أخبار زياد الأعجم ونسبه

أخبار زياد الأعجم ونسبه

زياد بن سليمان ، مولى عبد القيس، أحد بني عامر بن الحارث، ثم أحد بني مالك بن عامر الخارجية .

أخبرني بذلك علي بن سليمان الأخفش عن أبي سعيد السكري. وأخبرني محمد بن العباس اليزيدي، عن عمه عن ابن حبيب قال: هو زياد بن جابر بن عمرو، مولى عبد القيس. وكان ينزل إصطخر فغلبت العجمة على لسانه، فقيل له الأعجم.

وذكر ابن النطاح مثل ذلك في نسبه، وخالف في بلده، وذكر أن أصله ومولده ومنشأه بأصبهان ثم انتقل إلى خراسان، فلم يزل بها حتى مات.

وكان شاعراً جزل الشعر فصيح الألفاظ على لكنة لسانه، وجريه على لفظ أهل بلده.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن موسى قال: حدثت عن المدائني أن زياداً الأعجم دعا غلاماً له ليرسله في حاجة، فأبطأ فلما جاءه قال له: منذ لدن دأوتك إلى أن قلت لبى ما كنت تسنأ؟ يريد منذ لدن دعوتك إلى أن قلت لبيك ماذا كنت تصنع.

فهذه ألفاظه كما ترى في نهاية القبح واللكنة.
وهو الذي يقول يرثي المغيرة بن المهلب بقوله:

قل للقوافل والغـزي إذا غـزوا

 

والباكرين وللـمـجـد الـرائح

إن المروءة والسماحة ضـمـنـا

 

قبراً بمرو على الطريق الواضح

فإذا مررت بقبره فاعـقـر بـه

 

كوم الهجان وكل طرف سابـح

وانضح جوانب قبره بـدمـائهـا

 

فلـقـد يكـون أخـادمٍ وذبـائح

يا من بمهوى الشمس من حي إلى

 

ما بين مطلع قرنها المتـنـازح

مات المغيرة عد طول تعـرض

 

للموت بـين أسـنةٍ وصـفـائح

والقتل ليس إلى القتـال ولا أرى

 

حيا يؤخر للشفـيق الـنـاصـح

وهي طويلة. وهذا من نادر الكلام، ونقي المعاني، ومختار القصيد، وهي معدودة من مراثي الشعراء في عصر زياد ومقدمها.
لابن جامع في الأبيات الأربعة الأول غناء أوله نشيد كله، ثم تعود الصنعة إلى الثاني والثالث في طريقة الهزج بالوسطى.
وقد أخبرني علي بن سليمان الأخفش، عن السكري عن محمد بن حبيب، أن من الناس من يروي هذه القصيدة لصلتان العبدي. وهذا قول شاذ، والصحيح أنها لزياد قد دونها الرواة، غير مدفوعٍ عنها. أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثنا ابن عائشة عن أبيه قال: رثى زياد الأعجم المغيرة بن المهلب فقال:

إن الشجاعة والسماحة ضمـنـا

 

قبراً بمرو على الطريق الواضح

فإذا مررت يقبره فاعـقـر بـه

 

كوم الهجان وكل طرفٍ سابـح

فقال له يزيد بن المهلب: يا أبا أمامة، أفعقرت أنت عنده؟ قال: كنت على بنت الهمار . يريد الحمار.
أخبرني مالك بن محمد الشيباني قال: كنت حاضراً في مجلس أبي العباس، فقلت وقدقرىء عليه شعر زيادٍ الأعجم، فقرئت عليه قصيدته:

قل للقوافل والغزي إذا غزوا

 

والباكرين وللمجـد الـرائح

قال: فقلت إنها من مختار الشعر، ولقد أنشدت لبعض المحدثين في نحو هذا المعنى أبياتاً حسنة. ثم أنشدنا:

أيها الناعيان مـن تـنـعـيان

 

وعلى من أراكما تـبـكـيان

اندبا الماجد الـكـريم أبـا إس

 

