أخبار خالد الكاتب

أخبار خالد الكاتب

وطنه وأصله وسبب إصابته باوسواس: هو خالد بن يزيد، ويكنى أبا الهيثم، من أهل بغداد، وأصله من خراسان، وكان أحد كتاب الجيش. ووسوس في آخر عمره، قيل إن السوداء غلبت عليه، وقال قوم: كان يهوى جارية لبعض الوجوه ببغداد فلم يقدر عليها، وولاه محمد بن عبد الملك الإعطاء في الثغور، فخرج فسمع في طريقه منشداً ينشد، ومغنية تغني:

من كان ذا شجن بالشـام يطـلـبـه

 

ففي سوى الشام أمسى الأهل والشجن

فبكى حتى سقط على وجهه مغشياً عليه، ثم أفاق مختلطاً. واتصل ذلك حتى وسوس وبطل.

كيف اتصل بعلي بن هشام وإبراهيم بن المهدي؟:وكان اتصل بعلي بن هشام وإبراهيم بن المهدي وكان سبب اتصاله بعلي بن هشام أنه صحبه في وقت خروجه إلى قم، في جملة كتاب الإعطاء، فبلغه وهو في طريقه أن خالداً يقول الشعر، فأنس به وسر به، وأحضره فأنشده قوله:

يا تارك الجسم بلا قـلـب

 

إن كنت أهواك فما ذنبي؟

يا مفرداً بالحسن أفردتنـي

 

منك بطول الهجر والعتب

إن تك عيني أبصرت فتنةً

 

فهل على قلبي من عتب

حسيبك الله لما بي كـمـا

 

أنك في فعلك بي حسبي

للمسدود في هذه الأبيات رمل طنبوري مطلق من رواية الهشامي، قال: فجعله علي بن هشام في ندمائه إلى أن قتل.

كيف اتصل بالمعتصم؟: ثم صحب الفضل بن مروان، فذكره للمعتصم وهو بالماحوزة قبل أن يبني سر من رأى، فقال خالد:

عزم السرور على المقا

 

م بسر من را لـلإمـام

بلد المسـرة والـفـتـو

 

ح المستنيرات العظـام

وتراه أشـبـه مـنـزلٍ

 

في الأرض بالبلد الحرام

فاللـه يعـمـره بـمـن

 

أضحى به عـز الأنـام

فاستحسنها الفضل بن مروان وأوصلها إلى المعتصم قبل أن يقال في بناء سر من رأى شيء، فكانت أول ما أنشد في هذا المعنى من الشعر، فتبرك بها وأمر لخالد بخمسة آلاف درهم.

وذكر ذلك كله إسماعيل بن يحيى الكاتب، وذكر اليوسفي صاحب الرسائل أن خالداً قال أيضاً في ذلك:

بين صفو الزمان عـن كـدره

 

في ضحكات الربيع عن زهره

يا سر من رابوركت من بـلـدٍ

 

بورك في نبته وفي شـجـره

غرس جدود الإمـام ينـبـتـه

 

بابك والمازيار مـن ثـمـره

فالفتح والنصـر ينـزلان بـه

 

والخصب في تربه وفي شجره

فغنى مخارق في هذه الأبيات، فسأله المعتصم: لمن هذا الشعر؟ فقال: لخالد يا أمير المؤمنين، قال: الذي يقول:

كيف ترجى لذاذة الإغتمـاض

 

لمريض من العيون المراض!

فقال محمد بن عبد الملك: نعم يا أمير المؤمنين، هو له، ولكن بضاعته لا تزيد على أربعة أبيات، فأمر له المعتصم بأربعة آلاف درهم، وبلغ خالداً الخبر، فقال لأحمد بن عبد الوهاب صاحب محمد بن عبد الملك -وقيل لأبي جعفر- أعزه الله: إذا بلغت المراد في أربعة أبيات فالزيادة فضل.

