أخبار داود بن سلم ونسبه

أخبار داود بن سلم ونسبه

داود بن سلم مولى بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي، ثم يقول بعض الرواة: إنه مولى آل أبي بكر، ويقول بعضهم: إنه مولى آل طلحة. وهو مخضرم من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، من ساكني المدينة، يقال له داود الآدم وداود الأرمك. وكان من أقبح الناس وجهاً.

وكان سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يستثقله، فرآه ذات يوم يخطر خطرة منكرة فدعا به، وكان يتولى المدينة، فضربه ضرباً مبرحاً. وأظهر أنه إنما فعل ذلك به من أجل الخطرة التي تخايل فيها في مشيته. فقال بعض الشعراء في ذلك وأظنه ابن رهيمة:

ضرب العادل سعـد

 

ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد

 

من أميركل حاجـه

أخبرني محمد بن سليمان الطوسي قال حدثنا الزبير بن بكار قال: سألت محمد بن موسى بن طلحة عن داود بن سلم، هل هو مولاهم؟ فقال: كذلك يقول الناس، هو مولانا، أبوه رجل من النبط، وأمه بنت حوط مولى عمر بن عبيد الله بن معمر فانتسب إلى ولاء أمه. وفي ذلك يقول ويمدح ابن معمر:

وإذا دعا الجاني النصير لنصـره

 

وأرتني الغرر النصيرة معمـر

متخازرين كـأن أسـد خـفـية

 

بمقامها مستـبـسـلات تـزأر

متجاسرين بحمل كـل مـلـمة

 

متجبرين على الذي يتـجـبـر

عسل الرضا فإذا أردت خصامهم

 

خلط الشمام بفيك صاب مفقـر

لا يطبعون ولا ترى أخلاقـهـم

 

إلا تطيب كما يطيب العنـبـر

رفعوا بناي بعتق حـؤط دتـية

 

جدي وفضلهم الذي لا ينـكـر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال: كان داود بن سلم مولى بني تيم بن مرة، وكان يقال له: الآدم لشدة سواده، وكان من أبخل الناس فطرقه قوم وهو بالعقيق، فصاحوا به: العشاء والقرى يابن سفم، فقال لهم: لا عشاء لكم عندي ولا قرى، قالوا: فأين قولك في قصيدتك إذ تقول فيها:

يا دار هنل! ألا حـييت مـن دار

 

لم أمض منك لباناتي وأوطـاري

عودت فيها إذاما الضيف نبهـنـي

 

عقرالعشار على يسري وإعساري

قال: لستم من أولئك الذين عنيت.

قال: ودخل على السري بن عبدالله الهاشمي، وقد أصيب بابن له فوقف بين يديه ثم أنشده:

يا من على الأرض من عجم ومن عرب

 

استرجعوا خاست الـدنـيا بـعـبـاس

فجعت من سبعة قد كـنـت آمـلـهـم

 

من ضنء والدهم بـالـسـيد الـراس

قال: وداود بن سلم الذي يقول:

قل لأسماء أنجزي المـيعـادا

 

وانظري أن تزودي منك زادا

إن تكوني حللت ربعاً من الشأ

 

م وجاورت حميرا أومـرادا

أوتناءت بك النوى فلقـد قـد

 

ت فؤادي لحينه فـانـقـادا

ذاك أني علقت منك جوى الح

 

ب وليداً فزدت سنـا فـزادا

قال أبو زيد: أنشدنيها أبو غسان محمد بن يحيى وإبراهيم بن المنذر لداود بن سلم.

يادار هند ألا حـييت مـن دار

 

لم أقض منك لباناتي وأوطاري

أخبرنا الطوسي قال حدثنا الزبير قال أخبرني مصعب بن عثمان قال: دعا الحسن بن زيد إسحاق بن إبراهيم بن طلحة بن عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي أيام كان بالمدينة إلى ولاية القضاء فأبى عليه فحبسه، فدعا مسرقين يسرقون له مغسلاً في السجن، وجاء بنو طلحة فانسجنوا معه. وبلغ ذلك الحسن بن زيد، فأرسل إليه فأتي به، فقال: إنك تلاججت علي، وقد حلفت ألا أرسلك حتى تعمل لي، فأبرر يميني، ففعل، فأرسل الحسن معه جنداً حتى جلس في المسجد مجلس القضاء والجند على رأسه، فجاءه داود بن سلم فوقف عليه فقال:

طلبوا الفقه والمروءة والحل

 

وفيك أجتمعن يا إسـحـاق

فقال: ادفعوه، فدفعوه، فنخي عنه فجلس ساعة ثم قام من مجلسه، فأعفاه الحسن بن زيد من القضاء فلما سار إلى منزله أرسل إلى داود بن سلم بخمسين ديناراً، وقال للرسول: قل له: يقول لك مولاك: ما حملك على أن تمدحني بشيء أكرهه؟ استعن بهذه على أمرك.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محرز بن سعيد قال: بينما سعد بن إبراهيم في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بين الناس إذ دخل عليه زيد بن إسماعيل بن عبدالله بن جعفر، ومعه داود بن سلم مولى التيميين، وعليهما ثياب ملونة يجرانها فأومأ أن يؤتى بهما، فأشار إلى زيد أن اجلس، فجلس بالقرب منه، وأومأ إلى الآخر أن يجلس حيث يجلس مثله، ثم قال لعون من أعوانه: ادع لي نوح بن إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله، فدعي له فجاء أحسن الناس سمتاً وتشميراً ونقاء ثياب، فأشار إليه فجلس ثم أقبل على زيد فقال له: يابن أخي، تشبه بشيخك هذا وسمته وتشميره ونقاء وبه، ولا تعد إلى هذا اللبس، قم فانصرف.ثم أقبل على ابن سلم وكان قبيحاً، فقال له: هذا ابن جعفر أحتمل هذا له، وأنت لأي شيء أحتمل هذا لك. أللؤم أصلك، أم لساجة وجهك، جرد يا غلام، فجرد فضربه أسواطاً. فقال ابن رهيمة:

جلد العـادل سـعـد

 

ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد

 

من أمير كل حاجه

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني يعقوب بن حميد بن كاسب قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز بن الماجشون عن يوسف بن الماجشون قال: فال لي أبي- وقد عزل سعد بن إبراهيم عن القضاء- يا بني تعجل بنا عسى أن نروح مع سعد بن إبراهيم، فإن القاضي إذا عزل لم يزل الناس ينالون منه، فخرجنا حتى جئنا دار سعد بن إبراهيم، فإذا صوت عال، فقال لي أي شيء هذا. أرى أنه قد أعجل علي، ودخلنا فإذا داود بن سلم يقول له: أطال الله بقاءك يا أبا إسحاق وفعل بك، وقد كان سعد جلد داود بن سلم أربعين سوطاً، فأقبل علي سعد وعلى أبي، فقال: لم تر مثل أربعين سوطاً في ظهر لئيم. قال: وفيه يقول الشاعر:

ضرب العادل سعـد

 

ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد

 

من أمير كل حاجه

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال قال الزبير بن بكار قال حدثني أبو يحيى الزهري واسمه هارون بن عبدالله قال حدثني عبد الملك بن عبد العزيز عن أبيه قال: كان الحسن بن زيد قد عود داود بن سلم مولى بني تيم إذا جاءته غلة من الخانقين أن يصله. فلما مدح داود بن سلم جعفر بن سليمان، وكان بينه وبين الحسن بن زيد تباعد شديد، أغضب ذلك الحسن، فقدم من حج أو عمرة، ودخل عليه داود مسلماً، فقال له الحسن: أنت القائل في جعفر:

وكنا حديثاً قبل تأمـير جـعـفـر

 

وكان المنى في جعفر أن يؤمـرا

حوى المنـبـرين الـطـاهـرين

 

كليهما إذا ماخطا عن منبرأم منبرا

كأن بني حواء صـفـوا أمـامـه

 

فخبر من أنسابهـم فـتـخـيرا؟

فقال داود: نعم، جعلني الله فداءكم، فكنتم خيرة اختياره، وأنا الذي أقول:

لعمري لئن عاقبت أوجدت منعماً

 

بعفو عن الجاني وإن كان معذرا

لأنت بما قدمت أولـى بـمـدحة

 

واكرم فرعاً إن فخرت وعنصرا

هو الغرة الزهراء من فرع هاشم

 

ويدعو عليا ذا المعالي وجعفـرا

وزيد الندى والسبط سبط محمـد

 

