أخبار حنين الحيري

الثاني

أخبار حنين الحيري

نسبه

حنين بن بلوع الحيري مختلف في نسبه، فقيل: إنه من العباديين من تميم، وقيل: إنه من بني الحارث بن كعب، وقيل من قوم بقوا من جديس وطسم فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدوا فيهم، ويكنى أبا كعب، وكان شاعراً مغنياً فحلاً من فحول المغنين، وله صنعة فاضلة متقدمة، وكان يسكن الحيرة ويكري الجمال إلى الشأم وغيرها، وكان نصرانياً. وهو القائل يصف الحيرة ومنزله بها:

صوت

أنا حنينٌ ومنزلي الـنـجـف

 

وما نديمي إلا الفتى القصف

أقرع بالكأس ثغـر بـاطـيةً

 

مترعةٍ، تـارةً وأغـتـرف

من قهوة باكر التجار بـهـا

 

بيت يهودٍ قرارها الخـزف

والعيش غض ومنزلي خصبٌ

 

لم تغذني شقوةٌ ولا عـنـف

الغناء والشعر لحنين، ولحنه خفيف رمل بالبنصر. وفيه لابن المكي خفيف ثقيل قديم. ولعريب فيه خفيف ثقيل آخر عن الهشامي.

غنى هشام بن عبد الملك في الحج

أخبرنا وكيع قال قال حماد حدثني أبي عن أبي الخطاب قال وحدثني ابن كناسة عن سليمان بن داود: مولى ليحيى، وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن قعنب بن المحرز الباهلي عن المدائني قالوا جميعاً: حج هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبي، فوقف له حنين بظهر الكوفة ومعه عوده وزامرٌ له، وعليه قلنسية طويلة، فلما مر هشام عرض له، فقال: من هذا؟ فقيل: حنين، فأمر به فحمل في محملٍ على جمل وعديله زامره، وسير به أمامه وهو يتغنى:

صوت

أمن سلمى بظهر الكو

 

فة الآيات والطـلـل

يلوح كما تلوح علـى

 

جفون الصيقل والخلل

– الصنعة في هذا الصوت لحنين ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى حنين أيضاً وإلى غيره – قال: فأمر له هشام بمائتي دينار، وللزامر بمائة. وذكر إسحاق في خبره عن أبي الخطاب أنه غنى هشاماً: صوت

صاح هل أبصرت بالخب

 

تين من أسـمـاء نـارا

موهناً شبـت لـعـينـي

 

ك ولم توقـد نـهـارا

كتلالي البرق في المـز

 

ن إذا البرق استـطـارا

أذكرتني الوصل من سع

 

دى وأيامـاً قـصـارا

– الشعر للأحوص، والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. ونسبه ابن المكي إلى الغريض. وقال يونس: فيه لحنان لمالك ولم يجنسهما. وقال الهشامي: فيه لمالك خفيف رملٍ – قال: فلم يزل هشام يستعيده حتى نزل من النجف، فأمر له بمائتي دينار.

كان يغلي بغنائه الثمن

وقال إسحاق: قيل لحنين: أنت تغني منذ خمسين سنة ما تركت لكريم مالاً ولا داراً ولا عقاراً إلا أتيت عليه! فقال: بأبي أنتم، إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلومونني أن أغلي بها الثمن!.

غنى في ظل بيت أبي موسى الأشعري أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه ومصعب بن الزبير عن بعض المكيين، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء وحبيب بن نصر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني شيخ من المكيين يقال له شريس قال: إن لبالأبطح أيام الموسم نشتري ونبيع إذ أقبل شيخٌ أبيض الرأس واللحية على بغلة شهباء ما ندري أهو أشد بياضاً أم بغلته أم ثيابه؛ فقال: أين بيت أبي موسى؟ فأشرنا له إلى الحائط؛ فمضى حتى انتهى إلى الظل من بيت أبي موسى، ثم استقبلنا ببغلته ووجهه ثم اندفع يغني:

صوت

أسعـدينـي بـدمـعةٍ أسـراب

 

من دموعٍ كثيرة الـتـسـكـاب

إن أهل الحصاب قد تركـونـي

 

