أخبار حمزة بن بيض ونسبه

أخبار حمزة بن بيض ونسبه

حمزة بن بيض الحنفي: شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، كوفي خليع ماجن، من فحول طبقته. وكان كالمنقطع إلى المهلب بن أبي صفرة وولده، ثم إلى أبان بن الوليد، وبلال بن أبي بردة. واكتسب بالشعر من هؤلاء مالاً عظيماً، ولم يدرك الدولة العباسية.

أخبرني عمي قال: حدثنا أبو هفان قال: أخبرني أبو محلم عن المفضل قال: أخذ حمزة بن بيض الحنفي بالشعر ألف ألف درهم، من مال وحملان وثياب ورقيق غير ذلك.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أبو توبة، قال: قدم حمزة بن بيض على بلال بن أبي برده، فلما وصل إلى بابه قال لحاجبه: استأذن لحمزة بن بيض الحنفي، فدخل الغلام إلى بلال، فقال: حمزة لن بيض بالباب. وكان بلال كثير المزح معه، فقال: اخرج إليه فقل: حمزة بن بيض ابن من؟ فخرج الحاجب إليه، فقال له ذلك. فقال: ادخل فقل له: الذي جئت إليه إلى بنيان الحمام وأنت أمرد، تسأله أن يهب لك طائراً، فأدخلك وناكك، ووهب لك طائراً . فشتمه الحاجب. فقال له: ما أنت وذا؟ بعثك برسالة، فأخبره بالجواب. فدخل الحاجب وهو مغضب، فلما رأه بلال ضحك، وقال: ما قال لك قبحه الله؟ قال: ما كنت لأخبر الأمير بما قال:. فقال: يا هذا، أنت رسول فأد الجواب. قال: فأبى. فأقسم عليه حتى أخبره. فضحك حتى فحص برجله، وقال: قل له: قد عرفنا العلامة فادخل، فدخل فأكرمه، ورفعه، وسمع مديحه، واحسن صلته.
قال: وأراد بقوله(ابن بيض ابن من؟) قول الشاعر فيه:

أنت ابن بيض لعمري لست أنكره

 

وقد صدقت، ولكن من أبو بيض؟

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن الحسن الأحول، عن الأثرم، عن أبي عمرو، وأخبرني وكيع قال: حدثني عبيد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان، قال: حدثني أبو الحسن الشيباني قال: حدثني شعيب بن صفوان، قال: قدم حمزة بن بيض على مخلد بن يزيد بن المهلب وعنده الكميت، فأنشده قوله فيه:

أتيناك في حاجة فاقضـهـا

 

وقل مرحبا يجب المرحـب

ولا تكلنا إلـى مـعـشـر

 

متى يعدوا عـدة يكـذبـوا

فإنك في الفرع مـن أسـرة

 

لهم خضع الشرق والمغرب

وفي أدبٍ منهم ما نـشـأت

 

ونعم لعمـرك مـا أدبـوا

بلغت لعشر مضت من سني

 

ك ما يبلغ السـيد الأشـيب

فهمك فيها جسـام الأمـور

 

وهم لداتـك أن يلـعـبـوا

وجدت فقـلـت ألا سـائل

 

فيعطى ولا راغب يرغـب

فمنك العطية لـلـسـائلـين

 

وممن ينوبك أن يطلـبـوا

فأمر له بمئة ألف درهم، فقبضها. قال وكيع في خبره: وسأله عن حوائجه، فأخبره بها، فقضى جميعها. وقال أيضاً في خبرة: فحسده الكميت. فقال له: يا حمزة، أنت كمهدي التمر إلى هجر، قال: نعم، ولكن تمرنا أطيب من تمر هجر.

أخبرني علي بن سليمان قال: حدثني محمد بن يزيد النحوي، قال: قال الجاحظ: أصاب حمزة بن بيض حصر ، فدخل عليه قوم يعودونه وهو في كرب القولنج، إذ ضرط رجل منهم، فقال حمزة: من هذا المنعم عليه؟ أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهروية قال: قال علي بن الصباح: حدثني هشام بن محمد، عن الشرقي، قال: زعم هشام بن عروة أن عبد الحمن بن عنبسة مر فإذا هو بغلام أصبح الغلمان وأحسنهم، ولم يكن لعبد الرحمن ولد، فسأل عنه، فقيل له: يتيم من اهل الشام، قدم أبوه العراق في بعث فقتل، وبقي الغلام هاهنا فضمه ابن عنبسة إليه، وتبناه. فوقع الغلام فيما شاء من الدنيا، ومر يوماً على برذون ومعه خدم على ابن بيض،وحول ابن بيض عياله في يوم شات، وهم شعث غبر عراة، فقال ابن بيض: من هذا؟ فقيل: صدقة يتيم ابن عنبسة فقال:

يشعث صبياننا ومـا يتـمـوا

 

وانت صافي الأديم والحدقـه

فليت صبيانـنـا إذا يتـمـوا

 

يلقون ما قد لقيت يا صدقـه

عوضك الله من أبـيك ومـن

 

أمك في الشام بالعراق مقـه

كفاك عبد الرحمن فقدهـمـا

 

فأنت في كسوة وفي نفـقـه

تظل في درمـكٍ وفـاكـهة

 

زولحم طير ماشئت أو مرقه

تأوي إلى حاضن وحـاضـنة

 

زادا على والديك في الشفقـه

فكل هينيئاً مـا عـاش ثـم إذا

 

مات فلغ في الدماء والسرقه

وخالف المسلمين قبـلـتـهـم

 

