبيل الظعينة والنعم. فقال عامر: من أنت؟ قال: فزاري أنا. قال عامر: والله ما أنت من القلح أفواهاً. فقال زيد: خل عنها، قال: لا، والله أو تخبرني فاصدقني ، قال: أنا زيد الخيل، قال: صدقت؛ فما تريد من قتالي، فوالله لئن قتلتني لتطلبنك بنو عامر، ولتذهبن فزارة بالذكر. فقال له زيد: خل عنها، قال: تخلى عني وأدعك والظعينة والنعم؟ قال: فاستأسر، قال: أفعل، فجز ناصيته، وأخذ رمحه، وأخذ هنداً والنعم، فردها إلى بني بدر، وقال في ذلك:

إنا لنكثر في قيس وقـائعـنـا

 

وفي تميم وهذا الحي من أسـد

وعامر بن طفيل قد نحوت لـه

 

صدر القناة بماضي الحد مطرد

لما أحس بأن الورد مـدركـه

 

وصارماً وربيط الجأش ذا لبـد

نادى إلي بسلم بعد مـا أخـذت

 

منه المنية بالحيزوم واللـغـد

ولو تصبر لي حتى أخالـطـه

 

أسعرته طعنة تكتار بالـزبـد

قال: فانطلق عامر إلى قومه مجزوراً ، وأخبرهم الخبر، فغضبوا لذلك، وقالوا: لا ترأسنا أبداً، وتجهزوا ليغيروا على طيىء، ورأسوا عليهم علقمة بن علاثة، فخرجوا ومعهم الحطيئة وكعب بن زهير.

أسر الحطيئة وكعب بن زهير ثم أطلقهما فبعث عامر إلى زيد الخيل دسيساً ينذره، فجمع زيد قومه، فلقيهم بالمضيق فقاتلهم، فأسر الحطيئة وكعب بن زهير وقوماً منهم، فحبسهم فلما طال عليهم الأسر قالوا: يا زيد، فادنا. قال: الأمر إلى عامر بن الطفيل، فأبوا ذلك عليه، فوهبهم لعامر إلا الحطيئة وكعباً، فأعطاه كعب فرسه الميت، وشكا الحطيئة الحاجة، فمن عليه، فقال زيد:

أقول لعبدي جـرول إذ أسـرتـه

 

أثبني ولا يغررك أنك شـاعـر

أنا الفارس الحامي الحقيقة والذي

 

له المكرمات واللهى والمـآثـر

وقومي رؤوس الناس والرأس قائد

 

إذا الحرب شبتها الأكف المساعر

فلست إذا ما الموت حـوذر ورده

 

وأترع حوضاه وحمـج نـاظـر

بوقافة يخشى الحتوف تـهـيبـاً

 

يباعدني عنها من القب ضامـر

ولكنني أغشى الحتوف بصعدتي

 

مجاهرة إن الكـريم يجـاهـر

وأروي سناني من دماء غـزيرة

 

على أهلها إذ لا ترجى الأياصر

شعر الحطيئة لزيد

فقال الحطيئة لزيد:

إن لم يكن مالـي بـآت فـإنـنـي

 

سيأتي ثنائي زيداً بن مـهـلـهـل

فأعطيت منا الـود يوم لـقـيتـنـا

 

ومن آل بدر شـدة لـم تـهـلـل

فما نلتنا غدراً ولكن صبـحـتـنـا

 

غداة التقينا في المضيق بـأخـيل

تفادى حماة القوم من وقع رمحـه

 

تفادي ضعاف الطير من وقع أجدل

وقال فيه الحطيئة أيضاً :

وقعت بعبس ثم أنعـمـت فـيهـم

 

ومن آل بدر قد أصبت الأخـايرا

فإن يشكروا فالشكر أدنى إلى التقى

 

وإن يكفروا لا ألف يا زيد كافـرا

تركت المياه من تمـيم بـلاقـعـاً

 

بما قد ترى منهم حلولاً كراكـرا

وحي سليم قد أثـرت شـريدهـم

 

وبالأمس ما قتلت يا زيد عامـرا

فرضي عنه زيد ومن عليه لما قال هذا فيه، وعد ذلك ثواباً من الحطيئة وقبله.