يداخل الشعراء في القصائد. وكان أول صاحب مقطعات: قال اليوسفي: ولما قال خالد في صفة سر من رأى قصيدته التي يقول فيها:

اسقني فـي جـرائر وزقـاق

 

لتلاقي السرور يوم الـتـلاق

من سلافٍ كأن في الكأس منـه

 

عبرات من مقلتي مـشـتـاق

في رياض بسر من را إلى الكر

 

خ ودعني من سـائر الآفـاق

باد كارات كل فـتـح عـظـيم

 

لإمام الهـدى أبـي إسـحـاق

وهي قصيدة ، لقيه دعبل فقال: يا أبا الهيثم، كنت صاحب مقطعات فداخلت الشعراء في القصائد الطوال وأنت لا تدوم على ذلك، ويوشك أن تتعب بما تقول وتغلب عليه. فقال له خالد: لو عرفت النصح منك لغيري لأطعتك في نفسي.
خلافة مع الحلبي الشاعر وهجاؤه إياه: قال اليوسفي: وحدثني أبو الحسن الشهرزاني: أن خالداً وقع بينه وبين الحلبي الشاعر الذي يقول فيه البحتري:

سل الحلبي عن حلب

خلاف في معنى شعر، فقال له الحلبي: لا تعد طورك فأخرسك! فقال له خالد: لست هناك، ولا فيك موضع للهجاء، ولكن ستعلم أني أجعلك ضحكة سر من رأى. وكان الحلبي من أوسخ الناس، فجعل يهجو جبته وثيابه وطيلسانه، فمن ذلك قوله:

وشاعر ذي منطـقٍ رائق

 

في جبةٍ كالعارض البارق

قطعاء شـلاء رقـاعـية

 

دهرية مرقوعة العاتـق

قدمها العري على نفسـه

 

لفضلها في القدر السابق

وقوله:

وشاعر مقـدم لـه قـوم

 

ليس عليهم في نصره لوم

قد ساعدوه في الجوع كلهم

 

فقرى فكل غداؤه الصوم

يأتيك في جبة مـرقـعةٍ

 

أطول أعمار مثلهـا يوم

وطيلسان كالآل يلبـسـه

 

على قميص كأنـه غـيم

من حلب في صميم سفلتها

 

غناه فقرٌ وعـزه ضـيم

قال: وقال فيه:

تاه على ربه فأفقـره

 

حتى رآه الغنى فأنكره

فصار من طول حرفةٍ علماً

 

يقذفه الرزق حيث أبصره

يا حلبياً قضـى الإلـه لـه

 

بالتيه والفقر حين صـوره

لو خلطوه بالمسك وسخـه

 

أو طرحوه في البحر كدره

يستنشده إبراهيم بن المهدي شعراً فيجيزه: حدثني جحظة، قال: حدثني خالد الكاتب، قال: دخلت على إبراهيم بن المهدي فاستنشدني، فقلت: أيها الأمير، أنا غلامٌ أقول في شجون نفسي، لا أكاد أمدح ولا أهجو، فقال: ذلك أشد لدواعي البلاء، فأنشدته: صوت

عاتـبـت نـفـسـي فـي هـــوا

 

كفـلـم أجـدهـا تـقـــبـــل

وأطعت داعيا إليك ولم أطع من يعذل

 

 

لا والذي جعل الوجو

 

ه لـحـسـن وجـهـك تـمـثــل

لا قـلـت إن الـصـبـر عـــن

 

ك مـن الـتـصـابـي أجـمــل

لجحظة في هذه الأبيات رملٌ مطلق بالوسطى.
قال: فبكى إبراهيم وصاح: وأي عليك بإبراهيم، ثم أنشدته أبياتي التي أقول فيها:

وبكى العاذل من رحمتي

 

فبكائي لبكـا الـعـاذل

وقال إبراهيم: يا رشيق، كم معك من العين؟ قال: ستمائة وخمسون ديناراً. قال: اقسمها بيني وبين الفتى، واجعل الكسر له صحيحاً، فأعطاني ثلاثمائة وخمسين ديناراً، فاشتريت بها منزلي بساباط الحسن والحسين، فواراني إلى يومي هذا.

