أخبار حسين بن الضحاك ونسبه

أخبار حسين بن الضحاك ونسبه

منشؤه وشعره: الحسين بن الضحاك باهليٌ صليبةٌ ، فيما ذكر محمد بن داود بن الجراح، والصحيح أنه مولى لباهلة. وهو بصري المولد والمنشأ، من شعراء الدولة العباسية، وأحد ندماء الخلفاء من بني هاشم. ويقال: إنه أول من جالس منهم محمد الأمين. شاعرٌ أديبٌ ظريف مطبوعٌ حسن التصرف في الشعر حلو المذهب، لشعره قبول ورونق صافٍ. وكان أبو نواس يأخذ معانيه في الخمر فيغير عليها. وإذا شاع له شعر نادر في هذا المعنى نسبه الناس إلى أبي نواس. وله معانٍ في صفتها أبدع فيها وسبق إليها، فاستعارها أبو نواس، وأخبارهما في هذا المعنى وغيره تذكر في أماكنها. وكان يقلب الخليع والأشقر، وهاجى مسلم بن الوليد فانتصف منه. وله غزل كثير جيد. وهو من المطبوعين الذين تخلوا أشعارهم ومذاهبهم جملةً من التكلف. وعمر عمراً طويلاً حتى قارب المائة السنة، ومات في خلافة المستعين أو المنتصر.

وحدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال: كان حسين بن الضحاك بن ياسر مولًى لباهلة، وأصله من خراسان، فكان ربما اعترف بهذا الولاء وربما جحده، وكان يلقب بالأشقر، وهو ومحمد بن حازم الباهلي ابنا خالة. وحدثني الصولي عن إبراهيم بن المعلى الباهلي: أنه سأله عن نسب حسين بن الضحاك فقال: هو حسين بن الضحاك بن ياسر، من موالي سليمان بن ربيعة الباهلي. قال الصولي: وسألت الطيب بن محمد الباهلي عنه فقال لي: هو الحسين بن الضحاك بن فلان بن فلان بن ياسر، قديم الولاء، وداره في بني مجاشع وفيها ولد الحسين، أرانيها صاحبنا سعيد بن مسلم.

قال قصيدته الخمرية فاستحسنها أبو نواس ونسبت إليه: أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب ومحمد بن يحيى الصولي قالا: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال حدثنا حسين بن الضحاك قال: أنشدت أبا نواس لما حججت قصيدتي التي قلتها في الخمر وهي:

بدلت من نفحات الورد بـالآء

 

ومن صبوحك در الإبل والشاء

فلما انتهيت منها إلى قولي:

حتى إذا أسندت في البيت واحتضرت

 

عند الصبوح ببسـامـين أكـفـاء

فضت خواتمها في نعت واصفـهـا

 

عن مثل رقراقةٍ في جفن مرهـاء

قال: فصعق صعقةً أفزعني، وقال: أحسنت والله يا أشقر! فقلت: ويلك يا حسن! إنك أفزعتني والله! فقال: بلى والله أفزعتني ورعتني، هذا معنى من المعاني التي كان فكري لا بد أن ينتهي إليها أو أغوص عليها وأقولها فسبقتني إليه واختلسته مني، وستعلم لمن يروى ألي أم لك، فكان والله كما قال، سمعت من لا يعلم يرويها له.
أخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني محمد بن عبد الله بني هاشم أبو جعفر قال: سمعت الحسين بن الضحاك يقول: لما قلت قصيدتي:

بدلت من نفحات الورد بالآء

أنشدتها أبا نواس، فقال: ستعلم لمن يرويها الناس ألي أم لك، فكان الأمر كما قال، رأيتها في دفاتر الناس في أول أشعاره.
أخبرني جعفر بن قدامه عن أحمد بن أبي طاهر بن صالح عن الحسين بن الضحاك، فذكر نحواً منه.

ذكر للمأمون فحجبه لشعره في الأمين

أخبرني الصولي قال حدثني عبد الله بن محمد الفارسي عن ثمامة بن أشرس، قال الصولي وحدثينه عون بن محمد عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: لما قدم المأمون من خراسان وصار إلى بغداد، أمر بأن يسمى له قومٌ من أهل الأدب ليجالسوه ويسامروه، فذكر له جماعةٌ فيهم الحسين بن الضحاك، وكان من جلساء محمد المخلوع، فقرأ أسماءهم حتى بلغ إلى اسم حسين، فقال: أليس هو الذي يقول في محمد:

هلا بقيت لسد فـاقـتـنـا

 

أبداً وكان لغيرك التـلـف

فلقد خلفت خلائفاً سلـفـوا

 

ولسوف يعوز بعدك الخلف

لا حاجة لي فيه، والله لا يراني أبداً إلا في الطريق. ولم يعاقب الحسين على ما كان من هجائه له وتعريضه به. قال: وانحدر حسينٌ إلى البصرة فأقام بها طول أيام المأمون.
أخبرني عمي والكوكبي بهذا قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا عبد الله بن الحارث المروزي عن إبراهيم بن عبد الله ابن أخي السندي بن شاهك، فذكر مثله سواء.

أنشد المأمون مدحه فيه فلم يرض عنه

قال ابن أبي طاهر فحدثني محمد بن عبد الله صاحب المراكب قال أخبرني أبي عن صالح بن الرشيد قال: دخلت يوماً على المأمون ومعي بيتان للحسين بن الضحاك، فقلت: يا أمير المؤمنين، أحب أن تسمع مني بيتين، فقال: أنشدهما فأنشدته:

حمدنا الله شكراً إذ حبـانـا

 

بنصرك يا أمير المؤمنينـا

فأنت خليفة الرحمن حـقًّـا

 

جمعت سماحةً وجمعت دينا

فقال: لمن هذان البيتان يا صالح؟ فقلت: لعبدك يا أمير المؤمنين حسين بن الضحاك، قال: قد أحسن. فقلت: وله يا أمير المؤمنين أجود من هذا، فقال: وما هو؟ فأنشدته قوله:

صوت

أيبخل فرد الحسن فرد صفاته

 

علي وقد أفردته بهوًى فرد

رأى الله عبد الله خير عبـاده

 

فملكه والله أعلم بالـعـبـد

قال: فأطرق ساعةً ثم قال: ما تطيب نفسي له بخير بعدما قال في أخي محمد وقال.
قال أبو الفرج: وهذه الأبيات تروى لابن البواب، وستذكر في أبوابه إن شاء الله تعالى، وعلى أن الذي رواها غلط في روايته غلطاً بيناً، لأنها مشهورةٌ من شعر حسين بن الضحاك. وقد روي أيضاً في أخباره أنه دفعها إلى ابن البواب فأوصلها إلى أن ابن المأمون، وكان له صديقاً. ولعل الغلط وقع من هذه الجهة. الغناء في الأبيات المذكورة المنسوبة إلى حسين بن الضحاك وإلى ابن البواب الدالية لإبراهيم بن المهدي خفيف ثقيلٍ بالبنصر. وفيها لعبيد الله بن موسى الطائفي رمل بالبنصر.