وضل عنهم وخادن الفسـقـه

واشتر نهد التليل ذا خـصـلٍ

 

لصوته في الصهيل صهصلقه

واقطع عليه الطريق تلف غدا

 

رب دنـانـي جـمةٍ ورقـه

فلما مات عبد الرحمن، اصابه ما قال ابن بيض أجمع: من الفساد والسرقة وصحبة اللصوص، ثم كان آخر ذلك أنه قطع الطريق، فأخذ وصلب.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال: حدثني النوفلي عن أبيه. قال ابن عمار: واخبرني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثني أبي عن أبي شفيان الحميري قال: خرج حمزة بن بيض يرد سفراً، فاضطره الليل إلى قرية عامرة، كثيرة الأهل والمواشي، من الشاء والبقر، كثيرة الزرع، فلم يصنعوا به خيراً، فغدا عليهم، وقال:

لعن الإ له قرية يمـمـتـهـا

 

فاضافني ليلاً إليها المـغـرب

الزارعين وليس لي زرع بهـا

 

والحالبين وليس لي ما أحلـب

فلعل ذاك الزرع يودي أهـلـه

 

ولعل ذاك الشاء يوماً يجـرب

ولعل طاعوناً يصيب علوجهـا

 

ويصيب ساكنها الزمان فتخرب

قال: فلم يمر بتلك القرية سنة حتى أصابها الطاعون، فأباد أهلها، وخرجت إلى اليوم، فمر بها ابن بيض، فقال: كلا، زعمت أني لا أعطى منيتي. قالوا: وأبيك لقد أعطيتها، فو كنت تمنيت الجنة كان خيراً لك. قال: أنا أعلم بنفسي، لا أتمنى ما لست له بأهل، ولكني أرجو رحمة ربي عز وجل.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا محمد بن زكرياء الغلابي قال: قال ابن عائشة: خرج ابن بيض في سفر، فنزل بقوم، فلم يحسنوا ضيافته، وأتوه بخبز يابس، وأقوا لبغلته تبناً، فأعرض عنهم، وأقبل على بغلته، فقال:

أحسبيها ليلة أدلـجـتـهـا

 

فكلي إن شئت تبناً أو ذري

قد أتى ربك خبـز يابـس

 

فتعزي معه واصطبـري

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، قال: حدثنا المدائني، قال: قال حمزة بن بيض يوماً للفرزدق: أيما أحب إليك، تسبق الخير أو يسبقك؟ قال: لا أسبقه ولا يسبقني، ولكن نكون معاً. فأيما أحب إليك، وأن تدخل إلى بيتك، فتجدرجلاً قابضاً على حر امرأتك، أو تجد امرأتك قابضه على أيره؟ فقال: كلام لابد من جوابه، والبادي أظلم، بل أجدها قابضة على أيره، قد أغبته عن نفسها.

نسخت من كتاب أبي إسحاق الشايميني : قال ابن الأعرابي: وقع بين بين حنيفة بالكوفة، وبين بني تميم شر، حتى نشبت الحرب بينهم، فقال رجل لحمزة بن بيض: ألا تأتي هؤلاء القوم، فتدفعهم عن قومك، فإنك ذو بيان وعارضة؟ فقال:

ألا لا تلمني يا بن ماهان إننـي

 

أخاف على فخارتي أن تحطما

ولوأنني أبتاع في السوق مثلها

 

وجدك ما باليت أن أتقـدمـا

قال: وكان لابن بيض صديق عامل من عمال ابن هبيرة، فاستودع رجلاً نا سكاً ثلاثين ألف درهم، واسودع مثلها رجلاً نبيذياً، فأما الناسك فبنى بها داره، تزوج النساء، وأنفقها وجحده. واما النبيذي فأدى إليه الأمامة في ماله فقال حمزة بن بيض فيهما:

ألا لا يغـرنــك ذو ســـجـــدة

 

يظـل بـهــا دائبـــاً يخـــدع

كأن بجبتها جلبة يسبح طوراً ويسترجع

 

 

وما لتقى لزمت وجهه

 

ولـكـن لـيغـتـر مـسـتــودع

فلا تـنـفـرن مـن أهـل الـنـبـيذ

 

وغـن قـيل يشـرب لا يقـلـــع

فعـنـك عـلـم بـمـا قـد خـبـر

 

ت إن كـان عـلـم بـهـم ينـفـع

ثلاثون ألـفـاً حـواهـا الـسـجـود

 

فلـيسـت إلـى أهـلـهـا تـرجـع

بنـى الـدار مـن غـيرمـا مـالـه

 

وأصـبـح فـي بـيتــه أربـــع

مهـائر مـن غـير مـال حـــواه

 

يقـاتـون أرزاقـهـــم جـــوع

وأخبرني بهذا الخبر الحسين بن محمد بن زكريا الصحاف، قال: حدثنا قعنب بن المحرز، قال: حدثنا أبو عبيدة والأصمعي، وكيسان بن المعروف، فذكروا نحو هذا الخبر، إلا أنه حكى أن حمزة بن بيض هو الذي استودع الرجلين المال، وقال:

وأدى أخو الكأس ما عنده

 

وما كنت في ردها أطمع

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثنا عبد الله بن شبيب قال: حدثني أحمد بن محمد ب عن ابن داجة، قال: اختصم أبو الجون السحيمي وحمزة بن بيض، إلى المهاجر بن عبد الله الكلابي، وهو على اليمامة، فوثب عليه حمزة وقال:

غمضت في حاجة كانت تؤرقني

 

لولا الذي قلت فيها قل تغميضي

فقال: وما الذي قلت لك؟ قال:

حلفت بالله لي أن سوف تنصفـنـي

 

فساغ في الحلق ربقي بعد تجريضي

قال: وأنا أحلف لأنصفـك. قـال:

 

 

سل هؤلاء إلى ماذا شهادتهم

 

أم كيف أنت وأصحاب المعـاريض

قال: أوجعهم ضرباً. فقال:

وسل سحيما إذا وافاك أجمـعـهـم

 

هل كان بالشر حوض قبل تحويضي

قال: فقضى له. فانشأ السحيمي يقول:

أنت ابن بيض لعمري لست انكـره

 

حقاً يقيناً، ولكن مـن أبـو بـيض؟

إن كنت أنبضت لي قوساً لنرمينـي

 

فقد رميتك رمياً غـير تـنـبـيض

أو كنت خضخضت لي وطباً لتسقيني

 

فقد سقيتك محضاً غير ممخـوض

قال: فوجم حمزة وقطع به. فقيل له: ويلك! مالك لا تجيبه؟ قال: وبم أجيبه؟ والله لو قلت له: عبد المطلب بن هاشم أبو بيض ما نفعني ذلك، بعد قوله: ولكن من أبو بيض؟ وأخبرني بهذا الخبر ابن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة بمثله. وقال فيه: إن المخاصم له أبو الحويرث السحيمي.

أخبرني محمد بن دريد قال: أخبرنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، قال: دخل حمزة بن بيض على يزيد بن المهلب السجن، فأنشده:

أغلق دون السماح والجود والنجدة باب حديده أشب

ابن ثلاث وأربعين مضت

 

لا ضـــرع واهـــن ولا نـــكــــب

لا بـطـر إن تـتـابــعـــت نـــعـــم

 

وصـابـر فـي الـبـلاء مـحـتــســـب

برزت سـبـق الـجـواد فــي مـــهـــل

 

وقـصـرت دون سـعــيك الـــعـــرب

فقال: والله يا حمزة لقد أسأت، إذ نوهت باسمي في غير وقت تنويه، ولا منزل لك، ثم رفع مقعداً تحته، فرمى إليه بخرقة مصرورة، وعليه صاحب خبر واقف، فقال: خذ هذا الدينار، فوالله ما أملك ذهباً غيره. فأخذه حمزة، وأراد أن يرده، فقال له سراً: خذه ولا تخدع عنه. فقال حمزة: فلما قال لي: لا تخدع عنه، قلت: والله ما هذا بدينار، فقال لي صاحب الخبر: ما أعطاك يزيد؟ فقلت: أعطاني ديناراً، فاردت أن أرده عليه، فاستحييت منه. فلما صرت إلى منزلي حللت الصرة، فإذا فص ياقوت أحمر، كأنه سقط زند، فقلت: والله لئن عرضت هذا بالعراق، ليعلمن أني أخذته من يزيد، فيؤخذ مني، فخرجت به إلى خراسان، فبعته من رجل يهودي بثلاثين ألاً، فلما قبضت المال وصار الفص في يده، قال لي: والله لو أبيت إلا خمسين ألف درهم، لأخذته منك، فكأنما قذف في قلبي جمرة، فلما رأى تغير وجهي قال: إني رجل تاجر، ولست أشك أني قد غممتك. قلت: إي والله قتلتني. فأخرج إلي مائة دينار، فقال: أنفق هذه في طريقك، لتتوفر عليك تلك.

أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد بن إسحاق: قرأت على أبي: دخل حمزة بن بيض على يزيد عن المهلب، وهو في حبس عمر بن عبد العزيز، فأنشده قوله فيه:

أصبح في قيدك السماحة والحامل للمعضلات والحسب

لا بطر إن تتابعت نعم

 

وصـابـر فـي الـلاء مــحـــتـــســـب

فقال له: ويحك أتمدحني على هذه الحال؟ قال: نعم، لئن كنت هكذا لطالما أثبت على الثناء، فأحسنت الثواب والرفد، فهل بأس أن نسلفك الآن. قال: أما إذا جعلته سلفاً فاقنع بما حضر، إلى أن يمكن قضاء دينك. وأمر غلامه، فدفع إليه أربعة آلاف درهم، وبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز، فقال: قاتله الله! يعطي في الباطل، ويمنع الحق، يعطي الشعراء، ويمنع الأمراء.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا عبد الأول بن مزيد، قال: حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال: أخبرني مخلد بن حمزة بن بيض قال: قدم أبي على يزيد المهلب وهو عند سليمان بن عبد الملك، فأدخله إليه، فانشده:

ساس الخلافة والداك كلاهمـا

 

من بين سخطة ساخط او طائع

أبواك ثم أخوك أصبح ثـالـثـا

 

وعلى جبينك نور ملك الرابع

سريت خوف بني المهلب بعدما

 

نظروا إليك بسم موتٍ نـاقـع

ليس الذي ولاك ربك منـهـم

 

عند الإله وعندهم بالـضـائع

فأمر له بخمسين ألفاً.
أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن عمرو قال: حدثني جعفر بن محمد العاصمي قال: حدثني عيينة بن المنهال قال: حدثني الهيثم بن عدي قال: حدثني أبةو يعقوب الثقفي قال: قال لي حمزة بن بيض: لما وفد الكميت بن زيد إلى مخلد بن يزيد بن المهلب وهو يخلف أباه على خراسان، وكان واليها وله ثماني عشرة سنة، وقد مدحه بقصيدته التي أولها:

هلا سألت معالم الأطلال

وهي التي يقول فيها:

يمشين مشي قطا البطاح تأودا

 