امتناع الحطيئة عن هجائه

فلما رجع الحطيئة إلى قومه قام فيهم حامداً لزيد، شاكراً لنعمته، حتى أسرت طيىء بني بدر، فطلبت من فزارة وأفناء قيس إلى شعراء العرب أن يهجوا بني لأم وزيداً، فتحامتهم شعراء العرب، وامتنعت من هجائهم، فصاروا إلى الحطيئة فأبى عليهم، وقال: اطلبوا غيري فقد حقن دمي، وأطلقني بغير فداء؛ فلست بكافر نعمته أبداً، قالوا: فإنا نعطيك مائة ناقة، قال: والله لو جعلتموها ألفاً ما فعلت ذلك. وقال الحطيئة:

كيف الهجاء وما تنفك صـالـحة

 

من آل لأم بظهر الغيب تأتـينـا

المنعمين أقام العـز وسـطـهـم

 

بيض الوجوه وفي الهيجا مطاعينا

وقد أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: خرج بجير بن زهير والحطيئة ورجل من فزارة يتقنصون الوحش، فلقيهم زيد الخيل فأسرهم، فافتدى بجير نفسه بفرس كان لكعب أخيه، وكعب يومئذ مجاور في بني ملقط من طيىء، وشكا إليه الحطيئة الفاقة فأطلقه.

غزا فزارة مع بني نبهان

وقال أبو عمرو: غزت بنو نبهان فزارة وهم متساندون ومعهم زيد الخيل، فاقتتلوا قتالاً شديداً، ثم انهزمت فزارة، وساقت بنو نبههان الغنائم من النساء والصبيان. ثم إن فزارة حشدت واستعانت بأحياء من قيس، وفيهم رجل من سليم شديد البأس سيد يقال له: عباس بن انس الرعلي، كانت بنو سليم قد أرادوا عقد التاج على رأسه في الجاهلية، فحسده ابن عم له فلطم عينه، فخرج عباس من أعمال بني سليم في عدة من أهل بيته وقومه، فنزل في بني فزارة، وكان معهم يومئذ، ولم يكن لزيد المرباع حينئذ، وأدركت فزارة بني نبهان، فاقتتلوا قتالاً شديداً، فلما رأى زيد ما لقيت بنو نبهان: يا بني نبهان؛ أأحمل ولي المرباع؟ قالوا: نعم، فشد على بني سليم فهزمهم، وأخذ أم الأسود امرأة عباس بن أنس، ثم شد على فزارة والأخلاط فهزمهم، وقال في ذلك:

ألا ودعـــت جـــيرانـــهـــا أم أســـــودا

 

وضــنـــت عـــلـــي ذي حـــاجة أن يزودا

وأبـغـض أخـــلاق الـــنـــســـاء أشـــده

 

إلـي فـلا تـولـــن أهـــلـــي تـــشـــددا

وسـائل بـنـي نـبـهـان عـنـا وعـــنـــدهـــم

 

بلاء كـحـد الــســـيف إذ قـــطـــع الـــيدا

دعـوا مـالـكـاً ثـم اتـصـلـنـا بـــمـــالـــك

 

فكـل ذكـا مـصـبــاحـــه فـــتـــوقـــدا

وبـشـر بـن عـمـرو قـد تـركـنـا مـجــنـــدلاً

 

ينـوء بـخـطـار هــنـــاك ومـــعـــبـــدا

تمـــطـــت بـــه قـــوداء ذات عـــــلالة

 

إذا الـصـلـدم الـخـنـــذيذ أعـــيا وبـــلـــدا

لقـينـاهـم نـسـتـنـقـذ الـخـيل كـالـقـــنـــا

 

ويسـتـسـلـبـون الـمـسـهـري الـمـقــصـــدا

فيا رب قـدر قـد كـــفـــأنـــا وجـــفـــنة

 

بذي الـرمـث إذ يدعـون مـثـنــى ومـــوحـــدا

على أنني أثوي سناني وصعدتي بساقين زيداً أن يبوء ومعبدا

 

 