أمر المأمون ابن بانة بالغناء بشعره في الأمين:

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه عن عمرو بن بانة أنهم كانوا عند صالح بن الرشيد، فقال: لست تطرح على جواري وغلماني ما أستجيده! فقال له: ويلك! ما أبغضك ابعث إلى منزلي فجيء بالدفاتر واختر منها ما شئت حتى ألقيه عليهم، فبعث إلى منزلي فجيء إليه بدفاتر الغناء فأخذ منها دفتراً ليتخير مما فيه، فمر به شعر الحسين بن الضحاك يرثي الأمين ويهجو المأمون وهو:

أطل حزناً وابك الإمام محمـداً

 

بحزن وإن خفت الحسام المهندا

فلا تمت الأشياء بعد مـحـمـدٍ

 

ولا زال شمل الملك منها مبددا

ولا فرح المأمون بالملك بعـده

 

ولا زال في الدنيا طريداً مشردا

فقال له صالح: أنت تعلم أن المأمون يجيء إلي في كل ساعة، فإذا قرأ هذا ما تراه يكون فاعلاً! ثم دعا بسكين فجعل يحكه، وصعد المأمون من الدرجة ورمى صالح الدفتر. فقال المأمون: يا غلام الدفتر، فأتي به، فنظر فيه ووقف على الحك فقال: إن قلت لكم: ما كنتم فيه تصدقوني؟ قلنا: نعم. قال: ينبغي أن يكون أخي قال لك: ابعث فجيء بدفاترك ليتخير ما تطرح، فوقف على هذا الشعر فكره أن أراه فأمر بحكه، قلنا: كذا كان. فقال: غنه يا عمرو، فقلت: يا أمير المؤمنين، الشعر لحسين بن الضحاك والغناء لسعيد بن جابر، فقال: وما يكون! غنه فغنيته، فقال: اردده فرددته ثلاث مرات، فأمر لي بثلاثين ألف درهم، وقال: حتى تعلم انه لم يضررك عندي.

قال: وسعيد بن جابر الذي يقول فيه حسين بن الضحاك، وكان نديمه وصديقه:

يا سعيد وأين مني سعيد

مراثيه في الأمين

ولحسين بن الضحاك في محمد الأمين مراثٍ كثيرةٌ جياد، وكان كثير التحقق به والموالاة له لكثرة أفضاله عليه وميله إليه وتقديمه إياه. وبلغ من جزعه عليه أنه خولط، فكان ينكر قتله لما بلغه ويدفعه ويقول: إنه مستتر وإنه قد وقف على تفرق دعاته في الأمصار يدعون إلى مراجعة أمره والوفاء ببيعته ضنًّا به وشفقةً عليه. ومن جيد مراثيه إياه قوله:

صوت

سألوني أن كيف نحن فقلنـا

 

من هوى نجمه فكيف يكون

نحن قوم أصابنا حدث الـده

 

ر فظلنا لريبه نسـتـكـين

نتمنـى مـن الأمـين إيابـاً

 

لهف نفسي وأين مني الأمين

في هذه الأبيات لسعيد بن جابر ثاني ثقيل بالوسطى. وفيها لعريب خفيف ثقيلٍ.
ومن جيد قوله في مراثيه إياه

أعزى يا محمد عنك نفسـي

 

معاذ الله والأيدي الجـسـام

فهلا مات قوم لم يمـوتـوا

 

ودوفع عنك لي يوم الحمـام

كأن الموت صادف منك غنما

 

أو استشفى بقربك من سقام

أعجب المأمون ببيت من شعره وأجازه عليه بثلاثين ألف درهم: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال قال لي محمد بن عباد: قال لي المأمون وقد قدمت من البصرة؛ كيف ظريف شعرائكم وواحد مصركم؟ قلت: ما أعرفه، قال: ذاك الحسين بن الضحاك، أشعر شعرائكم وأظرف ظرفائكم. أليس هو الذي قال:

رأى الله عبد الله خير عباده

 

فملكه والله أعلم بالعـبـد

قال: ثم قال لي المأمون: ما قال في أحد من شعراء زماننا بيتاً أبلغ من بيته هذا، فاكتب إليه فاستقدمه، وكان حسين عليلاً وكان يخاف بوادر المأمون لما فرط منه، فقلت للمأمون: إنه عليل يا أمير المؤمنين، علته تمنعه من الحركة والسفر. قال: فخذ كتاباً إلى عامل خراجكم بالبصرة حتى يعطيه ثلاثين ألف درهم، فأخذت الكتاب بذلك وأنفذته إليه فقبض المال.

قال الأزدي هو أشعر المحدثين

حدثنا علي بن العباس بن أبي طلحة الكاتب قال سمعت أبا العباس محمد بن يزيد الأزدي يقول: حسين بن الضحاك أشعر المحدثين حيث يقول:

أي ديباجة حـسـن

 

هيجت لوعة حزني

إذ رماني القمر الزا

 

هر عن فترة جفن

بأبي شـمـس نـهـارٍ

 

برزت فـي يوم دجـى

قربتني بـالـمـنـى ح

 

تى إذا ما أخلفـتـنـي

تركتنـي بـين مـيعـا

 

د وخلـفٍ وتـجـنـي

ما أراني لي من الصب

 

وة إلا حسـن ظـنـي

إنما دامت على الـغـد

 

ر لما تعـرف مـنـي

أستعـيذ الـلـه مـن إع

 

راض من أعرض عني

استقدمه المعتصم من البصرة

أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني أبو الفيض بن سوادة عن جدي قال: لما ولي المعتصم الخلافة سألني عن حسين بن الضحاك، فأخبرته بإقامته بالبصرة لانحراف المأمون عنه، فأمر بمكاتبته بالقدوم عليه فقدم. فلما دخل وسلم استأذن في الإنشاد له، فأنشده قوله:

هلا سألت تلذذ المشـتـاق

 

ومننت قبل فراقه بتـلاق

إن الرقيب ليستريب تنفسـاً

 

صعداً إليك وظاهر الإقلاق

ولئن أربت لقد نظرت بمقلةٍ

 

عبري عليك سخينة الآماق

نفسي الفداء لخائفٍ مترقب

 

جعل الوداع إشارةً بعنـاق

إذ لا جواب لمفحمٍ متحـيرٍ

 

إلا الدموع تصان بالإطراق

حتى انتهى إلى قوله:

خير الوفود مبشرٌ بـخـلافةٍ

 

خصت ببهجتها أبا إسـحـاق

وافته في الشهر الحرام سليمة

 

من كل مشكلة وكل شقـاق

أعطته صفقتها الضمائر طاعةً

 

قبل الأكف بأوكد المـيثـاق

سكن الأنام إلى إمـام سـلامةٍ

 

عف الضمير مهذب الأخلاق

فحمى رعيته ودافع دونـهـا

 

وأجار مملقها من الإمـلاق

حتى أتمها. فقال له المعتصم: ادن مني فدنا منه، فملأ فمه جوهراً من جوهر بين يديه، ثم أمره بأن يخرجه من فيه فأخرجه، وأمر بأن ينظم ويدفع إليه ويخرج إلى الناس وهو في يده ليعلموا موقعه من رآيه ويعرفوا فعله. فكان أحسن ما مدح به يومئذ.
ومما قدمه أهل العلم على سائر ما قالته الشعراء قول حسين بن الضحاك حيث قال:

قل للألى صرفوا الوجوه عن الهدى

 

متعسفين تـعـسـف الـمـراق

إني أحـذركـم بـوادر ضـيغـمٍ

 

دربٍ بحطـم مـوائل الأعـنـاق

متأهـبٍ لا يسـتـفـز جـنـانـه

 

زجل الرعـود ولامـع الإبـراق

لم يبق من متعـرمـين تـوثـبـوا

 

بالشأم غـير جـمـاجـمٍ أفـلاق

من بين منجدل تـمـج عـروقـه

 

علـق الأخـادع أو أسـير وثـاق

وثنى الخيول إلى معاقل قـيصـرٍ

 

تخـتـال بـين أحـزةٍ ورقــاق

يحملن كل مشـمـر مـتـغـشـمٍ

 

ليثٍ هـزبـرٍ أهـرت الأشـداق

حتى إذا أم الحـصـون مـنـازلاً

 

والمـوت بـين تـرائبٍ وتـراق

هرت بطارقها هـرير قـسـاورٍ

 

بدهت بأكره مـنـظـر ومـذاق

ثم استكانت للحصار مـلـوكـهـا

 

ذلاً وناط حلـوقـهـا بـخـنـاق

هربت وأسلمت الصليب عـشـيةً

 

لم يبق غير حـشـاشة الأرمـاق

قال: فأمر له المعتصم لكل بيت بألف درهم، وقال له: أنت تعلم يا حسين أن هذا أكثر ما مدحني به مادحٌ في دولتنا. فقبل الأرض بين يديه وشكره وحمل المال معه.

أعجب الرياشي لبيتين له في الخمر

حدثني علي قال حدثني عثمان بن عمر الآجري قال: سمعت الرياشي ينشد هذين البيتين ويستحسنهما ويستظرفهما جداً وهما:

إذا ما الماء أمكنـنـي

 

وصفو سلافة العنـب

صببت الفضة البيضـا

 

ء فوق قراضة الذهب

فقلت له: من يقولهما يا أبا الفضل؟ قال: أرق الناس طبعاً وأكثرهم ملحاً وأكملهم ظرفاً حسين بن الضحاك.

أخذ أبو نواس معنى له في الخمر فأجاده

أخبرني يحيى بن علي إجازةً قال حدثني أبي عن حسين بن الضحاك قال: أنشدت أبا نواس قصيدتي:

وشاطري اللسان مختلق التك

 

ريه شاب المجون بالنسـك

حتى بلغت إلى قولي :

كأنما نصب كاسه قـمـر

 

يكرع في بعض أنجم الفلك

قال: فأنشدني أبو نواس بعد أيام لنفسه:

إذا عب فيها شارب القوم خلته

 

يقبل في داجٍ من الليل كوكبا

قال: فقلت له: يا أبا علي هذه مصالتهٌ . فقال لي: أتظن أنه يروي لك في الخمر معنى جيد وأنا حي!. أخبرني به جعفر بن قدامة عن علي بن محمد بن نصر عن أحمد بن حمدون عن حسين بن الضحاك فذكر مثله.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال: أنشدت إبراهيم بن المدبر قول حسين بن الضحاك:

كأنما نصب كأسه قمـرٌ

 

حاسده بعض أنجم الفلك

حتى إذا رنحته سورتهـا

 

وأبدلته السكون بالحرك

كشفت عن وزة مسنـمة

 

في لين صينية من الفلك

فقال لي إبراهيم بن المدبر: إن الحسين كان يزعم أن أبا نواس سرق منه هذا المعنى حين يقول: يقبل في داج من الليل كوكبا فإن كان سرقه منه فهو أحق به لأنه قد برز عليه، وإن كان حسين سرقه منه فقد قصر عنه.

مدح الواثق حين ولي الخلافة فأجازه

أخبرني محمد بن يحيى الخراساني قال حدثني محمد بن مخارق قال: لما بويع الواثق بالخلافة ودخل عليه الحسين بن الضحاك فأنشده قصيدته التي أولها: صوت

ألم يرع الإسلام مـوت نـصـيره

 

بلى حق أن يرتاع من مات ناصره

سيسليك عما فات دولة مفـضـلٍ

 

أوائلـه مـحـمـودةٌ وأواخـره

ثنى الله عطفيه وألف شـخـصـه

 

على البر مذ شدت عليه مـآزره

يصب ببذل المال حتـى كـأنـمـا

 

يرى بذله للمال نـهـبـاً يبـادره

وما قدم الرحـمـن إلا مـقـدمـاً

 

موارده محـمـودةٌ ومـصـادره

فقال الواثق: إن كان الحسين لينطق عن حسن طوية ويمدح بخلوص نية. ثم أمر بأن يعطي لكل بيت قاله من هذه القصيدة ألف درهم. فأعجبته الأبيات، حتى أمر فصنعت فيها عدة ألحان، منها لعريب في طريقة الثقيل الأول.

