أخبار دعبل بن علي ونسبه

أخبار دعبل بن علي ونسبه

نسبه وكنيته: هو دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهشل بن خداش بن عبد بن دعبل بن أنس بن خزيمة بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمر بن عامر بن مزيقيا ، ويكنى أبا علي.

شاعريته: شاعر متقدم مطبوع هجاء خبيث اللسان، لم يسلم عليه أحد من الخلفاء ولا من وزرائهم ولا أولادهم ولا ذو نباهة، أحسن إليه أو لم يحسن، ولا أفلت منه كبير أحد.

يناقض “الكميت” في مذهبته فيناقضه المخزومي: وكان شديد التعصب على النزارية للقحطانية، وقال قصيدة يرد فيها على الكميت بن زيد، ويناقضه في قصيدته المذهبة التي هجا بها قبائل اليمن.

ألا حييت عنا يا مرينا

فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم، فنهاه عن ذكر الكميت بسوء.

وناقضه أبو سعد المخزومي في قصيدته وهجاه، وتطاول الشر بينهما، فخافت بنو مخزوم لسان دعبل وأن يعمهم بالهجاء، فنفوا أبا سعد عن نسبهم، وأشهدوا بذلك على أنفسهم.

تيشعه ومكافأة علي بن موسى الرضا له: وكان دعبل من الشيعة المشهورين بالميل إلى علي صلوات الله عليه، وقصديته:

مدارس آيات خلت من تلاوة

من أحسن الشعر وفاخر المدائح المقولة في أهل البيت، عليهم السلام، وقصد بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا، عليه السلام، بخراسان، فأعطاه عشرة آلاف درهم من الدراهم المضروبة باسمه، وخلع عليه خلعة من ثيابه، فأعطاه بها أهل قم ثلاثين ألف درهم، لم يبعها، فقطعوا عليه الطريق فأخذوها، فقال لهم: إنها إنما تراد الله عز وجل، وهي محرمة عليكم، فدفعوا إليه ثلاثين ألف درهم، فحلف ألا يبيعها أو يعطوه بعضها ليكون في كفنه، فأعطوه فردكم، فكان في أكفانه.
وكتبت قصيدته: “مدارس آيات” فيما يقال على ثوب، وأحرم فيه، وأمر أن يكون في أكفانه. ولم يزل مرهوب اللسان وخائفاً من هجائه للخلفاء، فهو دهره كله هارب متوار.

حدثني إبراهيم بن أيوب قال: حدثنا عبد الله بن مسلم بن قتيبة قال:

رأيت دعبل بن علي وسمعته يقول: أنا أحمل خشبتي على كتفي منذ خمسين سنة، لست أجد أحداً يصلبني عليها.

إبراهيم بن المهدي يحرض المأمون عليه: حدثني عمي قال: حدثنا ميمون بن هارون قال: قال إبراهيم بن المهدي للمأمون قولاً في دعبل يحرضه عليه، فضحك المأمون، وقال: إنما تحرضني عليه لقوله فيك:

يا معشر الأجناد لا تقطـنـوا

 

وارضوا بما كان ولا تسخطوا

فسوف تعطـون حـنـينـية

 

يلتذها الأمـرد والأشـمـط

والمـعـبـديات لـقـوادكـم

 

لا تدخل الكيس ولا تـربـط

وهـكـذا يرزق قـــواده

 

خليفة مصحفـه الـبـربـط

فقال له إبراهيم: فقد والله هجاك أنت يا أمير المؤمنين، فقال: دع هذا عنك فقد عفوت عنه في هجائه إياي لقوله هذا، وضحك. ثم دخل أبو عباد، فلما رآه المأمون من بعد قال لإبراهيم: دعبل يجسر على أبي عباد بالهجاء ويحجم عن أحد؟ فقال له: وكأن أبا عباد أبسط يداً منك يا أمير المؤمنين؟ قال لا، ولكنه حديد جاهل لا يؤمن، وأنا أحلم وأصفح. والله ما رأيت أبا عباد مقبلاً إلا أضحكني قول دعبل فيه:

أولى الأمور بضيعة وفساد

 

أمر يدبره أبـو عـبـاد

وكأنه من دير هزقل مفلت

 

حرد يجر سلاسل الأقـياد

ما قاله أبوه من الشعر: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبي قال: أخبرني دعبل بن علي قال: قال لي أبي علي بن رزين: ما قلت شيئاً من الشعر قط إلا هذه الأبيات:

خليلي ماذا أرتجي من غد امـرئ

 

طوى الكشح عني اليوم وهو مكين

وإن امرأ قد ضن منه بمـنـطـق

 

يسد به فقر امـرئ لـضـنـين

وبيتين آخرين وهما:

أقول لما رأيت الموت يطلبني

 

يا ليتني درهم في كيس مياح

فيا له درهاً طالت صيانـتـه

 

لا هالك ضيعة يوماً ولا ضاح

اسمه واشتقاق دعبل: أخبرني علي بن صالح بن الهيثم الكاتب قال: حدثني أبو هفان قال: قال لي دعبل قال لي أبو زيد الأنصاري: مم اشتق دعبل؟ قلت: لا أدري، قال: الدعبل: الناقة التي معها ولدها.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثني العنزي قال: حدثني محمد بن أيوب قال: دعبل اسمه محمد وكنيته أبو جعفر، ودعبل: لقب لقب به.

وحدثني بعض شيوخنا عن أبي عمرو الشيباني قال: الدعبل: البعير المسن.

أحد اثنين ختم بهما الشعر: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: سمعت حذيفة بن الطائي يقول: الدعبل: الشيء القديم. قال ابن مهرويه: سمعت أبي يقول: ختم الشعر بدعبل، قال: وقال أبي: كان أبو محلم يقول: ختم الشعر بعمارة بن عقيل.

رده الكميت وضع قدره: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: سمعت أبي يقول: لم يزل دعبل عند الناس جليل القدر حتى رد على الكميت بن زيد:

ألا حييت عنا يا مرينا

فكان ذلك مما وضعه. قال: وقال: فيه أبو سعد المخزومي:

وأعجب ما سمعـنـا أو رأينـا

 

هجاء قـالـه حـي لـمـيت

وهذا دعبل كلـف مـعـنـى

 

بتسطير الأهاجي في الكمـيت

وما يهجو الكميت وقد طواه الر

 

دى إلا ابـن زانـية بــزيت

من ظن أن كلمة دعبل شتم: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن زيد قال: حدثني دعبل قال: كنت جالساً مع بعض أصحابنا ذات يوم، فلما قمت سأل رجل لم يعرفني -أصحابنا عني، فقالوا: هذا دعبل، فقال: قولوا في جليسكم خيراً، كأنه ظن اللقب شتماً.

يصيح في أذن مصرع: دعبل، فيفيق: أخبرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد قال: حدثني دعبل قال: صرع مجنون مرة فصحت في أذنه: دعبل، ثلاث مرات، فأفاق.

وأخبرني بهذين الخبرين الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن محمد بن يزيد عن دعبل -وزاد فيه: قال دعبل: وصرع مرة مجنون بحضرتي فصحت به: دعبل، ثلاث مرات فأفاق من جنونه.

سبب خروجه من الكوفة: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي أبو أحمد قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني علي بن عمرو بن شيبان قال: حدثني أبو خالد الخزاعي الأسلمي، قال العنزي: وقد كتبت عن أبي خالد أشياء كثيرة ولم أكتب عنه هذا الخبر، قال: كان سبب خروج دعبل بن علي من الكوفة أنه كان يتشطر ويصحب الشطار، فخرج هو ورجل من أشجع فيما بين العشاء والعتمة، فجلسا على طريق رجل من الصيارفة، وكان يروح كل ليلة بكيسه إلى منزله، فلما طلع مقبلاً إليهما وثبا إليه فجرحاه، وأخذا ما في كمه، فإذا هي ثلاث رمانات في خرقة، ولم يكن كيسه ليلتئذ معه، ومات الرجل مكانه، واستتر دعبل وصاحبه، وجد أوليا الرجل في طلبهما، وجد السلطان في ذلك، فطال على دعبل الاستتار، فاضطر إلى أن هرب من الكوفة. قال أبو خالد: فما دخلها حتى كتبت إليه أعلمه أنه لم يبق من أولياء الرجل أحد.

يشرح أسباب هجائه الناس: أخبرني محمد بن عمران قال: حدثني أبو خالد الخزاعي الأسلمي قال: قلت لدعبل: ويحك! قد هجوت الخلفاء والوزراء والقواد ووترت الناس جميعاً، فأنت دهرك كله شريد طريد هارب خائف، فلو كففت عن هذا وصرفت هذا الشر عن نفسك! فقال: ويحك؟ إن تأملت ما تقول، فوجدت أكثر الناس لا ينتفع بهم إلا على الرهبة، ولا يبالي بالشاعر وإن كان مجيداً إذا لم يخف شره، ولمن يتقيك على عرضه أكثر ممن يرغب إليك في تشريفه. وعيوب الناس أكثر من محاسنهم، وليس كل من شرفته شرف، ولا كل من وصفته بالجود والمجد والشجاعة ولم يكن ذلك فيه انتفع بقول، فإذا رآك قد اوجعت عرض غيره وفضحته -اتقاك على نفسه وخاف من مثل ما جرى على الآخر. ويحك، يا أبا خالد إن الهجاء المقذع آخذ بضبع الشاعر من المديح المضرع. فضحكت من قوله، وقلت: هذا والله مقال من لا يموت حتف أنفه.

البيت الذي عرف به: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني الحمدوي الشاعر قال: سمعت دعبل بن علي يقول: أنا ابن قولي:

لا تعجبي يا سلم من رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكى

وسمعت أبا تمام يقول: أنا ابن قولي:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

 

ما الحب إلا للـحـبـيب الأول

قال الحمدوي: وأنا ابن قولي في الطيلسان:

طال ترداده إلى الرقو حتى

 

لو بعثناه وحده لتـهـدي

قال الحمدوي: معنى قولنا: أنا ابن قولي، أي أني به عرفت.
يسرق بيتاً ويتفوق فيه على صاحبه: أخبرني علي بن صالح قال: حدثني أبو هفان قال: قال مسلم بن الوليد:

مستعير يبكي علـى دمـنة

 

ورأسه يضحك فيه المشيب

فسرقه دعبل، فقال:

لا تعجبي يا سلم مـن رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكرى

فجاء به أجود من قول مسلم، فصار أحق به منه.
قال أبو هفان: فأنشدت يوماً بعض البصريين الحمقى قول دعبل:

ضحك المشيب برأسه فبكى

فجاءني بعد أيام، فقال: قد قلت أحسن من البيت الذي قاله دعبل: فقلت له: وأي شيئ قلت؟ فتمنع ساعة، ثم قال: قلت:

قهقه في رأسك القتير

أخبرني بهذه الحكاية الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أبي هفان، قال: ذكر نحوه، وزاد فيه ابن مهرويه وحدثني الحمدوي قال: سمع رجل قول المأمون:

قبلته من بـعـيد

 

فاعتل من شفتيه

فقال:

رق حتى تورمت شفتاه

 

إذ توهمت أن أقبل فاه

يرتاح له غنت جارية به: أخبرني علي بن الحسن قال: حدثني ابن مهرويه: حدثني أبو ناجية -وزعم أنه من ولد زهير بن أبي سلمى- قال: كنت مع دعبل بن شهرزور ، فدعاه رجل إلى منزله وعنده قينة محسنة فعنت الجارية بشعر دعبل:

أين الشبـاب وأية سـلـكـا؟

 

لا، أين يطلب؟ ضل، بل هلكا

قال: فارتاح دعبل لهذا الشعر قال: قد قلت هذا الشعر منذ سبعين سنة.

نسبة هذا الصوت صوت

أين الشبـاب وأية سـلـكـا؟

 

لا، أين يطلب، ضل، بل هلكا

لا تعجبي يا سلم مـن رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكـى

يا ليت شعري كيف تومكـمـا

 

يا صاحبي إذا دمي سـقـكـا

لا تأخذوا بظـلامـتـي أحـدا

 

قلبي وطرفي في دمي اشتركا

قال: والغناء لأحمد بن المكي، ثقيل أول بالوسطى مطلق.

يسرق من شعر الحسين بن مطير: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبو المثنى أحمد بن يعقوب بن أخت أبي بكر الأصم قال: كنا في مجلس الأصمعي، فأنشده رجل لدعبل قوله:

لا تعجبي يا سلم من رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكى

فاستحسناه، فقال الأصمعي: إنما سرقه من قول الحسين بن مطير الأسدي:

أين أهل القباب بـالـدهـنـاء؟

 

أين جيراننا علـى الأحـسـاء

فارقونا والأرض ملـبـسة نـو

 

ر الأقاحي تـجـاد بـالأنـواء

كل يوم بـأقـحـوان جـــديد

 

تضحك الأرض من بكاء السماء

يهجو جماعة أكلوا ديكاً له وقع عليهم: أخبرني أحمد بن العباس العسكري قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني أحمد بن خالد قال: كنا يوماً بدار صالح بن علي من عبد القيس ببغداد، ومعنا جماعة من أصحابنا، فسقط على كنينة في سطحه – ديك طار من دار دعبل، فلما رأيناه قلنا هذا صيدنا، فقال صالح: ما نصنع به؟ قلنا: نذبحه، فذبحناه، وشويناه. وخرج دعبل فسأل عن الديك فعرف أنه سقط في دار صالح، فطلبه منا، فجحدناه، وشربنا يومنا. فلما كان من الغد خرج دعبل فصلى الغداة، ثم جلس على المسجد، وكان ذلك المسجد مجمع الناس، يجتمع فيه جماعة من العلماء، وينتابهم الناس، فجلس دعبل على المسجد وقال:

أسر المؤذن صالح وضيوفـه

 

أسر الكمي هفا خلال الماقط

بعثوا عليه بنيهم وبنـاتـهـم

 

من بين ناتفة وآخر سامـط

يتنازعون كأنهم قد أوثـقـوا

 

خاقان أو هزموا كتائب ناعط

نهشوه فانتزعت له أسنانهـم

 

وتهشمت أقفاؤهم بالـحـائط

قال: فكتبها الناس عنه ومضوا، فقال لي أبي وقد رجع إلى البيت: ويحكم، ضاقت عليكم المآكل، فلم تجدوا شيئا تأكلونه سوى ديك دعبل؟ ثم أنشدنا الشعر، وقال لي: لا تدع ديكا ولا دجاجة تقدر عليه إلا اشتريته، وبعثت به إلى دعبل، وإلا وقعنا في لسانه، ففعلت ذلك. قال وناعط قبيلة من همدان ومجالد بن سعيد ناعطي قال: وأصله جبل نزلوا به، فنسبوا إليه.

