أخبار دريد بن الصمة ونسبه

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء العاشر

أخبار دريد بن الصمة ونسبه

نسبه

هو دريد بن الصمة. واسم الصمة، في ما ذكر أبو عمرو، معاوية الأصغر بن الحارث بن معاوية الأكبر بن بكر بن علقة وقيل علقمة، بن خزاعة بن غزية بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن. وأما أبو عبيدة فقال: هو دريد بن الصمة، واسمه معاوية بن الحارث بن بكر بن علقة ولم يذكر معاوية. وقال ابن سلام: الحارث بن معاوية بن بكر بن علقة.

صفاته

ودريد بن الصمة فارسٌ شجاع شاعر فحل، وجعله محمد بن سلام أول شعراء الفرسان. وقد كان أطول الفرسان الشعراء غزواً، وأبعدهم أثراً، وأكثرهم ظفراً، وأيمنهم نقيبةً عند العرب، وأشعرهم دريد بن الصمة.

قتل يوم حنين

وقال أبو عبيدة: كان دريد بن الصمة سيد بني جشم وفارسهم وقائدهم وكان مظفراً ميمون النقيبة، وغزا نحو مائة غزاةٍ ما أخفق في واحدة منها، وأدرك الإسلام فلم يسلم، وخرج مع قومه في يوم حنينٍ مظاهراً للمشركين، ولا فضل فيه للحرب، وإنما أخرجوه تيمناً به وليقتبسوا من رأيه، فمنعهم مالك بن عوف من قبول مشورته، وخالفه لئلا يكون له ذكر، فقتل دريد يومئذٍ على شركه. وخبره يأتي بعد هذا.

إخوته

وكان لدريد أخوةٌ وهم عبد الله الذي قتله غطفان، وعبد يغوث قتله بنو مرة، وقيس قتله بنو أبي بكر بن كلاب، وخالدٌ قتله بنو الحارث بن كعب، أمهم جميعاً ريحانة بنت معد يكرب الزبيدي أخت عمرو بن معد يكرب كان الصمة سباها ثم تزوجها فأولدها بنيه. وإياها يعني أخوها عمرو بقوله في شعره:

أمن ريحانة الداعي السميع

 

يؤرقني وأصحابي هجوع

إذا لم تستطع شيئاً فدعـه

 

وجاوزه إلى ما تستطـيع

ابنه وبنته شاعران: وكان لدريدٍ ابنٌ يقال له سلمة، وكان شاعراً وهو الذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم فأصاب ركبته فقتله وارتجز فقال:

إن تسألوا عني فإنـي سـلـمـه

 

ابن سمادير لـمـن تـوسـمـه

أضرب بالسيف رؤوس المسلمه

 

 

وكانت لدريد أيضاً بنتٌ يقال لها عمرة وكانت شاعرة، ولها فيه مراثٍ كثيرةٌ.

شعره في الصبر على النوائب

أخبرني بخبره هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة وأخبرني به محمد بن الحسن بن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة، وأخبرني بأخبار له مجموعةٍ ومتفرقةٍ جماعةً من شيوخنا أذكرهم في مواضعهم، وأخبرني أيضاً بخبره محمد بن خلف بن المرزبان عن صالح بن محمد بن أبي عمرو الشيباني وقد بينت رواية كل واحد منهم في موضعها، قال أبو عبيدة سمعت أبا عمرو بن العلاء يقول: أحسن شعرٍ قيل في الصبر على النوائب قول دريد بن الصمة حيث يقول:

تقول ألا تبكي أخـاك ! وقـد أرى

 

مكان البكا لكن بنيت على الصبر

لمقتل عبد الله والـهـالـك الـذي

 

على الشرف الأعلى قتيل أبي بكر

وعبد يغوث أو خلـيلـي خـالـدٍ

 

وعز مصاباً حثو قبرٍ على قـبـر

أبى القتل إلا آل الصـمة إنـهـم

 

أبوا غيره والقدر يجري إلى القدر

فإما تـرين مـا تـزال دمـاؤنـا

 

لدى واترٍ يشقى بها آخر الدهـر

فإن للحم السـيف غـير نـكـيرةٍ

 

ونلحمه حيناً وليس بـذي نـكـر

يغار علينا واتـرين فـيشـتـفـى

 

بنا إن أصبنا، أو نغير على وتـر

بذاك قسمنا الدهر شطرين قسمةً

 

فما ينقضي إلا ونحن على شطر

وأخبرني ابن عمار قال: حدثني يعقوب بن إسرائيل قال حدثني محمد بن القاسم الأسدي عن صاعدٍ مولى الكميت بن يزيد يقول: أحسن شعره قيل في الصبر على النوائب قول دريد بن الصمة، وذكر هذه الأبيات.

يوم اللوى ومقتل أخيه وما رثاه به

قال أبو عبيدة: فأما عبد الله بن الصمة فإن السبب في مقتله أنه كان غزا غطفان ومعه بنو جشم وبنو نصرٍ أبناء معاوية فظفر بهم وساق أموالهم في يوم يقال له يوم اللوى ومضى بها. ولما كان منهم غير بعيد قال: انزلوا بنا، فقال له أخوه دريد: يا أبا فرعان – وكانت لعبد الله ثلاث كنى: أبو فرعان، وأبو ذفافة، وأبو أوفى، وكلها قد ذكرها دريدٌ في شعره -: نشدتك الله ألا تنزل فإن غطفان ليست بغافلةٍ عن أموالها، فأقسم لا يريم حتى يأخذ مرباعه وينقع نقيعه ، فيأكل ويطعم ويقسم البقية بين أصحابه، فبينا هم في ذلك وقد سطعت الدواخن، إذا بغبارٍ قد ارتفع أشد من دخانهم، وإذا عبسٌ وفزارة وأشجع قد أقبلت فقالوا لربيئتهم : انظر ماذا ترى؟ فقال: أرى قوماً جعاداً كأن سرابيلهم قد غمست في الجادي قال: تلك أشجع، ليست بشيء. ثم نظر فقال: أرى قوماً كأنهم الصبيان، أسنتهم عند آذان خيولهم. قال: تلك فزارة. ثم نظر فقال: أرى قوماً أدماناً كأنما يحملون الجبل بسوادهم، يخدون الأرض بأقدامهم خداً، ويجرون رماحهم جراً، قال: تلك عبسٌ والموت معهم ! فتلاحقوا بالمنعرج من رميلة اللوى فاقتتلوا فقتل رجلٌ من بني قاربٍ وهم من بني عبس عبد الله بن الصمة فتنادوا: قتل أبو ذفافة فعطف دريد فذب عنه فلم يغن شيئاً وجرح دريد فسقط فكفوا عنه وهم يرون أنه قيل، واستنقذوا المال ونجا من هرب. فمر الزهدمان وهما من بني عبس، وهما زهدمٌ وقيسٌ ابنا حزن أنه بن وهب بن رواحة وإنما فقيل لهم الزهدمان تغليباً لأشهر الاسمين عليهما، كما قيل العمران لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والقمران للشمس والقمر. قال دريد: فسمعت زهدماً العبسي يقول لكردم الفزاري إني لأحسب دريداً حياً فانزل فأجهز عليه، قال: قد مات، قال: انزل فانظر إلى سبته هل ترمز؟ قال دريد: فسددت من حتارها أي من شرجها، قال فنظر فقال: هيهات، أي قد مات، فولى عني، قال: ومال بالزج في شرج دريد فطعنه فيه فطعنه فيه فسال دمٌ كان قد احتقن في جوفه، قال دريد فعرفت الخفة حينئذٍ فأمهلت، حتى إذا كان الليل مشيت وأنا ضعيف قد نزفني الدم حتى ما أكاد أبصر، فجزت بجماعة تسير فدخلت فيهم، فوقعت بين عرقوبي بعير ظعينة، فنفر البعير فنادت: نعوز بالله منك، فانتسبت لها فاعلمت الحي بمكاني، فغسل عني الدم وزودت زاداً وسقاء فنجوت، وزعم بعض الغطفانيين أن المرأة كانت فزارية وأن الحي كان علموا بمكانه فتركوه فداوته المرأة حتى برأ ولحق بقومه، قال: ثم حج كردم بعد ذلك في نفرٍ من بني عبس فلما قاربوا ديار دريد تنكروا خوفاً ، ومر بهم فأنكرهم، فجعل يمشي فيهم ويسألهم من هم؟ فقال له كردم: عمن تسأل؟ فدفعه دريد، وقال: أما عنك وعمن معك فلا أسأل أبداً، وعانقه، وأهدي إليه فرساً وسلاحاً، وقال له: هذا بما فعلت بي يوم اللوى.
وقال دريد يرثي أخاه عبد الله:

أرث جديد الحبل من أم معبد

 

بعاقبةٍ وأخلفت كل مـوعـد

وبانت ولم أحمد إليك جوارها

 

ولم ترج منا ردة اليوم أو غد

وهي طويلة وفيها يقول:

أعاذلتي كل امـرئ وابـن أمـه

 

متاعٌ كزاد الراكب الـمـتـزود

أعاذل إن الرزء أمـثـال خـالـدٍ

 

ولا رزء مما أهلك المرء عن يد

نصحت لعارضٍ وأصحاب عارض

 

ورهط بني السوداء والقوم شهدي

فقلت لهم ظنوا بألـفـي مـدجـج

 

سراتهم في الفارسي الـمـسـرد

أمرتهم أمري بمنعـرج الـلـوى

 

فلم يستبينوا الرجد إلى ضحى الغد

فلما عصوني كنت منهم وقـد أرى

 

غوايتهم وأننـي غـير مـهـتـد

وهل أنا إلى من غزية إن غـوت

 

غويت، وإن ترشد غـزية أرشـد

دعاني أخي والخيل بيني وبـينـه

 

فلما دعاني لم يجدنـي بـقـعـدد

تنادوا فقالوا أردت الخيل فارسـاً

 

فقلت أعبد الله ذلـكـم الـردي

فإن يك عبد الله خلى مـكـانـه

 

فلم يك وقافـاً ولا طـائش الـيد

ولا برماً إذا الرياح تـنـاوحـت

 

برطب العضاه والهشيم المعضد

نظرت إليه والرماح تـنـوشـه

 

كوفع الصياصي في النسيج المدد

فطاعنت عنه الخيل حتى تبـددت

 

وحتى علاني أشقر اللون مزبـد

فما رمت حتى خرقتني رماحهـم

 

وغودرت أكبو في القنا المتقصد

قتال امرئٍ واسى أخاه بنفـسـه

 

وأيقن أن المرء غير مـخـلـد

صبورٌ على وقع المصائب حافظ

 

من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

في بعض هذه الأبيات غناء وهو: صوت

تمثل علي عليه السلام بشعـره:

 

أمرتهم أمري بمنعرج اللوى

 

فلم يستبينوا الرجد إلى ضحى الغد

فلما عصوني كنت منهم وقد أرى

 

غوايتهم وأنني غـير مـهـتـد

وهل أنا إلى من غزية إن غـوت

 

غويت، وإن ترشد غزية أرشـد

الغناء ليحيى المكي ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى البنصر من رواية ابنه أحمد، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحمد. وهذه الأبيات تمثل بها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند منصرفه من صفين.

حدثني أحمد بن عيسى بن أبي موسى العجلي قال حدثنا حسين بن نضر بن مزاحم قال حدثنا عمر بن سعيد عن أبي مخنف عن رجاله أن علياً عليه السلام لما اختلفت كلمة أصحابه في أمر الحكمين وتقرقت الخوارج وقالوا له ارجع عن أمر الحكمين وتب واعترف بأنك كفرت إذ حكمت، ولم يقبل ذلك منهم، وخالفوه وفارقوه تمثل بقول دريد:

أمرتهم أمري بمنعـرج الـلـوى

 

فلم يستبينوا الرجد إلى ضحى الغد

الأبيات: أخوه عبد الله وأسماؤه وكناه: قال أبو عبيدة: كانت لعبد الله بن الصمة ثلاثة أسماءٍ وثلاث كنى: عبد الله ومعبد وخالد. ويكنى أبا ذفافة وأبا فرعان وأبا أوفى.
وقال دريد:

أبا ذفافة من لـلـخـيل إذ طـردت

 

فاضطرها الطعن في وعثٍ وإيجاف

يا فارس الخيل في الهيجاء إذ شغلت

 

كلتـا الـيدين دروراً غـير وقـاف

له أفضل بيت في الصبر على النوائب: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال حدثنا أبو حاتم عن أبي عبيدة عن يونس أنه كان يقول: أفضل بيت قالته العرب في الصبر على النوائب قول دريد بن الصمة:

قليل التشكي للمصيبات حـافـظٌ

 

من اليوم أعقاب الأحاديث في غد

عاتبته زوجته أم معبد على بكائه أخاه فطلقها وقال شعراً: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن أبي المهاجر، وذكر مثله أبو عمرو الشيباني، أن أم معبد التي ذكرها دريد في شعره هذا كانت امرأته فطلقها، لأنها رأته شديد الجزع على أخيه، فعاتبته على ذلك وصغرت شأن أخيه وسبته، فطلقها وقال فيها:

أرث جديد الحبل من أم معبد

 

بعاقبةٍ وأخلفت كل مـوعـد

وبانت ولم أحمد إليك جوارها

 

ولم ترج منا ردة اليوم أو غد

فقالت له أم معبد: بئس والله ما أثنيت علي يا أبا قرة ! لقد أطعمتك مأدومي، وبثثتك مكتومي، وأتيتك باهلاً غير ذات صرار وما استفرمت قبلك إلا من حيض.

وقال أبو عبيدة في خبره: بلغ دريد بن الصمة أن زوجته سبت أخاه فطلقها وألحقها بأهلها وقال في ذلك:

أعبد الله إن سبتك عـرسـي

 

تقدم بعض لحمي قبل بعض

إذا عرس امرئ شتمت أخاه

 

فليس فؤاد شانئه بحمـض

معاذ الله أن يشتمن رهطـي

 

وأن يملكن إبرامي ونقضي

حارب غطفان يوم الغدير طلباً بثأر أخيه وقال شعراً: أخبرنا هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: أغار دريد بن الصمة بعد مقتل أخيه عبد الله على غطفان يطالبهم بدمه، فاستقراهم حياً حياً، وقتل من بني عبس ساعدة بن مر، وأسر ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب، أسره مرة بن عوف الجشمي. فقالت بنو جشم: لو فاديناه ! فأبى ذلك دريد عليهم، وقتله بأخيه عبد الله وقتل من بني فزارة رجلاً يقال له حزام وأخوة له، وأصاب جماعةً من بني مرة ومن بني ثعلبة بن سعد ومن أحياء غطفان، وذلك في يوم الغدير. وفي هذا اليوم وفي من قتل فيه منهم يقول:

تأبد من أهله مـعـشـر

 

فجو سويقة فالأصـفـر

فجزع الحليف إلى واسطٍ

 

فذلك مبدًى وذا محضـر

فأبلغ سليمى وألفافـهـا

 

وقد يعطف النسب الأكبر

بأني ثأرت بأخـوانـكـم

 

وكنت كأني بهم مخفـر

صبحنا فزارة سمر القنـا

 

فمهلاً فزارة لا تضجروا

وأبلغ لديك بنـي مـازنٍ

 

فكيف الوعيد ولم تقرروا

فإن تقتلوا فتـيةً أفـردوا

 

أصابهم الحين أو تظفروا

فإن حزاماً لدى معـركٍ

 

وأخوته حولهم أنـسـر

ويوم يزيد بنـي نـاشـبٍ

 

وقبل يزيدكـم الأكـبـر

أثرنا صريخ بني ناشـبٍ

 

ورهط لقيط فلا تفخروا

تجر الضباع بأوصالـهـم

 

ويلحقن منهم ولم يقبروا

ويقول قي ذلك أيضاً دريد بن الصمة في قصيدة له أخرى:

جزينا بني عـبـس جـزاءً مـوفـراً

 

بمقـتـل عـبـد الـلـه يوم الـذئاب

و لولا سواد اللـيل أدرك ركـضـنـا

 

بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشب

قتلنا بـعـبـد الـلـه خـير لـداتـه

 

ذؤاب بن أسماء بـن زيد بـن قـارب

قال أبو عبيدة: أنشد عبد الملك بن مروان شعر دريد بن صمة هذا فقال: كاد دريد أن ينسب ذؤاب بن أسماء إلى آدم. فلما بلغ المنشد قوله:

و لولا سواد اللـيل أدرك ركـضـنـا

 

بذي الرمث والأرطى عياض بن ناشب

قال عبد الله: ليت الشمس كانت بقيت له قليلاً حتى يدركه.
قال أبو عبيدة وقال دريد أيضاً في هذه الواقعة:

قتلنا بعبد الـلـه خـير لـداتـه

 

وخير شباب الناس لو ضم أجمعا

ذؤاب بن أسماء بن زيد بن قارب

 

منيته أجرى إليهـا وأوضـعـا

فتى مثل متن السيف يهتز للندى

 

كعالية الرمح الردينـي أروعـا

أغرته أمه بالاستعانة بأخواله في ثأر أخيه فأبى وقتل ذؤاب بن أسماء: وقال ابن الكلبي: قالت ريحانة بنت معد يكرب لدريد بن الصمة بعد حول من مقتل أخيه: يا بني إن كنت عجزت عن طلب الثأر بأخيك فاستعن بخالك وعشيرته من زبيد، فأنف من ذلك وحلف لا يكتحل ولا يدهن ولا يمس طيباً ولا يأكل لحماً ولا يشرب خمراً حتى يدرك ثأره، فغزا هذه الغزاة وجاءها بذؤاب بن أسماء فقتله بفنائها، وقال: هل بلغت ما في نفسك؟ ! قالت: نعم متعت بك ! وروي عن ابن الكلبي لريحانة في هذا المعنى أبياتٌ لم تحضرني وقد كتبت خبرها.

أخوه قيس بن الصمة ومقتله: وأما قتيل أبي بكر الذي ذكره دريد فإنه أخوه قيس بن الصمة، قتله بنو أبي بكر بن كلاب. وكان السبب في ذلك، فيما أخبرني به هاشم بن محمد عن دماذ عن أبي عبيدة، أنه غزا في قومه بني خزاعة من بني جشم، فأغاروا على إبلٍ لبني كعب بن أبي بكر بن كلاب، فانطلقوا بها. وخرج بنو أبي بكر بن كلاب في طلبها حتى إذا دنوا منهم قال عمرو بن سفيان الكلابي، وكان حازماً عاقلاً، امكثوا، ومضى هو متنكراً حتى لقي رجلاً من بني خزاعة فسلم عليه واستسقاه فسقاه وانتسب له هلالياً، فسأله عن قومه وأين مرعى إبلهم، وأعلمه أنه جاء رائداً لقومه يريد مجاورتهم، فخبره الرجل بكل ما أراد، فرجع إلى قومه وقد عرف بغيته، فصبح القوم فظفرت بهم بنو كلابٍ وقتلوا قيس بن الصمة، وذهبوا بإبل بني خزاعة وارتجعوا إبلهم . وكان يقال لعمروبن سفيان ذو السيفين، لأنه كان يلقى الحرب ومعه سيفان خوفاً من أن يخونه أحدهما. وإياه عنى دريد بن الصمة بقوله:

إن امرءاً بات عمروٌ بين صرمتـه

 

عمرو بن سفيان ذو السيفين مغرور

يا آل سفيان ما بالي وبـالـكـمـو

 

هل تنتهون وباقي القول مـأثـور؟

يا آل سفيان ما بالي وبـالـكـمـو

 

أنتم كبيرٌ وفي الأحلام عصـفـور

هلا نهيتم أخاكم عن سـفـاهـتـه

 

إذ تشربون وغاوي الخمر مدحور ؟

لا أعرفـن لـمةً سـوداء داجـيةً

 

تدعوا كلاباً وفيها الرمح مكسـور

لن تسبقوني ولو أمهلتكـم شـرفـاً

 

عقبى إذا أبطأ الفحج المخـاصـير

خبر الحرب بين بني عامر وبني جشم وبين أسد وغطفان: وأخبرنا بخبر ابتداء هذه الحروب محمد بن العباس اليزيدي قال قرأت على أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي قال: أغارت بنو عامر بن صعصعة وبنو جشم بن معاوية على أسدٍ وغطفان، وكان دريد بن الصمة وعمرو بن سفيان بن ذي اللحية متساندين ، فدريد على بني جشم بن معاوية، وعمرو بن سفيان على بني عامر. فقال عبد الله بن الصمة لأخيه: إني غير معطيك الرياسة، ولكن لي في هذا اليوم شأناً. ثم اشترك عبد الله وشراحيل بن سفيان، فلما أغار القوم أخذ عبد الله من نعم بني أسدٍ ستين وأصاب القوم ما شاءوا. وأدرك رجل من بني جذيمة عبد الله بن الصمة فقال له عبد الله بن الصمة: ارجع فإني كنت شاركت شراحيل بن سفيان، فإن استطاع دريد فليأته وليأخذ مالي منه. وأقام دريدٌ في أواخر الحي فقال له عمرو: ارتحل بالناس قبل أن يأتيك الصراخ ، فقال: إني أنتظر أخي عبد الله. حتى إذا أطال عليه قال له: إن أخاك قد أدرك فوارس من الحليفيين يسوقون بظعنهم فقتلوه. فانطلقوا حتى إذا كانوا بحيث يفترقون قال دريد لشراحيل : إن عبد الله أنبأني ولم يكذبني قط إن له شركةً مع شراحيل فأدوا إلينا شركته. فقالوا له: ما شاركناه قط. فقال دريد: ما أنا بتارككم حتى أستحلفكم عند ذي الخلصة ” وثنٍ من أوثانهم “. فأجابوه إلى ذلك وحلفوا، ثم جاء عبد الله بغنيمةٍ عظيمة فجاءوه ينشدونه الشرك. فقال لهم دريد: ألم أحلفكم حين ظننتم أن عبد الله قد قتل. فقالوا: ما حلفنا وجعلوا يناشدون عبد الله أن يعطيهم، فقال: لا، حتى يرضى دريدٌ، فأبى أن يرضى فتوعدوه أن يسرقوا إبله. فقال دريد في ذلك:

هل مثل قلبك في الأهواء معذور

 

والحب بعد مشيب المرء مغرور

وذكر الأبيات التي تقدمت في الخبر قبل هذا وزاد فيها:

إذا غلبتم صديقاً تبطـشـون بـه

 

كما تهدم في الماء الجمـاهـير

وأنتم معشرٌ في عرقكم شـنـجٌ

 

بزخ الظهور وفي الأستاه تأخير

قد علم القوم أني من سراتـهـم

 

إذا تقبض في البطن المذاكـير

وقد أروع سوام القوم ضـاحـيةً

 

بالجرد يركضها الشعث المغاوير

يحملن كل هجانٍ صـارمٍ ذكـرٍ

 

وتحتهم شزبٌ قبٌ مضـامـير

أوعدتمو إبلي كلا سمينـعـهـا

 

بنو غزية لا مـيلٌ ولا صـور

أخوه عبد يغوث ومقتله وما رثاه به: وأما عبد يغوث بن الصمة وخبر مقتله فإنه كان ينزل بين أظهر بني الصادر فقتلوه. قال أبو عبيدة في خبره: قتله مجمع بن مزاحم أخو شجنة بن مزاحم وهو من بني يربوع بن غيظ بن مرة. فقال دريد بن الصمة:

أبلغ نعيماً وأوفى إن لقيتـهـمـا

 

إن لم يكن كان في سمعيهما صمم

فما أخي بأخي سوءٍ فينـقـصـه

 

إذا تقارب بابن الصادر القـسـم

ولن يزال شهاباً يستـضـاء بـه

 

يهدي المقانب ما لم تهلك الصمم

عاري الأشاجع معصوبٌ بلمـتـه

 

أمر الزعامة، في عرنينه شمـم

خالد بن الصمة ومقتله: قال أبو عبيدة: أما قوله ” أو نديمي خالدٍ “، فإنه يعني خالد بن الصمة؛ فإن بني الحارث بن كعب غزت بني جشم بن معاوية، فخرجوا إليهم فقاتلوهم فقتلت بنو الحارث خالد بن الصمة، وإياه عنى. وقال غير أبي عبيدة: خالد بن الحارث الذي عناه دريدٌ هو عمه خالد بن الحارث أخو الصمة بن الحارث قتلته أحمس ” بطناً من شنوءة “، وكان دريد بن الصمة أغار عليهم في قومه فظفر بهم واستاق إبلهم وأموالهم وسبى نساءهم وملأ يديه وأيدي أصحابه، ولم يصب أحد ممن كان معه إلا خالد بن الحارث عمه، رماه رجل منهم بسهم فقتله؛ فقال دريد بن الصمة يرثيه:

يا خالداً خالد الأيسار والنادي

 

وخالد الريح إذ هبت بصراد

وخالد القول والفعل المعيش بـه

 

و خالد الحرب إذ عضت بأزراد

وخالد الركب إذ جد السفار بهـم

 

و خالد الحي لما ضن بـالـزاد

وقال أبو عبيدة: قال دريد يرثي أخاه خالداً:

أميم أجدي عافي الرزء واجشمـي

 

وشدي على رزءٍ ضلوعك وابأسي

حرامٌ عليها أن ترى في حياتـهـا

 

كمثل أبي جعدٍ فعودي أو اجلسي

أعف وأجدى نـائلاً لـعـشـيرةٍ

 

وأكرم مخلود لدى كل مجـلـس

وألين منه صـفـحةً لـعـشـيرةٍ

 

وخيراً أبا ضيفٍ وخيراً لمجلـس

تقول هلالٌ خارجٌ مـن غـمـامةٍ

 

إذا جاء يجري في شليلٍ وقونـس

يشد متـون الأقـربـين بـهـاؤه

 

ويخبث نفس الشانئ المتـعـبـس

وليس بمكبابٍ إذا الـلـيل جـنـه

 

نؤوم إذا ما أدلجوا في المعـرس

ولكنـه مـدلاج لـيلٍ إذا سـرى

 

يند سراه كـل هـادٍ مـمـلـس

هذه رواية أبي عبيدة.
يوم ثيل: وأخبرني محمد بن الحسن بن دريد عن عمه العباس بن هشام عن أبيه أن خالد بن الصمة قتل في غارةٍ أغارتها بنو الحارث بن كعب على بني نصر بن معاوية في يومٍ يقال له يوم ثيل ، فأصابوا ناساً من بني نصر. وبلغ الخبر بني جشم فلحقوهم، ورئيس بني جشم يومئذٍ مالك بن حزن، فاستنقذوا ما كان في أيديهم من غنائم بني نصر، فأصابوا ذا القرن الحارثي أسيراً وفقئوا عين شهاب بن أبان الحارثي بسهم، وقتل يومئذٍ خالد بن الصمة وكان مع مالك بن حزن، وأصابت بنو جشم منهم ناساً، وكان رئيس بني الحارث بن كعب يومئذٍ شهاب بن أبان، ولم يشهد دريد بن الصمة ذلك اليوم؛ فلما رجعوا قتلوا ذا القرن بخالد بن الصمة، ولما قدم لتضرب عنقه، صاح بأوس بن الصمة، وكان له صديقاً، ولم يكن أوس حاضراً، فلم ينفعه ذلك وقتل. فلما قدم أوسٌ غضب وقال: أقتلتم رجلاً استجار باسمي ! فقال عوف بن معاوية في ذلك:

نبئت أوساً بكى ذا القرن إذ شربا

 

على عكاظ بكاءً غال مجهودي

إني حلفت بما جمعت من نشبٍ

 

وما ذبحت على أنصابك السود

لتبكين قتيلاً منك مـقـتـربـاً

 

إني رأيتك تبكي لـلأبـاعـيد

قصة زواجه بامرأة وجدها ثيباً: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة، وأخبرني عبد الله بن مالك النحوي الضرير قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: تزوج دريد بن الصمة امرأه فوجده ثيباً، وكانوا قالوا له إنها بكر، فقام عنها قبل أن يصل إليها، وأخذ سيفه فأقبل به إليها ليضر بها، فتلقته أمها لتدفعه عنها، فوقف يديها ” أي حزهما ولم يقطعهما “، فنظر إليها بعد ذلك وهي معصوبة فقال:

أقر العين أن عصبت يديهـا

 

وما إن تعصبان على خضاب

فأبقـاهـن أن لـهـن جـداً

 

وواقيةً كواقـية الـكـلاب

قالوا: يريد أن الكلب يصيبه الجرح فيلحس نفسه فيبرأ.

ما جرى بينه وبين عياض الثعلبي: قال أبو عبيدة وابن الأعرابي جميعاً في هذه الرواية: أسر دريد بن الصمة عياضاً الثعلبي أحد بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان فأنعم عليه. ثم إن دريداً أتاه بعد ذلك يستثيبه. فقال له: إيت رحلك حتى أبعث إليك بثوابك؛ فانصرف دريدٌ. فبعث إليه بوطبٍ نصفه لبن ونصفه بول. فغضب دريد ولم يلبث إلا قليلاً حتى أغار على بني ثعلبة، واستاق إبل عياض، وافلت عياضٌ منه جريحاً؛ فقال دريد في ذلك من قصيدةٍ:

فإن تنج يدمى عارضاك فـإنـنـا

 

تركنا بنيك للضباع ولـلـرخـم

جزيت عياضاً كفره وعـقـوقـه

 

وأخرجته من المدفـأة الـدهـم

ألا هل أتاه ما ركبنا سـراتـهـم

 

وما قد عقرنا من صفيٍ ومن قرم

هجا عبد الله بن جدعان ثم مدحه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: هجا دريد بن الصمة عبد الله بن جدعان التيمي تيم قريش فقال:

هل بالحوادث والأيام من عجب

 

أم بابن جدعان عبد الله من كلب

إستٌ حميتٌ وهي في عكم ربته

 

في يوم حرٍ شديد الشر والهرب

إذا لقيت بني حـرب وأخـوتـهـم

 

لا يأكلون عطين الجلـد والأهـب

لا ينكلون ولا تشـوي رمـاحـهـم

 

من الكماة ذوي الأبدان والجـبـب

فاقعد بطيناً مع الأقوام ما قـعـدوا

 

وإن غزوت فلا تبعد من النصـب

فلو ثقفتك وسط القوم تـرصـدنـي

 

إذا تلبس منك العرض بالـحـقـب

وما سمعت بصقـرٍ ظـل يرصـده

 

من قبل هذا بجنب المرج من خرب

قال: فلقيه عبد الله بن جدعان بعكاظ فحياه وقال له: هل تعرفني يا دريد؟ قال لا. قال: فلم هجوتني؟ قال: ومن أنت؟ قال: أنا عبد الله بن جدعان. قال: هجوتك لأنك كنت امرأً كريماً، فأحببت أن أضع شعري موضعه. فقال له عبد الله: لئن كنت هجوت لقد مدحت؛ وكساه وحمله على ناقة برحلها. فقال دريد يمدحه:

إليك ابن جدعان أعملـتـهـا

 

مخففةً للسرى والـنـصـب

فلا خفض حتى تلاقي امـرأً

 

جواد الرضا وحليم الغضـب

وجلداً إذا الحرب مـرت بـه

 

يعين عليها بجزل الحـطـب

رحلت البلاد فـمـا إن أرى

 

شبيه ابن جدعان وسط العرب

سوى ملكٍ شامـخٍ مـلـكـه

 

له البحر يجري وعين الذهب

تغزل في الخنساء وخطبها فامتنعت وتهاجيا: أخبرنا أبو خليفة عن محمد بن سلام موقوفاً عليه لم يتجاوزه إلى غيره، وحدثني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة عن الأصمعي وأبي عبيدة، وأخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة، وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني علي بن المغيرة عن أبي عبيدة، وأخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني أبو بكر العامري قال حدثني ابن نوبة عن أبي عمرو الشيباني، وأخبرني عمي قال حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ، وقد جمعت أخبارهم على اختلاف ألفاظهم في هذا الموضع، أن دريد بن الصمة مر بالخنساء بنت عمرو بن الشريد، وهي تهنأ بعيراً لها وقد تبذلت حتى فرغت منه، ثم نضت عنها ثيابها فاغتسلت ودريد بن الصمة يراها وهي لا تشعر به فأعجبته؛ فانصرف إلى رحله وأنشأ يقول:

حيوا تماضر واربعوا صحبـي

 

وقفوا فإن وقوفكم حـسـبـي

أخناس قد هام الـفـؤاد بـكـم

 