يستوهبه علي بن الجهم بيتاً من شعره: حدثني جحظة، قال: حدثني خالد الكاتب قال: قال لي علي بن الجهم: هب لي بيتك الذي تقول فيه:

ليت ما أصبح من رق

 

ة خديك بقـلـبـك

فقلت: يا جاهل، هل رأيت أحداً يهب ولده.
يتعاطي الهجاء: وقال أحمد بن إسماعيل الكاتب: لقيت خالداً الكاتب ذات يوم فسألته عن صديق له، وكان قد باعده ولم أعلم، فأنشأ يقول:

ظعن الغريب لغيبة الأبـد

 

حتى المخافة نأتي البلـد

حيران يؤنسـه ويكـلـؤه

 

يومٌ توعده بـشـر غـد

سنح الغراب له بأنكر مـا

 

تغدو النحوس به على أحد

وابتاع أشأمـه بـأيمـنـه

 

الجد العثور لـه يداً بـيد

حتى ينيخ بأرض مهلـكةٍ

 

في حيث لم يولد ولم يلـد

جزعت حليلته عليه فمـا

 

تخلو من الزفرات والكمد

نزل الزمان بها فأهلكهـا

 

منه وأهدى اليتم للـولـد

ظفرت به الأيام فانحسرت

 

عنه بناقرةٍ ولـم تـكـد

فتركن منه بعـد طـيتـه

 

مثل الذي أبقين من لبـد

قال، فقلت له: يا أبا الهيثم مذ كم دخلت في قول الهجاء؟ قال: مذ سالمت فحوربت، وصافيت فتوقفت.
شعره في غلام نافس أبا تمام في حبه: وقال الرياشي. كان خالد مغرماً بالغلمان المرد، ينفق عليهم كل ما يفيد، فهوي غلاماً يقال له: عبد الله، وكان أبو تمام الطائي يهواه، فقال فيه خالد:

قضيب بانٍ جنـاه ورد

 

تحملـه وجـنةٌ وخـد

لم أثن طرفي إلـيه إلا

 

مات عراءٌ وعاش وجد

ملك طوع النفوس حتى

 

علمه الزهو حين يبدو

واجتمع الصد فيه حتى

 

ليس لخلق سواه صـد

فبلغ أبا تمام ذلك فقال فيه أبياتاً منها:

شعرك هذا كله مفرطٌ

 

في برده يا خالد البارد

فعلمها الصبيان، فلم يزالوا يصيحون به: يا خالد يا بارد حتى وسوس، قال: ومن الناس من يزعم أن هذا السبب كان بينه وبين رجل غير أبي تمام، وليس الأمر كذلك.

هجاؤه أبا تمام: وكان خالدا قد هجا أبا تمام في هذه القصة فقال فيه:

يا معشر المرد إني نـاصـح لـكـم

 

والمرء في القول بين الصدق والكذب

لا ينكحن حـبـيبـاً مـنـكـم أحـدٌ

 

فإن وجعاءه أعدى مـن الـجـرب

لا تأمنوا أن تحركـوا بـعـد ثـالـثةٍ

 

فتركبوا عمداً ليست من الـخـشـب

يستنشده إبراهيم بن المهدي حين بويع ويستمع شعره: حدثني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني الحسن بن إسحاق قال: حدثني خالد الكاتب، قال: لما بويع إبراهيم بن المهدي بالخلافة طلبني -وقد كان يعرفني- وكنت متصلاً ببعض أسبابه، فأدخلت إليه فقال: أنشدني يا خالد شيئاً من شعرك، فقلت: يا أمير المؤمنين، ليس شعري من الشعر الذي قال فيه رسول الله (: “إن من الشعر لحكماً”، وإنما أمزح وأهزل، فقال: لا تقل هذا، فإن جد الأدب وهزله جد، هات أنشدني، فأنشدته:

عش فحبيك سريعاً قـاتـلـي

 

والضنى إن لم تصلني واصلي

ظفر الشوق بـقـلـب دنـف

 

فيك والسقم بجسـم نـاحـل

فهما بين اكتـئاب وضـنـى

 

تركاني كالقضـيب الـذابـل

قال: فاستملح ذلك ووصلني.