يهجو غير معين، ثم يذكر فيه اسم من يغضب عليه: إخبرني الحسن بن علي قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني أحمد بن أبي كامل قال: كان دعبل ينشدني كثيراً هجاء قاله، فأقول له: فيمن هذا؟ فيقول ما استحقه أحد بعينه بعد، وليس له صاحب، فإذا وجد على رجل جعل ذلك الشعر فيه، وذكر اسمه في الشعر.

وقد أخبرني الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن أحمد بن أبي كامل بهذا الخبر بعينه، وزاد فيه-فيما ذكر ابن أبي كامل-أنه كان عند صالح هذا في يوم أخذه ديك دعبل، قال: وهو صالح بن بشر بن صالح بن الجارود العبدي.

يهجو أبا نضير الطوسي لأنه لم يرضه في مدحه: أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال حدثني أحمد بن محمد ابن أبي أيوب قال: مدح دعبل أبا نضير بن حميد الطوسي، فقصر في أمره ولم يرضه من نفسه، فقال عند ذلك دعبل فيه يهجوه:

أبا نضير تحلحل عن مجالـسـنـا

 

فإن فيك لمن جاراك منتقـصـا

أنت الحمار حرونا إن وقعت بـه

 

وإن قصدت إلى معروفه قمصـا

إني هززتك لا آلوك مجـتـهـدا

 

لو كنت سيفا ولكني هززت عصا

أبو تمام يهجوه ويتوعده: قال: فشكاه أبو نضير إلى أبي تمام الطائي، واستعان به عليه، فقال أبو تمام يجيب دعبلا عن قوله، ويهجوه

أدعبل إن تطاولت الـلـيالـي

 

عليك فإن شعري سـم سـاعة

وما وفد الـشـيب عـلـيك إلا

 

بأخلاق الدناءة والـضـراعة

ووجهك إن رضيت به نـديمـا

 

فأنت نسيج وحدك في الرقاعه

ولو بدلتـه وجـهـا بـوجـه

 

لما صليت يوما في جمـاعـه

ولكن قد رزقت بـه سـلاحـا

 

لو استعصيت ما أعطيت طاعه

مناسب طيىء قسمت فدعـهـا

 

فليست مثل نسبتك المشـاعـه

وروح منكبـيك فـقـد أعـيدا

 

حطاما من زحامك في خزاعه

قال العنزي: يقول إنك تزاحم خزاعة، تدعي أنك منهم ولا يقبلونك.

يهجو الخاركي لأنه هجاه: أخبرني محمد بن عمران قال حدثني العنزي قال: حدثني محمد بن أحمد بن أيوب قال: تعرض الخاركي النصري-وهو رجل من الأزد-لدعبل بن علي فهجاه، وسبه فقال فيه دعبل:

وشاعر عرض لي نفـسـه

 

لخـارك آبـاؤه تـنـمـي

يشتم عرضي عند ذكري وما

 

أمسى ولا أصبح من همي

فقلـت لا بـل حـبـذا أمة

 

خيرة طاهـرة عـلـمـي

أكذب واللـه عـلـى أمـه

 

ككذبه كان عـلـى أمـي

يعده ابن المدبر أجسر الناس لهجائه المأمون: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال: لقيت دعبل بن علي، فقلت له: أنت أجسر الناس عندي وأقدمهم حيث تقول:

إني من القوم الذين سـيوفـهـم

 

قتلت أخاك وشرفتك بمـقـعـد

رفعوا محلك بعد طول خمولـه

 

واستنقذوك من الخضيض الأوهد

فقال: يا أبا إسحاق، أنا أحمل خشبتي منذ أربعين سنة، فلا أجد من يصلبني عليها.

يرثي ابن عم له: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: قال دعبل بن علي يرثي ابن عم له من خزاعة نعي إليه، قال محمد بن يزيد: ولقد أحسن فيها ما شاء:

كانت خزاعة ملء الأرض ما اتسعت

 

فقص مر الليالي من حـواشـيهـا

هذا أبو القاسم الثـاوي بـبـلـقـعة

 

تسقي الرياح عليه من سـواقـيهـا

هبت وقد علمت أن لا هبـوب بـه

 

وقد تكـون حـسـيرا إذ يبـاريهـا

أضحة قرى للمنـايا إذ نـزلـن بـه

 

وكان في سالـف الأيام يقـربـهـا

حدثني الحسن بن مهرويه عن أبيه، فذكر أن المنعي إلى دعبل أبو القاسم المطلب بن عبد الله بن مالك، وأنه نعي إلى دعبل، وكان هو بالجبل، فرثاه بهذه الأبيات.

يتوعده إسماعيل بن جعفر، فيعيره بالهرب من زيد بن موسى: أخبرني الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد، قال: بلغ إسماعيل بن جعفر بن سليمان أن دعبلا هجاه، فتوعده بالمكروه وشتمه، وكان إسماعيل بن جعفر على الأهواز، فهرب من زيد بن موسى بن جعفر بن محمد لما ظهر وبيض في أيام أبي السرايا، فقال دعبل بن علي يعير إسماعيل بذلك:

لقد خلف الأهواز من خلف ظهـره

 

يريد وراء الزاب من أرض كسكر

يهول إسماعيل بالبـيض والـقـنـا

 

وقد فر من زيد بن موسى بن جعفر

وعاينته في يوم خـلـى حـريمـه

 

فيا قبحها منه ويا حسن مـنـظـر

كان يتشاطر بالكوفة وهرب منها معد ما قتل صيرفيا: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني ابن الأعرابي عن أبي خالد الأسلمي قال: كان دعبل بن علي الخزاعي بالكوفة يتشطر وهو شاب، وكانت له شعرة جعدة، وكان يدهنها ويرجلها حتى تكاد تقطر دهنا، وكان يصلت على الناس بالليل فقتل رجلا صيرفيا، وظن أن كيسه معه، فوجد في كمه رمانا فهرب من الكوفة، وكنت إذا رأيت دعبلا يمشي رأيت الشطارة في مشيته وتبختره.

يتطير من عمير الكاتب فيهجوه: أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني الحسن بن أبي السري قال: كان عمير الكاتب أقبح الناس وجها، فلقي دعبلا يوما بكرة وقد خرج لحاجة له، فلما رآه دعبل تطير من لقائه، فقال فيه:

خرجت مبكرا من سر من را

 

أبادر حاجة فـإذا عـمـير

فلك أثن العنان وقلت أمضي

 

فوجهك يا عمير خزاً وخير

?يهدد عبد الرحمن بن خاقان لأنه بعث إليه برذونا يظلع: أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني الحسن بن أبي السرمي قال حدثني دعبل قال:مدحت عبد الرحمن بن خاقان، وطلتب منه برذونا، فبعث إلى ببرذون غامز، فكتبت إليه:

حملت على قارح غامز

 

فلا للركوب ولا للثمـن

حملت على زمن ظالـع

 

فسوف تكافا بشكر زمن

فبعث إلي ببرذون غيره فاره بسرجه ولجامه، وألفي درهم.

قال ابن مهرويه وحدثني إسحاق بن إبراهيم العكبري عن دعبل أنه مدح يحيى بن خاقان، فبعث إليه بهذا البرذون.
?يهجو خريجه الفضل بن العباس لأنه عابه: أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: قال الحسين بن دعبل: كان أبي يختلف إلى الفضل بن العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث، وهو خرجه وفهمه وأدبه، فظهر له منه جفاء، وبلغه أنه يعيبه ويذكره، وينال منه، فقال يهجوه:

يا بؤس للفضل لو لم يأت ما عابه

 

يستفرغ السم من صماء قرضابه

ما إن يزال وفيه العيب يجمعـه

 

جهلا لأعراض أهل المجد عيابه

إن عابني لم يعـب إلا مـؤدبـه

 

ونفسه عاب لمـا عـاب أدابـه

فكان كاكلب ضراه مـكـلـبـه

 

لصيده فعدا فاصطـاد كـلابـه

?يهجو ابن أبي دواد لأنه كان يطعن عليه: أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبو جعفر العجلي قال: كان أحمد بن دواد يطعن على دعبل بحضرة المأمون والمعتصم، ويسبه تقربا إليهما لهجاء دعبل إياهما، وتزوج أبي ابن دواد امرأتين من بني عجل في سنة واحدة، فلما بلغ ذلك دعبلا قال يهجوه:

غصبت عجلا على فرجين في سنة

 

أفسدتهم ثم ما أصلحت من نسبـك

ولو خطبت إلى طـوق وأسـرتـه

 

فزوجوك لما زادوك في حسـبـك

نك من هويت ونل ما شئت من نشب

 

أنت ابن زرياب منسوبا إلى نشبـك

إن كان قوم أراد الـلـه خـزيهـم

 

فزوجوك ارتغابا منك في ذهـبـك

فذاك يوجب أن النبع تـجـمـعـه

 

إلى خلافك في العيدان أو غربـك

ولو سكت ولم تخطب إلـى عـرب

 

لما نبشت الذي تطويه من سبـبـك

عد البيوت التي ترضى بخطبتـهـا

 

تجد فزارة العكلي مـن عـربـك

قال: فلقيه فزارة العكلي، فقال له: يا أبا علي، ما حملك على ذكرى حتى فضحتني، وأنا صديقك؟ قال: يا أخي والله ما اعتمدتك بمكروه، ولكن كذا جاءني الشعر لبلاء صبه الله عز وجل عليك لم أعتمدك به.

???يهجو جارية عبثت به في مجلس: أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثني أبو خالد الأسلمي الكوفي قال: أجتمعت مع دعبل في منزل بعض أصحابنا، وكانت عنده جارية مغنية صفراء مليحة حسنة الغناء، فوقع لها العبث بدعبل والتعنت والأذى له، ونهيناها عنه، فما انتهت، فأقبل علينا فقال: اسمعوا ما قلت في هذه الفاجرة، فقلنا: هات، فقد نهيناها عنك، فلم تنته، فقال:

تخضب كفا قطعت من زندها

 

فتخضب الحناء من مسودها

كأنها والحل في مـرودهـا

 

تكحل عينيها ببعض جلدهـا

أشبه شيء أستها بخـدهـا

 

 

قال: فجلست الجارية تبكي، وصارت فضيحة، واشتهرت بالأبيات، فما انتفعت بنفسها بعد ذلك.

يحبسه العلاء بن منظور ويضربه في جناية بالكوفة فيخرج منها: أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني هارون قال: حدثني أبي وخالد قالا: كان دعبل قد جنى جناية بالكوفة وهو غلام، فأخذه العلاء بن منظور الأسدي، وكان على شرطة الكوفة من قبل موسى بن عيسى، فحبسه، فكلمه في عمه سليمان بن رزين، فقال: أضربه أنا خير من أن يأخذه غريب فيقطع يده، فلعله أن يتأدب بضربي إياه، ثم ضربه ثلثمائة سوط، فخرج من الكوفة، فلم يدخلها بعد ذلك إلا عزيزا.

كان يضرب في الأرض فلا يؤذيه الشراة ولا الصعاليك: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أحمد ابن أبي كامل قال: كان دعبل يخرج فيغيب سنين، يدور الدنيا كلها، ويرجع وقد أفاد وأثري. وكانت الشراة والصعاليك يلقونه فلا يؤذونه، ويؤاكلونه ويشاربونه ويبرونه، وكان إذ لقيهم وضع طعامه وشرابه، ودعاهم إليه، ودعا بغلاميه ثقيف وشعف، وكانا مغنيين، فأقعدهما يغنيان، وسقاهم وشرب معهم، وأنشدهم، فكانوا قد عرفوه، وألفوه لكثرة أسفاره، وكانوا يواصلونه ويصلونه. وأنشدني دعبل بن علي لنفسه في بعذ أسفاره:

حللت محلا يقصر البرق دونه

 

ويعجز عنه الطيف أن يتجشما

يعده البحتري أشعر من مسلم بن الوليد: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية قال: قال لي البحتري: دعبل بن علي أشعر عندي من مسلم بن الوليد، فقلت له: وكيف ذلك؟ قال: لأن كلام دعبل أدخل في كلام العرب من كلام مسلم، ومذهبه أشبه بمذاهبهم. وكان يتعصب له.

يهجو صاحب بيت دب إلى رجل بات عنده: أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا الفضل بن الحسن بن موسى البصري قال: بات دعبل ليلة عند صديق له من أهل الشأم، وبات عندهم رجل من أهل بيت لهياني يقال له حوي بن عمرو السككي جميل الوجه، فدب إليه صاحب البيت، وكان شيخا كبيرا فانيا قد أتى عليه حين، فقال فيه دعبل:

لولا حوى لبيت لهيانـي

 

ما قام أير العزب الفاني

له دواة في سـراويلـه

 

يليقها النازح والدانـي

قال: وشاع هذان البيتان، فهرب حوي من ذلك البلد، وكان الشيخ إذا رأى دعبلا سبه، وقال: فضحتني أخزاك الله.
يتمنى موت من تكون له منة عنده: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني ابن مهرويه قال: حدثني محمد بنالأشعث قال: سمعت دعبلاً يقول: ما كانت لأحد قط عندي منة إلا تمنيت موته.