وأصابه تـبـلٌ مـن الـحـب

ما إن رأيت ولا سمـعـت بـه

 

كاليوم طـالـي أينـقٍ جـرب

متبـذلاً تـبـدو مـحـاسـنـه

 

يضع الهناء مواضع النـقـب

متحسراً نضح الـهـنـاء بـه

 

نضح العبير بريطة العـصـب

فسليهـم عـنـي خـنـاس إذا

 

عض الجميع الخطب ما خطبي

– قالوا: وتماضر اسمها. والخنساء لقبٌ غلب عليها – فلما أصبح غداً على أبيها فخطبها إليه. فقال له أبوها: مرحباً بك أبا قرة ! إنك للكريم لايطعن في حسبه، والسيد لا يرد عن حاجته، والفحل لا يقرع أنفه. – وقال أبو عبيدة خاصة مكان ” لا يطعن في حسبه ” لا يطعن في عيبه ” – ولكن لهذه المرأة في نفسها ما ليس لغيرها، وأنا ذاكرك لها وهي فاعلة. ثم دخل إليها وقال لها: يا خنساء، أتاك فارس هوزان وسيد بني جشم دريد بن الصمة يخطبك وهو من تعلمين، ودريد يسمع قولهما. فقالت: يا أبت، أتراني تاركة بني عمي مثل عوالي الرماح وناكحةً شيخ بني جشم هامة اليوم أو غدٍ !. فخرج إليه أبوها فقال: يا أبا قرة قد امتنعت، ولعلها أن تجيب فيما بعد. فقال: قد سمعت قولكما، وانصرف. هذه رواية من ذكرت. وقال ابن الكلبي: قالت لأبيها: أنظرني حتى أشاور نفسي، ثم بعثت خلف دريد وليدةً فقالت لها: انظري دريداً إذا بال، فإن وجدت بوله قد خرق الأرض ففيه بقية، وإن وجدته قد ساح على وجهها فلا فضل فيه. فاتبعته وليدتها ثم عادت إليها فقالت: وجدت بوله قد ساح على وجه الأرض، فأمسكت. وعاود دريد أباها فعاودها فقالت له هذه المقالة المذكورة؛ ثم أنشات تقول:

أتخطبني، هبلت، على دريدٍ

 

وقد أطردت سيد آل بدر !

معاذ الله ينكحني حبركـى

 

يقال أبوه من جشم بن بكر

ولو أمسيت في جشمٍ هـدياً

 

لقد أمسيت في دنسٍ وفقر

فغضب دريد من قولها وقال يهجوها:

وقاك الله يابـنة آل عـمـروٍ

 

من الفتيان أمثالي ونـفـسـي

فلا تلدي ولا ينكحك مـثـلـي

 

إذا ما ليلةٌ طرقت بـنـحـس

لقد علم المراضع في جمـادى

 

إذا استعجلن عن حزٍ بنـهـس

بأني لا أبـيت بـغـير لـحـم

 

وأبدأ بالأرامل حين أمـسـي

وأني لا ينال الحـي ضـيفـي

 

ولا جاري يبيت خبيث نفـس

إذا عقب القدور تـكـن مـالاً

 

تحت حلائل الأبرام عرسـي

وأصفر من قداح النبع صلـبٍ

 

خفي الوسم في ضرسٍ ولمس

دفعت إلى المفيض إذا استلقوا

 

على الركبات مطلع كل شمس

فإن أكدى فـتـامـكةٌ تـؤدى

 

وإن أربى فإني غير نـكـس

وتزعم أنـنـي شـيخٌ كـبـيرٌ

 

وهل خبرتها أني ابـن أمـس

تريد شرنبث القدمين شـثـنـاً

 

يبادر بالجـدائر كـل كـرس

وما قصرت يدي عن عظم أمر

 

أهم به ولا سهمي بـنـكـس

وما أنا بالمزجى حين يسـمـو

 

عظيمٌ في الأمور ولا بوهـس

قال: فقيل للخنساء: ألا تجيبينه؟ فقالت: لا أجمع عليه أن أرده وأهجوه.

آخر أيامه وشعره بعد أن أسن وضعف جسمه: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: لما أسن دريد جعل له قومه بيتاً مفرداً عن البيوت، ووكلوا به أمةً تخدمه، فكانت إذا أرادت أن تبعد في حاجة قيدته بقيد الفرس. فدخل إليه رجل من قومه فقال له: كيف أنت يا دريد؟ فأنشأ يقول:

أصبحت أقذف أهداف المنون كـمـا

 

يرمي الدريئة أدنى فـوقـه الـونـر

في منصفٍ من مدى تسعين من مـائة

 

كرمية الكاعب العذراء بالـحـجـر

في منزلٍ نازحٍ ممن الحي منـتـبـذٍ

 

كمربط العير لا أدعى إلـى خـبـر

كأننـي خـربٌ قـصـت قـوادمـه

 

أو جثةٌ من بغاثٍ فـي يدي خـصـر

يمضون أمرهم دونـي ومـا فـقـدوا

 

مني عزيمة أمرٍ ما خـلا كـبـري

ونومةً لست أقضيهـا وإن مـتـعـت

 

وما مضى قبل من شأوي ومن عمري

وأنني رابنـي قـيدٌ حـبـسـت بـه

 

وقد أكون وما يمشى عـلـى أثـري

إن السنـين إذا قـربـن مـن مـائة

 

لوين مـرة أحـوالٍ عـلـى مـرر

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة قال: قالت امرأة دريد له: قد أسننت وضعف جسمك وقتل أهلك وفني شبابك، ولا مال لك ولا عدة، فعلى أي شيء تعول إن طال بك العمر أو على أي شيء تخلف أهلك إن قتلت؟ فقال دريد: صوت

أعاذل إنما أفـنـى شـبـابـي

 

ركوبي في الصريخ إلى المنادي

مع الفتيان حتى كل جـسـمـي

 

وأقرح عاتقي حمل الـنـجـاد

أعـاذل إنـه مـالٌ طــريفٌ

 

أحـب إلـي مـن مـالٍ تـلاد

أعاذل عدتي بدنـي ورمـحـي

 

وكل مقلص شـكـس الـقـياد

ويبقى بعد حلم القوم حـلـمـي

 

ويفنى قبـل زاد الـقـوم زادي

هذا الشعر رواه أبو عبيدة لدريد، وغيره يرويه لعمرو بن معد يكرب، وقول أبي عبيدة أصح. لابن محرز في هذه الأبيات ثاني ثقيلٍ بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أن لابن سريج فيها ثاني ثقيلٍ بالبنصر. وخلط المغنون بهذا الشعر قول عمرو بن معد يكرب في هذين اللحنين:

أريد حياته ويريد قـتـلـي

 

عذيرك من خليلك من مراد

ولو لاقيتني ومعي سلاحـي

 

تكشف شحم قلبك عن سواد

قتلت بنو يربوع الصمة أباه فغزاهم: وقال أبو عبيدة فيما رويناه عن دماذ عنه: قتلت بنو يربوع الصمة أبا دريد غدراً، وأسروا ابن عم له؛ فغزاهم دريد ببني نصر فأوقع ببني يربوع وبني سعدٍ جميعاً، فقتل فيهم. وكان فيمن قتل عمار بن كعب؛ وقال فيهم:

دعوت الحي نصراً فاستهلوا

 

بشبانٍ ذوي كـرمٍ وشـيب

على جردٍ كأمثال السعالـي

 

ورجلٍ مثل أهمية الكثـيب

فما جبنوا ولكنا نصـبـنـا

 

صدور الشرعبية للقلـوب

فكم غادرن من كابٍ صريعٍ

 

يمج نجيع جـائفةٍ ذنـوب

وتلكم عادةٌ لبـنـي ربـابٍ

 

إذا ما كان موتٌ من قريبي

فأجلوا والسوام لنا مـبـاحٌ

 

وكل كريمةٍ خو عـروب

وقد ترك ابن كعب في مكرٍ

 

حبيساً بين ضبعـانٍ وذيب

كان أبوه شاعراً: قال أبو عبيدة: وكان الصمة أبو دريد شاعراً، وهو الذي يقول في حرب الفجار التي كانت بينهم وبين قريش:

لاقت قريشٌ غداة العـقـي

 

ق أمراً لها وجدته وبـيلا

وجئنا إليهم كمـوج الأتـي

 