سرقته من شعر أبي العتاهية وأخبرني محمد بن يحيى قال حدثني عون بن محمد قال حدثني محمد بن عمرو الرومي قال: لما ولي الواثق الخلافة أنشده حسين بن الضحاك قصيدةً منها:

سيسليك عما فات دولة مفضلٍ

 

أوائله محمـودةٌ وأواخـره

وما قدم الرحمن إلا مقـدمـاً

 

موارده محمودةٌ ومصـادره

قال: فأنشدت إسحاق الموصلي هذا الشعر، فقال لي: نقل حسين كلام أبي العتاهية في الرشيد حتى جاء بألفاظه بعينها حيث يقول:

جرى لك من هارون بالسعد طائره

 

إمام اعتزام لا تـخـاف بـوادره

إمامٌ لـه رأيٌ حـمـيدٌ ورحـمةٌ

 

موارده محمـودةٌ ومـصـادره

قال: فعجبت من رواية إسحاق شعر المحدثين، وإنما كان يروى للأوائل ويتعصب على المحدثين وعلى أبي العتاهية خاصةً.
في هذين الشعرين أغاني نسبتها:

صوت

جرى لك من هارون بالسعد طائره

 

إمام اعتزامٍ لا تـخـاف بـوادره

إمامٌ لـه رأيٌ حـمـيدٌ ورحـمةٌ

 

موارده محمـودةٌ ومـصـادره

هو الملك المجبول نفساً على التقى

 

مسلمةٌ من كل سوء عسـاكـره

لتغمد سيوف الحرب فاللـه وحـده

 

ولي أمير المؤمنـين ونـاصـره

الشعر لأبي العتاهية، على ما ذكره الصولي. وقد وجدت هذه القصيدة بعينها في بعض النسخ لسلمٍ الخاسر. والغناء لإبراهيم، وله في لحنان خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو وثاني ثقيل بالبنصر عن الهشامي.

صوت

سيسليك عما فات دولة مفضـلٍ

 

أوائله محـمـودةٌ وأواخـره

ثنى الله عطفيه وألف شخصـه

 

على البر مذ شدت عليه مآزره

الشعر لحسين بن الضحاك. والغناء لعريب ثقيل أول مطلق. وفيه لقلم الصالحية خفيف رمل، وهو أغرب اللحنين ولحن عريب المشهور.
مدح الواثق وهو في الصيد فأجازه أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني علي بن الصباح قال حدثني علي بن صالح كاتب الحسن بن رجاء قال حدثني إبراهيم بن الحسن بن سهل قال: كنا مع الواثق بالقاطول وهو يتصيد، فصادر صيداً حسناً وهو في الزو من الإوز والدراج وطير الماء وغير ذلك، ثم رجع فتغدى، ودعا بالجلساء والمغنين وطرب، وقال: من ينشدنا؟ فقام الحسين بن الضحاك فأنشده:

سقى الله بالقاطول مسرح طرفكا

 

وخص بسقياه مناكب قصركـا

حتى انتهى إلى قوله:

تخين للـدراج فـي جـنـبـاتـه

 

وللغر آجالٌ قـدرن بـكـفـكـا

حتوفاً إذا وجهتهـن قـواضـبـاً

 

عجالاً إذا أغريتهن بـزجـركـا

أبحت حماماً مصعداً ومـصـوبـاً

 

وما رمت في حاليك مجلس لهوكا

تصرف فيه بين نايٍ ومـسـمـع

 

ومشمولةٍ من كف ظبي لسقيكـا

قضيت لبـانـاتٍ وأنـت مـخـيمٌ

 

مريحٌ وإن شطت مسافة عزمكـا

وما نال طيب العـيش إلا مـودعٌ

 

وما طاب عيشٌ نال مجهود كدكا

فقال الواثق: ما يعدل الراحة ولذة الدعة شيء. فلما انتهى إلى قوله:

خلقت أمين الله للخلـق عـصـمةً

 

وأمناً فكلٌ فـي ذراك وظـلـكـا

وثقت بمن سماك بالغـيب واثـقـاً

 

وثبت بالتأييد أركـان مـلـكـكـا

فأعطاك معطيك الخلافة شكرهـا

 

وأسعد بالتقوى سريرة قـلـبـكـا

وزادك من أعمـارنـا غـير مـنة

 

عليك بها، أضعاف أضعاف عمركا

ولا زالت الأقدار فـي كـل حـالةٍ

 

عداةً لمن عاداك سلما لسلـمـكـا

إذا كنت من جدواك في كل نعـمةٍ

 

فلا كنت إن لم أفن عمري بشكركا

فطرب الواثق فضرب الأرض بمخصرةٍ كانت في يده، وقال: لله درك يا حسين! ما أقرب قلبك من لسانك! فقال: يا أمير المؤمنين، جودك ينطق المفحم بالشعر والجاحد بالشكر. فقال له: لن تنصرف إلا مسروراً، ثم أمر له بخمسين ألف درهم.
رغب الواثق في الشراب في يوم غيم حدثنا علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثنا أبو العباس الرياشي قال حدثنا الحسين بن الضحاك قال: دخلت على الواثق ذات يوم وفي السماء لطخ غيم، فقال لي: ما الرأي في هذا اليوم؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، ما حكم به وأشار إليه قبلي أحمد بن يوسف، فإنه أشار بصواب لا يرد وجعله في شعرٍ لا يعارض. فقال: وما قال؟ فقلت قال:

أرى غيماً تؤلفه جـنـوبٌ

 

وأحسبه سيأتينا بهـطـل

فعين الرأي أن تدعو برطلٍ

 

فتشربه وتدعو لي برطل

فقال: أصبتما، ودعا بالطعام وبالشراب والمغنين والجلساء واصطبحنا.
وصف ليلة لهو قضاها الواثق أخبرني علي بن العباس قال حدثني الحسين بن علوان قال حدثني العباس بن عبيد الله الكاتب قال: كان حسين بن الضحاك ليلةً عند الواثق وقد شربوا إلى أن مضى ثلثٌ من الليل، فأمر بأن يبيت مكانه. فلما أصبح خرج إلى الندماء وهم مقيمون، قال لحسين: هل وصفت ليلتنا الماضية وطيبها؟ فقال: لم يمض شيء وأنا أقول الساعة، وفكر هينهةً ثم قال:

حثت صبوحي فكاهة اللاهي

 

وطاب يومي بقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكامـنـه

 

من قبل يومٍ منغصٍ ناهـي

بابنة كرمٍ من كف منتطـقٍ

 

مؤزر بالـمـجـون تـياه

يسقيك من طرفه ومـن يده

 

سقى لطيف مجرب داهـي

كأساً فكأساً كأن شـاربـهـا

 

حيران بين الذكور والساهي

قال: فأمر الواثق برد مجلسه كهيئته، واصطبح يومه ذلك معهم، وقال: نحقق قولك يا حسين ونقضي لك كل أرب وحاجة.
شعره في جارية للواثق غضبت عليه أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن مغيرة المهلبي قال حدثنا حسين بن الضحاك قال: كانت لي نؤبةٌ في دار الواثق أحضرها جلس أو لم يجلس. فبينا أنا نائم ذات ليلةٍ في حجرتي، إذ جاء خادم من خدم الحرم فقال: قم فإن أمير المؤمنين يدعوك. فقلت له: وما الخبر؟ قال: كان نائماً وإلى جانبه حظيةٌ له فقام وهو يظنها نائمةً، فألم بجارية له أخرى ولم تكن ليلة نوبتها وعاد إلى فراشه، فغضبت حظيته وتركته حتى نام، ثم قامت ودخلت حجرتها، فانتبه وهو يرى أنها عنده فلم يجدها، فقال: اختلست عزيزتي، ويحكم أين هي؟ فأخبر أنها قامت غضبى ومضت إلى حجرتها، فدعا بك. فقلت في طريقي:

غضبت أن زرت أخرى خلسةً

 

فلها العتبى لدينـا والـرضـا

يا فدتك النفس كانـت هـفـوةً

 

فاغفريها واصفحي عما مضى

واتركي العذل على من قالـه

 

وانسبي جوري إلى حكم القضا

فلقد نبهتني من رقـدتـي

 

وعلى قلبي كنيران الغضا

قال: فلما جئته خبرني القصة وقال لي: قل في هذا شيئاً، ففكرت هنيهةً كأني أقول شعراً ثم أنشدته الأبيات.
فقال: أحسنت وحياتي! أعدها يا حسين، فأعدتها عليه حتى حفظها، وأمر لي بخمسمائة دينار، وقام فمضى إلى الجارية وخرجت أنا إلى حجرتي.

وأمره أن يقول شعراً في جارية له

أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال قال لي حسين بن الضحاك: كان الواثق يتحظى جاريةً له فماتت فجزع عليها وترك الشرب أياماً ثم سلاها وعاد إلى حاله، فدعاني ليلة فقال لي: يا حسين، رأيت فلانة في النوم، فليت نومي كان طال قليلاً لأتمتع بلقائها، فقل في هذا شيئاً. فقلت:

ليت عين الدهر عنا غفلت

 

ورقيب الليل عنا رقـدا

وأقام النوم فـي مـدتـه

 

كالذي كان وكنـا أبـدا

بأبي زورٌ تلـفـت لـه

 

فتنفست إليه الصـعـدا

بينما أضحك مسروراً به

 

إذ تقطعت عليه كـمـدا

قال: فقال لي الواثق: أحسنت! ولكنك وصفت رقيب الليل فشكوته ولا ذنب لليل وإنما رأيت الرؤيا نهاراً. ثم عاد إلى منامه فرقد.

سرق منه أبو نواس معنى في الخمر

أخبرني جحظة قال حدثني علي بن يحيى المنجم قال حدثني حسين بن الضحاك، وأخبرني به جعفر بن قدامة عن علي بن يحيى عن حسين بن الضحاك قال: لقيني أبو نواس ذات يوم عند باب أم جعفر من الجانب الغربي، فأنشدته:

أخوي حي على الصبوح صباحاً

 

هبا ولا تعدا الصبـاح رواحـا

هذا الشميط كأنـه مـتـحـير

 

في الأفق سد طريقه فألاحـا

ما تأمران بـسـكـرة قـروية

 

قرنت إلى درك النجاح نجاحا

هكذا قال جحظة. والذي أحفظه:

ما تأمران بقهوة قروية

قال: فلما كان بعد أيام لقيني في ذلك الموضع فأنشدني يقول:

ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا

 

وأمله ديك الصباح صياحـا

فقلت له: حسن يا بن الزانية؟ أفعلتها! فقال: دع هذا عنك، فو الله لا قلت في الخمر شيئاً أبداً وأنا حيٌّ إلا نسب لي.

شرب عند ابن المهدي فعربد عليه

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني محمد بن سعيد قال حدثني أبو أمامة الباهلي عن الحسين بن الضحاك، قال محمد بن يحيى وحدثني المغيرة بن محمد المهلبي: أن الحسين بن الضحاك شرب يوماً عند إبراهيم بن المهدي، فجرت بينهما ملاحاةٌ في أمر الدين والمذهب، فدعا له إبراهيم بنطع وسيف وقد أخذ منه الشراب، فانصرف وهو غضبان. فكتب إليه إبراهيم يعتذر إليه ويسأله أن يجيئه. فكتب إليه:

نديمي غير مـنـسـوب

 

إلى شيء من الـحـيف

سقاني مثـل مـا يشـر

 

ب فعل الضيف بالضيف

فلـمـا دارت الـكـأس

 

دعا بالنطع والـسـيف

كذا من يشرب الخـمـر

 

مع التنين في الصـيف

قال: ولم يعد إلى منادمته مدة. ثم إن إبراهيم تحمل عليه ووصل فعاد إلى منادمته.