يهجو شاعر بالري وهو هناك فيرتحل: أخبرني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا محمد بن عمر الجرجاني قال: دخل دعبل بن علي الري في أيام الربيع، فجاءهم ثلج لم يروا مثله في الشتاء، فجاء شاعر من شعرائهم فقال شعراً، وكتبه في رقعة هو:

جاءنا دعبل بثلج من الشعر فجادت سماؤنا بالثلوج

 

نزل الري بعدما سكن البر

 

د وقـد أينـعـــت رياض الـــمـــروج

فكسانا ببرده لا كساه الله ثوباً من كرسف ملحوج

 

 

قال: فألقي الرقعة في دهليز دعبل، فلما قرأها ارتحل عن الري.

هجاؤه لصالح الأضجم لأنه قصر عن حاجته: أخبرني محمد بن عمران قال: حدثنا العنزي قال: حدثنا أبو خالد الأسلمي قال: عرضت لدعبل حاجة إلى صالح بن عطية الأضجم، فقصر عنها، ولم يبلغ ما أحبه دعبل فيها، فقال يهجوه:

أحسن ما في صالح وجهه

 

فقس على الغائب بالشاهد

تأملت عيني له خـلـقـه

 

تدعو إلى تزنية الـوالـد

فتحمل عليه صالح بي وبجماعة من إخوانه حتى كف عنه، وعرض عليه قضاء الحاجة، فأباها.

يهجو بني مكلم الذئب من خزاعة لأنهم فخروا عليه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال: فخر قوم من خزاعة على دعبل بن علي يقال لهم: بنو مكلم الذئب، وكان جدهم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحدثه أن الذئب أخذ من غنمه شاة فتبعه، فلما غشيه بالسيف قال له: ما لي ولك تمنعني رزق الله؟ قال فقلت: يا عجبا لذئب يتكلم! فقال: أعجب منه أن محمداً نبي قد بعث بين أظهركم وأنتم لا تتبعونه، فبنوه يفخرون بتكليم الذئب جدهم، فقال دعبل بن علي يهجوهم:

تهتم علينا بأن الذئب كلمـكـم

 

فقد لعمري أبوكم كلم الـذيبـا

فكيف لو كلم الليث الهصور إذاً

 

أفنيتم الناس مأكولا ومشروبـا

هذا السنيدي لا أصل ولا طرف

 

يكلم الفيل تصعيداً وتصـويبـا

يهجو محمد بن عبد الملك الزيات لأنه مدحه فلم يرضه: حدثني الحسن بن علي قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني أبي قال: كان دعبل قد مدح محمد بن عبد الملك الزيات، فأنشده ما قاله فيه، وفي يده طومار قد جعله على فمه كالمتكئ عليه وهو جالس، فلما فرغ أمر له بشيء لم يرضه، فقال: يهجوه:

يا من يقلب طوماراً ويلثمـه

 

ماذا بقلبك من حب الطوامير

فيه مشابه من شيء تسربـه

 

طولاً بطول وتدويراً بتـدوير

لو كنت تجمع أموالاً كجمعكها

 

إذاً جمعت بيوتاً من دنـانـير

ينزل بحمص فلم يبره رجلان من أهلها فيهجوهما: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبي قال: نزل دعبل بحمص على قوم من أهلها، فبروه ووصلوه سوى رجلين منهم يقال لأحدهما: أشعث وللآخر أبو الصناع ، فارتحل من وقته من حمص وقال فيهما يهجوهما:

إذا نزل الغريب بأرض حمص

 

رأيت عليه عز الإمـتـنـاع

سمو المكركات بآل عـيسـى

 

أحلهم على شرف الـتـلاع

هناك الخز يلبسه المـغـالـي

 

وعيسى منهم سقط المـتـاع

فسدد لاست أشعث أير بـغـل

 

وآخر في حر أم أبي الصناع

فليس بصانع مجـداً ولـكـن

 

أضاع المجد فهو أبو الضياع

شعره في الفضل بن مروان: أخبرني الحسن قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه عن الحسين بن دعبل قال: قال أبي في الفضل بن مروان:

نصحت فأخلصت النصيحة للـفـضـل

 

وقلت فسيرت المقالة في الـفـضـل

ألا إن في الفضل بن سهـل لـعـبـرة

 

إن اعتبر الفضل بن مروان بالفـضـل

وللفضل في الفضل بن يحيى مـواعـظ

 

إذا فكر الفضل بن مروان في الفضـل

فأبق جمـيلاً مـن حـديث تـفـز بـه

 

ولا تدع الإحسان والأخذ بـالـفـضـل

فإنك قد أصبحـت لـلـمـلـك قـيمـا

 

وصرت مكان الفضل والفضل والفضل

ولم أر أبياتاً من الشـعـر قـبـلـهـا

 

جميع قوافيها على الفضل والفـضـل

وليس لهـا عـيب إذا هـي أنـشـدت

 

سوى أن نصحي الفضل كان من الفضل

فبعث إليه الفضل بن مروان بدنانير، وقال له: قد قبلت نصحك، فاكفني خيرك وشرك.

ينقد شعر شاعر احتكم إليه في شعره: حدثني عمي قال: حدثني ميمون بن هارون قال: حدثني أبو الطيب الحراني قال: أنشد رجل دعبل بن علي شعراً له، فجعل يعيبه وينبهه على خطئه فيه بيتاً بيتاً، ويقول: أي شيء صنعت بنفسك! ولم تقوم الشعر إذا لم تقدر إلا على مثل هذا منه؟ إلى أن مر له بيت جيد، فقال دعبل: أحسنت، أحسنت ما شئت. فقال له يا أبا علي: أتقول لي هذا بعد ما مضى؟ فقال له: يا حبيبي لو أن رجلاً ضرط سبعين ضرطة ما كان بمنكر أن يكون فيها دستنبوية واحدة.

لا يرى المأمون عجباً أن يهجوه: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن حاتم المؤدب قال: قيل للمأمون: إن دعبل بن علي قد هجاك، فقال: وأي عجب في ذاك؟ هو يهجو أبا عباد ولا يهجوني أنا! ومن أقدم على جنون أبي عباد أقدم على حلمي، ثم قال للجلساء: من كان منكم يحفظ شعره في أبي عبارة فلينشدنيه، فأنشده بعضهم:

أولى الأمور بضيعة وفساد

 

أمر يدبـره أبـو عـبـاد

خرق على جلسائه فكأنهـم

 

حضروا لملحمة ويوم جلاد

يسطو على كتابه بـدواتـه

 

فمضمخ بدم ونضح مـداد

وكأنه من دير هزقل مفلت

 

حرد يجر سلاسل الأقـياد

فاشدد أمير المؤمنين وثاقـه

 

فأصح منه بقية الـحـداد

قال: وكان بقية هذا مجنوناً في المارستان، فضحك المأمون. وكان إذا نظر إلى أبي عباد يضحك، ويقول لمن يقرب منه: والله ما كذب دعبل في قوله.

حدثني جحظة عن ميمون بن هارون فذكر مثله أو قريباً منه.

يزعم أن رجلاً من الجن استنشده قصيدة مدارس آيات خلت: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار ومحمد بن أحمد الحكيم قالا: حدثنا أنس ابن عبد الله النبهاني قال: حدثني علي بن المنذر قال: حدثني عبد الله بن سعيد الأشقري قال: حدثني دعبل بن علي قال: لما هربت من الخليفة بت ليلة بنيسابور وحدي، وعزمت على أن أعمل قصيدة في عبد الله بن طاهر في تلك الليلة، فإني لفي ذلك إذ سمعت والباب مردود علي: السلام عليكم ورحمة الله، انج يرحمك الله، فاقشعر بدني من ذلك، ونالني أمر عظيم، فقال لي: لا ترع عافاك الله؛ فإني رجل من إخوانك من الجن من ساكني اليمن طرأ إلينا طارئ من أهل العراق فأنشدنا قصيدتك:

مدارس آيات خلت من تـلاوة

 

ومنزل وحي مقفر العرصات

فأحببت أن أسمعها منك، قال فأنشدته إياها، فبكى حتى خر، ثم قال: رحمك الله! ألا أحدثك حديثاً يزيد في نيتك ويعينك على التمسك بمذهبك؟ قلت: بلى قال: مكثت حيناً أسمع بذكر جعفر بن محمد عليه السلام، فصرت إلى المدينة فسمعته يقول: حدثني أبي عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: علي وشيعته هم الفائزون، ثم ودعني لينصرف، فقلت له: يرحمك الله، إن رأيت أن تخبرني باسمك ففعل، قال: أنا ظبيان بن عامر.

يدعو إليه أعرابياً من كلاب فينشده في كلابي هجاه له: أخبرني الحسن بن القاسم الكوكبي قال: حدثني إسحاق بن محمد النخعي وأخبرني به الحليمي عن يعقوب بن إسرائيل عن إسحاق النخعي قال: كنت جالساص مع دعبل بالبصرة وعلى رأسه غلامه ثقيف، فمر به أعرابي يرفل في ثياب خز، فقال لغلامه: ادع لي هذا الأعرابي، فأومأ الغلام إليه، فجاء، فقال له دعبل: ممن الرجل؟ قال: من بني كلاب. قال: ومن أي ولد كلاب أنت؟ قال: من ولد أبي بكر، فقال دعبل: أتعرف القائل:

ونبئت كلباً من كلاب يسبـنـي

 

ومحض كلاب يقطع الصلوات

فإن أنا لم أعلم كلاباً بـأنـهـا

 

كلاب وأني باسل النقـمـات

فكان إذاً من قيس عيلان والدي

 

وكانت إذا أمي من الحبطـات

قال: وهذا الشعر لدعبل يقوله في عمر بن عاصم الكلابي، فقال الأعرابي: ممن أنت؟ فكره أن يقول له من خزاعة فيهجوهم، فقال: أنا أنتمي إلى القوم الذي يقول فيهم الشاعر:

أناس علي الخير منهم وجعفر

 

وحمزة والسجاد ذو الثفنـات

إذا فخروا يوماً أتوا بمحمـد

 

وجبريل والفرقان والسورات

فوثب الأعرابي وهو يقول: مالي إلى محمد وجبريل والفرقان والسورات مرتقى.

يهجو بني بسام لأن رجلاً منهم لم يقبض حاجة له: أخبرني الكوكبي قال حدثني ابن عبدوس قال: سأل دعبل نصر بن منصور بسام حاجة، فلم يقضها لشغل عرض له دونها، فقال يهجو بني بسام:

حواجب كالجبال الـسـود

 

إلى عثانين كالمخـالـي

وأوجه جـهـمة غـلاظ

 

عطل من الحسن والجمال

يهجو أحمد بن خالد حين ولى الوزارة للمأمون: أخبرني الكوكبي قال حدثني ميمون بن هارون قال: لما ولى أحمد بن أبي خالد الوزارة في أيام المأمون قال دعبل بن علي يهجوه:

وكان أبو خـالـد مـرة

 

إذا بات متخماً عـاقـداً

يضيق بأولاده بـطـنـه

 

فيخراهم واحـداً واحـدا

فقد ملأ الأرض من سلحه

 

خنافس لا تشبه الـوالـدا

يهرب من المعتصم ويهجوه: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو ناجية قال: كان المعتصم يبغض دعبلاً لطول لسانه، وبلغ دعبلاً أنه يريد اغتياله وقتله، فهرب إلى الجبل، وقال يهجوه:

بكى لشتات الدين مـكـتـئب صـب

 

وفاض بفرط الدمع من عينه غـرب

وقـام إمـام لـم يكـن ذا هــداية

 

فلـيس لـه دين ولـيس لـه لـب

وما كانت الآباء تـأتـي بـمـثـلـه

 

بملك يوماً أو تـدين لـه الـعـرب

ولكن كما قـال الـذين تـتـابـعـوا

 

من السلف الماضين إذ عظم الخطب:

ملوك بني العباس في الكتب سـبـعة

 

ولم تأتنا عن ثامـن لـهـم كـتـب

كذلك أهل الكف في الكهف سـبـعة

 

خيار إذا عدوا وثامـنـهـم كـلـب

وإني لأهلي كلبهـم عـنـك رفـعة

 

لأنـك ذو ذنـب ولـيس لـه ذنـب

لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهـم

 

وصيف وأشناس وقد عظم الكـرب

وفضل بن مـروان يثـلـم ثـلـمة

 

يظل لها الإسلام ليس لـه شـعـب

يعارض محمد بن عبد الملك الزيات في رثائه للمعتصم: أخبرني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال: لما مات المعتصم قال محمد بن عبد الملك الزيات يرثيه:

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا

 

في خير قبر لخير مدفون

لن يجبر الله أمة فـقـدت

 

مثلك إلا بمثـل هـارون

فقال دعبل يعارضه:

قد قلت إذ غيبوه وانصرفـوا

 

في شر قبر لشر مـدفـون

اذهب إلى النار والعذاب فما

 

خلتك إلا من الـشـياطـين

ما زلت حتى عقدت بيعة من

 

أضر بالمسلمـين والـدين

يكتم نسبة رثاء محمد بن عبد الملك الزيات للمعتصم: قال عمي حدثنا ابن مهرويه قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال: أنشد دعبل بن علي يوماً قول بعض الشعراء:

قد قلت إذ غيبوه وانصرفوا

وذكر البيتين والجواب ولم يسم قائل المرثية ولا نسبة إلى محمد بن عبد الملك الزيات ولا غيره.

ينكر نسبة شعر إليه فيه هجاء بني العباس: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: سألت دعبلاً عن هذه الأبيات:

ملوك بني العباس في الكتب سبعة

فأنكر أن تكون له، فقلت: فمن قالها؟ قال: من حشا الله قبره ناراً، إبراهيم بن المهدي، أراد أن يغري بي المعتصم فيقتلني لهجائي إياه.

يستعيد ابن المدبر أبياتاً له في هجاء بن أبي داود: أخبرني عمي والحسن بن علي جميعاً قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبي قال: كنت عند أحمد بن المدبر ليلة من الليالي، فأنشدته لدعبل في أحمد بن أبي داود قوله:

إن هـــذا الـــــذي داود أبـــــــوه

 

وإياد قـــد أكـــثـــر الأنـــبــــاء

ساحـــقـــت أمـــه ولاط أبــــــوه

 

ليت شـعـري عـنـه فـمــن أين جـــاء!