رثى راكباً قصبة الصبيان يصيحون به: حدثني حمزة لن أبي سلالة الشاعر الكوفي، قال دخلت بغداد في بعض السنين فبينا أنا مار بجنينة إذا أنا برجل عليه مبطنة نظيفة، وعلى رأسه قلنسية سوداء، وهو راكب قصبة، والصبيان خلفه يصيحون به: يا خالد يا بارد، فإذا آذوه حمل عليهم بالقصبة، فلم أزل أطردهم عنه حتى تفرقوا، وأدخلته بستاناً هناك، فجلس واستراح، واشتريت له رطباً فأكل، واستنشدته فأنشدني:

قد حاز قلبي فصار يمـلـكـه

 

فكيف أسلو وكيف أتـركـه!

رطيب جسم كالماء تحبـسـه

 

يخطر في القلب منه مسلكـه

يكاد يجري من القميص من الن

 

عمة لولا القميص يمسـكـه

فاستزدته، فقال: لا، ولا حرف .

يخلع ثياباً أعطيها على غلام يحبه، ويقول فيه شعراً: وذكر علي بن الحسين بن أبي طلحة عن أبي الفضل الكاتب -أنه دعا خالداً ذات يوم فأقام عنده. وخلع عليه، فما استقر به المجلس حتى خرج، قال: فأتبعته رسولاً ليعرف خبره، فإذا هو قد جاء إلى غلام كان يحبه، فسأل عنه فوجده في دار القمار، فمضى إليه حتى خلع عليه تلك الثياب وقبله وعانقه وعاد إلينا، فلما جاء خالد أعطيت الغلام الذي وجهنا به دنانير ودعاه فجاء به إلينا، وأخفيناه وسألنا خالداً عن خبره فكتمه وجمجم ، فغمزنا الرسول فأخرجه علينا، فلما رآه خالد بكى ودهش، فقلنا له: لا ترع، فإن من القصة كيت وكيت، وإنما أردنا أن نعرف خبرك لا أن نسوءك، فطابت نفسه وأجلسه إلى جنبه، وقال: قد بليت بحبه وبالخوف عليه مما قد بلي به من القمار، ثم أنشد لنفسه فيه:

محـب شـفـــه ألـــمـــه

 

وخـامـر جـسـمـه سـقـمــه

وبـاح بـمـا يجـمـجــمـــه

 

من الـسـرار مـكـتـتـمـــه

أمـا تـرثـي لـمـكـــتـــئب

 

يحـبـك لـحـمـــه ودمـــه

يغار على قميصك حين تلبسه ويتهمه

 

 

من شعره في الشوق: وذكر علي بن الحسين أيضاً أن محمد بن السري حدثه أنه أطال الغيبة عن بغداد وقد وسوس خالد، فمر به في الرصافة والصبيان يصيحون به: يا غلام الشريطي يا خالد البارد، ويرجع إليهم فيضربهم ويزيد ويرميهم، قال: فقلت اه: كيف أنت يا أبا الهيثم؟ قال: كما ترى! فقلت له: فمن تعاشر اليوم؟ قال: من أحذره، فعجبت من جوابه مع اختلاله، فقلت له: ما قلت بعدي من الشعر؟ قال: ما حفظه الناس وأنسيته، وعلى ذلك قولي:

كبدٌ شفها غلـيل الـتـصـابـي

 

بين عتب وسـخـطةٍ وعـذاب

كل يوم تدمى بجرح من الـشـو

 