وعمك بالطف الزكي المطهـرا

ومانال من ذا جعفرغيرمجـلـس

 

إذا مانفاه العزل عنـه تـأخـرا

بحقكم نالوا ذراها فأصـبـحـوا

 

يرون به عزاعليكم ومفـخـرا

قال: فعاد الحسن بن زيد له إلى ما كان عليه، ولم يزل يصله ويحسن إليه حتى مات. قال أبو يحيى: يعني بقوله: “وإن كان معذراً أن جعفراً أعطاه بأبياته الثلاثة ألف دينار، فذكر أن له عذراً في مدحه إياه بجزالة إعطائه.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن الواقدي عن ابن أبي الزناد قال: كنت ليلة عند الحسن بن زيد ببطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة، حيال ذي الحليفة نصف الليل جلوساً في القمر، وأبو السائب المخزومي معنا، وكان ذا فضل وكان مشغوفاً بالسماع والغزل، وبين أيدينا طبق عليه فريك فنحن نصيب منه، والحسن يومئذ عامل المنصور على المدينة، فأنشد الحسن قول داود بن سلم وجعل يمد به صوته ويطربه:

فعرسنا ببطن عـريتـنـات

 

ليجمعنا وفاطمة المـسـير

أتنسى إذ تعرض وهـو بـاد

 

مقلدها كما برق الصـبـير

ومن يطع الهوى يعرف هواه

 

وقد ينبيك بالأمرالـخـبـير

على أني زفرت غداة هرشى

 

فكاد يريبهم مني الـزفـير

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه للهذلي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة، وأظنه هذا اللحن قال: فأخذ أبو السائب الطبق! فوحش به إلى السماء، فوقع الفريك على رأس الحسن بن زيد فقال له: مالك. ويحك! أجننت! فقال له أبو السائب: أسألك بالله وبقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما أعدت إنشاد هذا الصوت ومددته كما فعلت قال: فما ملك الحسن نفسه ضحكاً، ورد الحسن الأبيات لأستحلافه إياه. قال ابن أبي الزناد: فلما خرج أبو السائب قال لي: يابن أبي الزناد، أما سمعت مده:

ومن يطع الهوى يعرف هواه

فقلت نعم، قال: لو علمت أنه يقبل مالي لدفعته إليه بهذه الثلاثة الأبيات. أخبرني بخبره عبيد الله بن محمد الرازي وعمي قالا حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن أبي بكر الهذلي.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثتني ظبية مولاة فاطمة بنت عمر بن مصعب قالت: أرسلتني مولاتي فاطمة في حاجة، فمررت برحبة القضاء، فإذا بضبيعة العبسي خليفة جعفر بن سليمان يقضي بين الناس، فأرسل إلي فدعاني، وقد كنت رطلت شعري وربطت في أطرافه من ألوان العهن، فقال: ما هذا؟ فقلت شيء أتملح به فقال: يا حرسي قنعها بالسوط. قالت: فتناولت السوط بيدي وقلت: قاتلك الله! ما أبين الفرق بينك وبين سعد بن إبراهيم سعد يجلد الناس في السماجة، وأنت تجلدهم في الملاحة، وقد قال الشاعر:

جلد العـادل سـعـد

 

ابن سلم في السماجه

فقضى الله لسـعـد

 

من أمير كل حاجه

قالت: فضحك حتى ضرب بيديه ورجليه، وقال: خل عنها. قالت: فكان يسوم بي، وكانت مولاتي تقول: لا أبيعها إلا أن تهوى ذلك، وأقول: لا أريد بأهلي بدلاً إلى أن مررت يوماً بالرحبة وهو في منظرة دار مروان ينظر فأرسل إلي فدعاني، فوجدته من وراء كلة وأنا لا أشعر به، وحازم وجرير جالسان، فقال لي حازم: الأمير يريدك، فقلت: لا أريد بأهلي بدلاً وكشفت الكلة عن جعفر بن سليمان، فارتعت لذلك فقلت: آه فقال: مالك؟ فقلت:

سمعت بذكر الناس هنداً فلم أزل

 

أخا سقم حتى نظرت إلى هنـد

قال: فأبصرت ماذا؟ ويحك! فقلت:

فأبصرت هنداً حرة غيرأنـهـا

 