حاق رب المعروف والإحسان

واذهبا بي إن لم يكن لكما عق

 

ر إلى جنب قبره فاعقرانـي

وانضحا من دمي عليه فق كـا

 

ن دمي من نداه لو تعلـمـان

أخبرني وكيع قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي عن ابن عائشة عن أبيه قال: كان المهلب بن أبي صفرة بخراسان، فخرج إليه زياد الأعجم فمدحه، فأمر له بجائزة فأقام عنده أياماً. قال: فإنا ليعشيةٍ نشرب مع حبيب بن المهلب في دار له، وفيها حمامة، فقال زياد:

تغنى أنت في ذممي وعهدي

 

وذمة والدي إن لم تطـاري

وبيتك فاصلحيه ولا تخافـي

 

على صفرٍ مزغبة صغـار

فإنك كلما غنـيت صـوتـاً

 

ذكرت أحبتي وذكرت داري

فإما يقتلوك طلـبـت ثـاراً

 

له نبأ لأنك فـي جـواري

فقال حبيب: يا غلام، هات القوس. فقال له زياد: وما تصنع بها؟ قال: أرمي جارتك هذه. قال: والله لئن رميتها لاستعدين عليك الأمير. فأتى بالقوس فنزع لها سهماً فقتلها، فوثب زياد فدخل على المهلب فحدثه الحديث وأنشده الشعر، فقال المهلب: علي بأبي بسطام، فأتي بحبيب فقال له: أعط أبا أمامة دية جارته ألف دينار. فقال: أطال الله بقاء الأمير، إنما كنت ألعب. قال: أعطه كما آمرك. فأنشأ زياد يقول:

فلله عينا مـن رأى كـقـضـيةٍ

 

قضى لي بها قرم العراق المهلب

رماها حبيب بن المهلـب رمـيةً

 

فأثبتها بالسهم والسـهـم يغـرب

فألزمه عقل الفتـيل ابـن حـرةٍ

 

وقال حبيب: إنما كنـت ألـعـب

فقـال: زياد لا يروع جـــاره

 

وجارة جاري مثل جلدي وأقرب

قال: فحمل حبيب إليه ألف دينار على كره منه، فإنه ليشرب مع حبيب يوماً إذا عربد عليه حبيب، وقد كان حبيب ضغن عليه مما جرى، فأمر بشق قباء ديباج كان عليه، فقام فقال:

لعمرك ما الديباج خرقت وحده

 

ولكنما خرقت جلد المهـلـب

فبعث المهلب إلى حبيب فأحضره، وقال له: صدق زياد، ما خرقت إلا جلدي، تبعث هذا على أن يهجوني .

ثم بعث إليه فأحضره، فأستل سخيمته من صدره وأمر له بمالٍ وصرفه.

وقد أخبرني وكيع بهذا الخبر أيضاً. قال أحمد بن الهيثم بن فراس، قال العمري عن الهيثم بن عدي قال: تهاجى قتادة بن مغرب اليشكري وزياد الأعجم بخراسان، وكان زياد يخرج وعليه قباء ديباج، تشبها بالأعجم، فمر به يزيد بن المهلب وهو على حاله تلك، فأمر به فقنع أسواطاً، ومزقت ثيابه وقال له: أبأهل الكفر والشرك تتشبه لا أم لك؟ فقال زياد:

لعمرك ما الديباج خرقت وحده

 

ولكنما خرقت جلد المهـلـب

وذكر باقي الخبر مثله وقال فيه: فدعا به المهلب فقال له: يا أبا أمامة، قلت شيئاً آخر؟ قال: لا والله أيها الأمير. قال: فلا تقل. وأعتبه وكساه وحمله، وأمر له بعشرة آلاف درهم وقال له: اعذر ابن أخيك يا أبا أمامة، فإنه لم يعرفك.

وهذه الأبيات التي فيها الغناء يقولها زياد الأعجم في عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي.