مغرماً مولعاً بأهل الحـصـاب

فارقوني وقد علـمـت يقـينـاً

 

ما لمـن ذاق مـيتةً مـن إياب

سكنوا الجزع جزع بيت أبي مـو

 

سى إلى النخل من صفي السباب

كم بذاك الحجون من حي صـدق

 

وكـهـولٍ أعـفةٍ وشـبــاب

أهل بيتٍ تتايعـوا لـلـمـنـايا

 

ما على الموت بعدهم من عتاب

فلي الويل بعدهـم وعـلـيهـم

 

صرت فرداً وملني أصحـابـي

– الشعر لكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي. والغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لابن أبي دباكل الخزاعي ثاني ثقيل بالوسطى عن ابن خرداذبة – قال: ثم صرف الرجل بغلته وذهب، فتبعناه حتى أدركناه، فسألناه من هو، فقال: أنا حنين بن بلوع وأنا رجلٌ جمال أكري الأبل ثم مضى.

خاف أن يفوقه ابن محرز بالعراق فرده عنه

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد على أبي عن المدائني، قال: كان حنين غلاماً يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان لطيفاً في عمل التحيات، فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين إلى الحيرة ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه استحلوه، وأقام عندهم وخف لهم، فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه، فلا يكاد ينتفع به في شيء إذا سمعه، حتى شدا منه أصواتاً فأسمعها الناس – وكان مطبوعاً حسن الصوت – واشتهوا غناءه والاستماع منه وعشرته، وشهر بالغناء ومهر فيه، وبلغ منه مبلغاً كبيراً، ثم رحل إلى عمر بن داود الوادي وإلى حكم الوادي، وأخذ منهما، وغنى لنفسه في أشعار الناس، فأجاد الصنعة وأحكمها، ولم يكن بالعراق غيره فاستولى عليه في عصره. وقدم ابن محرز حينئذٍ إلى الكوفة فبلغ خبره حنيناً، وقد كان يعرفه، فخشي أن يعرفه الناس فيستحلوه ويستولي على البلد فيسقط هو، قال له: كم منتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار عاجلة فخذها وانصرف واحلف لي أنك لا تعود إلى العراق؛ فأخذها وانصرف.

أخبرني عمي وعيسى بن الحسين قالا حدثنا أبو أيوب المدائني عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال: كان ابن محرز قدم الكوفة وبها بشر بن مروان، وقد بلغه أنه يشرب الشراب ويسمع الغناء، فصادفه وقد خرج إلى البصرة؛ وبلغ خبره حنين بن بلوع فتلطف له حتى دعاه؛ فغناه ابن محرز لحنه – قال أحمد بن إبراهيم وهو من الثقيل الثاني من جيد الأغاني -:

صوت

وحر الزبرجد في نـظـمـه

 

على واضح الليت زان العقودا

يفـصـل ياقـوتـــه دره

 

وكالجمر أبصرت فيه الفريدا

قال: فسمع شيئاً هاله وحيره، فقال له حنين: كم منتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار حاصلة عاجلة ونفقتك في عودتك وبدأتك ودع العراق لي وامض مصاحباً حيث شئت – قال: وكان ابن محرز صغير الهمة لا يحب عشرة الملوك ولا يؤثر على الخلوة شيئاً – فأخذها وانصرف.

خرج إلى حمص وغنى بها فلم يستطعم أهلها غناؤه

وقال حماد في خبره قال أبي حدثني بعض أهل العلم بالغناء عن حنين قال: خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها وأرتاد من أستفيد منه شيئاً، فسألت عن الفتيان بها وأين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمامات فإنهم يجتمعون بها إذا أصبحوا فجئت إلى أحدها فدخلته، فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت، وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم، فلما قعدنا أتينا بالطعام فأكلنا وأتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغن يغنيكم؟ قالوا: ومن لنا بذلك؟ قلت: أنا لكم به، هاتوا عوداً فأتيت به، فابتدأت في هنيات أبي عباد معبد، فكأنما غنيت للحيطان لا فكهوا لغنائي ولا سروا به، فقلت: ثقل عليهم غناء معبد لكثرة عمله وشدته وصعوبة مذهبه، فأخذت في غناء الغريض فإذا هو عندهم كلا شيءٍ، وغنيت خفائف ابن سريج، وأهزاج حكم، والأغاني التي لي، واجتهد في أن يفهموا، فلم يتحرك من القوم أحدٌ، وجعلوا يقولون: ليت أبا منبه قد جاءنا، فقلت في نفسي: أرى أني سأفتضح اليوم بأبي منبه فضيحةً لم يتفضح أحدٌ قط مثلها. فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو منبه، وإذا هو شيخ عليه خفان أحمران كأنه جمال، فوثبوا جميعاً إليه وسلموا عليه وقالوا: يا أبا منبه أبطأت علينا، وقدموا له الطعام وسقوه أقداحاً، وخنست أنا حتى صرت كلا شيءٍ خوفاً منه، فأخذ العود ثم اندفع يغني:

طرب البحر فاعبري يا سفينه

 

لا تشقي على رجال المدينة

فأقبل القوم يصفقون ويطربون ويشربون، ثم أخذ في نحو هذا من الغناء؛ فقلت في نفسي: أنتم ها هنا! لئن أصبحت سالماً لا أمسيت في هذه البلدة. فلما أصبحت شددت رحلي على ناقتي واحتقبت ركوةً من شراب ورحلت متوجهاً إلى الحيرة، وقلت:

ليت شعري متى تخب بي النا

 

قة بين السدير والـصـنـين

محقباً ركوةً وخـبـز رقـاقٍ

 

وبقولاً وقطـعةً مـن نـون

لست أبغي زاداً سواها من الشا

 

م وحسبي علالةٌ تكـفـينـي

فإذا أبت سالماً قلت سـحـقـاً

 

وبعاداً لمعشرٍ فـارقـونـي

غنى خالد القسري بعد ما حرم الغناء

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرنا به وكيع في عقب أخبارٍ رواها عن حماد بن إسحاق عن أبيه فقال: وقال لي إسحاق، فلا أدري أأدرج الإسناد وهو سماعه أم ذكره مرسلاً، قال إسحاق وذكر ابن كناسة: أن خالد بن عبد الله القسري حرم الغناء بالعراق في أيامه، ثم أذن للناس يوماً في الدخول عليه “عامة”، فدخل إليه حنين ومعه عودٌ تحت ثيابه، فقال: أصلح الله الأمير، كانت لي صناعةٌ أعود بها على عيالي فحرمها الأمير فأضر ذلك بي وبهم، فقال: وما صناعتك؟ فكشف عن عوده وقال: هذا؛ فقال له خالد: عن، فحرك أوتاره وغنى:

صوت

أيها الشأمت المعير بـالـده

 

ر أأنت المبرأ المـوفـور

أم لديك العهد الوثيق من الأي

 

ام بل أنت جاهلٌ مغـرور

من رأيت المنون خلدن أم من

 

ذا عليه من أن يضام خفـير

قال: فبكى خالد وقال: قد أذنت لك وحدك خاصةً فلا تجالسن سفيهاً ولا معربداً. فكان إذا دعي قال: أفيكم سفيهٌ أو معربد؟ فإذا قيل له: لا، دخل.
شعر هذا الصوت المذكور لعدي بن زيد، والغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو. وقوله: المبرأ، يعني المبرأ من المصائب. والموفور: الذي لم يذهب من ماله ولا من حاله شيء، يقال: وفر الرجل يوفر. ولديك بمعنى عندك ها هنا.