ق ونوع مجـددٍ مـن عـذاب

يا سقيم الجفون أسقمت جسمـي

 

فاشفني كيف شئت، لا بك ما بي

إن أكن مذنباً فكن حسن العـف

 

و أو اجعل سوى الصدود عقابي

ثم قال: يا أبا جعفر، جننت بعدك، فقلت: ما جعلك الله مجنوناً؛ وهذا كلامك لي ونظمك.
حدثني محمد بن الطلاس أبو الطيب، قال: حضرت جنازة بعض جيراني، فلقيت خالداً في المقبرة فقبضت عليه، وقلت: أنشدني، فذهب ليهرب مني، فغمزت على يده غمزة أوجعته، فقال: خل عني أنشدك، فأرخيت يدي عن يده، فأنشدني:

لم تــر عـــينٌ نـــظـــرت

 

أحـسـن مـن مـنـــظـــره

الـنـور والـنـعـــمة والـــن

 

عمة فــي مـــخـــبـــره

لا تصل الألسن بالوصف إلى أكثـره

 

 

كيف بمن تنتسب الشمس إلى جوهره!

 

 

ينشد شعراً لأبي تمام، ثم ينشد شعراً عارضه به: حدثني عمي -رحمه الله- قال: مر بنا خالد الكاتب ها هنا والصبيان خلفه يصيحون به، فجلس إلي فقال: فرق هؤلاء عني، فقلت، وألحت عليه جارية تصيح: يا خالد يا بارد، فقال لها: مري يا منتنة الكس، ويا من كسها دس . فقلت له: يا أبا الهيثم، أي شيء معنى “دس” ها هنا؟ قال: تشتهي الأير الصغير والكبير والوسط، ولا تكره منها شيئاً وأقبل الصبيان يصيحون بتلك الجارية بمثل ما قال لها خالد، وهي ترميهم وتهرب منهم حتى غابوا معها عنا، فأقبل علي خالدٌ متمثلاً فقال:

وما أنا في أمري ولا في خصومتي

 

بمهتضم حقي ولا قـارع سـنـي

فاحتبسته عندي يومي ذلك. فلما شرب وطابت نفسه، أنشده لأبي تمام:

أحبابه لم تفعلون بـقـلـبـه

 

ما ليس يفعله بـه أعـداؤه؟

مطرٌ من العبرات خدي أرضه

 

حتى الصباح ومقلتاي سماؤه

نفسي فداء محـمـدٍ ووقـاؤه

 

وكذبت، ما في العالمين فداؤه

أزعمت أن البدر يحكي وجهه

 

والغصن حين يميد فيه ماؤه؟

أسكت فأين بهاؤه وكـمـالـه

 

وجماله وحـياؤه وضـياؤه؟

لا تقر أسماء الملاحة باطـلاً

 

فيمن سواه فإنهـا أسـمـاؤه

ثم قال: وقد عارضه أبو الهيثم -يعني خالداً نفسه- فقال:

فديت محمداً من كل سـوءٍ

 

يحاذر في رواح أو غـدو

أيا قمر السماء سلفت حتـى

 

كأنك قد ضجرت من العلو

رأيتك من حبيبك ذا بـعـادٍ

 

وممن لا يحـبـك ذا دنـو

وحسبك حسرةً لك من حبيب

 

رأيت زمامه بـيدي عـدو

هكذا أخبرني عمي عن خالد، وهذه البيات أيضاً تروي لأبي تمام.