يعلو النجاد ويملا المسـيلا

وأعددت للحرب خـيفـانةً

 

ورمحاً طويلاً وسيفاً صقيلا

ومحكمةً من دروع الـقـيو

 

ن تسمع للسيف فيها صليلا

وكان أخوه مالك شاعراً

قال: وكان أخوه مالك بن الصمة شاعراً؛ وهو القائل يرثي أخاه خالداً:

أبني غزية إن شلـواً مـاجـداً

 

وسط البيوت السود مدفع كركر

لاتسقني بيديك إن لم ألـتـمـس

 

بالخيل بين هبولة فالـقـرقـر

تحالف مع معاوية بن عمرو بن الشريد ورثاه: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا أبو غسان دماذ عن أبي عبيدة قال: تحالف دريد بن الصمة ومعاوية بن عمرو بن الشريد وتواثقا إن هلك أحدهما أن يرثيه الباقي بعده، وإن قتل أن يطلب بثأره. فقتل معاوية بن عمرو بن الشريد، قتله هاشم بن حرملة بن الأشعر المري. فرثاه دريد بقصيدته التي أولها:

ألا هبت تلوم بـغـير قـدر

 

وقد أحفظتني ودخلت ستري

وإلا تتركي لومي سفـاهـاً

 

تلمك عليه نفسك غير عصر

وفيها يقول:

فإن الرزء يوم وقفت أدعـو

 

فلم أسمع معاوية بن عمرو

ولو أسمعته لأتاك يسـعـى

 

حثيث السعي أو لأتاك يجري

بشكة حازمٍ لا غـمـز فـيه

 

إذا لبس الكماة جلود نـمـر

عرفت مكانه فعطفت زوراً

 

وأين مكان زورٍ يابن بكـر

على إرمٍ وأحجـار ثـقـالٍ

 

وأغصانٍ من السلمات سمر

وبنيان القبور أتى عـلـيهـا

 

طوال الدهر شهراً بعد شهر

حديث عارض الجشمي عنه وقد خرف: أخبرني عبد الله بن مالك النحوي قال حدثنا محمد بن حبيب عن ابن الأعرابي قال: وقف عارضٌ الجشمي على دريد وقد خرف وهو عريانٌ وهو يكوم كوم بطحاء بين رجليه يلعب بذلك؛ فجعل عارضٌ يتعجب مما صار إليه دريد. فرفع رأسه دريد إليه وقال:

كأنني رأس حضـن

 

في يوم غيم ودجن

يا ليتني عهد زمـن

 

أنفض رأسي وذقن

كأنني فحل حصـن

 

أرسل في حبل عنن

أرسل كالظبي الأرن

 

ألصق أذنـاً بـأذن

قال: ثم سقط؛ فقال له عارض: انهض دريد ! فقال:

لا نهض في مثل زماني الأول

 

محنب الساق شديد الأعصـل

ضخم الكراديس خميص الأشكل

 

ذي حنجرٍ رحب وصلبٍ أعدل

خرج في حرب حنين وهو شيخ ونصح مالك بن عوف فخالفه: حدثنا محمد بن جرير الطبري قال حدثنا محمد بن حميد قال حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أقام بها خمس عشرة ليلةً يقصر ، وكان فتحها في عشر ليالٍ بقين من شهر رمضان. قال ابن إسحاق: وحدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: لما سمعت به هوزان جمعها مالك بن عوف النصري، فاجتمعت إليه ثقيف مع هوزان، ولم يجتمع إليه من قيس إلا هوزان وناسٌ قليلٌ من بني هلال، وغابت عنها كعبٌ وكلاب، فجمعت نصرٌ وجشمٌ وسعدٌ وبنو بكر وثقيف واحتشدت، وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخٌ كبيرٌ فانٍ ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخاً مجرباً، وفي ثقيف في الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف. فلما أجمع مالكٌ المسير حط مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم. فلما نزلوا بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجارٍ له يقاد به. فقال لهم دريد: بأي وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نعم مجال الخيل، ليس بالحزن الضرس ولا السهل الدهس . ما لي أسمع رغاء الإبل ونهيق الحمير وبكاء الصغير وثغاء الشاء؟ ! قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم. فقال: أين مالكٌ؟ فدعي له به. فقال له: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا اليوم كائن له ما بعده من الأيام !. ما لي أسمع رغاء البعير ونهيق الحمير وبكاء الصبيان وثغاء الشاء؟ ! قال: سقت مع الناس نساءهم وأبناءهم وأموالهم. قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل مع كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. قال: فانقض به ووبخه ولامه، ثم قال: راعي ضأنٍ والله ” أي أحمق ” ! وهل يرد المنهزم شيء ! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعبٌ وكلاب؟ قال: لم يشهدها أحدٌ منهم. قال: غاب الحد والجد ! لو كان يوم علاءٍ ورفعة لم تغب عنه كعبٌ وكلاب ! ولوددت أنكم فعلتم مثل ما فعلوا. فمن شهدها منهم؟ قالوا: بنو عمرو بن عامر وبنو عوف بن عامر قال: ذانك الجذعان من عامرٍ لا ينفعان ولا يضران. ثم قال: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوزان إلى نحور الخيل شيئاً. ارفعهم إلى أعلى بلادهم وعلياء قومهم ثم الق القوم بالرجال على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك ولم تفضح في حريمك. قال: لا والله ما أفعل ذلك أبداً ! إنك قد خرفت وخرف رأيك وعلمك. والله لتطيعنني يا معشر هوزان أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من وراء ظهري – فنفس على دريد أن يكون له في ذلك اليوم ذكرٌ ورأيٌ – فقالوا له: أطعناك وخالفنا دريداً. فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه. ثم قال:

يا ليتني فيها جذع

 

أخب فيها وأضع

أقود وطفاء الزمع

 

كأنها شاةٌ صـدع

قال: فلما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم انهزم المشركون فأتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة ، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك نخلة، فأدرك ربيعة بن رفيع السلمي أحد بني يربوع بن سمال بن عوف دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة، وذلك أنه كان في شجارٍ له، فأناخ به فإذا هو برجلٍ شيخ كبير ولم يعرفه الغلام. فقال له دريد: ماذا تريد؟ قال: أقتلك. قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. فأنشأ دريد يقول:

ويح ابن أكـمة مـاذا يريد

 

من المرعش الذاهب الأدرد

فأقسـم لـو أن بـي قـوةً

 

لولت فرائصـه تـرعـد

ويا لهف نفسي ألا تـكـون

 

معي قوة الشارخ الأمـرد

ثم ضربه السلمي بسيفه فلم يغن شيئاً. فقال له: بئس ما سلحتك أمك ! خذ سيفي هذا من مؤخر رحلي في القراب فاضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أفعل بالرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يومٍ قد منعت فيه نساءك !. فزعمت بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته بالسيف سقط فانكشف، فإذا عجانه وبطن فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل أعراءً . فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه؛ فقالت له: لقد أعتق قتيلك ثلاثاً من أمهاتك. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس أبا عامر الأشعري ابن عم أبي موسى الأشعري، فهزمهم الله عز وجل وفتح عليه. فيزعمون أن سلمة بن دريد بن الصمة رماه بسهم فأصاب ركبته فقتله ” يعني أبا عامر “.
فقالت عمرة بنت دريد ترثيه:

جزى عنا الإله بني سـلـيمٍ

 

وأعقبهم بما فعلوا عـقـاق

وأسقانا إذا سـرنـا إلـيهـم

 

دماء خيارهم يوم التلاقـي

فرب منوهٍ بك مـن سـلـيمٍ

 

أجيب وقد دعاك بلا رمـاق

ورب كريمةٍ أعتقت منـهـم

 

وأخرى قد فككت من الوثاق

وقالت عمرة ترثيه أيضاً:

قالوا قتلنا دريداً قلت قد صدقوا

 

وظل دمعي على الخدين يبتدر

لولا الذي قهر الأقوام كلـهـم

 

رأت سليمٌ وكعبٌ كيف تأتمر

إذاً لصبحهم غبـاً وظـاهـرةً

 