جاء من بين صخرتين صلودين عقامين ينبتان الهباء

 

 

لا سفاح ولا نكاح ولا ما

 

يوجـــب الأمـــهـــات والآبـــــاء

قال: فاستعادها أربع مرات، فظننت أنه يردي أن يحفظها، ثم قال لي: جئني بدعبل حتى أوصله إلى المتوكل، فقلت له: دعبل موسوم بهجاء الخلفاء والتشيع، وإنما غايته أن يخمل ذكره، فأمسك عني، ثم لقيت دعبلاً فحدثته بالحديث، فقال: لو حضرت أنا أحمد بن المدبر لما قدرت أن أقول أكثر مما قلت.

يروي له بيت في هجاء المتوكل: أخبرني الحسن قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن جرير قال: أنشدني عبيد الله بن يعقوب هذا البيت وحده لدعبل يهجو به المتوكل، وما سمعت له غيره فيه:

ولست بقائل قذعا ولكن

 

لأمر ما تعبدك العبيد

قال: يرميه في هذا البيت بالأبنة.

يهجو المعتصم والواثق حين علم نعي المعتصم: أخبرني الحسن قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: كنت مع دعبل بالصيمرة وقد جاء نعي المعتصم وقيام الواثق، فقال لي دعبل: أمعك شيء تكتب فيه؟ فقلت: نعم، وأخرجت قرطاساً، فأملي علي بديها:

الحمد لله لا صبر ولا جـلـد

 

ولا عزاء إذا أهل البلا رقدوا

خليفة مات لم يحزن له أحـد

 

وآخر قام لم يفرح بـه أحـد

يمزق قصيدة أعدها في مدح الحسن بن وهب: حدثني عمي قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله بن ناصح قال: قلت لدعبل، وقدعرض علي قصيدة له يمدح بها الحسن بن وهب، أولها:

أعاذلتي ليس الهوى من هوائيا

فقلت له : ويحك، أتقول فيه هذا بعد قولك:

أين محل الحي يا حـادي

 

خبر سقاك الرائح الغادي

وبعد قولك:

قالت سلامة أين المال قلت لـهـا

 

المال ويحك لاقي الحمد فاصطحبا

وبعد قولك:

فعلى أيماننا يجري النـدى

 

وعلى أسيافنا تجري المهج

والله إني أراك لو أنشدته إياها لأمر بصفع قفاك، فقال: صدقت والله، ولقد نبهتني وحذرتني، ثم مزقها.

يغضب على خريج له فيهجو أباه: أخبرني عمي قال: حدثني العنزي قال حدثني الحسين بن أبي السري قال: غضب دعبل على أبي نصر بن جعفر بن محمد بن الأشعث -وكان دعبل مؤدبه قديماً- لشيء بلغه عنه، فقال يهجو أباه:

ما جعفر بن محمد بن الأشعث

 

عندي بخير أبوة من عثعـث

عبثاً تمارس بي تمارس حـية

 

سوارة إن هجتها لم تلـبـث

لم يعلم المغرور ماذا حاز من

 

خزي لوالده إذاً لم يعـبـث

قال: فلقيه عثعث، فقال له: عليك لعنة الله، أي شيء كان بيني وبينك حتى ضربت بي المثل في خسة الآباء، فضحك، وقال: لا شيء والله، اتفاق اسمك واسم ابن الأشعث في القافية. أو لا ترضى أجعل -أباك وهو أسود- خيراً من آباء الأشعث بن قيس!.

يصف العيش الذي يرتضيه: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني إبراهيم بن سهل القاري، وكان يلقب أرزة قال: حدثني دعبل بن علي الخزاعي قال: كتبت إلى أبي تهشل بن حميد الطوسي قوله:

إنـمـا الـعـيش فـــي مـــنـــادمة الإخ

 

وان لا فـي الـجـلـوس عـنـد الـكـعــاب

ويصـرف كـأنـه ألــســـن الـــبـــر

 

ق إذا اسـتـعـرضـت رقـيق الـسـحــاب

إن تكونوا تركتم لذة العيش حذار العقار يوم العقاب

 

 

فدعوني وما ألذ وأهوى

 

وادفـعـوا بـي فـي صـدر يوم الـحـســاب

ينشد علي بن موسى الرضا: مدارس آيات خلت: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني موسى بن عيسى المروزي -وكان منزله بالكوفة في رحبة طيء- قال: سمعت دعبل بن علي وأنا صبي يتحدث في مسجد المروزية قال: دخلت على علي بن موسى الرضا -عليهما السلام- فقال لي: أنشدني شيئاً مما أحدثت، فأنشدته:

مدارس آيات خلت من تـلاوة

 

ومنزل وحي مقفر العرصات

حتى انتهيت إلى قولي:

إذا وتروا مدوا إلى واتريهم

 

أكفا عن الأوتار منقبضات

قال: فبكى حتى أغمي عليه، وأومأ إلي خادم كان على رأسه: أن أسكت، فسكت ساعة، ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى هذا البيت أيضاً، فأصابه مثل الذي أصابه في المرة الأولى، وأومأ الخادم إلي: أن اسكت، فسكت، فمكث ساعة أخرى ثم قال لي: أعد، فأعدت حتى انتهيت إلى آخرها، فقال لي: أحسنت، ثلاث مرات، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم مما ضرب باسمه، ولم تكن دفعت إلى أحد بعد، وأمر لي من في منزله بحلى كثير أخرجه إلي الخادم، فقدمت العراق، فبعت كل درهم منها بعشرة دراهم، اشتراها مني الشيعة، فحصل لي مائة ألف درهم، فكان أول مال اعتقدته .

يستوهب الرضا ثوباً لبسه ليجعله في أكفانه: قال ابن مهرويه وحدثني حذيفة بن محمد: أن دعبلا قال له: إنه استوهب من الرضا عليه السلام ثوباً قد لبسه في أكفانه فخلع جبة كانت عليه، فأعطاه إياها وبلغ أهل قم خبرها فسألوه أن يبيعهم إياها بثلاثين ألف درهم، فلم يفعل، فخرجوا عليه في طريقه، فأخذوها منه غصباً، وقالوا له: إن شئت أن تأخذ المال فافعل، وإلا فأنت أعلم. فقال لهم: إني والله لا أعطيكم إياها طوعاً، ولا تنفعكم غصباً، وأشكوكم إلى الرضا عليه السلام. فصالحوه على أن أعطوه الثلاثين الألف الدرهم وفردكم من بطانتها فرضي بذلك.

يهجو إبراهيم بن المهدي حين خرج ببغداد: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: بويع إبراهيم بن المهدي ببغداد، وقد قل المال عنده، وكان قد لجأ إليه أعراب من أعراب السواد وغيرهم من أوغاد الناس، فاحتبس عنهم العطاء، فجعل إبراهيم يسوفهم ولا يرون له حقيقة إلى أن خرج إليهم رسوله يوماً وقد اجتمعوا وضجوا فصرح لهم بأنه لا مال عنده، فقال قوم من غوغاء أهل بغداد: أخرجوا إلينا خليفتنا ليغنى لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، فتكون عطاء لهم، فأنشدني دعبل بعد ذلك بأيام قوله:

يا معشر الأجناد لا تقطـنـوا

 

وارضوا بما كان ولا تسخطوا

فسوف تـعـطـون حـنـينة

 

يلتذها الأمـرد والأشـمـط

والمـعـبـديات لـقـوادكـم

 

لا تدخل الكيس ولا تـربـط

وهـكـذا يرزق قـــواده

 

خليفة مصفحـه الـبـربـط

وزادني فيها جعفر بن قدامة:

قد ختم الصك بأرزاقـكـم

 

وصحح العزم فلا تسخطوا

بيعة إبراهـيم مـشـئومة

 

يقتل فيها الخلق أو يقحـط

يقص قصة صديق له متخلف يقول شعراً: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبو علي يحيى بن محمد بن ثوابة الكاتب قال: حدثني دعبل قال: كان لي صديق متخلف يقول شعراً فاسداً مرذولاً وأنا أنهاه عنه إذا أنشدني، فأنشدني يوماً:

إن ذا الحـب شـديد

 

ليس ينجيه الـفـرار

ونجا من كان لا يعشق

 

من ذل المـخـازي

فقلت له: هذا لا يجوز، البيت الأول على الراء، والبيت الثاني على الزاي. فقال: لا تنقطه، فقلت له: فالأول مرفوع، والثاني مخفوض. فقال: أنا أقول له لا تنقطه وهو يشكله.

يستشهده لكلمة أنكرت عليه: أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا محمد بن زكريا بن ميمون الفرغاني قال: سمعت دعبل بن علي يقول في كلام جرى: ليسك، فأنكرته عليه. فقال: دخل زيد الخيل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا زيد ما وصف لي رجل إلا رأيته دون وصفه ليسك- يريد غيرك.

يحسد شاعراً على معنى أعجبه: أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا علي بن عبد الله بن سعد قال: قال لي دعبل، وقد أنشدته قصيدة بكر بن خارجة في عيسى بن البراء النصراني الحربي:

زناره في خصره معقود

 

كأنه من كبدي مقـدود

يقول شعراً كل يوم خلال ستين سنة: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: سمعت الجاحظ يقول: سمعت دعبل بن علي يقول: مكثت نحو ستين سنة ليس من يوم ذر شارقه إلا وأنا أقول فيه شعراً.

يعود مفلوجاً ويعجب لخفة روحه وهو على تلك الحال: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبي قال: سمعت دعبل بن علي يقول: دخلت على أبي الحارث جميز -وقد فلج- لأعوده، وكان صديقي، فقلت: ما هذا يا أبا الحرث؟ فقال: أخذت من شعري ودخلت الحمام، فغلط بي الفالج، وظن أني قد احتجمت. فقلت له: لو تركت خفة الروح والمجون في موضع لتركتهما في هذا الموضع وعلى هذه الحال.

يسأل المأمون جلساءه أن ينشدوا من شعره: أخبرني الحسن بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا أحمد بن صدقة قال: حدثني أبي قال: حدثني عمرو بن مسعدة قال: حضرت أبا دلف عند المأمون، وقد قال له المأمون: أي شيء تروي لأخي خزاعة يا قاسم؟ فقال وأي أخي خزاعة يا أمير المؤمنين؟ قال: ومن تعرف فيهم شاعراً؟ فقال: أما من أنفسهم فأبوا الشيص ودعبل وابن أبي الشيص وأما من مواليهم فطاهر وابنه عبد الله. فقال: ومن عسى من هؤلاء أن يسأل عن شعره سوى دعبل! هات أي شيء عندك فيه. فقال وأي شيء أقول في رجل لم يسلم عليه أهل بيته حتى هجاهم، فقرن إحسانهم بالإساءة، وبذلهم بالمنع، وجودهم بالبخل، حتى جعل كل حسنة منهم بإزاء سيئة! قال: حين يقول ماذا؟ قال حين يقول في المطلب بن عبد الله بن مالك، وهو أصدق الناس له، وأقربهم منه، وقد وفد إليه إلى مصر فأعطاه العطايا الجزيلة، وولاه ولم يمنعه ذلك من أن قال فيه:

اضرب ندى طلحة الطلحات متئداً

 

بلوم مطلب فينا وكن حـكـمـا

تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم

 

فلا تحس لها لؤماً ولا كـرمـا

قال: فقال المأمون: قاتله الله! ما أغوصه وألطفه وأدهاه! وجعل يضحك، ثم دخل عبد الله بن طاهر، فقال له: أي شيء تحفظ يا عبد الله لدعبل؟ فقال: أحفظ أبياتاً له في أهل بيت أمير المؤمنين، قال: هاتها ويحك، فأنشده عبد الله قول دعبل:

سقيا ورعيا لأيام الـصـبـابـات

 

أيام أرفل في أثـواب لـذاتـي

أيام غصني رطيب من لـيانـتـه

 

أصبوا إلى غير جارات وكنـات

دع عنك ذكر زمان فات مطلبـه

 

واقذف برجلك عن متن الجهالات

واقصد بكل مديح أنـت قـائلـه

 

نحو الهداة بني بيت الكـرامـات

وصفه لسفر طويل يعجب المأمون: فقال المأمون: إنه قد وجد مقالاً فقال، ونال ببعيد ذكرهم مالاً يناله في وصف غيرهم، ثم قال المأمون: لقد أحسن في وصف سفر سافره، فطال ذلك السفر عليه، فقال فيه:

ألم يأن للسفر الذين تحمـلـوا

 

إلى وطن قبل الممات رجوع!

فقلت ولم أملك سوابق عبـرة

 

نطقن بما ضمت عليه ضلوع

تبين فكم دار تفرق شملـهـا

 

وشمل شتيت عاد وهو جميع

كذاك الليالي صرفهن كما ترى

 

لكـل أنـاس جـدبة وربـيع

ثم قال: ما سافرت قط إلا كانت هذه الأبيات نصب عيني وفي سفري، وهجيري ومسليتي حتى أعود.

يقص قصة مكار أساء جوابه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني المبرد ومحمد بن الحسن بن الحرون قالا: قال دعبل: خرجت إلى الجبل هارباً من المعتصم، فكنت أسير في بعض طريقي والمكاري يسوق بي بغلاً تحتي، وقد أتعبني تعباً شديداً، فتغنى المكاري في قولي:

لا تعجبي يا سلم من رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكى

فقلت له، وأنا أريد أن أتقرب إليه وأكف ما يستعمله من الحث للبغل لئلا يتعبني: تعرف لمن هذا الشعر يا فتى؟ فقال: لمن ناك أمه وغرم درهمين، فما أدري أي أموره أعجب: من هذا الجواب أم من قلة العرم على عظم الجناية! تغنت بشعره جارية: حدثني عمي قال: حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال: حضرت مجلس محمد بن علي بن طاهر وحضرته مغنية يقال لها: شنين مشهورة، فغنت:

لا تعجبي يا سلم من رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكى

ثم غنت بعده:

لقد عجبت سلمى وذاك عجيب

فقلت لها: ما أكثر تعجب سلمى هذه! فعلمت أني أعبث بها لأسمع جوابها، فقالت متمثلة غير متوقفة ولا متفكرة:

فهلك الفتى ألا يراح إلى ندى

 

وألا يرى شيئاً عجيباً فيعجبا

فعجبت والله من جوابها وحدته وسرعته، وقلت لمن حضر: والله لو أجاب الجاحظ هذا الجواب لكان كثيراً منه مستظرفاً.
نسبة هذا الصوت صوت

لقد عجبت سلمى وذاك عجيب

 

رأت بي شيباً عجلته خطوب

وما شيبتني كبرة غير أننـي

 

بدهر به رأس الفطيم يشيب

الغناء ليحيى المكي، ثقيل أول بالوسطى من كتاب أبيه أحمد.