قب البطون رواجح الكفـال

وقصيدته التي يقول فيها:

هلا سألت منازلا بالأبرق

أعطاه مئة ألف درهم، سوى العروض والحملان، فقدم الكوفة في هيئة لم ير ميلها، فقلت في نفسي: والله لأنا أولى من الكميت بما ناله من مخلد بن يزيد، وإني لحليفه وناصره في العصبية على الكميت، وعلى مضر جميعاً. فهيأت لمخلد مديحاً على روي قصيدتي الكميت وقافيتيهما، ثم شخصت إيه، فلما كان قبل خروجي إليه بيوم، أتتني جماعة من ربيعة في خمس ديات عليهم لمضر في البدو، فقالوا: إنك تأتي مخلداً وهو فتى العرب، ونحن نعلم أنك لا تؤثر على نفسك، ولكن إذا فرغ من أمرك، فاعلمه ممشانا إليك، وسمأتنا إياك كلامه، فنرجو أن تكون عند ظننا. فلما قدمت على مخلد خراسان أنزلني، وفرش لي، وأخدمني، وحملني، وكساني، وخلطني بنفسه، فكنت أسمر معه، فقال ليلة: أعليك دين يابن بيض؟ قلت: دعني من مسئلتك إياي عن الدين، إنك قد أعطيت الكميت عطية لست أرضى بأقل منها، وإلا لم أدخل الكوفة، ولم أعير بتقصيرك بي عنه. فضحك، ثم قال لي: بل أزيدك على ما أعطيت الكميت. فأمر لي بمئة ألف درهم، كما أعطي الكميت، وزادني عليه، وصنع بي في سائر الألطاف كما صنع به، فلما فرغت من حاجتي أتيته يوماً ومعي تذكرة بحاجة القوم في الديات، فلما جلس أنشدته:

أتيناك في حاجة فاقضـهـا

 

وقل مرحباً يجب المرحـب

ولا تكلنا إلـى مـعـشـر

 

متى بعدوا عـدة يكـذبـوا

فإنك في الفرع مـن أسـرة

 

لهم خضع الشرق والمغرب

وفي أدب منهم ما نـشـأت

 

ونعم لعمـرك مـا أدبـوا

لغت لعشرٍ مصت من سني

 

ك ما يبلغ السـيد الأشـيب

فهمك فيها جسـام الأمـور

 

وهم لداتـك أن يلـعـبـوا

فقال:مرحباً بك وبحاجتك، فما هي؟ فأخرجت إليه رقعة القوم، وقلت: حمالات في ديات. فتبسم، ثم أمر لي بعشرة آلاف درهم. فقلت: أو غير ذلك أيها الأمير؟ قال: وما هو؟ قلت: أدل على قبر المهلب، حتى أشكو إليهقطيعة ولده. فتبسم، ثم قال: زده يا غلام عشرة آلاف أخرى، فأبيت، وقلت: بل أدل على قبر المهلب، فقال: زده يا غلام عشرة آلاف أخرى، فما زلت أكررها ويزيدني عشرة آلاف، حتى بلغت سبعين ألفاً. فخشيت والله أن يكون يلعب أو يهزأ بي، فقلت: وصلك الله أيها الأمير، وآجرك، وأحسن جزاءك. فقال مخلد: أما والله لو أقمت على كلامك، ثم أتى ذلك على خراج خراسان لأعطيتكه.

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني النضر بن شميل، قال: دخلت على امير المؤمنين المأمون بمرو وعلي أطمار متر عبلة ؛ فقال لي: يا نضر، تدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟ فقلت: إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق، فقال: لا. ولكنك رجل متقشف. فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير ، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز. هكذا قال: سداد بالفتح.

فقلت: صدق، يا أمير المؤمنين. حدثني عوف الأعرابي عن الحسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها، كان في سداد من عوز وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً، وقال: السداد لحن يا نضر عندك؟ قلت نعم: هاهنا يا امير المؤمنين؛ وإنما هشيم لحن، وكان لحانة، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد: القصد في الدين والطريقة والسبل. ةالسداد: البلغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد. وقد قال العرجي:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا

 

ليوم كريهة وسداد ثـغـر

قال: فأطرق المامون ملياً، ثم قال: قبح الله من لا أدب له! ثم قال: أنشدني يا نضر أخلب بيت للعرب. قال: قلت: قول حمزة بن بيض يا امير المؤمنين:

تقول لي والعيون هاجـعة:

 

أقم علينا يوماً، فـلـم أقـم

قالت: فأي الوجوه؟ قلت لها:

 

لأي وجه إلا إلى الحكـم؟

متى يقل حاجباً سـرادقـه:

 

هذا ابن بيض بالباب، يبتسم

قد كنت أسلمت فيك مقتبـلاً

 

فهات إذ حل أعطني سلمي

فقال المأمون: لله درك، كأنما شق لك عن قلبي! فأنشدني أنصف بيت للعرب. قال: قلت: قول أبي عروبة المدني :

إني وإن كان ابن عمي عاتبـا

 

لمزاحم من خلـفـه وورائه

ومفيده نصري وإن كنت أمرأ

 

متزحزحا عن أرضه وسمائه

وأكون والي سره وأصونـه

 

حتى يحين علي وقـت أدائه

وإذا الحوادث أجحفت بسوامه

 

قرنت صحيحتنا إلى جربائه

وإذا دعا باسمي ليركب مركبا

 

صعبا قعدت له على سيسائه

وإذا أتى من وجهه بطـريفةٍ

 