غنى بشر بن مروان بحضور الشعبي

أخبرني أبو صالح محمد بن عبد الواحد الصحاف الكوفي قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي قال أخبرنا الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش وعن مجالد عن الشعبي جميعاً، وأخبرني محمد بن مزيد وحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن عبد الله بن عياش عن الشعبي قال: لما ولي بشر بن مروان الكوفة كنت على مظالمه، فأتيته عشيةً وحاجبه أعين “صاحب حمام أعين” جالس، فقلت له: استأذن لي على الأمير! فقال لي: يا أبا عمرو، هو على حال ما أظنك تصل إليه معها؛ فقلت: أعلمه – وخلاك ذم – فقد حدث أمر لابد لي من إنهائه إليه – وكان لا يجلس بالعشي – فقال: لا، ولكن اكتب حاجتك في رقعة حتى أوصلها إليه؛ فكتبت رقعة، فما لبث أن خرج التوقيع على ظهرها: ليس الشعبي ممن يحتشم منه فأذن له، فأذن لي فقال: ادخل، فدخلت فإذا بشر بن مروان عليه غلالةٌ رقيقة صفراء وملاءةٌ تقوم قياماً من شدة الصقال، وعلى رأسه إكليل من ريحان، وعلى يمينه عكرمة بن ربعى، وعلى يساره خالد بن عتاب بن ورقاء، وإذا بين يديه حنين بن بلوع معه عوده، فسلمت فرد علي السلام ورحب وقرب، ثم قال: يا أبا عمرو، لو كان غيرك لم آذن له على هذه الحال، فقلت: أصلح الله الأمير، عندي لك الستر لكل ما أرى منك والدخول معك فيما لا يجمل، والشكر على ماتوليني؛ فقال: كذلك الظن بك، ثم التفت إلى حنين وعوده في حجره وعليه قباء خشك شوي – وقال إسحاق: خشكون – ومستقة حمراء وخفان مكعبان، فسلم علي؛ فقلت له: كيف أنت ابا كعب، فقال: بخير أبا عمرو؛ فقلت: احزق الزير وأعرخ البم ففعل؛ وضرب فأجاد؛ فقال بشرٌ لأصحابه: تلومونني على أن آذن له في كل حال! ثم أقبل علي فقال: أبا عمرو، من أين وقع لك حزق الزير؟ فقلت: ظننت أن الأمر هناك، فقال: فإن الأمر كما ظننت هناك كله. ثم قال: فمن أين تعرف حنيناً؟ فقلت: هذا بطة أعراسنا فكيف لا أعرفه! فضحك، وغنى حنين فأجاد فطرب وأمر له بجائزة، ثم ودعته وقمت بعد أن ذكرت له ما جئت فيه، فأمر لي بعشرة آلاف درهم وعشرة أثواب، فقمت مع الخادم حتى قبضت ذلك منه وانصرفت. وقد وجدت هذا الخبر بخط أبي سعيد السكري يأثره عن محمد بن عثمان المخزومي عن أبيه عن جده: أنه كان عند بشر بن مروان يوم دخل عليه الشعبي هذا المدخل وأن حنين بن بلوع غناه:

هم كتموني سيرهم حين أزمعوا

 

وقالوا اتعدنا للرواح وبكـروا

وهذا القول خطأ قبيح، لأن هذا الشعر للعباس بن الأحنف، والغناء لعلويه رمل بالوسطى، وغني للمأمون فيه فقال: سخروا من أبي الفضل أعزه الله.

شيء من أوصاف الحيرة

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي، وقال أبو عبيد الله الكاتب حدثني سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال: وكان بعض ولاة الكوفة يذم الحيرة في أيام بني أمية، فقال له رجل من أهلها – وكان عاقلاً ظريفاً -: أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام! قال: وبماذا تمدح؟ قال: بصحة هوائها، وطيب مائها، ونزهة ظاهرها، تصلح للخف والظلف، سهلٌ وجبلٌ، وباديةٌ وبستان، وبر وبحر، محل الملوك ومزارهم، ومسكنهم ومثواهم، وقد قدمتها – أصلحك الله – مخفا فرجعت مثقلاً ووردتها مقلاً فأصارتك مكثراً، قال: فكيف نعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قال: بأن تصير إلي، ثم ادع ما شئت من لذات العيش، فوالله لا أجوز بك الحيرة فيه؛ قال: فاصنع لنا صنيعاً واخرج من قولك؛ قال: أفعل، فصنع لهم طعاماً وأطعمهم من خبزها وسمكها وماصيد من وحشها: من ظباءٍ ونعام وأرانب وحبارى، وسقاهم من ماءها في قلالها، وخمرها في آنيتها، وأجلسهم على رقمها – وكان يتخذ بها من الفرش أشياء ظريفة – ولم يستخدم لهم حرا ولا عبداً إلا من مولديها ومولداتها من خدمٍ ووصائف “ووصفاء” كأنهم اللؤلؤ لغتهم لغة أهلها، ثم غناهم حنين وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم وأعشى همدان لم يتجاوزهما، وحياهم برياحينها، ونقلهم على خمرها، وقد شربوا بفواكهها؛ ثم قال له: هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة؟ قال: لا والله، لقد أحسنت صفة بلدك ونصرته فأحسنت نصرته والخروج مما تضمنته، فبارك الله لكم في بلدكم.