صديق له يصنع كل غناء بشعره: حدثني جعفر بن قدامة قال: حدثني محمد المرتجل بن أحمد بن يحيى المكي قال: كان أبي صديقاً لدعبل، كثير العشرة له، حافظاً لغيبه، وكل شعر يغنى فيه لدعبل فهو من صنعة أبي، وغنائي من صنعة أبيه في شعر دعبل، والطريقة فيه خفيف ثقيل في مجرى البنصر:

سرى طيف ليلى حين آن هبوب

 

وقضيت شوقاً حين كـاد يذوب

فلم أر مطروقاً يحل برحلـه

 

ولا طارقاً يقرى المنى ويثيب

وأنشدني عمي هذين البيتين عن أحمد بن يحيى بن أبي طاهر وابن مهرويه جميعاً لدعبل.

ينفي أنه صاحب أبيات في هجاء بني العباس: حدثني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: سألت دعبلاً من الذي يقول:

ملوك بني العباس في الكتب سبعة

فقال: من أضرم الله قبره ناراً، إبراهيم بن المهدي، قال ابن أبي سعد: وحدثني عبد العزيز بن سهل أنه سأله عنها فاعترف بها.
يهجو طاهر بن الحسين: حدثني عمي قال: أنشدني ابن أخي دعبل لعمه في طاهر بن الحسين، وكان قد نقم عليه أمراً أنكره منه:

وذي يمينين وعين واحده

 

نقصان عين ويمين زائده

نزر العطيات قليل الفائده

 

أعضه الله ببظر الوالده

يهجو أخوين لم يرض ما فعلاً: حدثني جحظة قال: حدثني ميمون بن هارون قال: كان دعبل قد مدح دينار بن عبد الله وأخاه يحيى، فلم يرض ما فعلاه، فقال يهجوهما:

ما زال عـصـيانـنـا لـلـه يرذلـنـا

 

حتى دفـعـنـا إلـى يحـيى ودينـار

وغدين علجين لم تقطع ثـمـارهـمـا

 

قد طال ما سجدا للشـمـس والـنـار

يهجو الأخوين والحسن بن سهل معهما:

 

 

قال: وفيهما وفي الحسن بن سهل يقول أيضاً دعبل يهجوهم، والحسن بن رجاء وأبيه أيضاً:

ألا فاشتروا مني ملوك المخزم

 

أبع جسناً وابني رجاء بدرهم

وأعط رجاء فـوق ذاك زيادة

 

وأسمح بدينار بغـير تـنـدم

فإن رد من عيب علي جميعهم

 

فليس يرد العيب يحي بن أكثم

انحرافه عن الطاهرية وهجاؤه فيهم: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أبو الطيب الحراني قال: كان دعبل منحرفاً عن الطاهرية مع ميلهم إليه وأياديهم عنده، فأنشدني لنفسه فيهم:

وأبقى طاهر فينا ثـلاثـاً

 

عجائب تستخف لها الحلوم

ثلاثة أعـبـــد لأب وأم

 

تميز عن ثلاثتـهـم أروم

فبعض في قريش منتمـاه

 

ولا غير ومجهول قـديم

وبعضهم يهش لآل كسرى

 

ويزعم أنه عـلـج لـئيم

فقد كثرت مناسبهم علينـا

 

وكلهم على حـال زنـيم

يهجو رجلاً لقبح وجهه: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبي قال: كان صالح بن عطية الأضجم من أبناء الدعوة، وكان من أقبح الناس وجهاً، وكان ينزل واسطاً، فقال فيه دعبل:

أحسن ما في صالح وجهه

 

فقس على الغائب بالشاهد

تأملت عيني لـه خـلـقة

 

تدعو إلى تزنية الـوالـد

قال وقال فيه أيضاً، وخطاب فيها المعتصم:

قل للإمام إما آل مـحـمـد

 

قول امرئ حدب عليك محام

أنكرت أن تفتر عنك صنـيعة

 

في صالح بن عطية الحجـام

ليس الصنائع عنده بصـنـائع

 

لكنـهـن طـوائل الإسـلام

اضرب به جيش العدو فوجهه

 

جيش من الطاعون والبرسام

يعرض شعره على مسلم بن الوليد أو يكتمه حتى أذن له في إظهاره: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: أخبرني إبراهيم بن محمد الوراق قال: حدثني الحسين بن أبي السري قال: قال لي دعبل: ما زلت أقول شعر وأعرضه على مسلم، فيقول لي: أكتم هذا حتى قلت:

أين الشبـاب وأية سـلـكـا

 

لا، أين يطلب ضل؟ بل هلكا

فلما أنشدته هذه القصيدة قال: اذهب الآن فأظهر شعرك كيف شئت لمن شئت .

ينسبه أبو تمام إلى قصيدة من شعره: قال إبراهيم: وحدثني الفتح غلام أبي تمام الطائي، وكان أبو سعيد الثغري اشتراه له بثلثمائة دينار لينشد شعره، وكان غلاماً أديباً فصيحاً، وكان إنشاد أبي تمام قبيحاً، فكان ينشد شعره عنه، فقال: سألت مولاي أبا تمام عن نسب دعبل فقال: هو دعبل بن علي الذي يقول:

ضحك المشيب برأسه فبكى

يهجر مسلم بن الوليد حين وفد عليه فجفاه: قال الفتح: وحدثني مولاي أبو تمام قال: ما زال دعبل مائلاً إلى مسلم بن الوليد مقراً بأستاذيته حتى ورد عليه جرجان فجفاه مسلم، وكان فيه بخل، فهجره دعبل وكتب إليه:

أبا مخلد كـنـا عـقـيدي مـودة

 

هوانا وقلبانا جميعاً معـاً مـعـا

أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي

 

وأيجع إشفاقاً لأن تـتـوجـعـا

فصيرتني بعد انتكاسك متـهـمـا

 

لنفسي، عليها أرهب الخلق أجمعا

غششت الهوى حتى تداعت أصوله

 

بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعـا

وأنزلت من بين الجوانح والحشـا

 

ذخيرة ود طالـمـا تـمـنـعـا

فلا تعذلني ليس لي فيك مطمـع

 

تخرقت حتى لم أجد لك مرقعـا

فهبك يميني استأكلت فقطعتـهـا

 

وجشمت قلبي صبره متشجـعـا

ويروى: وحملت قلبي فقدها. قال ثم تهاجرا، فما التقيا بعد ذلك.

استمساك خزاعة بانتمائه إليهم: أخبرني محمد بن خلف قال: حدثني إبراهيم بن محمد قال: حدثنا الحسين بن علي قال: قلت لابن الكلبي: إن دعبلاً قطعي ، فلو أخبرت الناس أنه ليس من خزاعة، فقال لي: يا فاعل، مثل دعبل تنفيه خزاعة! والله لو كان من غيرها لرغب فيه حتى تدعيه. دعبل والله يا أخي خزاعة كلها.

يقص خبر رحلته إلى مصر يقصد المطلب في ولايته: أخبرني محمد بن المرزبان قال: حدثني إبراهيم بن محمد الوراق عن الحسين بن أبي السري عن عبد الله بن أبي الشيص قال: حدثني دعبل قال: حججت أنا وأخي رزين وأخذنا كتباً إلى المطلب بن عبد الله بن مالك وهو بمصر يتولاها، فصرنا من مكة إلى مصر، فصحبنا رجل يعرف بأحمد بن فلان السراج، نسي عبد الله بن أبي الشيص اسم أبيه، فما زال يحدثنا ويؤانسنا طول طريقنا، ويتولى خدمتنا كما يتولاها الرفقاء والأتباع. ورأيناه حسن الأدب، وكان شاعراً، ولم نعلم، وكتمنا نفسه، وقد علم ما قصدنا له فعرضنا عليه أن يقول في المطلب قصيدة، ننحله إياها. فقال: إن شئتم، وأرانا بذلك سروراً وتقبلا له، فعملنا قصيدة، وقلنا له: تنشدها المطلب فإنك تنتفع بها. فقال: نعم. ووردنا مصربه، فدخلنا إلى المطلب، وأوصلنا إليه كتباً كانت معناً، وأنشدناه. فسر بموضعنا، ووصفنا له أحمد السراج هذا، وذكرنا له أمره، فأذن له، فدخل عليه ونحن نظن أنه سينشد القصيدة التي نحلناه إياها، فلما مثل بين يديه عدل عنها وأنشده:

لم آت مطلباً إلا بمـطـلـب

 

وهمة بلغة بي غاية الرتـب

أفردته برجاء أن تـشـاركـه

 

في الوسائل أو ألقاه في الكتب

قال: وأشار إلى كتبي التي أوصلتها إليه وهي بين يديه، فكان ذلك أشد من كل شيء مر بي منه علي، ثم أنشده:

رحلت عنسى إلى البيت الحرام على

 

ما كان من وصب فيها ومن نصب

ألقى بها وبوجهي كـل هـاجـرة

 

تكاد تقدح بين الجلد والـعـصـب

حتى إذا ما قضت نسكي ثنيت لهـا

 

عطف الزمام فأمت سيد العـرب

فيممتك وقد ذابت مـفـاصـلـهـا

 

من طول ما تعب لاقت ومن نقب

إني استجرت بإستارين مستـلـمـا

 

ركنين: مطلبا والبيت ذا الحـجـب

فذاك للآجل المأمـول ألـمـسـه

 

وأنت للعاجل المرجو والطـلـب

هذا ثنائي وهذي مصـر سـانـحة

 

وأنت أنت وقد ناديت من كـثـب

قال: فصاح مطلب: لبيك لبيك: ثم قام إليه فأخذ بيده، وأجلسه معه، وقال: يا غلمان، البدر، فأحضرت، ثم قال: الخلع: فنشرت، ثم قال: الدواب، فقيدت، فأمر له من ذلك بما ملأ عينه وأعيننا وصدورنا وحسدناه عليه، وكان حسدنا له بما اتفق له من القبول وجودة الشعر، وغيظنا بكتمه إيانا نفسه واحتياله علينا أكثر وأعظم، فخرج بما أمر له به، وخرجنا صفرا.
يوليه المطلب أسوان: فمكثنا أياماً، ثم ولي دعبل بن علي أسوان، وكان دعبل قد هجا المطلب غيظاً منه فقال:

تعلق مصر بك المخـزيات

 

وتبصق في وجهك الموصل

وعاديت قوماً فما ضـرهـم

 

وشرفت قوماً فلم ينبـلـوا

شعارك عند الحروب النجاء

 

وصاحبك الأخور الأفشـل

فأنت إذا ما التـقـوا آخـر

 

وأنت إذا انـهـزمـوا أول

وقال فيه:

اضرب ندى طلحة الطلحات متئدا

 

بلؤم مطلب فينا وكن حـكـمـا

تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم

 

فلا تعد لها لؤمـاً ولا كـرمـا

من قصيدته في مدح المطلب: قال: وكانت القصيدة التي مدح بها دعبل المطلب قصيدته المشهورة التي يقول فيها:

أبعد مصر وبعد مـطـلـب

 

ترجو الغنى إن ذا من العجب

إن كاثرونا جئنا بـأسـرتـه

 

أو واحدونا جئنا بمـطـلـب

يعزله المطلب عن أسوان حين بلغه هجاؤه له: قال وبلغ المطلب هجاؤه إياه بعد أن ولاه، فعزله عن أسوان، فأنفذ إليه كتاب العزل مع مولى له، وقال: انتظره حتى يصعد المنبر يوم الجمعة، فإذا علاه فأوصل الكتاب إليه، وامنعه من الخطبة، وأنزله عن المنبر، واصعد مكانه. فلما أن علا المنبر وتنحنح ليخطب ناوله الكتاب، فقال له دعبل: دعني أخطب، فإذا نزلت قرأته. قال: لا، قد أمرني أن أمنعك الخطبة حتى تقرأه، فقرأه وأنزله عن المنبر معزولاً.