لم أطلع مما ورراء خبـائه

وإذا ارتدى ثوباً جميلاً لم أقلك

 

يا ليت أن علي حسـن ردائه

فقال: احسنت يا نضر؛ أنشدني الآن أقنع بيت قالته العرب. فأنشدته قول ابن عبدلٍ الأسدي:

إنـي امــرؤ لـــم أزل، وذاك مـــن الـــل

ه قـــديمـــا، أعـــلـــم الأدبــــــا

أقـيم بـالـدار مـا اطـمـأنــت بـــي الـــدا

ر وإن كـنــت مـــازحـــا طـــربـــا

لا أجـــتـــوي خـــلة الـــصـــديق ولا

أتـبـع نـفـســـي شـــيئاً إذا ذهـــبـــا

أطلب ما يطلب الكريم من الرزق بنفسي وأجمل الطلبا

 

وأحلب الثرة الصفي ولا

أجـهـد أخـلاف غـيرهــا حـــلـــبـــا

إنـي رأيت الــفـــتـــى الـــكـــريم إذا

رغـبـتـه فـي صـــنـــيعة رغـــبـــا

و العبد لا يطلب العـلاء ولا

يعطيك شيئاً إلا إذا رهـبـا

مثل الحمار الموقع السـوء لا

يحسن مشيا إلا إذا ضـربـا

قد يرزق الخافض المقيم وما

شد بعيس رحلاً ولا قـتـبـا

ويحرم الرزق ذو المطية والر

حل ومن لا يزال مغتـربـا

ولم أجد عـدة الـخـلائق إلا

الدين لما اعتبرت والحسـبـا            

فقال: أحسنت يا نضر! وكتب لي إلى الحسن بن سهل بخمسين ألفاً، وأمر خادماً بإيصال رقعة، وتنجيز ما أمر به لي، فمضيت معه إليه، فلما قرأ التوقيع ضحك، وقال لي: يا نضر، أنت الملحن لأمير المؤمنين؟ قلت: لا، بل لهشيم. قال: فذاك إذن، وأطلق لي الخمسين ألف درهم، وأمر لي بثلاثين ألفاً.

أخبرني الحسين بن يحيى، قال: حدثنا حماد عن أبيه قال: بلغني أن حمزة بن بيض الحنفي كان يسامر عبد الملك بن بشر بن مروان، وكان عبد الملك يعبث به عبثاً شديداً، فوجه إليه ليلة برسول، وقال: خذه على أي حال وجدته عليها، ولا تدعه يغيرها، وحلفه على ذلك، وغلظ الأيمان عليه. فمضى الرسول، فهجم عليه، فوجده يريد أن يدخل الخلاء، فقال: أجب الأمير. فقال: ويحك، إني أكلت طعاماً كثيراً، وشربت نبيذا حلواً، وقد أخذني بطني. قال: والله لا تفارقني أو امضي بك إليه، ولو سلحت في ثيابك. فجهد في الخلاص، فلم يقدر عليه، فمضى به إلى عبد الملك، فوجده قاعداً في طارمة له، وجارية جميلة كان يتحظاها جالسة بين يديه، تسجر الن في طارمنه، فجلس يحادثه وهو يعالج ما هو فيه.

قال: فعرضت لي ريح، فقلت: أسرحها واستريح، فلعل ريحها لا يتبين مع هذا البخور، فأطلقتها، فغلبت والله ريح الند وغمرته، فقال: ما هذا ياحمزة! قلت: علي عهد الله وميثاقه، وعلي المشي والهدي إن كنت فعلتها.

وما هذا إلا عمل هذه الفاجرة. فغضب واحتفظ وخجلت الجارية، فما قدرت على الكلام، ثم جاءتني أخرى فسرحتها، وسطع واله ريحها. فقال: ما هذا ويلك! أنت والله الآفة. فقلت: امرأتي فلانة طالق ثلاثاً إن كنت فعلتها. قال: وهذه اليمين لا زمة لي إن كنت فعلتها، وما هو إلا عمل هذه الجارية، فقال: ويلك ما قصتك؟ قومي إلى الخلاء إن كنت تجدين حساً، فزاد خجلها وأطرقت. وطمعت فيها، فسرحت الثالثة، وسطع من ريحها ما لم يكن في الحساب، فغضب عبد الملك، حتى كاد يخرج من جله، ثم قال:خذ يا حمزة بيد الزانية، فقد وهبتها لك وامض فقد نغصت علي ليلتي.

فأخذ والله بيدها، وخرجت، فلقيني خادم له، فقال: ما تريد أن تصنع؟ قلت أمضي بهذه قال: لا تفعل، فوالله لئن فعلت ليبغضنك بغضاً لا تنتفع به بعدها أبداً، وهذه مئة دينار، فخذها ودع الجارية فإنه يتحظاها، وسندم على هبته إياها لك. قلت: والله لا نقصتك من خمس مئة دينار. فلم يزل يزايدني حتى بلغ مئتي دينار، ولم تطب نفسي أن أضيعها، فقلت: هاتها، فأعطانيها، وأخذها الخادم.