زيد وقيس بن عاصم

قال أبو عمرو: وقعت حرب بين أخلاط طيىء، فنهاهم زيد عن ذلك وكرهه فلم ينتهوا، فاعتزل وجاور بني تميم، ونزل على قيس بن عاصم، فغزت بنو تميم بكر بن وائل وعليهم قيس، وزيد معه، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وزيد كاف. فلما رأى ما لقيت تميم ركب فرسه، وحمل على القوم، وجعل يدعو بالتميم، ويتكنى بكنية قيس إذا قتل رجلاً أو أذراه عن فرسه، أو هزم ناحية، حتى هزمت بكر، وظفرت تميم، فصارت فخراً لهم في العرب، وافتخر بها قيس.

فلما قدموا قال له زيد: أقسم لي يا قيس نصيبي، فقال: وأي نصيب؟ فوالله ما ولي القتال غيري وغير أصحابي، فقال زيد:

ألا هل أتاها والأحـاديث جـمة

 

مغلغلة أنباء جيش الـلـهـازم

فلست بوقاف إذا الخيل أحجمـت

 

ولست بكذاب كقيس بن عاصـم

تخبر من لاقيت أن قد هزمتهـم

 

ولم تدر ما سيماهم والعـمـائم

بل الفارس الطائي فض جموعهم

 

ومكة والبيت الذي عند هـاشـم

إذا ما دعوا عجلاً عجلنا عليهـم

 

بمأثورة تشفي صداع الجماجـم

فبلغ المكشر بن حنظلة العجلي أحد بني سنان قول زيد، فخرج في ناس من عجل حتى أغار على بني نبهان، فأخذمن نعمهم ما شاء، وبلغ ذلك زيد الخيل، فخرج على فرسه في فوارس من نبهان، حتى اعترض القوم، فقال: ما لي ولك يا مكشر؟ فقال: قولك:

إذا ما دعوا عجلاً عجلنا عليهم

فقاتلهم زيد حتى استنقذ بعض ما كان في أيديهم، ورجع المكشر ببقية ما أصاب. فأغار زيد على بني تيم الله بن ثعلبة، فغنم وسبى، وقال في ذلك:

إذا عركت عجل بنا ذنب غيرنـا

 

عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل

حريث بن زيد الخيل

وقال أبو عمرو: كان حريث بن زيد الخيل شاعراً، فبعث عمر بن الخطاب رجلاً من قريش يقال له أبو سفيان يستقرىء أهل البادية، فمن لم يقرأ شيئاً من القرآن عاقبه، فأقبل حتى نزل بمحلة بني نبهان، فاستقرأ ابن عم لزيد الخيل يقال له أوس بن خالد بن زيد بن منهب، فلم يقرأ شيئاً، فضربه، فمات.

فأقامت بنته أم أوس تندبه، وأقبل حريث بن زيد الخيل فأخبرته، فأخذ ارمح فشد على أبي سفيان فطعنه فقتله، وقتل ناساً من أصحابه، ثم هرب إلى الشام، وقال في ذلك:

ألا بكر الناعي بـأوس بـن خـالـد

 

أخي الشتوة الغبراء والزمن المحل

فلا تـجـزعـي يا أم أوس فـإنـه

 

يلاقي المنمايا كل حاف وذي نعـل

فإن يقتلوا أوساً عـزيزاً فـإنـنـي

 

تركت أبا سفيان ملتـزم الـرحـل

ولولا الأسى ما عشت في الناس بعده

 

ولكن إذا ما شئت جاوبني مثـلـي

أصبنا به من خيرة القـوم سـبـعة

 

كراماً ولم نأكل به حشف النـخـل

صوت

بشر الظبي والغراب بسعدى

 

مرحباً بالذي يقول الغراب

اذهبي فاقرئي السلام عليهم

 

ثم ردي جوابنـا يا ربـاب

عروضه من الخفيف . الشعر لعبيد الله بن قيس الرقيات، والغناء لفند المخنث – مولى عائشة بنت سعد بن أبي وقاص – خفيف رمل بالبنصر. وذكر حبش أن هذا اللحن ليحيى المكي، وليس ممن يحصل قوله.