قال: فحدثني عبد الله بن أبي الشيص قال: قال لي دعبل قال لي المطلب: ما تفكرت في قولك قط:

إن كاثرونا جئنا بأسرته

 

أو واحدونا جئنا بمطلب

إلا كنت أحب الناس إلي، ولا تفكرت والله في قولك لي:

وعاديت قوماً فما ضرهم

 

وقدمت قوماً فلم ينبلـوا

إلا كنت أبغض الناس إلي.
معنى إستارين في شعره: قال ابن المرزبان حدثني من سأل الرياشي عن قوله: إستارين، قال: يجوز على معنى إستار كذا، وإستار كذا. وأنشدنا الرياشي:

سعى عقالا فلم يترك لنا سـبـدا

 

فكيف لو قد سعى عمرو عقالين

لأصبح القوم أوفاضا فلم يجـدوا

 

يوم الترحل والهيجا حمـالـين

هجـاؤه الـمـطـلـــب:

 

 

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني عبد العزيز بن سهل قال: لما قصد دعبل عبد المطلب بن عبد الله بن مالك إلى مصر ولم يرض ما كان منه إليه قال فيه:

أمطلب أنت مـسـتـعـذب

 

حميا الأفاعي ومستـقـبـل

فإن اشف منك تـكـن سـبة

 

وإن أعف عنك فما تعـقـل

ستأتيك إما وردت الـعـراق

 

صحائف يأثـرهـا دعـبـل

منـمـقة بـين أثـنـائهــا

 

مخاز تحـط فـلا تـرحـل

وضعت رجالاً فما ضـرهـم

 

وشرفت قوماً فلم ينـبـلـوا

فأيهم الـزين وسـط الـمـلا

 

عطية أم صالـح الأحـول؟

أم البـاذجـانـي أم عـامـر

 

أمين الحمام التـي تـزجـل

تنوط مصر بك المـخـزيات

 

وتبصق في وجهك الموصل

ويوم السراة تـحـسـيتـهـا

 

يطيب لدى مثلها الحنـظـل

توليت ركضـاً وفـتـيانـنـا

 

صدور القنا فيهم تـعـمـل

إذا الحرب كنت أميراً لـهـا

 

فحظهم منـك أن يقـتـلـوا

فمنك الرؤوس غداة اللـقـاء

 

وممن يحاربك المـنـصـل

شعارك في الحرب يوم الوغى

 

إذا انهزموا: عجلوا عجلـوا

هزائمك الغـر مـشـهـورة

 

يقرطس فيهن من ينـضـل

فأنـت لأولـهــم آخـــر

 

وأنـت لآخـرهـــم أول

ومن هجائه المطلب: أخبرني عمي قال أنشدنا المبرد لدعبل يهجو المطلب بن عبد الله ويعيره بغلامين: علي وعمرو، وكان يتهم بهما:

فأير عـلـي لـه آلة

 

وفقحة عمرو له ربه

فطورا تصادفه جعبة

 

وطوراً تصادفه حربه

ومن مدحه إياه: وأنشدني ابن عمار عن أحمد بن سليمان بن أبي شيخ لدعبل يمدح المطلب بن عبد الله بن مالك، وفيه غناء.

صوت

زمني بمطلب سقيت زمانـا

 

ما كنت إلا روضة وجنانـا

كل الندى إلا نداك تكـلـف

 

لم أرض بعدك كائناً من كانا

أصلحتني بالبر بل أفسدتنـي

 

فتركتني أتسخط الإحسانـا

سبب سخطه على المطلب: وقد أخبرني بخبره الأول الطويل مع المطلب الحسن بن علي عن أحمد بن محمد حدان عن أحمد بن يحيى العدوي أن سبب سخطه على المطلب أن رجلاً من العلويين كان قد تحرك بطنجة ، فكان يبث دعاته إلى مصر، وخافه المطلب، فوكل بالأبواب من يمنع الغرباء دخولها. فلما جاء دعبل منع فأغلظ للذي منعه، فقنعه بالسوط وحبسه، مضى رزين فأخبر المطلب، فأمر بإطلاقه، ودعا به فخلع عليه. فقال له: لا أرضى أو تقتل الموكل بالباب فقال له: هذا لا يمكن لأنه قائد من قواد السلطان، فغضب ثم أنشده الرجل الأبيات المذكورة، فأجازه، وحكى أن اسمه محمد بن الحجاج، لا أحمد بن السراج. وسائر الخبر مثله.

سبب مناقضته أبا سعد المخزومي: وكان سبب مناقضته أبا سعد المخزومي وما خرج إليه الأمر بينهما قول دعبل قصيدته التي هجا فهيا قبائل نزار، فحمي لذلك أبو سعد، فهجاهم، فأجابه أبو سعد، ولج الهجاء بينهما.

وروي أنه نزل بقوم بن بني مخزوم، فلم يضيفوه، فهجاهم، فأجابه أبو سعد ولج الهجاء بينهما.

أخبرني عمي والحسن بن علي الخفاف قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني محمد بن الأشعث قال: حدثني دعبل أنه ورزينا العروضي نزلا بقوم من بني مخزوم، فلم يقروهما، ولا أحسنوا ضيافتهما فقال دعبل: فقلت فيهم:

عصابة من بني مخزوم بت بهـم

 

بحيث لا تطمع المسحاة في الطين

ثم قلت لرزين: أجز فقال:

في مضغ أعراضهم من خبزهم عوض

 

بني النفـاق وأبـنـاء الـمـلاعـين

قال ابن الأشعث: فكان هذا أول الأسباب في مهاجاته لأبي سعد.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثني العنزي قال: حدثني علي بن عمر الشيباني أن الذي هاج الهجاء بين أبي سعد ودعبل قصيدته القحطانية التي هجا فيها نزاراً، فأجابه عنها أبو سعد، ولج الهجاء بينهما.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدثني أحمد بن أبي كامل قال: كان سبب وقوع الهجاء بين دعبل وأبي سعد قول دعبل في قصيدة يفخر فيها بخزاعة، ويهجو نزاراً، وهي التي يقول فيها:

أتانا طالباً وعرا

 

فأعقبناه بالوعر

وترناه فلم يرض

 

فأعقبناه بالوتر

فغضب أبو سعد، وقال قصيدته التي يقول فيها لدعبل، وهي مشهورة:

وبالكرخ هوى أبقـى

 

على الدهر من الدهر

هوى والحمـد لـلـه

 

كفاني كلفة الـعـذر

قال: ثم التحم الهجاء بينهما بعد ذلك.

من هجاء أبي سعد المخزومي له: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أحمد بن هارون قال: دخلت على أبي سعد المخزومي يوماً وهو يقول: وأي شيء ينفعني؟ أجود الشعر فلا يروى، ويرذل فيروى، ويفضحني برديئته، ولا أفضحه بجيدي، فقلت: من تعني يا أبا سعد؟ فقال: من تراني أعني إلا من عليه لعنة الله دعبلاً! فقلت فيه:

ليس لـبـس الـطـــيالـــس

 

من لـبــاس الـــفـــوارس

لا ولا حـــومة الـــوغـــى

 

كصـدور الـمـجـــالـــس

ضرب أوتـار نــفـــنـــف

 

غير ضـرب الـقـــوانـــس

وظهور الجياد غير ظهور الطنافس

 

 

ليس من ضارس الحرو

 

ب كـمـن لـــم يضـــارس

بأبــي غـــرس فـــتـــية

 

من كـرام الــمـــغـــارس

فتية من بني المغيرة شم المعاطس

 

 

يطعمون السديف في

 

كل شـهـــبـــاء دامـــس

في جـفـان كـــأنـــهـــا

 

من جـفــان الـــعـــرائس

ثم يمـشـون فـي الـســنـــو

 

ر مـشـي الـعـنـــابـــس

ويخـوضـون بــالـــلـــوا

 

ء دمـــاء الأبـــالـــــس

نحن خير الأنام عند قياس المقـايس

 

 

فو الله ما التفت إليها في مصرنا هذا إلا علماء الشعر: وقال هو فيّ:

يا أبا سعد قـوصـره

 

زانى الأخت والمره

لو تراه مـحـنـبـاً

 

خلته عقد قنـطـره

أو ترى الأير في استه

 

قلت ساق بمقطـره

قال: فوالله لقد رواه صبيان الكتاب ومارة الطريق والسفل، فما أجتاز بموضع إلا سمعته من سفلة يهدرون به ، فمنهم من يعرفني فيعيبني به، ومنهم من لا يعرفني، فأسمعه منه لسهولته على لسانه.

يذكر أن المخزومي دس في شعره ما لم يقله: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي ومحمد بن يحيى الصولي وعمي قالوا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: حدثني علي بن أبي عمرو الشيباني قال: جاءني إسماعيل بن إبراهيم بن ضمرة الخزاعي، فقال لي: إني سألت دعبلاً أن أقرأ عليه قصيدته التي يناقض بها الكميت:

أفيقي من ملامك يا ظعينا

 

كفاك اللوم مر الأربعينا

فقال لي إسماعيل: قال لي دعبل: يا أبا الحسن فيها أخبار وغريب، فليكن معك رجل يقرؤها علي وأنت معه، فيكون أهون علي منك، فقلت له: لقد اخترت صديقاً لي يقال له: علي، فقال: أمن العرب هو؟ قلت: نعم. قال: من أي العرب؟ قلت: من بني شيبان. قال: شيبان كندة؟ فقلت: بل شيبان ربيعة. فقال لي: ويحك! أتأتيني برجل أسمعه ما يكره في قومه؟ فقلت له: إنه رجل يحتمل، ويجب أن يسمع ما له وعليه. فقال: في مثل هذا رغبة ، فأتني به، فصرنا إليه، فلما لقيه قال: قد أخبرني عنك أبو الحسن بما سررت به؛ أن كنت رجلاً من العرب تحب أن تسمع ما لك وعليك لكيلا تغبن، فقرأنا عليه الشعر حتى انتهينا في القصيدة إلى قوله:

من أي ثنية طلعت قريش

 

وكانوا معشراً متنبطينـا

فقال دعبل: معاذ الله أن يكون هذا البيت لي، ثم قال: لعنه الله وانتقم منه -يعني أبا سعد المخزومي- دسه والله في هذا الشعر وضرب بيده إلى سكين كانت معه فجرد البيت بحدها ثم قال لنا: أحدثكم عنه بحديث طريف: يزوره المخزومي ويجالسه، ويرسل إليه حين انصرف هجاء فيه: جاءني يوماً ببغداد أشد ما كان بيني وبينه من الهجاء، وبين يدي صحيفة ودواة، وأنا أهجوه فيها، إذ دخل علي غلام لي فقال: أبو سعد المخزومي بالباب. فقلت له: كذبت. فقال، وهو عارف بأبي سعد: بلى والله يا مولاي، فأمرته برفع الدواة والجلد الذي كان بين يدي، وأذنت له في الدخول، وجعلت أحمد الله في نفسي، فأقول: الحمد لله الذي أصلح بيني وبينه من هتك الأعراض وذكر القبيح، وكان الابتداء منه. فقمت إليه وسلمت عليه وهو ضاحك مسرور، فأبديت له مثل ذلك من السرور به، ثم قلت: أصبحت والله حاسداً لك. قال: على ماذا يا أبا علي؟ فقلت: بسبقك إياي إلى الفضل.

فقال لي: أنا اليوم في دعوى عندك، فقلت: قل ما أحببت. فقال: إن كان عندك ما نأكله، وإلا ففي منزلي شيء معد. فسألت الغلمان فقالوا: عندنا: قدر أمسية . فقال: غاية واتفاق جيد. فهل عندك شيء نشربه، وإلا وجهت إلى منزلي ففيه شراب معد؟ فقلت له: عندما ما نشرب، فطرح ثيابه ورد دابته وقال: أحب ألا يكون معنا غيرنا، فتغدينا وشربنا، فلما أن أخذ الشراب منا قال: مر غلاميك يغنياني، فأمرت الغلامين فغنياه، فطرب وفرح، واستحسن الغناء حتى سرني وأطربني معه، ثم قال: حاجتي إليك يا أبا علي أن تأمرهما بأن يغنياني في هجائك لي -وكان الغلامان لكثرة ما يسمعانه مني في هجائي قد حفظا منه أشياء ولحناها- فقلت له: سبحان الله يا أبا سعد قد طفئت النائرة ، وذهبت العداوة بيننا، وانقطع الشر. فما حاجتك إلى هذا؟ فقال لي: سألتك بالله إلا فعلت، فليس يشق ذلك علي. ولو كرهته لما سألته. فقلت في نفسي: أترى أبا سعد يتماجن علي؟ يا غلمان فغنوه بما يريد، فقال غنوه:

يا أبا سعد قوصـره

 

زاني الأخت والمره

فغنوه، وهو يحرك رأسه وكتفيه، ويطرب ويصفق، فما زلنا يومنا مسرورين. فلما ثمل ودعني وقام فانصرف وأمرت غلماني فخرجوا معه إلى الباب، فإذا غلام منهم قد انصرف إلي بقطعة قرطاس، وقال: دفعها إلي أبو سعد المخزومي، وأمرني أن أدفعها إليك. قال: فقرأتها، فإذا فيها:

لدعبل مـنة يمـن بـهـا

 

فلست حتى الممات أنساها

أدخلنا بيته فـأكـرمـنـا

 

ودس بامرأته فنكنـاهـا

فقال: ويلي على ابن الفاعلة، هاتوا جلداً ودواة، قال فردوهما علي، فعدت إلى هجائه، ولقيته بعد يومين أو ثلاثة، فما سلم علي، ولا سلمت عليه.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا علي بن عبد الله بن سعد، أنه سمع دعبلاً يحدث بخبره هذا مع أبي سعد، فذكر نحو ما ذكره العنزي.

يشد على المخزومي فيقنعه بسيفه: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم قال: حدثني أحمد بن أبي كامل قال: رأيت دعبلاً قد لقي أبا سعد في الرصافة، وعليهما السواد وسيفاهما على أكتافهما، فشد دعبل على أبي سعد فقنعه، فركض أبو سعد بين يديه هارباً، وركض دعبل في أثره وهو يهرب منه حتى غاب.

يهجو المخزومي حين انتفى منه بنو مخزوم: قال: وكنت أرى أبا سعد يجلس مع بني مخزوم في دار المأمون، فتظلموا منه إلى المأمون، وذكروا أنهم لا يعرفون له فيهم نسباً، فأمرهم المأمون بنفيه، فانتفوا منه، وكتبوا بذلك كتاباً. فقال دعبل فيه يذكر ذلك من قصيدة طويلة:

غير أن الصيد منهم

 

قنعوه بـخـزايه

كتبوا الصك علـيه

 

فهو بين الناس آيه

فإذا أقـبـل يومـاً

 

قيل قد جاء النفايه

وقال فيه أيضاً:

هم كتبوا الصك الذي قد علمته

 

عليك وشنوا فوق هامتك القفدا

قال: وكان إذا قيل له ذلك شيء في نسبه قال: أنا عبد ابن عبد. قال: ونظر دعبل فرأى على أبي سعد قباء مرويا مصبوغاً بسواد، فقال: هذا دعي على دعي.