فلما كان بعد ثلاث دعاني عبد الملك، فلما قربت من داره لقيني الخادم، فقال: هل لك في مئة دينار وتقول ما لا يضرك، ولعله أن ينفعك؟ قلت: وما ذاك؟ قال: إذا دخلت إليه اعيت عنده الثلاث الفسوات، ونسبتها إلى نفسك، وتنفح عن الجارية ما قرفتها به. قلت: هاتها. فدفعها إلي، ودخلت على عبد الملك، فلما وقفت بين يديه قلت: ألي الأمان حتى اخبرك بخبر يسرك، وتضحك منه؟ قال: لك الأمان. قلت: أرأيت ليلة حضوري وما جرى؟ قال: نعم. فقلت: فعلي وعلي إن كان فسا تلك الفسوات غيري. فضحك حتى سقط على قفاه،. ثم قال: ويلك! فلم لم تخبرني؟ قلت: أردت بذلك خصالاً، منها أن قمت فقضيت حاجتي، وقد كان رسولك منعني منها، ومنها أني أخذت جاريتك، ومنها أن كا فأتك على أذاك لي بمثله. فقال: فأين الجارية؟ قلت: ما برحت من دارك ولا خرجت حتى سلمتها إى فلان الخادم، وأخذت مائتي دينار. فسر بذلك، وأمر لي بمئتي دينار أخرى، وقال: هذه لجميل فعلك بي، وتركك أخذ الجارية. قال حمزة بن بيض: ودخلت إليه يوماً وكان له غلام لم ير الناس أنتن إبطاً منه، فقال لي: يا حمزة، سأبق غلامي حتى يفوح صنانكما، فأيكما كان صنانته أنتن، فله مئة دينار. فطمعت في المائة، ويئست منها لما أعلمه من نتن إبط الغلام، فقلت: افعل . وتعادينا، فسبقني، فسلحت في يدي، ثم لطخت إبطي بالسلاح، وقد كان عبد الملك جعل بيننا حكماً يخبره بالقصة، فلما دنا الغلام منه فشمه، وثب، وقال هذا والله لا يساجله شيء .

فصحت به: لا تعجل بالحكم، مكانك. ثم دنوت منه، فألقمت أنفه إلطي حتى علمت أن قد خالط دماغه، وأنا ممسك رأسه تحت يدي. فصاح: الموت والله! هذا بالكنف أشبه منه بالآبط! فضحك عبد الملك، ثم قال: أفحكمت له؟ قال: نعم. فأخذت الدنانير.
أخبرني عمي قال: حدثني جعفر العاصمي قال: حدثنا عيينة بن المنهال، عن اليثم بن عدي، عن أبي يعقوب الثقفي، قال: قال حمزة بن بيض: دخلت يوماً على مخلد بن يزيد، فقلت:

أن المشارق والمغارب كلها

 

تجبى وأنت أميرها وإمامها

فضحك ثم قال: مه؟ فقلت:

أعفيت قبل الصبح نوم مسهدٍ

 

في ساعة ما كنت قبل أنامها

قال: ثم ماذا كان؟ قلت:

فرأيت أنك جدت لي بوصيفة

 

موسومة حسنٍ علي قيامها

قال: قد فعلت. فقلت:

ويبدرة حملت إلي وبغـلة

 

سفواء ناجية يصل لجامها

قال: حقق الله رؤياك. ثم أمر لي بذلك كله، وما علم الله أني رأيت من ذلك شيئاً.

قال مؤلف هذا الكتاب: وقد روي هذا الخبر بعينه لا بن عبدلٍ الأسدي، وذكرته في أخباره.

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا أبو حاتم، قال: حدثنا عمار بن عيقيل بن بلال بن جرير، قال: حج حمزة بن بيض الحنفي، فقال له ابن عم له: أحجج بي معك. فأخرجه معه، فحوقل عليه بعد نشاكه فقال ابن بيض فيه:

وذي سـنةٍ لـم يدر مـا الـسـير قـبـلــهـــا

 

ولـم يعـنـف خـرقـا مـن الأرض مـجـهـلا

ولـم يدر مـا حـل الـحـبـال وعـقـــدهـــا

 

إذ الـبـرد لـن تـبـرك لـكـفـيه مـعـمــلا

ولـم يقـر مــأجـــوراً ولا حـــج حـــجة

 

فيضـرب سـهـمـاً أو بـصـاحـب مـكـتــلا

غدونـا بـه كـالـبـعـل ينـفـــض رأســـه

 

نشـاطـاً بـنـاء الـخـبـر حـتـى تـفـتـــلا

ترى الـمـحـمـل الـمـحـسـور نـاء عـرامـه

 

وبـابـاً إذا أمـسـى مـن الـشـر مـقـفـــلا

وإن قـلـت لــيلا: أين أنـــت لـــحـــاجةٍ

 

أجـاب بـأن لـبـيك عـشــراً وأقـــبـــلا

يسـوق مـطـي الـقــوم طـــوراً وتـــارة

 

يقـود وإن شـئنـا حـداً ثـم جــلـــجـــلا

فأجـلـتـه خـمـسـاً وقـلـت لـه: انـتـنـظـر

 

رويداً؛ وأجـلـنـا الـمـطـــي لـــيدبـــلا

فلـمـا صـدرنـا عـن زبـالة وارتـــمـــت

 

بنـا الـعـيس مـنـهـا مـقـلا ثـم مـنـقــلا

ترامـت بـه الـمـومـاة حـتـى كـانــمـــا

 

يسـف بـمـعـسـول الـخـزيرة حـنـظـــلا

وحتـى نـبـا عـلـى مـزود الـقـوم ضـرسـه

 

وعـادى مـن الـجـهـد الـثـريد الـمـرعـبـلا

وحـتـى لـو ان الـلـيث لــيث خـــفـــية

 

يحـاولـه عـن نـفـسـه مـا تـحـلــحـــلا

وحـتـى لـو ان الـلـه أعـطـاه ســـؤلـــه

 

وقبـل لـه: مـا تـشـتـهـي؟ قـال: مـحـمـلا

فقـلـت لـه لــمـــا رأيت الـــذي بـــه

 