أخبرني بخبره في ذلك أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: أتى زياد العجم عمر بن عبيد الله بن معمرٍ بفارس، وقدم عليه عراك بن محمد الفقيه من مصر، فكان عراك يحدثه بحديث الفقهاء، فقال زياد:

يحدثـنـا أن الـقـيامة قـد أتـت

 

وجاء عراك يبتغي المال من مصر

فكم بين باب النوب إن كنت صادقاً

 

وإيوان كسرى من فلاةٍ ومن قصر

وقال يمدح عمر بن عبيد الله:

سألناه الجزيل فما تأبـى

 

وأعطى فوق منيتنا وزادا

وذكر الأبيات الثلاثة.

نسخت من كتاب ابن أبي الدنيا: اخبرني محمد بن زياد، عن ابن عائشة. وأخبرني هاشم بن محمد قال: حدثني عيسى بن إسماعيل عن ابن عائشة، وخبر ابن أبي الدنيا أتم. قال: كان زياد الأعجم صديقاً لعمر بن عبيد الله بن معمر قبل أن يلي، فقال له عمر: يا أبا أمامة، لو قد وليت لتركتك لا تحتاج إلى لأحد أبداً. فلما ولي فارس قصده، فلما لقيه أنشأ يقول:

أبلغ أبا حفصٍ رسالة ناصـح

 

أنت من زياد مستبيناً كلامهـا

فإنك مثل الشمس لا ستر دونها

 

فكيف أبا حفص علي ظلامها

فقال له عمر: لا يكون عليك ظلامها أبداً. فقال زياد:

لقد كنت أدعو الله في السر أن أرى

 

أمور معد في يديك نـظـامـهـا

فقال له: قد رأيت ذلك. فقال:

فلما أتاني ما أردت تباشـرت

 

بناتي وقلن العام لا شك عامها

قال: فهو عامهن إن شاء الله تعالى. فقال:

فإني وأرضا أنت فيها ابن معمرٍ

 

كمكة لم يطرب لأرض حمامها

قال: فهي كذلك يا زياد. فقال:

إذا أخترت أرضاً للمقام رضيتها

 

لنفسي ولم يثقل علي مقامـهـا

وكنت أمني النفس منك ابن معمر

 

أماني أرجو أن يتم تمـامـهـا

قال: قد أتمها الله عليك. فقال:

فلا أك كالمجري إلى رأس غايةٍ

 

يرجى سماء لم يصبه غمامهـا

قال: لست كذلك فسل حاجتك. قال: نجيبة ورحالتها ، وفرس رائع وسائسه، وبدرة وحاملها، وجارية وخادمها، وتخت ثيابٍ ووصيف يحمله. فقال: قد امرنا لك بجميع ما سألت، وهو لك علينا في كل عام.

فخرج من عنده حتى قدم على عبد الله بن الحشرج وهو يسابور، فأنزله وألطفه ، فقال في ذلك:

إن السماحة والمـروءة والـنـدى

 

في قبة ضربت على ابن الحشرج

ملـك أغـر مـتـوج ذو نـائلٍ

 

للمعتفين يمـينـه لـم تـشـنـج

يا خير من صعد المنابر بالتـقـى

 

بعد النبي المصطفى المتـحـرج

لما أتيتـك راجـياً لـنـو الـكـم

 

ألفيت باب نوالـكـم لـم يرتـج

فأمر له بعشرة آلاف درهم.