نشأ هو وأبو نواس بالبصرة ثم رحل إلى بغداد واتصل بالأمين:

حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كنت أنا وأبو نواس تربين، نشأنا في مكان واحد وتأدبنا بالبصرة، وكنا نحضر مجالس الأدباء متصاحبين، ثم خرج قبلي عن البصرة وأقام مدة، واتصل بي ما آل إليه أمره، وبلغني إيثار السلطان وخاصته له، فخرجت عن البصرة إلى بغداد ولقيت الناس ومدحتهم وأخذت جوائزهم وعددت في الشعراء، وهذا كله في أيام الرشيد، إلا أني لم أصل إليه واتصلت بابنه صالح فكنت في خدمته. فغني يوماً بهذا الصوت:

أأن زم أجمالٌ وفـارق جـيرةٌ

 

وصاح غراب البين أنت حزين

فقال لي صالح: قل أنت في هذا المعنى شيئاً، فقلت:

أأن دب حسادٌ ومـل حـبـيب

 

وأورق عود الهجر أنت حبيب

ليبلغ بنا هجر الحبيب مرامـه

 

هل الحب إلا عبرةٌ ونحـيب

كأنك لم تسمع بـفـرقة ألـفةٍ

 

وغيبة وصل لا تـراه يؤوب

فأمر بأن يغني فيه. واتصلت بمحمد ابن زبيدة في أيام أبيه وخدمته، ثم اتصلت خدمتي له في أيام خلافته.

جفاه صالح بن الرشيد فترضاه بشعر فرضي عنه:

أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء عن الحسين بن الضحاك قال: كنت يوماً عند صالح بن الرشيد، فجرى بيننا كلامٌ على النبيذ وقد أخذ مني الشراب مأخذاً قوياً، فرددت عليه رداً أنكره وتأوله على غير ما أردت، فهاجرني، فكتبت إليه:

صوت

يا بن الإمام تركتني هملا

 

أبكي الحياة وأندب الأملا

ما بال عينك حين تلحظني

 

ما إن تقل جفونها ثقـلا

لو كان لي ذنبٌ لبحت بـه

 

كي لا يقال هجرتني مللا

إن كنت أعرف زلةً سلفت

 

فرأيت ميتة واحدى عجلا

– فيه خفيف ثقيل ينسب إلى عبد الله بن العلاء وإلى عبد الله بن العباس الربيعي – قال: فكتب إلي: قد تلافى لسانك بشعرك، ما جناه في وقت سكرك. وقد رضيت عنك رضاً صحيحاً، فصر إلي على أتم نشاطك، وأكمل بساطك. فعدت إلى خدمته فما سكرت عنده بعدها. قال: وكانت في حسين عربدةٌ.

أنشد ابن البواب شعره للمأمون وشفع له فجفاه المأمون أولاً ثم وصله:

وأخبرني ببعضه محمد بن مزيد بن أبي الأزهر ومحمد بن خلف بن المرزبان، وألفاظهما تزيد وتنقص. وأخبرني ببعضه محمد بن خلف وكيع عن آخره وقصة وصوله إلى المأمون ولم يذكر ما قبل ذلك. قال: وحدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه – ولم يقل وكيع: عن أبيه – واللفظ في الخبر لابن أبي الأزهر وحديثه أتم، قال: كنت بين يدي المأمون واقفاً، فأدخل إليه ابن البواب، رقعةً فيها أبيات وقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشادها، فظنها له فقال: هات، فأنشده:

أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد

 

متى تنجز الوعد المؤكد بالعهـد

أعيذك من خلف الملوك وقد بدا

 

تقطع أنفاسي عليك من الوجـد

أيبخل فرد الحسن عني بـنـائلٍ

 

قليلٍ وقد أفردته بهـوى فـرد

إلى أن بلغ إلى قوله:

رأى الله عبد الله خير عبـاده

 

فملكه والله أعلم بالـعـبـد

ألا إنما المأمون للناس عصمةٌ

 

مميزةٌ بين الضلالة والرشد

فقال المأمون: أحسنت يا عبد الله! فقال: يا أمير المؤمنين، أحسن قائلها: قال: ومن هو؟ فقال: عبدك حسين بن الضحاك، فغضب ثم قال: لا حيا الله من ذكرت ولا بياه ولا قربه ولا أنعم به عيناً! أليس القائل:

أعيني جودا وابكيا لي محـمـدا

 

ولا تذخرا دمعاً عليه وأسعـدا

فلا تمت الأشياء بعد مـحـمـد

 

ولا زال شمل الملك فيه مبـددا

لا فرح المأمون بالملك بـعـده

 

ولا زال في الدنيا طريداً مشردا

هذا بذاك، ولا شيء له عندنا. فقال له ابن البواب: فأين فضل إحسان أمير المؤمنين وسعة حلمه وعادته في العفو! فأمره بإحضاره. فلما حضر سلم، فرد عليه السلام رداً جافياً، ثم أقبل عليه فقال: أخبرني عنك: هل عرفت يوم قتل أخي محمد هاشميةً قتلت أو هتكت؟ قال لا. قال: فما معنى قولك:

وسرب ظباءٍ من ذؤابة هاشمٍ

 

هتفن بدعة خير حيٍّ وميت

أرد يداً مني إذا ما ذكرتـه

 

على كبدٍ حري وقلبٍ مفتت

فلا بات ليل الشامتين بغبطةٍ

 

ولا بلغت آمالهم ما تمنـت

فقال: يا أمير المؤمنين، لوعةٌ غلبتني، وروعةٌ فاجأتني، ونعمةٌ فقدتها بعد أن غمرتني، وإحسانٌ شكرته فأنطقني، وسيد فقدته فأقلقني، فإن عاقبت فبحقك، وإن عفوت فبفضلك. فدمعت عينا المأمون وقال: قد عفوت عنك وأمرت بإدرار أرزاقك وإعطائك ما فات منها، وجعلت عقوبة ذنبك امتناعي من استخدامك.

شعره في ابن مسعدة ليشفع له

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال: لم أعيت حسين بن الضحاك الحيلة في رضا المأمون عنه، رمى بأمره إلى عمرو بن مسعدة وكتب إليه:

أنت طودي من بين هذي الهضاب

 

وشهابي من دون كل شـهـاب

أنت يا عمرو قوتـي وحـياتـي

 

ولساني وأنت ظفـري ونـابـي

أترانـي أنـسـى أياديك الـبـي

 

ض إذا اسود نائل الأصـحـاب

أين عطف الكرام في مأقط الحـا

 

جة يحـمـون حــوزة الآداب

أين أخلاقك الرضـية حـالـت

 

في أم أين رقة الـكـتـــاب

أنا في ذمة السحاب وأظمـأ

 

إن هذا لوصمةٌ في السحاب

قم إلى سيد البـرية عـنـي

 

قومةً تستجر حسن خطاب

فلعل الآله يطفىء عـنـي

 

بك ناراً علي ذات التهـاب

قال: فلم يزل عمرو يلطف للمأمون حتى أوصله إليه وأدر أرزاقه.