يرى دفتر شعر المخزومي فيملي هجاء له على حامله: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني أحمد بن مروان مولى الهادي قال: لقيني أبو سعد المخزومي على ظهر الطريق فقال لي: يا أحمد أنا أدرس شكايتك إلى أبيك، قال فقلت: ولم أبقاك الله؟ قال: فما فعل دفتر البزاريات ؟ قلت: هو ذا أجيئك به، فلما صليت الظهر جئت بالدفتر أريده، فمررت بدعبل فدققت بابه، فسمعته يقول لجارية له: يا دراهم، انظري من بالباب. فقال له: أحمد بن مروان. فقال: افتحي له، فلما دخلت قلت له: أيش هو دراهم من الأسماء؟ قال: سميتم جواريكم دنانير، فسمينا جوارينا بدراهم. ثم قال: ما هذا معك؟ قلت: دفتر فيه شعر أبي سعد في البزاريات، فأخذه فنظر فيه وابنه علي بن دعبل بن علي معه، فلما بلغ من نظرة إلى شعره الذي يقول فيه:

مالت إلى قلبك أحزانه

 

فهو مجم الهم خزانه

قال له ابنه علي: فما كان عليه با أبت لو قال في شعره:

عادت إلى قلبك أحزانه؟

فقال دعبل: صدقت والله يا بني، أنت والله أشعر منه، قال: ثم إنه أملي علي دعبل إملاء:

ما كنت أحسب أن الدهر يمهلني

 

حتى أرى أحداً يهجوه لا أحـد

إني أعجب ممن في حقيبـتـه

 

من المني بحور كيف لا يلـد؟

فإن سمعت به بعت القنا عبثـاً

 

فقد أراد قناً ليست لـه عـقـد

ثم صرت إلى أبي سعد، فلما رآني من بعيد قال: يا أحمد، من أين أقبلت؟ قلت: من عند دعبل. قال: وما دعبلت عنده؟ فأنشدته شعر دعبل فيه، وأخبرته بما قال ابنه في شعره، فقال: صدق والله، في أي سن هو؟ قلت: قد بلغ، فدعا بدواة وقرطاس وقال: اكتب فكتبت:

لا والذي خلق الصهباء من ذهب

 

والماء من فضة لا ساد من بخلا

يقول لي دعبل في بطنه حـبـل

 

ولو أصاب ثيابي دعبل حـبـلا

ودعبل رجل ما شئت من رجـل

 

لو كان أسفله من خلفه رجـلا

قال: ثم هجاني أبو سعد، فقال:

عدو راح في ثـوبـي صـديق

 

شريك في الصبوح وفي الغبوق

له وجهان ظاهـره ابـن عـم

 

وباطنه ابـن زانـية عـتـيق

يسرك معلـنـا ويسـوء سـراً

 

كذاك يكون أبنـاء الـطـريق

يخاف بنو مخزوم هجاءه فينفون المخزومي عنهم: أخبرني عمي والحسن بن علي قالا: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثنا أبو ناجية -شيخ من ولد زهير بن أبي سلمى- قال: حضرت بني مخزوم وهم ببغداد، وقد اجتمعوا على أبي سعد لما لج الهجاء بينه وبين دعبل، وقد خافوا لسان دعبل، وأن يقطعهم ويهجوهم هجاء يعمهم جميعاً، فكتبوا عليه كتاباً، وأشهدوا أنه ليس منهم. فحدثني غير واحد أنه أتى حينئذ بخاتمة النقاش، فنقش عليه: أبو سعد العبد ابن العبد بري من بني مخزوم تهاوناً بما فعلوه.

المخزومي يحرض المأمون عليه فلا يستجيب له: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن يزيد قال: كان أبو سعد المخزومي قد كان يستعلي على دعبل في أول أمره، وكان يدخل إلى المأمون فينشده هجاء دعبل له وللخلفاء، ويحرضه عليه وينشده جوابه ، فلم يجد عند المأمون ما أراده فيه.

يعترض ابن أبي الشيص بينهما، ويهجو المخزومي: وكان يقول: الحق في يدك والباطل في يد غيرك، والقول لك ممكن، فقل ما يكذبه ، فأما القتل فإني لست أستعمله فيمن أعظم ذنبه، أفأستعمله في شاعر ! فاعترض بينهما ابن أبي الشيص، فقال يهجو أبا سعد:

أنا بشرت أبا سعد فأعطاني البشاره

 

بأب صـــيد لـــه بـــــال

 

أمــس فـــي دار الإمـــاره

فهـو يومـاً مـــن تـــمـــيم

 

وهـــو يوم مـــن فـــزاره

كل يوم لأبي سعد على الأنساب غاره

 

 

خزمت مخزوم فاه

 

فادعــاهـــا بـــالإشـــاره        

قال: وقال فيه ابن أبي الشيص أيضاً:

أبـا سـعـد بـحـــق الـــخـــم

 

س والـمـفـروض مـن صـومــك

أقلت الحق في النسبة أم تحلم في نومك؟

 

 

ابن لي أيها المعرور

 

ر مـمـن أنـت فـي قــومـــك؟

فولى قائلاً لو شئت قد أقصرت من لومك

 

 

ودعني أك من شئت

 

إذا لــم أك مـــن قـــومـــك

من هجائه في المخزومي: وقال فيه دعبل:

إن أبا سعد فتى شـاعـر

 

يعرف بالكنية لا الوالـد

ينشد في حي معـد أبـاً

 

ضل عن المنشود والناشد

فرحمة الله على مسـلـم

 

أرشد مفقوداً إلى فاقـد

يغري الصبان أن يصيحوا بهجائه في المخزومي: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أحمد بن عثمان الطبري قال: سمعت دعبل بن علي يقول: لما هاجيت أبا سعد أخذت معي جوزاً ودعوت الصبيان فأعطيتهم منه، وقلت لهم: صيحوا به قائلين:

يا أبا سعد قوصـره

 

زاني الأخت والمره

فصاحوا به، فغلبته.
تحريض آخر للمأمون عليه: أخبرني الحسن بن علي، قال حدثني ابن مهرويه، قال: حدثني أحمد بن مروان قال: حدثني أبو سعد المخزومي واسمه عيسى بن خالد بن الوليد قال: أنشدت المأمون قصيدتي الدالية التي رددت فيها على دعبل قوله:

ويسومني المأمون خطة عاجـز

 

أو ما أرى بالأمس رأس محمد!

وأول قصيدتي:

أخذ المشيب من الشباب الأغيد

 

والنائبات من الأنام بمرصـد

ثم قلت: يا أمير المؤمنين، ائذن لي أن أجيئك برأسه. قال: لا، هذا رجل فخر علينا فافخر عليه كما فخر علينا، فأما قتله بلا حجة فلا.

يذكر هجائه للمخزومي فيه وقد رأي وجهه في المرآة: أخبرني عمي والحسن بن علي عن أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني أبو السري عمرو الشيباني قال: نظر دعبل يوماً في المرآة، فجعل يضحك، وكانت في عنفقته سلعة ، فقلت له: من أي شيء تضحك؟ قال: نظرت إلى وجهي في المرآة، ورأيت هذه السلعة التي في عنفقتي، فذكرت قول الفاجر أبي سعد:

وسلعة سوء به سلعة

 

ظلمت أباه فلم ينتصر

ينشده منشد قصيدة للمخزومي فيه: أخبرني محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليل العنزي قال: قال عبد الله بن الحسن بن أحمد مولى عمر بن عبد العزيز قال: حدثنا محمد بن علي الطالبي قال: لقيت دعبل بن علي، فحدثني أن أبا عمرو الشيباني سأله: ما هو دعبل؟ فقلت له: لا أدري، فقال: إنها الناقة المسنة. قال محمد بن علي الطالبي: ثم تحدثنا ساعة، فقلت: أما ترى لأبي سعد يا أبا علي وانهماكه في هجائك؟ فقال دعبل: لكني لم أقل فيه إلا أبياتاً سخيفة يلعب بها الصبان والإماء، وأنشدني قوله فيه:

يا أبا سعد قـوصـره

 

زاني الأخت والمره

لو تراه مـحـنـبـاً

 

خلته عقد قنـطـره

أو ترى الأير في استه

 

قلت ساق بمقطـره

قال محمد، فقلت لدعبل: دع عنك ذا، فقد والله أوجعك الرجل، فإذا أجبته بجواب مثله انتصفت، وإلا فإن هذا اللو الذي فخرت به يسقط وتفضح آخر الدهر، قال: ثم أنشدته قول أبي سعد فيه :

لم يبق لي لذة مـن طـية بـدد

 

ولا المنازل من خيف ولا سنـد

أبعد خمسين عادت جاهـلـيتـه

 

يا ليت ما عاد منها اليوم لم يعد

وما تريد عيون العين من رجـل

 

كر الجديدان في أيامه الـجـدد

أبدى سرائره وجـدا بـغـانـية

 

ولو أطاع مشيب الرأس لم يجد

واستمطرت عبرات العين منزلة

 

لم يبق منها سوى الآري والوتد

وما بكاؤك داراً لا أنيس بـهـا

 

إلا الخواضب من خيطانها الربد

لدعبل وطر في كل فـاحـشة

 

لو باد لؤم بني قحطا لـم يبـد

ولي قواف إذا أنزلتهـا بـلـداً

 

طارت بهن شياطيني إلى بلـد

لم ينج من خيرها أو شرها أحد

 

فاحذر شأبيبها إن كنت من أحد

إن الطرماح نالته صواعـقـهـا

 

في ظلمة القبر بين الهام والصرد

وأنت أولى بها إذ كنـت وارثـه

 

فابعد وجهدك أن تنجو على البعد

تهجو نزاراً وترعى في أرومتهـا

 

وتنتمي في أناس حاكة الـبـرد

إني إذا رجل دبـت عـقـاربـه

 

سقيته سم حـياتـي فـلـم يعـد

زدني أزدك هواناً أنت موضعـه

 

ومن يزيد إذا ما نحن لـم نـزد؟

لو كنت متئداً فيمـا تـلـفـقـه

 

لكان حظك منـه حـظ مـتـئد

أو كنت معتمداً منه عـلـى ثـقة

 

من المكارم قلنا: طول معتـمـد

لقد تقلت أمـراً لـسـت نـائلـه

 

بلا ولي ولا مولى ولا عـضـد

وقد رميت بياض الشمس تحسبـه

 

بياض بطنك من لؤم ومن نـكـد

لا توعدني بقوم أنت ناصـرهـم

 

واقعد فإنك نومان من الـقـعـد

لله معتصم بالـلـه، طـاعـتـه

 

قضية من قضايا الواحد الصمـد

قال، فلما أنشدتها دعبلاً، قال: أنا أشتمه وهو يشتمني، فما إدخال المعتصم بيننا؟ وشق ذلك عليه وخافه، ثم قال نقيض هذه القصيدة:

منازل الحي من غمدان فالنضد

وهي طويلة مشهورة في شعره، هكذا قال العنزي في الخبر، ولم يأت بها.

يمر بأبي سعيد على جسر ببغداد فيشتمه: حدثنا محمد قال: حدثنا العنزي قال: حدثني عبد الله بن الحسين عن محمد بن علي الطالبي قال: عبر دعبل الجسر ببغداد، وأو سعد واقف على دابته عند الجسر، وعليه ثوب صوف مشبه بالخز مصبوغ، فضرب دعبل بيده على فخذه، وقال: دعي على دعي.

حديث بين عبد الله بن طاهر والضبي عن نسبه: أخبرني محمد بن جعفر الصيدلاني صهر المبرد قال: حدثني محمد بن موسى الضبي راوية العتابي، وكان نديماً لعبد الله بن طاهر قال: بينما هو ذات ليلة يذاكرنا بالأدب وأهله وشعراء الجاهلية والإسلام إذ بلغ إلى ذكر المحدثين حتى انتهى إلى ذكر دعبل، فقال: ويحك يا ضبي!، إني أريد أن أحدثك بشيء على أن تستره طول حياتي، فقلت له: أصلحك الله أنا عندك في موضع ظنة؟ قال: لا، ولكن أطيب لنفسي أن توثق لي بالأيمان لأركن إليها، ويسكن قلبي عندها، فأحدثك حينئذ.

قال: قلت: إن كنت عند الأمير في هذه الحال فلا حاجة به إلى إفشاء سره إلي، واستعفيته مراراً فلم يعفني، فاستحييت من مراجعته، وقلت: فلير الأمير رأيه. فقال لي: يا ضبي، قل: والله. قلت: والله، فأمرها علي غموساً مؤكدة بالبيعة والطلاق وكل ما يحلف به مسلم. ثم قال: أشعرت أن دعبلاً مدخول النسب؟ وأمسك، فقلت: أعز الله الأمير، أفي هذا أخذت العهود والمواثيق وملغظ الأيمان؟ قال: إي والله، فقلت: ولم؟ قال: لأني رجل لي في نفسي حاجة، ودعبل رجل قد حمل نفسه على المهالك، وحمل جذعه على عنقه، فليس يجد من يصلبه عليه، وأخاف إن بلغه أن يقول في ما يبقى علي عاره على الدهر، وقصاراي إن ظفرت به وأسلمته اليمن -وما أراها تفعل؛ لأنه اليوم لسانها وشاعرها والذاب عنها والمحامي لها والمرامي دونها- فأضربه مائة سوط، وأثقله حديداً، وأصيره في مطبق باب الشام.

وليس في ذلك عوض مما سار في من الهجاء وفي عقبي من بعدي. فقلت: ما أراه يفعل ويقدم عليك. فقال لي: يا عاجز، أهون عليه مما لم يكن. أتراه أقدم على الرشيد والأمين والمأمون وعلى أبي ولا يقدم علي؟ فقلت: فإذا كان الأمر كذا فقد وفق الأمير فيما أخذه علي.