يبعث بشعر إلى صديق له عليل: وقال ابن أبي طلحة: حدثني الهلالي، قال: مررت بخالد وحوله جماعة ينشدهم فقلت له: يا أبا الهيثم، سلوت عن صديقك ، فقال: لا والله. قلت: فإنه عليل وما عدته، فسكت ساعة ثم رفع رأسه إلي، وقال:

زعموا أنني صـحـوت وكـلا

 

أشهد اللـه أنـنـي لـن أمـلا

كيف صبري يا من إذا ازداد تيها

 

أبداً زدته خـضـوعـاً وذلا؟

ثم قال: احفظه وأبلغه عني:

بجسمي لا بجسمك يا عـلـيل

 

ويكفيني من الألم الـقـلـيل

تعداك الـسـقـام إلـي إنـي

 

على ما بي لعاديه حـمـول

إذا ما كنت يا أملي صحـيحـا

 

فحالفني وسالمك الـنـحـول

ألست شقيق ما ضمت ضلوعي

 

على أني لعلتـك الـعـلـيل

من شعره في غلام يحبه: قال: وحدثني العباس بن يحيى أنهم كانوا عند علي بن المعتصم، فغني في شعر لخالد، فأمر باحضاره وطلب فلم يوجد، فوجه إلي غلام كان يتعشقه فأحضر، وسأله عنه فدل عليه، وقال: كنا نشرب إلى السحر، وقد مضى إلى حمام فلان، وهو يخرج ويجلس عند فلان الفقاعي، ودكانه مألف للغلمان المرد والمغنين، فبعث إليه فأحضر، فلما جلس أخرج علي بن المعتصم الغلام؛ وقال: هذا دلنا عليك؛ وهو يزعم أنك تعشقه، فقال له الغلام: نعم أيها الأمير، لو لم يكن من فضيحته إياي إلا أنه لم يوجد أحضرت وسئلت عنه، فأقبل عليه خالد وقال:

يا تارك الجسم بلا قـلـب

 

إن كنت أهواك فما ذنبي؟

يا مفردا بالحسن أفردتنـي

 

منك بطول الشوق والحب

إن تك عيني أبصرت فتنة

 

فهل على قلبي من عتب؟

حسيبك الله لما بي كـمـا

 

أنك في فعلك بي حسبي

لجحظة فيه رمل، فاستحسن علي الشعر، وأمر له بخمسين ديناراً.

يعتذر إلى غلام أعرض عنه: قال: حدثني ابن أبي المدور أنه شهد خالداً عند عبد الرحيم بن الأزهر الكاتب، وأنه دخل عليهم غلامٌ من أولاد الكاتب، فلما رأى خالداً أعرض عنه، فقلت له: لم أعرضت عن أبي الهيثم؟ فقال: والله لو علمت أنه ها هنا ما دخلت إليكم، ما يبالي إذا شرب هذين القدحين ما قال ولا من هتك، فقال لي خالد: ألا تعينني على ظالمي؟ فقلت: بلى والله أعينك، فأقبل على الفتى وقال: صوت

هبني أسأت فكان ذنبي مثل ذنب أبي لهب

 

فأنا أتوب وكم أسأ

 

ت وكـم أسـأت ولــم تـــتـــب

فما زلنا مع ذلك الفتى نداريه ونستعطفه له حتى أقبل عليه وكلمه وحادثه، فطابت نفسه، وسر بقية يومه. في هذين البيتين لأبي العبيس خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى، ولرذاذ خفيف رمل مطلق.

شعره في تفاحة معضوضة: وحدثني عبد الله بن صالح الطوسي أن علي بن المعتصم دعا خالداً يوماً وهو يشرب، وقد أخرجت إليه وصيفةٌ من وصفاء حظيته تفاحة معضوضة مغلفة بعثت بها إليه ستها، فقال:

تفاحةٌ خرجت بالدر مـن فـيهـا

 

أشهى إلي من الدنيا وما فـيهـا

بيضاء في حمرة علت بـغـالـيةٍ

 

كأنما قطفت من خد مـهـديهـا

جاءت بها قينةٌ من عنـد غـانـية

 

روحي من السوء والمكروه تفديها

لو كنت ميتاً ونادتني بنغمـتـهـا

 

إذا لأسرعت من لحدي ألبـيهـا

فاستحسن علي بن المعتصم الأبيات، وغني فيها، وأمر بتخت ثياب وخمسين ديناراً.