غضب المعتصم عليه فترضاه بشعر

حدثني الصولي قال حدثني عون بن محمد قال حدثني الحسين بن الضحاك قال: غضب المعتصم علي في شيء جرى على النبيذ، فقال: والله لأؤبنه! وحجبني أياماً. فكتبت إليه:

غضبت الإمام أشـد مـن أدبـه

 

وقد استجرت وعذت من غضبة

أصبحت معتصماً بمعـتـصـمٍ

 

أثنى الآله عليه فـي كـتـبـه

لا والذي لم يبق لـي سـبـبـاً

 

أرجو النجاة به سوى سبـبـه

ما لي شفيعٌ غـير حـرمـتـه

 

ولكل من أشفى على عطـبـه

قال: فلما قرىء عليه التفت إلى الواثق ثم قال: بمثل هذا الكلام، يتسعطف الكرام، ما هو إلا أن سمعت أبيات حسين هذه حتى أزالت ما في نفسي عليه. فقال له الواثق: هو حقيقٌ بأن يوهب له ذنبه ويتجاوز عنه. فرضي عني وأمر بإحضاري.

هجا العباس ابن المأمون

قال الصولي فحدثني الحسين بن يحيى أن هذه الأبيات إنما كتب بها إلى المعتصم، لأنه بلغه عنه أنه مدح العباس بن المأمون وتمنى له الخلافة، فطلبه فاستتر وكتب بها إلى المعتصم على يدي الواثق فأوصلها وشفع له فرضي عنه وأمنه فظهر إليه، وهجا العباس بن المأمون فقال:

خل اللعين وما اكتسـب

 

لا زال منقطع السبـب

يا عرة الـثـقـلـين لا

 

ديناً رعيت ولا حسـب

حسد الإمـام مـكـانـه

 

جهلاً حذاك على العطب

وأبـوك قـدمـه لـهـا

 

لما تخـير وانـتـخـب

ما تستطيع سوى الـتـن

 

فس والتجرع للـكـرب

ما زلت عند أبـيك مـن

 

تقص المـروءة والأدب

أمره صالح بن الرشيد أن يقول شعراً يغني فيه ابن بانة:

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عمر بن محمد بن عبد الملك الزيات وابن مهرويه قالا : كنا عند صالح بن الرشيد ليلةً ومعنا حسين بن الضحاك وذلك في خلافة المأمون، وكان صالح يهوى خادماً له، فغاضبه في تلك الليلة فتنحى عنه، وكان جالساً في صحنٍ حوله نرجس في قمر طالع حسنٍ، فقال للحسين: قل في مجلسنا هذا وما نحن فيه أبياتاً يغني فيها عمرو بن بانة. فقال الحسين:

وصف البدر حسن وجهك حتى

 

خلت أني ومـا أراك أراكـا

وإذا ما تنفس النرجـس الـغ

 

ض توهمته نسـيم شـذاكـا

خدعٌ للمنى تعلـلـنـي فـي

 

ك بإشراق ذا ونفـحة ذاكـا

لأدومن يا حبيبي علـى الـع

 

هد لهذا وذاك إذ حـكـياكـا

قال عمرو: فقال لي صالح: تغن فيها ، فتغنيت فيها من ساعتي.

لحن عمرو في هذه الأبيات ثقيلٌ بالبنصر من روايته.

شعره في محبوبه يسر خادم أبي عيسى بن الرشيد:

وقد حدثني بهذا الخبر علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني عبيد الله بن زكريا الضرير قال حدثنا الجماز عن أبي نواس قال: كنت أتعشق ابناً للعلاء يقال له محمد، وكان حسين يتعشق خادماً لأبي عيسى بن الرشيد يقال له يسر، فزارني يوماً فسألته عنه فقال: قد كاد قلبي أن يسلو عنه وعن حبه. قال: وجاءني ابن العلاء صاحبي فدخل علي وفي يده نرجسٌ، فجلسنا نشرب وطلع القمر، فقلت له: يا حسين أيما أحسن القمر أم محمد؟ فأطرق ساعةً ثم قال: اسمع جواب الذي سألت عنه:

وصف البدر حسن وجهك حتى

 

خلت أني ومـا أراك أراكـا

وإذا ما تنفس النرجـس الـغ

 

ض توهمته نسـيم شـذاكـا

وأخال الذي لثمـت أنـيسـي

 

وجليسي ما باشـرتـه يداكـا

خدعٌ للمنى تعلـلـنـي فـي

 

ك بإشراق ذا ونـفـحة ذكـا

لأقيمن ما حييت على الـشـك

 

ر لهذا وذاك إذ حـكـياكـا

قال: فقلت له: أحسنت والله ما شئت! ولكنك يا كشخان هو ذا تقدر أن تقطع الطريق في عملي! فقال: يا كشخان أو شعري الذي سمعته في حاضرٍ أم بذكر غائبٍ! والله للنعل التي يطأ عليها يسرٌ أحسن عندي من صاحبك ومن القمر ومن كل ما أنتم فيه.

مدح المتوكل شعره

أخبرني علي بن العباس قال حدثني أحمد بن سعيد بن عنبسة القرشي الأموي قال حدثني علي بن الجهم قال: دخلت يوماً على المتوكل وهو جالس في صحن خلده وفي يده غصن آسٍ وهو يتمثل بهذا الشعر:

بالشط لي سكنٌ أفـديه مـن سـكـن

 

أهدى من الآس لي غصنين في غصن

فقلت إذ نظما إلـفـين والـتـبـسـا

 

سقياً ورعياً لفألٍ فـيكـمـا حـسـن

فالآس لا شك أسٍ مـن تـشـوقـنـا

 

شافٍ وآسٍ لنا يبقى علـى الـزمـن

أبشرتماني بأسبابٍ سـتـجـمـعـنـا

 

إن شاء ربي ومهما يقـضـه يكـن

قال: فلما فرغ من إنشادها قال لي وكدت أنشق حسداً: لمن هذا الشعر يا علي؟ فقلت: للحسين بن الضحاك يا سيدي. فقال لي: هو عندي أشعر أهل زماننا وأملحهم مذهباً وأظرفهم نمطاً . فقلت وقد زاد غيظي: في الغزل يا مولاي. قال: وفي غيره وإن رغم أنفك ومت حسداً. وكنت قد مدحته بقصيدة وأردت إنشادها يومئذ فلم أفعل، وعلمت أني لا أنتفع مع ما جرى بيننا بشيء لا به ولا بالقصيدة، فأخرتها إلى وقت آخر.