أخبرنا محمد بن خلفٍ وكيع، عن عبد الله بن محمد، عن عبيد الله بن الحسن بن عبد الرحمن بهذا الخبر فقال فيه: أتى زياد عبد الله بن عامر بن كريز. والخبر الأول أصح. وزاد في الشعر:

أخ لك لا تراه الدهر إلا

 

على العلات بساماً جوادا

فقال له عمر: أحسنت يا أبا أمامة، ولك لكل بيتٍ ألف. قال: دعني أتمها مائة. قال: أما إنك لو كنت فعلت لفعلت، ولكن لك ما رزقت.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال: حدثنا ابن عائشة قال: حدثني أبي قال: لما خرج ابن أرسل عبد الملك إلى عمر بن عبيد الله بن معمر ليقدم عليه، فلما كان بضمير، وهي من الشأم، مات بالطاعون، فقام عبد الملك على قبره وقال: أما والله لقد علمت قريش أن قد فقدت اليوم ناباً من أنيابها. وقال جد خلاد بن أبي عمرو الأعمى، وكانوا موالي أبي عمرو بن أمية: أهو اليوم ناب لما مات، وكان أمس ضرساً كليلة؟! أما والله لوددت أن السماء وقعت على الأرض فلم يعش بينهما أحد بعده! وسمعها عبد الملك فتغافل عنها.
قال: وقال الفرزدق يرثيه:

يا أيها الناس لا تبكوا علـى أحـدٍ

 

بعد الذي بضمير وافق الـقـدرا

كانت يداه لنا سيفاً نـصـول بـه

 

على العدو وغيثاً ينبت الشـجـرا

أما قريش أبا حفصٍ فـقـد رزئت

 

بالشام إذا فارقتك البأس والظفـرا

من يقتل الجوع من بعد الشهيد ومن

 

بالسيف يقتل كبش القوم إذ عكـرا

إن النوائح لم يعددن فـي عـمـرٍ

 

ما كان فيه إذا المولى به افتخـرا

إذا عددن فعالاً أو لـه حـسـبـاً

 

ويوم هيجاء يعشى بأسه البصـرا

كم من جبانٍ إلى الهيجا دنوت لـه

 

يوم اللقاء ولولا أنت ما صـبـرا

أخبرنا أحمد حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا عفان بن مسلم، قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا حميد عن سليمان بن قتة قال: بعث عمر بن عبد الله بن معمر إلى ابن عمر ، والقاسم بن محمد، بألف دينار، فأتيت عبد الله بن عمر وهو يغتسل في مستحم له، فأخرج يده فصببتها في يده، فقال: وصلت رحماً، وقد جاءتنا على حاجة. وأتيت القاسم فأبى أن يقبلها، فقالت لي امرأته: إن كان القاسم ابن عمه فأنا لا بنة عمه. فأعطيتها. قال: فكان عمر يبعث بهذه الثياب العمرية يقسمها بين أهل المدينة، فقال ابن عمر: جزى الله من اقتنى هذه الثياب بالمدينة خيراً. وقال لي عمر: لقد بلغني عن صاحبك شيء كرهته. قلت: وما ذاك؟ قال: يعطي المهاجرين ألفاً ألفاً، ويعطى الأنصار سبعمائة سبعمائة. فأخبرته فسوى بينهم .

أخبرنا أحمد قال حدثنا أبو زيد قال: كانت لرجل جارية يهواها، فاحتاج إلى بيعها، فابتاعها منه عمر بن عبيد الله بن معمر، فلما قبض ثمنها أنشأت تقول:

هنيئاً لك المال الذي قد قبضته

 

ولم يق في كفي غير التحسر

فإني لحزنٍ من فراقك موجع

 

أناجي به قلباً طويل التفكـر

فقال: لا ترحلي. ثم قال:

ولولا قعود الدهر بي عنك لم يكن

 

يفرقنا شيء سوى الموت فاعذري

علـيك سـلام لا زيارة بـينـنـا

 

ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر

فقال: قد شئت، خذ الجارية وثمنها. فأخذها وانصرف.

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن زياد قال: حدثني ابن عائشة قال: استبطأ زياد الأعجم عمر بن عبيد الله بن معمر في زيارته إياه فقال:

أصابت علينا جودك العين يا عمر

 

فنحن لها نبغي التمائم والنشـر

أصابتك عين في سماحك صلـبة

 

ويا رب عينٍ صلبة تفلق الحجر

سنرقيك بالأشعار حتى تملـهـا

 

فإن لم تفق يوماً رقيناك بالسور

فبلغته الأبيات فأرضاه وسرحه.