حيث استقر نواهم جحفلٌ ذفر

استحثه قومه على الأخذ بثأر أخيه خالد من بني الحارث فقال شعراً وأجابه عبد الله بن عبد المدان: ونسخت من كتاب مترجمٍ بأنه نسخ من نسخة عمرو بن أبي عمرو الشيباني يأثره عن أبيه قال قال محمد بن السائب الكلبي: كان دريد بن الصمة يوماً يشرب مع نفرٍ من قومه، فقالوا له: يا أبا ذفافة – وكان يكنى بأبي ذفافة وبأبي قرة – أينجو بنو الحارث بن كعبٍ منك وقد قتلوا أخاك خالداً !؟ فقال لهم: إن القوم جمرة مذحج، وهم أكفاء جشم، ولا يجمل بي هجاؤهم. فأحفظوه بكثرة القول وأغضبوه، فقال:

يابني الحارث أنتم معـشـرٌ

 

زندكم وارٍ في الحرب بهـم

ولكم خيلٌ عـلـيهـا فـتـيةٌ

 

كأسود الغاب يحمين الأجـم

ليس في الأرض قبيلٌ مثلكـم

 

حين يرفض العدا غير جشم

لست للصمة إن لـم آتـكـم

 

بالخناذيذ تبارى في اللـجـم

فتقر العين مـنـكـم مـرةً

 

بانبعاث الحر نوحاً تـلـتـدم

وترى نجران منكم بلـقـعـاً

 

غير شمطاء وطفلٍ قد يتـم

فانظروها كالسعالي شـزبـاً

 

قبل رأس الحول إن لم أخترم

قال: فنمي قوله إلى عبد الله بن عبد المدان، فقال يجيبه:

نبئت أن دريداً ظل مـعـتـرضـاً

 

يهدي الوعيد إلى نجران من حضن

كالكلب يعوي إلى بيداء مقـفـرةٍ

 

من ذا يواعدنا بالحرب لـم يحـن

إن تلق حي بني الديان تـلـقـهـم

 

شم الأنوف إليهم عـزة الـيمـن

ما كان في الناس للديان من شبـهٍ

 

إلا رعــــينٌ وإلا آل ذي يزن

أغمض جفونك عما لست نـائلـه

 

نحن الذين سبقنا الناس بـالـدمـن

نحن الذين تركنا خالـداً عـطـبـاً

 

وسط العجاج كأن المرء لم يكـن

إن تهجنا تهج أنجـاداً شـرامـحةً

 

بيض الوجوه مرافيداً على الزمن

أورى زيادٌ لنـا زنـداً ووالـدنـا

 

عبد المدان وأورى زنده قـطـن

رده أسماء بن زنباع عن ظعينته زينب وطعنه فأصاب عينه: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا أبو بكر العامري عن ابن الأعرابي قال: أغار دريد بن الصمة في نفر من أصحابه، فمروا بأسماء بن زنباع الحارثي ومعه ظعينته زينب، فأحاطوا به لينتزعوها في يده، فقاتلهم دونها فقتل منهم وجرح، ثم اختلف هو ودريد طعنتين: فطعنه دريد فأخطأه، وطعنه أسماء فأصاب عينه، وانهزم دريدٌ ولحق بأصحابه؛ فقال دريدٌ في ذلك:

شلت يميني ولا أشرب معتـقةً

 

إذ أخطأ الموت أسماء بن زنباع

قصته مع أنس بن مدركة الخثعمي ويزيد بن عبد المدان وشعره في ذلك: ونسخت من كتاب أبي عمرو الشيباني الذي ذكرته يأثره عن محمد بن السائب الكلبي قال: جاور رجلٌ من ثمالة عبد الله بن الصمة، فهلك عبد الله وأقام الرجل في جوار دريد. وأغار أنس بن مدركة الخثعمي على بني جشم، فأصاب مال الثمالي وأصاب ناساً من ثمالة كانوا جيراناً لدريد؛ فكف دريد عن طلب القوم وشغل بحرب من يليه، وقال لجاره ذلك: أمهلني عامي هذا. فقال الثمالي: قد أمهلتك عامين. وخرج دريد ليلةً لحاجته وقد أبطأ في أمر الثمالي، فسمعه يقول:

كساك دريد الدهـر ثـوب خـزايةٍ

 

وجدعك الحامي حقـيقـتـه أنـس

دع الخيل والسمر الطوال لخثـعـمٍ

 

فما أنت والرمح الطويل وما الفرس

وما أنت والغزو المتابـع لـلـعـدا

 

وهمك سوق العود والدلو والمرس

فلو كان عبد الـلـه حـياً لـردهـا

 

وما أصبحت إبلي بنجران تحتبـس

ولا أصبحت عرسي بأشقى معـيشةٍ

 

وشيخٌ كبير من ثمالة فـي تـعـس

يراعي نجوم الليل من بعد هـجـعةٍ

 

إلى الصبح محزوناً يطاوله النفـس

وكنت وعبد اللـه حـيٌ ومـا أرى

 

أبالي من الأعداء من قام أو جلـس

فأصبحت مهضوماً حزيناً لـفـقـده

 

وهل من نكيرٍ بعد حولين تلتـمـس

قال: فضاق دريد ذرعاً بقوله، وشاور أولي الرأي من قومه؛ فقالوا له: ارحل إلى يزيد بن عبد المدان؛ فإن أنساً قد خلف المال والعيال بنجران للحرب التي وقعت بين خثعم، وإن يزيد يردها عليك. فقال دريد: بل أقدم إليه قبل ذلك مدحةً ثم أنظر ما موقعي من الرجل، فقال هذه القصيدة وبعث بها إلى يزيد:

بني الديان ردوا مال جـاري

 

وأسرى في كبولهم الثقـال

وردوا السبي إن شئتم بمـنٍ

 

وإن شئتم مفـاداةً بـمـال

فأنتم أهل عـائدةٍ وفـضـلٍ

 

وأيدٍ في مواهبكـم طـوال

متى ما تمنعوا شيئاً فليسـت

 

حبائل أخذه غير الـسـؤال

وحربكم بني الـديان حـربٌ

 

يغص المرء منها بالـزلال

وجارتكم بني الديان بـسـلٌ

 

وجاركم يعد مع الـعـيال

حذا عبد المدان لكـم حـذاءً

 

مخصرة الصدور على مثال

بني الـديان إن بـنـي زيادٍ

 

هم أهل التكرم والفـعـال

فأولوني بني الـديان خـيراً

 

أقر لكم به أخرى الليالـي

قال: فلما بلغ يزيد شعره قال: وجب حق الرجل ! فبعث إليه أن اقدم علينا. فلما قدم عليه أكرمه وأحسن مثواه. فقال: له دريد يوماً: يا أبا النضر، إني رأيت منكم خصالاً لم أرها من أحد من قومكم: إني رأيت أبنيتكم متفرقة، ونتاج خيلكم قليلاً، وسرحكم يجيء معتماً، وصبيانكم يتضاغون من غير جوع. قال: أجل ! أما قلة نتاجنا فنتاج هوازن يكفينا وأما تفرق أبنيتنا فللغيرة على النساء. وأما بكاء صبياننا فإنا نبدأ بالخيل قبل العيال. وأما تمسينا بالنعم فإن فينا الغرائب والأرامل، تخرج المرأة إلى مالها حيث لا يراها أحدٌ. قال: وأقبلت طلائعهم على يزيد، فقال شيخ منهم:

أتتك السلامة فارع النـعـم

 

ولا تقل الدهـر إلا نـعـم

وسرح دريداً بنعمى جـشـم

 

وإن سالك المرء إحدى القحم

فقال له دريد: من أين جاء هؤلاء؟ فقال: هذه طلائعنا لا نسرح ولا نصطبح حتى يرجعوا إلينا. فقال له: ما ظلمكم من جعلكم جمرة مذجح. ورد يزيد عليه الأسارى من قومه وجيرانه، ثم قال له: سلني ما شئت؛ فلم يسأله شيئاً إلا أعطاه إياه. فقال دريد في ذلك:

مدحت يزيد بن عبد المـدان

 

فأكرم به من فتىً ممتـدح

إذا المدح زان فتى معشـرٍ

 

فإن يزيد يزين الـمــدح

حللت به دون أصـحـابـه

 

فأورى زنادي لمـا قـدح

ورد النساء بأطـهـارهـا

 

ولو كان غير يزيدٍ فضـح

وفك الرجال وكـل امـرئٍ

 