قال: وكان دعبل صديقاً لي، فقلت: هذا شيء قد عرفته، فمن أين؟ قال الأمير: إنه مدخول النسب وهو في البيت الرفيع من خزاعة، لا يتقدمهم غير بني أهبان مكلم الذئب. فقال: أسمع أنه كان أيام ترعرع خاملاً لا يؤبه له، وكان ينام هو ومسلم بن الوليد في إزار واحد، لا يملكان غيره. ومسلم أستاذه وهو غلام أمرد يخدمه، ودعبل حينئذ لا يقول شعراً يفكر فيه حتى قال:

لا تعجبني يا سلم من رجـل

 

ضحك المشيب برأسه فبكى

بداية اشتهاره وطلب الرشيد أن يلازمه:  وغنى فيه بعض المغنين وشاع، فغني به بين يدي الرشيد، إما ابن جامع أو ابن المكي، فطرب الرشيد، وسأل عن قائل الشعر، فقيل له: دعبل بن علي، وهو غلام نشأ من خزاعة. فأمر بإحضار عشرة آلاف درهم وخلعة من ثيابه، فأحضر ذلك، فدفعه مع مركب من مراكبه إلى خادم من خاصيته، وقال له: اذهب بهذا إلى خزاعة فاسأل عن دعبل بن علي، فإذا دللت عليه فأعطه هذا، وقل له: ليحضر إن شاء، وإن لم يجب ذلك فدعه. وأمر للمغني بجائزة، فسار الغلام إلى دعبل، وأعطاه الجائزة، وأشار عليه بالمسير إليه.

فلما دخل عليه وسلم أمره بالجلوس فجلس، واستنشده الشعر فأنشده إياه، فاستحسنه وأمره بملازمته وأجرى عليه رزقاً سنياً، فكان أول من حرضه على قول الشعر.

يبلغه موت الرشيد فيهجوه: فوالله ما بلغه أن الرشيد مات حتى كافأه على ما فعله: من العطاء السني، والغنى بعد الفقر، والرفعة بعد الخمول بأقبح مكافأة. وقال فيه من قصيدة مدح بها أهل البيت عليهم السلام، وهجا الرشيد:

وليس حي من الأحـياء نـعـلـمـه

 

من ذي يمان ومن بكر ومن مضـر

إلا وهـم شـركـاء فـي دمـائهـم

 

كما تشارك أيسـار عـلـى جـزر

قتل وأسـر وتـحـريق ومـنـهـبة

 

فعل الغزاة بأرض الروم والـخـزر

أرى أمية مـعـذورين إن قـتـلـوا

 

ولا أرى لبني العبـاس مـن عـذر

أربع بطوس على القبر الـزكـي إذا

 

ما كنت تربع من دين علـى وطـر

قبران في طوس خير الناس كلـهـم

 

وقبر شرهم هـذا مـن الـعـبـر

ما ينفع الرجس من قرب الزكـي ولا

 

على الزكي بقرب الرجس من ضرر

هيهات كل امرئ رهن بما كسـبـت

 

له يداه فـخـذ مـا شـئت أو فـذر

-يعني قبر الرشيد وقبر الرضا عليه السلام، فهذه واحدة.

يدس إلى المأمون شعر له فيصفح عنه ويستقدمه: وأما الثانية فإن المأمون لم يزل يطلبه وهو طائر على وجهه حتى دس إليه قوله:

علم وتحكيم وشيب مـفـارق

 

طمسن ريعان الشباب الرائق

وإمارة فـي دولة مـيمـونة

 

كانت اللذات أشغـب عـائق

أنى يكون وليس ذاك بـكـائن

 

يرث الخلافة فاسق عن فاسق

إن كان إبراهيم مضطلعاً بهـا

 

فلتصلحن من بعده لمخـارق

فلما قرأها المأمون ضحك، وقال: قد صفحت عن كل ما هجانا به إذا قرن إبراهيم بمخارق في الخلافة، وولاه عهده.
وكتب إلى أبي أن يكاتبه بالأمان، ويحمل إليه مالاً. وإن شاء أن يقيم عنده أو يصير إلى حيث شاء فليفعل. فكتب إليه أبي بذلك، وكان واثقاً به، فصار إليه، فحمله وخلع عليه، وأجازه وأعطاه المال، وأشار عليه بقصد المأمون ففعل. فلما دخل وسلم عليه تبسم في وجهه، ثم قال أنشدني:

مدارس آيات خلت من تـلاوة

 

ومنزل وحي مقفر العرصات

فجزع، فقال له: لك الأمان لا خف، وقد رويتها ولكني أحب سماعها من فيك، فأنشده إياها إلى آخرها والمأمون يبكي حتى أخضل لحيته بدمعه، فوالله ما شعرنا به إلا وقد شاعت له أبيات يهجو بها المأمون بعد إحسانه إليه وأنسه به حتى كان أول داخل، وآخر خارج من عنده.

?يستدعيه بعض بني هاشم ثم لا يرضيه فيهجوه: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثني أبو بكر العامري، قال: استدعى بعض بني هاشم دعبل وهو يتولى للمعتصم ناحية من نواحي الشام، فقصده إليها، فلم يقع منه بحيث ظن وجفاه، فكتب إليه دعبل:

دليتني بغرور وعدك فـي

 

متلاطم من حومة الغرق

حتى إذا شمت العدو وقـد

 

شهر انتقاصك شهرة البلق

أنشأت تحلف أن ودك لـي

 

صاف وحبلك غير منحذق

وحسبتني فقعا بقـرقـرة

 

فوظئتني وطئاً على حنق

ونصبتني علما على غرض

 

ترميني الأعداء بالحـدق

وظننت أرض الله ضـيقة

 

عني وأرض الله لم تضق

من غير ما جرم سوى ثقة

 

مني بوعدك حين قلت: ثق

ومودة تحنو علـيك بـهـا

 

نفسي بلا من ولا مـلـق

فمتى سألتك حـاجة أبـداً

 

فاشدد بها قفلا على غلق

وقف الإخاء على شفى جرف

 

هار فبعه بـيعة الـخـلـق

وأعدلي قـفـلا وجـامـعة

 

فاشدد يدي بها إلى عنـقـي

أعفيك مما لا تحـب بـهـا

 

واسدد علي مذاهب الأفـق

ما أطول الدنيا وأعرضـهـا

 

وأدلني بمسالـك الـطـرق

?يتهم بشتم بنت عبد المطلب فيهرب وينكر التهمة: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني أبي قال: قدم دعبل الدينور ، فجرى بينه وبين رجل من ولد الزبير بن العوام كلام وعربدة على النبيذ، فاستعدى علي عمرو بن حميد القاضي، وقال: شتم بنت عبد المطلب، واجتمع عليه الغوغاء، فهرب دعبل، وبعث القاضي إلى دار دعبل فوكل بها وختم بابه، فوجه إليه برقعة فيها: ما رأيت قط أجهل منك إلا من ولاك، فأنه أجهل، يقضي في العربدة على النبيذ، ويحكم على خصم غائب، ويقبل عقلك أني رافضي شتم صفية بنت عبد المطلب. سخنت عينك، أفمن دين الرافضة شتم صفية???! قال أبي: فسألني الزبيري القاضي عن هذا الحديث فحدثته، فقال: صدق والله دعبل في قوله، لو كنت مكانه لوصلته وبررته.

يغري متنسكاً فيعود إلى الندماء يسمع الغناء ولا يشرب النبيذ: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثني إبراهيم بن سهل القارئ قال حدثني دعبل قال: كتبت إلى أبي نهشل بن حميد، وقد كان نسك وترك شرب النبيذ، ولزم دار الحرم:

إنما العيش في منادمة الإخوان لا في الجلوس عند الكعاب

 

وبصرف كأنها ألسن البر

 

ق إذا اسـتـعـرضـت رقـيق الــســـحـــاب

إن تكونوا تركتم لذة العيش حذار العقاب يوم الـعـقـاب

 

 

فدعوني وما ألذ وأهوى

 

وادفـعـوا بـي فـي نـحـر يوم الـحـــســـاب

قال: فكان بعد ذلك يدعوني وسائر ندمائي، فنشرب بين يديه، ويستمع الغناء، ويقتصر على الأنس والحديث.
يشترك في نظم قصيدة نصفها له ونصفها الآخر لإبراهيم بن العباس: أخبرني الحسن قال: حدثنا ابن مهرويه قال: حدثنا إبراهيم بن المدبر قال: كنت أنا وإبراهيم بن العباس رفيقين نتكسب بالشعر قال: وأنشدني قصيدة دعبل في المطلب بن عبد الله:

أمطلب أنت مستعـذب

 

سمام الأفاعلي ومستقبل

قال، وقال لي دعبل: نصفها لإبراهيم بن العباس، كنت أقول مصراعاً فيجيزه، ويقول هو مصراعاً فأجيزه.
يهجو مالك بن طوق لأنه لم يرص ثوابه: قال ابن مهرويه: وحدثني إبراهيم بن المدبر أن دعبلاً قصد مالك بن طوق ومدحه، فلم يرض ثوابه، فخرج عنه وقال فيه:

إن ابن طوق وبني تغلـب

 

لو قتلوا أو جرحوا قصره

لم يأخذوا من دية درهمـا

 

يوماً ولا من أرشهم بعره

دماؤهم ليس لها طـالـب

 

مطلولة مثل دم العـذره

وجوههم بيض وأحسابهـم

 

سود وفي آذانهم صفـرة

يمدح عبد الله بن طاهر فيجيزه: حدثنا محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثني العنزي قال: حدثنا عبد الله بن الحسن قال: حدثني عمر بن عبد الله أبو حفص النحوي مؤدب آل طاهر قال: دخل دعبل بن علي على عبد الله بن طاهر، فأنشده وهو ببغداد:

جئت بلا حرمة ولا سبـب

 

إليك إلا بـحـرمة الأدب

فاقض ذمامي فإنني رجل

 

غير ملح عليك في الطلب

قال فانتعل عبد الله، ودخل إلى الحرم، ووجه إلى بصرة فيها الف درهم، وكتب إليه:

أعجلتنا فأتاك عاجل بـرنـا

 

ولو انتظرت كثيرة لم يقلل

فخذ القليل وكن كأنك لم تسل

 

ونكون نحن كأننا لم نفعـل

يهجو مالك بن طوق فيطلبه فيهرب إلى البصرة: أخبرني أحمد بن عاصم الحلواني قال: حدثنا أبو بكر المدائني قال: حدثنا أبو طالب الجعفري ومحمد بن أمية الشاعر جميعاً قالا: هجا دعبل بن علي مالك بن طوق قال:

سألت عنكم يا بني مـالـك

 

في نازح الأرضين والدانيه

طراً فلم تعرف لكن نسـبة

 

حتى إذا قلت بني الزانـية

قالوا فدع داراً على يمـنة

 

وتلك ها دارهـم ثـانـيه

لا حـد أخـشـاه عـلـى

 

من قـال أمـك زانــيه

وقال أيضاً فيه:

يا زاني ابن الزان ابن الزان ابن الزانية

 

أنت المردد في الزنا

 

ء عـلـى الـسـنـين الـخـالــية

ومردد فيه علـى

 

كر السنين الباقية

             

وبلغت الأبيات مالكاً، فطلبه، فعرب فأتي البصرة وعليها إسحاق بن العباس بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، وكان بلغه هجاء دعبل وابن أبي عيينة نزاراً.

فأما ابن أبي عيينة فإنه هرب منه فلم يظهر بالبصرة طوال أيامه.

يقبض عليه والي البصرة فيعفيه من القتل ويشهره: وأما دعبل فإنه حين دخل البصرة بعث فقبض عليه، ودعا بالنطع والسيف ليصرب عنقه، فجحد القصيدة وحلف بالطلاق على جحدها وبكل يمين تبرئ من الدم أنه لم يقلها وأن عدواً له قالها، إما أبو سعد المخزومي أو غيره ونسبها غليه ليغري بدمه، وجعل يتضرع إليه ويقبل الأرض ويبكي بين يديه، فرق له، فقال: أما إذا أعفيتك من القتل فلا بد من أن أشهرك، ثم دعا بالعصا فضربه حتى سلح، وأمر به فألقي على قفاه، وفتح فمه فرد سلحه فيه والمقارع تأخذ رجليه، وهو يحلف ألا يكف عنه حتى يستوفيه ويبلعه أو يقتله. فما رفعت عنه حتى بلع سلحه كله، ثم خلاه، فهرب إلى الأهواز.

بعث مالك بن طوق رجلاً فاغتاله بأرض السوس: وبعث مالك بن طوق رجلاً حصيفاً مقداماً، وأعطاه سماً وأمره أن يغتاله كيف شاء، وأعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، لم يزل يطلبه حتى وجده في قرية من نواحي السوس، فاغتاله في وقت من الأوقات بعد صلاة العتمة، فضرب ظهر قدمه بعكاز له زج مسموم فمات من غد، ودفن بتلك القرية.

وقيل بل حمل إلى السوس، فدفن فيها.

طلب والي البصرة أن ينقض شاعر هجاءه هو وابن أبي عيينة لنزار: وأمر إسحاق بن العباس شاعراً يقال له: الحسن بن زيد ويكنى أبا الدلفاء، فنقض قصيدتي دعبل وابن أبي عيينة بقصيدة أولها:

أما تنفك متبـولاً حـزينـاً

 

تحب البيض تعصي العاذلينا

يهجو بها قبائل اليمن، ويذكر مثالبهم، وأمره بتفسير ما نظمه، وذكر الأيام والأحوال، ففعل ذلك وسماها الدامغة، وهي إلى اليوم موجودة.

صوت

أتهجر من تحب بغير جرم

 

أسأت إذاً وأنت له ظلوم

تؤرقني الهموم وأنت خلو

 

لعمرك ما تؤرقك الهموم

الشعر لجعيفران الموسوس، أنشدنيه عمي عن عبد الله عثمان الكاتب عن أبيه عن جده ، وأنشد فيه جحظة عن خالد الكاتب له، وأنشدنيه ابن الوشاء عن بعض شيوخه عن سلمة النحوي له. ووجدته في بعض الكتب منسوباً إلى أم الضحاك المحاربية، والقول الأول أصح. والغناء لابن أبي قباحة، ثاني ثقيل بالوسطى في مجرى البنصر. وفي أبيات أخر من شعر جعيفران غناء، فإن لم يصح هذا له فالغناء له في أشعاره الأخر صحيح، منها:

ما يفعل المرء فهو أهله

 

كل امرئ يشبهه فعلـه

ولا ترى أعجز من عاجز

 

سكتنا عن ذمـه بـذلـه

الشعر لجعيفران، والغناء لمتيم، ومما وجدته من الشعر المنسوب إليه في جامعة وفيه له غناء:

قلبي بصاحبة الشنوف معلق

 

وتفر صاحبة الشنوف وألحق