وقـد خـفـت أن ينـضـى لـدينــا ويهـــزلا

أطـعـنـي وكـل شـيئاً، فـقـال مـــعـــذرا

 

من الـجـهـد، أطـعـمـنـي تـرابـاً وجـنـدلا

فلـلـمـوت خـير مـنـك جـاراً وصـاحـبـــا

 

فدعـنـي فـلا لـبــيك ثـــم تـــجـــدلا

وقـال: اقـلـنـي عـثـرتـي وارع حـرمـتــي

 

وقـد فـر مـنـي مـرتـين لــيقـــفـــلا

فقلت له: لا والذيأنا أعبدهأقبلك حتى تمسح الركن أولا

 

 

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن سعد قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم الهاشمي، قال: حدثني أبو عمر العمري، قال: حدثني عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان قال: قدم حمزة بن بيض على مخلد بن يزيد بن المهلب، فوعده أن يصنع به خيراً، ثم شغل عنه، فاختلف إليه مراراً، قلم يصل إليه، وأبطأت عليه عدته، فقال ابن بيض:

أمخلد إن الله ما شاء يصنـع

 

يجود فيعطي من يشاء ويمنع

وإني قد أملت منك سـحـابة

 

فحالت سراباً فوق بيداء تلمع

فأجمعت صرماً ثم قلت: لعله

 

يثوب إلى أمر جميل فيرجع

فأيأسني من خـير مـخـلـد أنـه

 

على كل حال ليس لي فيه مطمع

يجـود لأقـــوام يودون أنـــه

 

من البغض والشنأن أمسى يقطـع

ويبخل بالمـعـروف عـمـن يوده

 

فو الله ما أدري به كيف أصنـع؟

أأًرمه فالـصـرم شـر مـغـبة

 

ونفسي إليه بالوصـال تـطـلـع

وشتان بيني في الوصـال وبـينـه

 

على كل حال أستقـيم ويظـلـع

وقد كان دهراً واصلاً لـي مـودةً

 

ويمنعني من صرف دهري أضرع

وأعقبني صرماً على غـير إحـنة

 

ويخلا وقدما كـان لـي يتـبـرع

وغيره ما غير الـنـاس قـبـلـه

 

فنفسي بما يأتي به ليس تـقـنـع

ثم كتبها في قرطاس وختمه، وبعث به مع رجل، فدفعه إلى غلامه، فدفعه الغلام إليه، فلما قرأه سأل الغلام: من صاحب الكتاب؟ قال: لا أعرفه. فادخل إليه الرجل، فقال: من أعطاك هذا الكتاب؟ ومن بعث به معك؟ قال: لا أدري، ولكن من صفته كذا وكذا، ووصف ابن بيض، فأمر به فضرب عشرين سوطاً على رأسه، وأمر له بخمس مئة درهم، وكساه، وقال: إنما ضربناك أدباً لك، لأنك حملت كتاباً لا تدري ما فيه، لمن لا تعرف، فإياك أن تعود لمثلها. قال الرجل: لا والله، أصلحك الله، لا أحمل كتاباً لم أعرف، ولا لمن لا أعرف. قال له مخلد: احذر، فليس كل أحد يصنع بك صنيعي؛ وبعث إلى ابن بيض، فقال له: أتعرف ما لحق صاحبك الرجل؟ قال: لا فحدثه مخلد بقصته، فقال ابن بيض: والله، أصلحك الله، لا تزال نفسه تتوق إلى العشرين سوطاً مع الخمس مائة أبداً. فضحك مخلد، وأمر له بخمسة آلاف درهم، وخمسة أثواب، وقال: وأنت والله لا تزال نفسك تتوق إلى عتاب إخواتك أبداً. قال: أجل والله، ولكن من لي بمثلك يعتبني إذا استعتبة، ويفعل بي مثل فعلك؟ ثم قال:

وأبيض بهـلـول إذا جـئت داره

 

كفاني وأعطاني الذي جئت أسأل

ويعتبني يوماً إذا كنـت عـاتـبـا

 

وإن قلت، زدني: قال: حقا سأفعل

رتاه إذا ما جئة تطلـب الـنـدى

 

كأنك تعطيه الذي جئت تـسـأل

فا لله أبناء الـمـهـلـب فـتـيةً

 

إذا لقحت حرب هـوان تـأكـل

هم يصطلون الحرب والموت كانع

 

بسمر القنا و المشرفية من عـل

ترى الموت تحت الخافقات أمامهم

 

إذا وردوا علو الرماح وأنهـلـوا

يجودون حتى يحسب الناس أنهـم

 

لجودهم نذر عـلـيهـم يحـلـل

غيوث لمن يرجو نداهم وجودهـم

 

سمـام لأقـوام ذعـاف يثـمـل

وفى لي أبناء المهـلـب إنـهـم

 

إذا سئلوا المعروف لم يتسعـلـوا

فذلك ميراث الـمـهـلـب إنـه

 

كريم نمـاه لـلـمـكـارم أول

جرى وجرت أباؤه فـتـحـرزوا

 

عن الذم في عبطاء لا تـتـوقـل

فلما أنشده ابن بيض هذه الأبيات، أمر له بعشرة آلاف درهم، وعشرة أثواب، وقال: نزيدك ما زدتنا، ونضعف لك. فقال:

أمـــخـــلـــد لـــم تـــتـــرك لـــنــــفـــــــســـــــي بـــــــغـــــــيةً

 