المغنون المشهورون بالحيرة غير حنين ونوع غنائهمقال إسحاق: ولم يكن بالحيرة مذكورٌ في الغناء سوى حنين إلا نفراً من السدريين يقال لهم: عباديس، وزيد بن الطليس، وزيد بن كعب، ومالك بن حممة، وكانوا يغنون غناء الحيرة بين الهزج والنصب وهو إلى النصب أقرب ولم يدون منه شيءٌ لسقوطه وأنه ليس من أغاني الفحول. وما سمعنا نحن لأحد من هؤلاء خبراً إلا لمالك بن حممة، أخبرني به عمي عن عبد الله بن أبي سعد.

عمره ونسبه

وقال وكيع في خبره عن إسحاق حدثني أبو بشر الفزاري قال حدثني بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب قال: عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين، وكان يقال أنه من جديس؛ قال وقيل أيضاً: إنه من لخم، وكان هو يزعم أنه عبادي وأخواله من بني الحارث بن كعب

غنى حفيده لإبراهيم بن المهدي وقص عليه خبر جده مع ابن سريج

أخبرني رضوان بن أحمد الصيدلاني قال حدثنا يوسف بن إبراهيم قال حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن المهدي قال: كنت مع الرشيد في السنة التي نزل فيها على عونٍ العبادي، فأتاني عون بابن ابن حنين بن بلوع، وهو شيخ، فغناني عدة أصوات لجده، فما استحسنتها، لأن الشيخ كان مشوه الخلق، طن الغناء، قليل الحلاوة، إلا أنه كان لا يفارق عمود الصوت أبداً حتى يفرغ منه، فغناني صوت ابن سريج:

فتركته جزر السباع ينشنه

 

ما بين قلة رأسه والمعصم

فما أذكر أني سمعته من أحد قط أحسن مما سمعته منه، فقلت له: لقد أحسنت في هذا الصوت، وما هو من أغاني جدك، وإني لأعجب من ذلك! فقال لي الشيخ: والصليب والقربان ما صنع هذا الصوت إلا في منزلنا وفي سردابٍ لجدي، ولقد كاد أن ياتي على نفس عمتي؛ فسألته عن الخبر في ذلك فقال: ضافه ابن سريج متنكراً فأكرمه ثم بالغ في إكرامه لما عرفه حدثني أبي أن عبيد بن سريج قدم الحيرة ومعه ثلثمائة دينار. فأتى بها منزلنا في ولاية بشر بن مروان الكوفة، وقال: أنا رجلٌ من أهل الحجاز من أهل مكة، بلغني طيب الحيرة وجودة خمرها وحسن غنائك في هذا الشعر:

حنتني حانيات الدهر حـتـى

 

كأني خاتـلٌ يدنـو لـصـيد

قريب الخطو يحسب من رآني

 