أخبرني عمي قال: حدثني الكراني قال حدثني العمري قال: حدثني من سمع حماداً الراوية يقول: امتدح زياد العجم عباد بن الحصين الحبطي وكان على شرطة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة الذي يقال له القباع، وطلب حاجة فلم يقضها، فقال زياد:

سألت أبا جـهـضـمٍ حـاجةً

 

وكنت أراه قـريبـاً يسـيرا

فلو أنني خفت منـه الـخـلا

 

ف والمنع لي لم أسله نقـيرا

وكيف الرجاء لمـا عـنـده

 

وقد خالط البخل منه الضميرا

أقلني أبا جهضمٍ حـاجـتـي

 

فإني امرؤ كان ظني غرورا

أخبرني عمي قال: حدثني الكراني عن العمري، عن عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال: مر يزيد بن جناء الضبي بزياد الأعجم وهو ينشد شعراً قد هجا به قتادة بن مغرب، فأفحش فيه، فقال له يزيد بن حبناء: ألم يأن لك أن ترعوي وتترك تمزيق أعراض قومك، ويحك! حتى متى تتمادى في الضلال، كأنك بالموت قد صبحك أو مساك! فقال زياد فيه:

يحذرني الموت ابن حبناء والفتى

 

إلى الموت يغدو جاهداً ويروح

وكل امرىءٍ لابد للموت صائر

 

وإن عاش دهراً في البلاد يسيح

فقل ليزيد يا ابن حبناء لا تعـظ

 

أخاك وعظ نفساً فأنت جنـوح

تركت التقى والدين دين محمـدٍ

 

لأهل التقى والمسلمين يلـوح

وتابعت مراق العراقين سـادراً

 

وانت غليظ القصريين صحـيح

فقال له يزيد بن عاصم الشني : قبحك الله أتهجو رجلاً وعظك وامرك بمعروف بمثل هذا الهجاء، هلا كففت إذ لم تقبل، أراه الله سيأتي على نفسك ثم لا تحبق فيك عنزان ، اذهب ويحك فأته واعتذر إليه لعله يقبل عذرك.

فمشى إليه بجماعةٍ من عبد القيس فشفعوا إليه فيه، فقال: لا تثريب، لست واجداً عليه بعد يومي هذا.

أخبرني أحمد بن علي قال: سمعت جدي علي بن يحيى يحدث عن أبي الحسن عن رجل من جعفي قال: كنت جالساً عند المهلب إذ أقبل رجل طويل مضطرب، فلما رآه المهلب قال: اللهم إني أعوذ بك من شره! فجاء فقال: أصلح الله الأمير، اني قد مدحتك ببيت صفده مائة ألف درهم . فسكت المهلب، فاعاد القول فقال له: أنشده فأنشده:

فتى زاده السلطان في الخير رغبةً

 

إذا غير السلطان كـل خـلـيل

فقال له المهلب: يا أبا أمامة، مائة ألف؟! فوالله ما هي عندنا ولكن ثلاثون ألفاً فيها عروض. وأمر له بها، فإذا هو زياد الأعجم.
أخبرني عمي قال: حدثني الكراني وأبو العيناء عن القحذمي قال: لقي الفرزدق زياداً الأعجم فقال له الفرزدق: لقد هممت أن أهجو عبد القيس، وأصف من فسوهم شيئاً. قال له زياد: كما أنت حتى أسمعك شيئاً. ثم قال: قل إن شئت أو أمسك. قال: هات. قال:

وما ترك الهاجون لي إن هجوتـه

 

مصحا أراه في أديم الـفـرزدق

فإنا وما تهدي لنا إن هـجـوتـنـا

 

لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق

فقال له الفرزدق: حسبك هلم نتتارك . قال: ذلك إليك. وما عاوده بشيء.