وزدت عـــــــلـــــــى مـــــــاكـــــــنـــــــت أرجـــــــو وآمــــــــل

فكـــنـــت كـــمـــا قـــــد قـــــــال مـــــــعـــــــن فـــــــإنـــــــه

 

بصــــير بـــــــمـــــــا قـــــــد قـــــــال إذ يتـــــــمـــــــثـــــــل

وجـــدت كـــثـــير الــــــمـــــــال إذ ضـــــــن مـــــــعـــــــدمـــــــاً

 

يذم ويلـــــــحـــــــاه الـــــــصـــــــديق الـــــــمـــــــؤمــــــــــل

وإن أحـــــــق الـــــــنـــــــاس بـــــــالـــــــجـــــــود مــــــــن رأى

 

أبـــــــاه جـــــــواداً لـــــــلـــــــمـــــــكـــــــارم يجـــــــــــزل

ترب الـــــــذي قـــــــد كـــــــــان قـــــــــــــــدم والـــــــــــــــد

 

أغـــــــر إذا مـــــــا جـــــــئتـــــــه يتـــــــهـــــــلــــــــــــل

وجـــــــدت يزيداً والـــــــمـــــــهـــــــلـــــــــب بـــــــــــــــرزا

 

فقـــلـــت: فــــإنـــــــي مـــــــثـــــــل ذلـــــــك أفـــــــعـــــــل

ففـــــــزت كـــــــمـــــــا فـــــــازا وجـــــــاوزت غـــــــــــــــاية

 

يقـــصـــر عـــنـــهـــا الـــســـابـــق الـــمــــتـــــــمـــــــهـــــــل

فأنـــــــت غـــــــياث لـــــــلـــــــيتـــــــامـــــــى وعـــــــــــمة

 

إلـــيك جـــمـــال الـــطـــالـــبـــي الـــــــخـــــــير تـــــــرحـــــــل

أصـــــــاب الـــــــذي رجـــــــى نـــــــداك مــــــــخـــــــــــــــيلةً

 

تصـــب عـــز الـــيهـــــــا عـــــــلـــــــيه وتـــــــهـــــــطـــــــل

ولـــم تــــــلـــــــف إذ رجـــــــوا نـــــــوالـــــــك بـــــــاخـــــــلا

 

تضـــن عـــلـــى الـــمـــعـــــروف والـــــــمـــــــال يعـــــــقـــــــل

وموت الفتى خير له من حياتهإذا كان ذا مال يضن ويبخلفقال له مخلد: احتكم. فأعطاه عشرة آلاف دينار وجارية وغلاماً وبرذوناً.                                                                                                    

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، عن المدائني، قال: كان حمزة بن بيض شارعاً ظريفاً، فشاتم حماد بن الزبرقان، وكان من ظرفاء أهل الكوفة، وكلاهما صاحب شراب، وكان حماد يتهم بالزندقة، فمشى الرجال بينهما حتى اصطلحا، فدخلا يوماً على بعض ولاة الكوفة، فقال لابن بيض: أراك قد صالحت حماداً، فقال ابن بيض: نعم، أصلحك الله، على ألا آمره بالصلاة، ولا ينهاني عنها.
أخبرني محمد بن زكريا الصحاف قال: حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي قال: حدثني الهيثم بن عدي قال: قدم حمزة بن بيض البصرة زائاً لبلال بن أبي بردة بن أبي موسى، وبينهما مودة منذ الصبا، فطال مقامه عنده، فشتاق إلى أهله وولده، فكتب إلى بلال

كلت رحالي وأعواني وأحـراسـي

 

إلى الأمير وإدلاجي زإمـلاسـي

إلى امرىء مشبع مجداً ومـكـرمة

 

عادية فهو حالٍ منهمـا كـاسـي

فلست منك ولا مما مـنـنـت بـه

 

من فضل ودك كالمرمي في راسي

إنـي وإياك والإخـوان كـلـهـم

 

في العسر واليسر لو قيسوا بمقياس

وذاك مما ينوب الدهر مـن حـدث

 

كلورد في المثل المضروب والآس

يبيد هذا فيلـبـى بـعـد جـدتـه

 

غضـا وآخـره رهـن بـإينـاس

وأنت لي دائم بـاقٍ بـشـاشـتـه

 

يهتز في عودلا عش ولا عـاسـي

فعجل له بلال صلته، وسرحه إلى الكوفة.
أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: حدثنا إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثنا أبو المعارك الضبي قال: حدثني أبو مسكين قال: دخل حمزة بن بيض على سليمان بن عبد الملك، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

رأيتك في المنام شننت خزا

 

علي بنفسجاً وقضيت ديني

فصدق يا فدتك النفس رؤيا

 

رأتها في المنام لديك عيني

فقال سليمان: يا غلام أدخله خزانة الكسوة، واشنن عليه كل ثوب خز بنفسجي فيها: فخرج كأنه مشجب . ثم قال له: كم دينك؟ قال: عشرة آلاف درهم. فأمر له بها.

من سره ضرب يرعبل بعضه

 

بعضاً كمعمعة الأباء المحرق

فليأت مأسدة تسن سيوفـهـا

 

بين المذاد وبين جزع الخندق

ويروي: يمعمع بعضه بعضاً. والمعمعة: وتسن: اختلاف الأصوات وسدة زجلها. والمأسدة: الموضع الذي تجتمع فيه الأسد. وتسن: تحد. يقال: سيف مسنون. والمذاد: موضع بالمدينة. والخندق: يعني به الخندق الذي احتفره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة. والشعر لكعب بن مالك الأنصاري. والغناء لابن محرز: خفيف رمل، بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى، عن إسحاق وعمرو.