إذا أصلح الله يوماً صـلـح

وقلت له بعد عتق النـسـاء

 

وفك الرجال ورد اللـقـح

أجر لي فوارس من عامـرٍ

 

فأكرم بنفحتـه إذا نـفـح

وما زلت أعرف في وجهه

 

بكري السؤال ظهور الفرح

رأيت أبا النضر في مذحج

 

بمنزلة الفجر حين اتضح

إذا قارعوا عنه لم يقرعوا

 

وإن قدموه لكبشٍ نـطـح

وإن حضر الناس لم يخزهم

 

وإن وازنوه بقرنٍ رجـح

فذاك فتاها وذو فضلـهـا

 

وإن نابحٌ بفخـارٍ نـبـح

قصته مع مسهر بن يزيد الحارثي وشعره: قال وقال ابن الكلبي: خرج دريد بن الصمة في فوارس من قومه في غزاة له، فلقيه مسهر بن يزيد الحارثي، الذي فقأعين عامر بن الطفيل، يقود بامرأته أسماء بنت حزن الحارثية. فلما رآه القوم قالوا: الغنيمة، هذا فارسٌ واحد يقود ظعينةً، وخليقٌ أن يكون الرجل قرشياً. فقال دريد: هل منكم رجل يمضي إليه فيقتله ويأتينا به وبالظعينة؟ فانتدب إليه رجلٌ من القوم فحمل عليه، فلقيه مسهر فاختلفا طعنتين بينهما، فقتله مسهر بن الحارث. ثم حمل عليه آخر فكانت سبيله سبيل صاحبه؛ حتى قتل منهم أربعة نفر. وبقي دريد وحده فأقبل إليه؛ فلما رآه ألقى الخطام من يده إلى المرأة وقال: خذي خطامك؛ فقد أقبل إلي فارس ليس كالفرسان الذين تقدموه؛ ثم قصد إليه وهو يقول:

أما ترى الفارس بعد الفارس

 

أرداهم عامل رمح يابـس

فقال له دريد: من أنت لله أبوك؟ قال: رجلٌ من بني الحارث بن كعب. قال: أنت الحصين؟ قال لا. قال: فالمحجل هوذة؟ قال لا. قال: فمن أنت؟ قال: أنا مسهر بن يزيد. قال: فانصرف دريد وهو يقول:

أمن ذكر سلمى ماء عينك يهمـل

 

كما انهل خزرٌ من شعيبٍ مشلشل

وماذا ترجي بالسلامة بـعـدمـا

 

نأت حقبٌ وابيض منك المرجـل

وحالت عوادي الحرب بيني وبينها

 

وحربٌ تعل الموت صرفاً وتنهل

قراها إذا باتت لـدي مـفـاضةٌ

 

وذو خصلٍ نهد المراكل هيكـل

كميشٌ كتيس الرمل أخلص متنـه

 

ضريب الخلايا والنقيع المعجـل

عتـيدٌ لأيام الـحـروب كـأنـه

 

إذا انجاب ريعان العجاجة أجـدل

يجاوب جرداً كالسراحين ضمـراً

 

ترود بأبواب البيوت وتصـهـل

على كل حيٍ قد أطلت بـغـارةٍ

 

ولا مثل ما لاقى الحماس وزعبل

– الحماس وزعبل: قبيلتان من بني الحارث بن كعب –

غداة رأونا بالغريف كـأنـنـا

 

حبي أدرته الصبا متـهـلـل

بمشعلةٍ تدعو هوازن، فوقهـا

 

نسيجٌ من الماذي لأم مرفـل

لدى معركٍ فيها تركنا سراتهم

 

ينادون، منهم موثقٌ ومجـدل

نجذ جهاراً بالسيوف رؤوسهـم

 

وأرماحنا منهم تعل وتنـهـل

ترى كل مسود العذارين فارسٍ

 

يطيف به نسرٌ وعرفاء جيأل

قال مؤلف هذا الكتاب: هذه الأخبار التي ذكرتها عن ابن الكلبي موضوعةٌ كلها، والتوليد بين فيها وفي أشعارها، وما رأيت شيئاً منها في ديوان دريد بن الصمة على سائر الروايات. وأعجب من ذلك هذا الخبر الأخير؛ فإنه ذكر فيه ما لحق دريداً من الهجنة والفضيحة في أصحابه وقتل من قتل معه وانصرافه منفرداً، وشعر دريد هذا يفخر فيه بأنه ظفر ببني الحارث وقتل أمائلهم؛ وهذا من أكاذيب ابن الكلبي. وإنما ذكرته على ما فيه لئلا يسقط من الكتاب شيء قد رواه الناس وتداولوه. أخبار المعتضد في صنعة هذا اللحن

وغيره من الأغاني – دون أخباره في غير ذلك لأنها كثيرة تخرج عن حد الكتاب – وشيء من أخباره مع المغنين وغيرهم يصلح لما ها هنا: راسل عبيد الله بن عبد الله بن طاهر في أمر النغم العشر حتى فهمها وجمعها في صوت: حدثني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر أن المعتضد بعث إليه – لما صنعت جاريته شاجي اللحن الذي يجمع النغم العشر – بظبي وحبيب جاريتي أخيه سليمان بن عبد الله بن طاهر حتى أخذتا اللحن عنه ونقلتاه إليه وألقتاه على جواريه. قال: ولم يزل يراسلني مع عبد الله بن أحمد بن حمدون في أمر النغم العشر ويسألني عنها وأشرحها له، حتى فهمها جيداً وجمعها في صوتٍ صنعه في شعر دريد بن الصمة:

يا ليتني فيها جذع

 

أخب فيها وأضع

وألقاه عليهما حتى أدتاه إلي مستعلماً بذلك هل هو صحيح القسمة والأجزاء أم لا، فعرفته صحته ودللته على ذلك حتى تيقنه فسر بذلك؛ وهو لعمري من جيد الصنعة ونادرها. وقد صنع المعتضد ألحاناً في عدة أشعار قد صنع فيها الفحول من القدماء والمحدثين وعارضهم بصنعته فأحسن وشاكل وضاهى، فلم يعجز ولا قصر ولا أتى بشيء يعتذر منه. فمن ذلك أنه صنع في:

أما القطاة فإني سوف أنعتهـا

 

نعتاً يوافق نعتي بعض ما فيها

لحناً في الثقيل الأول بالبنصر في نهاية الجودة، سمعت إبراهيم بن القاسم بن زرزور يغنيه، فكان من أحسن ما صنع في هذا الصوت على كثرة الصنعة فيه واشتراك القدماء والمحدثين في صنعته مثل معبد ونشيطٍ ومالك وابن محرز وسنانٍ وعمر الوادي وابن جامع وإبراهيم وابنه إسحاق وعلويه. وأظرف من ذلك أنه صنع في:

تشكى الكميت الجري لما جهدته

 

وبين لو يستطيع أن يتكلـمـا

لحناً من الثقيل الأول بالوسطى، وقد صنع قبله ابن سريج لحناً هو من الألحان الثلاثة المختارة من الغناء كله، فما قصر في صنعته ولا عجز عن بلوغ الغاية فيها؛ هذا بعد أن صنع إسحاق فيها لحناً من الثقيل الثاني عارض ابن سريج به في لحنه؛ فما امتنع من أن يتلو مثل هذين ولا نظير لهما في القدماء والمحدثين، ثم جود غاية التجويد فيما اتبعهما به وعارضهما فيه. هذا مع أصوات لها صنعتها تزاهي المائة صوت، ما فيها ساقطٌ ولا مرذول، وسأذكر منها ما يصلح ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. ومن نادر صنعة المعتضد: صوت

أناةً فإن تغن عقـب بـعـدهـا

 

وعيداً فإن لم يغن أغنت عزائمه

الشعر لإبراهيم بن العباس، والغناء للمعتضد ثقيلٌ أول. هذا بيتٌ قاله إبراهيم وهو لا يعلم أنه شعر، وإنما كتب به في رسالة عن المعتصم إلى بعض أصحاب الأطراف فقال في فصل منه: ” وإن عند أمير المؤمنين في أمرك أناةً، فإن لم تغن عقب بعدها وعيداً، فإن لم يغن أغنت عزائمه “. فلما تأمله أنه شعر وأنه بيتٌ نادر فأخرجه في شعره.