وأخبرني بهذا الخبر محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا العتبي عن العباس بن هشام عن أبيه قال: حدثني خراش ، وكان عالماً راوية لأبي، ولمؤرج ، ولجابر بن كلثوم، قال: أقبل الفرزدق وزياد ينشد الناس في المربد وقد اجتمعوا حوله، فقال: من هذا؟ قيل: الأعجم. فأقبل نحوه فقيل له: هذا الفرزدق قد أقبل عليك. فقام فتلقاه وحيا كل واحدٍ منهما صاحبه، فقال له الفرزدق: ما زالت تنازعني نفسي إلى هجاء عبد القيس منذ دهر. قال زياد: وما يدعوك إلى ذلك؟ قال: لأني رأيت الأشقري هجاكم فلم يصنع شيئاً، وأنا أشعر منه، وقد عرفت الذي هيج بينك وبينه. قال: وما هو؟ قال إنكم اجتمعتم في قبة عبد الله بن الحشرج بخراسان، فقلت له قد قلت شيئاً فمن قال مثله فهو أشعر مني، ومن لم يقل مثله ومد إلي عنقه فإني أشعر منه. فقال لك: وما قلت؟ فقلت: قلت:

وقافيةٍ حذاء بت أحوكـهـا

 

إذا ما سهيل في السماء تلالا

فقال لك الأشقري:

وأقلف صلى بعد ما نـاك أمـه

 

يرى ذاك في دين المجوس حلالا

فأقبلت على من حضر فقلت: يا لأم كعبٍ أخزاها الله تعالى، ما أنمها حين تخبر ابنها بقلفتي! فضحك الناس وغلبت عليه في المجلس.

فقال له زياد: يا أبا فراس، هب لي نفسك ساعةً ولا تعجل حتى يأتيك رسولي بهديتي ثم ترى رأيك. وظن الفرزدق أنه سيهدي إليه شيئاً يستكفه به، فكتب إليه:

وما ترك الهاجون لـي إن أردتـه

 

مصحا أراه في أديم الـفـرزدق

وما تركوا لحماً يدقون عـظـمـه

 

لآكله ألـقـوه لـلـمـتـعـرق

سأحطم ما أبقوا له من عظـامـه

 

فأنكت عظم الساق منه وأنتـقـي

فإنا وما تهدي لنا إن هـجـوتـنـا

 

لكالبحر مهما يلق في البحر يغرق

فبعث إليه الفرزدق: لا أهجو قوماً أنت منهم أبداً.
قال أبو المنذر: زياد أهجى من كعبٍ الأشقري، وقد أوثر عليه في عدة قصائد. منها التي يقول فيها.

قبيلة خيرهـا شـرهـا

 

وأصدقها الكاذب الآثـم

وضيفهم وسط أبياتـهـم

 

وإن لم يكن صائماً صائم

وفيه يقول:

إذا عذب الله الرجال بشعرهم

 

أمنت لكعبٍ أن يعذب بالشعر

وفيه يقول:

أتتك الأزد مصفرا لحـاهـا

 

تساقط من مناخرها الجواف

أخبرني وكيع قال: حدثني أحمد بن عمر بن بكير قال حدثنا الهيثم عن ابن عياش قال: دخل أبو قلابة الجرمي مسجد البصرة وإذا زياد الأعجم، فقال زياد: من هذا؟ قال: أبو قلابة الجرمي، فقام على رأسه فقال:

قم صاغراً ياكهل جرمٍ فـإنـمـا

 

يقال لكهل الصدق قم غير صاغر

فإنـك شـيخ مـيت ومــورث

 

قضاعة ميراث البسوس وقاشـر

قضى الله خلق الناس صم خلقتـم

 

بقية خلـق الـلـه آخـر آخـر

فلم تسمعوا إلا بما كان قبـلـكـم

 

ولم تدركو إلا بدق الـحـوافـر

فلو رد أهل الحق من مات منكـم

 

إلى حقه لم تدفنوا في المقـابـر

فقيل له: فأين كانوا يدفنون يا أبا أمامة؟ قال: في النواويس.