ولست مقـيداً أنـي بـقـيد

فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك وعندك ونتعاشر حتى تنفد وأنصرف إلى منزلي. فسأله جدي عن اسمه ونسبه فغيرهما وانتمى إلى بني مخزوم، فأخذ جدي المال منه وقال: موفرٌ مالك عليك ولك عندنا كل ما يحتاج إليه مثلك ما نشطت للمقام عندنا، فإذا دعتك نفسك إلى بلدك جهزناك إليه ورددنا عليك مالك وأخلفنا ما أنفقته عليك “إلى” أن جئتنا، وأسكنه داراً كان ينفرد فيها، فمكث عندنا شهرين لا يعلم جدي ولا أحدٌ من أهلنا أنه يغني، حتى انصرف جدي من دار بشر بن مروان في يومٍ صائفٍ مع قيام الظهيرة، فصار إلى باب الدار التي كان أنزل ابن سريج فيها فوجده مغلقاً فارتاب بذلك، ودق الباب فلم يفتح له ولم يجبه أحدٌ، فصار إلى منازل الحرم فلم يجد فيها ابنته ولا جواريه، ورأى ما بين الدار التي فيها الحرم ودار ابن سريج مفتوحاً، فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته؛ فلما دخلها رأى ابنته وجواريه وقوفاً على باب السرداب، وهن يومئن إليه بالسكوت وتخفيف الوطء، فلم يلتفت إلى إشارتهن لما تداخله، إلى أن سمع ترنم ابن سريج بهذا الصوت، فألقى السيف من يده وصاح به – وقد عرفه من غير أن يكون رآه، ولكن بالنعت والحذق -: أبا يحيى، جعلت فداءك، أتيتنا بثلثمائة دينار لتنفقها عندنا في حيرتنا! فوحق المسيح لا خرجت منها إلا ومعك ثلثمائة دينار وثلثمائة دينار وثلثمائة دينار سوى ما جئت به معك، ثم دخل إليه فعانقه ورحب به ولقيه بخلاف ما كان يلقاه به، وسأله عن هذا الصوت، فأخبره أنه صاغه في ذلك الوقت. فصار معه إلى بشر بن مروان فوصله بعشرة آلاف درهم أول مرةٍ، ثم وصله بعد ذلك بمثلها؛ فلما أراد الخروج رد عليه جدي ماله وجهزه ووصله بمقدار نفقته التي أنفقها من مكة إلى الحيرة، ورجع ابن سريج إلى أهله وقد أخذ جميع من كان في دارنا منه هذا الصوت.

استقدمه ابن سريج والغريض ومعبد إلى الحجاز فقدم وغنى فازدحم الناس فسقط عليه السطح فمات أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني حسان بن محمد الحارثي قال حدثنا عبد الله قال حدثنا عبيد بن حنين الحيري قال: كان المغنون في عصر جدي أربعة نفرٍ ثلاثة بالحجاز وهو وحده بالعراق، والذين بالحجاز: ابن سريج والغريض ومعبد، فكان يبلغهم أن جدي حنيناً قد غنى في هذا الشعر:

هلا بكيت على الشباب الذاهـب

 

وكففت عن ذم المشـيب الآئب

هذا ورب مسوفين سقـيتـهـم

 

من خمر بابل لذةً لـلـشـارب

بكروا علي بسحرةٍ فصبحتـهـم

 

من ذات كوبٍ مثل قعب الحالب

بزجاجة ملء الـيدين كـأنـهـا

 

قنديل فصح في كنيسة راهـب

قال: فاجتمعوا فتذاكروا أمر جدي وقالوا: ما في الدنيا أهل صناعة شر منا، لنا أخٌ بالعراق ونحن بالحجاز، لا نزوره ولا نستزيره. فكتبوا إليه ووجهوا إليه نفقةً وكتبوا يقولون: نحن ثلاثةٌ وأنت وحدك فأنت أولى بزيارتنا، فشخص إليهم، فلما كان على مرحلة من المدينة بلغهم خبره فخرجوا يتلقونه، فلم ير يومٌ كان أكثر حشراً ولا جمعاً من يومئذ، ودخلوا، فلما صاروا في بعض الطريق قال لهم معبد: صيروا إلي؛ فقال له ابن سريج: إن كان لك من الشرف والمروءة مثل ما لمولاتي سكينة بنت الحسين عطفنا إليك؛ فقال: مالي من ذلك شيء، وعدلوا إلى منزل سكينة. فلما دخلوا إليها أذنت للناس إذناً فغصت الدار بهم وصعدوا فوق السطح، وأمرت لهم بالأطعمة فأكلوا منها، ثم إنهم سألوا جدي حنيناً أن يغنيهم صوته الذي أوله:

هلا بكيت على الشباب الذاهب

فغناهم إياه بعد أن قال لهم: ابدءوا أنتم؛ فقالوا: ما كنا لنتقدمك ولا نغني قبلك حتى نسمع هذا الصوت؛ فغناهم إياه، وكان من أحسن الناس صوتاً، فازدحم الناس على السطح وكثروا ليسمعوه، فسقط الرواق على من تحته فسلموا جميعاً وأخرجوا أصحاء، ومات حنينٌ تحت الهدم؛ فقالت سكينة: لقد كدر علينا حنينٌ سرورنا، انتظرناه مدة طويلة وكأنا والله كنا نسوقه إلى منيته.