تصدى لقتل المسلمين على عمد

قالت: فضحك حتى استلقى، وأرسل إلى مولاتي ليبتاعني، فقالت: لا والله لا أبيعها حتى تستبيعني، فقلت: والله لا أستبيعك أبداً.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا يونس بن عبدالله عن داود بن سلم قال: كنت يوماً جالساً مع قثم بن العباس قبل أن يملكوا بفنائه، فمرت بنا جارية، فأعجب بها قثم وتمناها فلم يمكنه ثمنها. فلما ولي قثم اليمامة اشترى الجارية إنسان يقال له صالح. قال داود بن سلم: فكتبت إلى قثم:

ياصاحب العيس ثم راكبهـا

 

أبلغ إذا ما لقـيتـه قـثـم

أن الغزال الذي أجازبـنـا

 

معارضاً إذ توسط الحرمـا

حوله صالح فصارمـع الإ

 

نس وخلى الوحوش والسلما

قال: فأرسل قثم في طلب الجارية ليشتريها، فوجدها قد ماتت. أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عبدالله بن محمد بن موسى بن طلحة قال حدثني زهير بن حسن مولى آل الربيع بن يونس: أن داود بن سلم خرج إلى حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما نزل به حط غلمانه متاع داود وحلوا عن راحلته، فلما دخل عليه أنشأ يقول:

ولما دفـعـت لأبـوابـهـم

 

ولاقيت حرباً لقيت النجاحـا

وجدناه يحمده المـجـتـدون

 

ويأبى على العسر إلا سماحا

ويغشون حتى يرى كلبـهـم

 

يهاب الهرير وينسى النباحا

قال: فأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه في الخروج فأذن له وأعطاه ألف دينار. فلم يعنه أحد من غلمانه ولم يقوموا إليه، فظن أن حرباً ساخط عليه، فرجع إليه فأخبره بما رأى من غلمانه، فقال له: سلهم لم فعلوا بك ذلك. قال: فسألهم، فقالوا: إننا نتزل من جاءنا ولا نرحل من خرج عنا. قال: فسمع الغاضري حديثه فأتاه فحدثه فقال: أنا يهودي إن لم يكن الذي قال الغلمان أحسن من شعرك.

وذكر محمد بن داود بن الجراح أن عمر بن شبة أنشده ابن عائشة لداود بن سلم، فقال: أحسن والله داود حيث يقول:

لججت من حبي في تقريبـه

 

وعميت عيناي عن عيوبـه

كذاك صرف الدهرفي تقليبه

 

لا يلبث الحبيب عن حبيبـه

أو يغفر الأعظم من ذنوبه

 

 

قال: وأنشدني أحمد بن يحيى عن عبدالله بن شبيب لداود بن سلم قال:

وما ذر قرن الشمس إلا ذكرتها

 

وأذكرها في وقت كل غروب

وأذكرها مـا بـين ذاك وهـذه

 

وبالليل أحلامي وعند هبوبـي

وقد شفني شوقي وأبعدني الهوى

 

وأعيا الذي بي طب كل طبيب

وأعجب أني لا أموت صـبـابة

 

وماكمد من عاشق بـعـجـيب

وكل محب قد سلا غيرأنـنـي

 

غريب الهوى، ياويح كل غريب

وكم لام فيها من أخ ذي نصيحة

 

فقلت له اقصرفغيرمـصـيب

أتأمر إنساناً بـفـرقة قـلـبـه

 

أتصلح أجسام بغـير قـلـوب

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال: كان داود بن سلم منقطعاً إلى قثم بن العباس، وفيه يقول:

عتقت من حلي ومن رحلتي

 

يا ناق إن أدنيتني من قثـم

إنك إن أدنيت مـنـه غـداً

 

حالفني اليسر ومات العدم

في وجهه بدر وفي كـفـه

 

بحر وفي العرنين منه شمم

أصم عن قيل الخنا سمعـه

 

وماعن الخيربه من صمـم

لم يدر ما لا وبلى قـد درى

 

فعافها واعتاض منها نعـم

قال أبو إسحاق إسماعيل بن يونس قال أبو زيد عمر بن شبة قال لي إسحاق: لنظم العمياء في هذه الأبيات صنعة عجيبة، وكانت تجسيدها ما شاءت إذا غنتها .