نسبة ما في الخبر الأول من الغناء

الغناء في الأصوات المتقدمة

صوت

وتركته جزر السباع ينشنه

 

ما بين قلة رأسه والمعصم

إن تغدفي دوني القناع فإنني

 

طب بأخذ الفارس المستلئم

الشعر لعنترة بن شداد العبسي، والغناء فيه لحنين ثاني ثقيلٍ.
ومنها:

صوت

حنتني حانيات الدهر حـتـى

 

كأني خاتـلٌ يدنـو لـصـيد

قريب الخطو يحسب من رآني

 

ولست مقـيداً أنـي بـقـيد

الغناء لحنين الحيري ثقيل أول: وفيه لإبراهيم الموصلي ماخوري جميعاً عن ابن المكي، ووافقه عمرو بن بانة في لحن إبراهيم الموصلي. ونسبة الشعر الذي غناه حنينٌ في منزل سكينة يقال: إنه لعدي بن زيد، وقيل: إن بعضه له وقد أضافه المغنون إليه. ولحنه خفيف ثقيلٍ مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق.

صوت من المائة المختارة

راع الفؤاد تفرق الأحـبـاب

 

يوم الرحيل فهاج لي أطرابي

فظللت مكتئباً أكفكف عبـرةً

 

سحاً تفيض كواشل الأسراب

لما تنادوا للرحـيل وقـربـوا

 

بزل الجمال لطـيةٍ وذهـاب

كاد الأسى يقضي عليك صبابةً

 

والوجه منك لبين إلفك كابي

عروضه من الكامل. والشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء للغريض، ولحنه المختار من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. “وقال حبشٌ: وفيه لأبي كامل ثاني ثقيل بالوسطى”. وذكر حبش: أن للغريض أيضاً فيه خفيف ثقيل بالوسطى. ولمالك ثقيلٌ أول بالوسطى. وهذه الأبيات قالها عمر بن أبي ربيعة في بنتٍ لعبد الملك بن مروان كانت حجت في خلافته.

ابن أبي ربيعة مع بنت عبد الملك

أخبرني علي بن صالح بن الهيثم قال أخبرني أبو هفان عن إسحاق بن إبراهيم عن الزبيري والمدائني ومحمد بن سلام والمسيبي:  أن بنتاً لعبد الملك بن مروان حجت، فكتب الحجاج إلى عمر بن أبي ربيعة يتوعده إن ذكرها في شعره بكل مكروه؛ وكانت تحب أن يقول فيها شيئاً وتتعرض لذلك، فلم يفعل خوفاً من الحجاج. فلما قضت حجها خرجت فمر بها رجلٌ فقالت له: من “أين” أنت؟ قال: من أهل مكة؛ قالت: عليك وعلى أهل بلدك لعنة الله! قال: ولم ذاك؟ قالت: حججت فدخلت مكة ومعي من الجواري ما لم تر الأعين مثلهن، فلم يستطع الفاسق ابن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتاً نلهو بها في الطريق في سفرنا! قال: فإني لا أراه إلا قد فعل؛ قالت: فأتنا بشيء إن كان قاله ولك بكل بيتٍ عشرة دنانير؛ فمضى إليه فأخبره؛ فقال: لقد فعلت، ولكن أحب أن تكتم علي؛ قال: أفعل؛ فأنشده:

راع الفؤاد تفرق الأحـبـاب

 

يوم الرحيل فهاج لي أطرابي

وهي طويلة. وأنشده:

هاج قلبي تذكر الأحبـاب

 

واعترتني نوائب الأطراب

وهي طويلة أيضاً، يقول فيها:

اقتليني قتلاً سريعـاً مـريحـاً

 

لا تكوني علي سـوط عـذاب

شف عنها محـقـق جـنـدي

 

فهي كالشمس من خلال سحاب

– ذكر حبشٌ: أن في هذه الثلاثة الأبيات للهذلي ثاني ثقيل بالبنصر – قال: فعاد إليها الرجل فأنشدها هاتين القصيدتين فدفعت إليه ما وعدته به.