قصته مع شفيع خادم المتوكل

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال حدثني أبي قال: أحب المتوكل على الله أن ينادمه حسين بن الضحاك وأن يرى ما بقي من شهوته لما كان عليه، فأحضره وقد كبر وضعف، فسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه، فسقاه وحياه بوردةٍ، وكانت علي شفيع ثيابٌ موردة، فمد الحسين يده إلى ذراع شفيع. فقال له المتوكل: يا حسين، أتجمش أخص خدمي عندي بحضرتي! فكيف لو خلوت! ما أحوجك إلى أدب! وقد كان المتوكل غمز شفيعاً على العبث به. فقال الحسين: يا سيدي، أريد دواةً وقرطاساً، فأمر له بذلك، فكتب بخطه:

وكالوردة الحمراء حـيا بـأحـمـرٍ

 

من الورد يمشي في قراطق كالورد

له عبـثـاتٌ عـنـد كـل تـحـية

 

بعينيه تستدعي الحليم إلى الـوجـد

تمنت أن أسقـى بـكـفـيه شـربةً

 

تذكرني ما قد نسيت من الـعـهـد

سقى الله دهراً لم أبـت فـيه لـيلةً

 

خليًّا ولكن من حبيب علـى وعـد

ثم دفع الرقعة إلى شفيع وقال له: ادفعها إلى مولاك. فلما قرأها استملحها وقال: أحسنت والله يا حسين! لو كان شفيع ممن تجوز هبته لوهبته لك، ولكن بحياتي إلا كنت ساقيه باقي يومه هذا واخدمه كما تخدمني، وأمر له بمال كثير حمل معه لما انصرف. قال أحمد بن يزيد فحدثني أبي قال: صرت إلى الحسين بعد انصرافه من عند المتوكل بأيام، ويلك! أتدري ما صنعت؟! قال: نعم أدري، وما كنت لأدع عادتي بشيء، وقد قلت بعدك:

صوت

لا رأى عطـفة الأح

 

بة مـن لا يصـرح

أصغر الساقـيين أش

 

كل عندي وأمـلـح

لو تراه كالظبـي يس

 

نح حـينـاً ويبـرح

خلت غصناً على كثي

 

بٍ بـنـورٍ يرشـح

غنى عمرو بن بانة في هذه الأبيات ثاني ثقيلٍ بالبنصر.
شعره في شفيع وقد حياه بتفاحة عنبر وقد أخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي وقال حدثني محمد بن أبي عون قال: حضرت المتوكل وعنده محمد بن عبد الله بن طاهر وقد أحضر حسين بن الضحاك للمنادمة، فأمر خادماً كان واقفاً على رأسه، فسقاه وحياه بتفاحة عنبر. وقال لحسين: قل في هذا شيئاً، فقال:

وكالدرة البيضاء حـياً بـعـنـبـرٍ

 

وكالورد يسعى في قراطق كالورد

له عبثـاتٌ عـنـد كـل تـحـية

 

بعينيه تستدعي الحليم إلى الـوجـد

تمنتي أن أسقى بـكـفـيه شـربةً

 

تذكرني ما قد نسيت من العـهـد

سقى الله عيشاً لم أبـت فـيه لـيلةً

 

من الدهر إلا من حبيب على الوعد

فقال المتوكل: يحمل إلى حسين لكل بيت مائة دينار. فالتفت إليه محمد بن عبد الله بن طاهر كالمتعجب وقال: لم ذاك يا أمير المؤمنين! فو الله لقد أجاب فأسرع، وذكر فأوجع، وأطرب فأمتع، ولولا أن يد أمير المؤمنين لا تطاولها يدٌ لأجزلت له العطاء ولو أحاط بالطارف والتالد. فخجل المتوكل وقال: يعطى حسين بكل بيت ألف دينار. وقد أخبرني بهذا الخبر ابن قاسم الكوكبي قال حدثنا بشر بن محمد قال وحدثني علي بن الجهم: أنه حضر المتوكل وقد أمر شفيعاً أن يسقى حسين بن الضحاك، وذكر باقي الخبر نحو ما مضى من رواية غيره.

شعره في مقحم خادم ابن شغوف: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثني محمد بن يزيد المبرد، وحدثني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال أخبرني محمد بن مروان عن محمد بن عمرو الرومي قال: اجتمع حسين بن الضحاك وعمرو بن بانة يوماً عند ابن شغوف الهاشمي فاحتبسهما عنده. وكان لابن شغوف خادم حسنٌ يقال له مقحم، وكان عمرو بن بانة يتعشقه ويسر ذلك من ابن شغوف. فلما أكلوا ووضع النبيذ قال عمرو بن بانة للحسين: قل في مقحمٍ أبياتاً أغن فيها الساعة. فقال الحسين:

وابأبي مقحمٌ لـعـزتـه

 

قلت له إذ خلوت مكتتما

تحب بالله من يخصك بالو

 

د فما قال لا ولا نعمـا

شعر إسحاق الموصلي في عمرو بن بانة

وغنى فيه عمرو. قال: فبيناهم كذلك إذ جاء الحاجب فقال: إسحاق الموصلي بالباب، فقال له عمرو: أعفنا من دخوله ولا تنغص علينا ببغضه وصلفه وثقله ففعل، وخرج الحاجب فاعتل على إسحاق حتى انصرف، وأقاموا يومهم وباتوا ليلتهم عند ابن شغوف. فلما أصبحوا مضى الحسين بن الضحاك إلى إسحاق فحدثه الحديث بنصه. فقال إسحاق:

يا بن شغوفٍ أما علمت بمـا

 

قد صار في الناس كلهم علما

دعوت عمراً فبات لـيلـتـه

 

في كل ما يشتهي كما زعما

حتى إذا ما الظلام ألـبـسـه

 

سرى دبيباً فضاجع الخدمـا

ثمت لم يرض أن يضاجعهـم

 

سراً ولكن أبدى الذي كتمـا

ثم تغنى لفـرط صـبـوتـه

 

صوتاً شفى من غليله السقما:

وابأبي مقـحـم لـعـزتـه

 

قلت له إذ خلوت مكتتـمـا

تحب بالله من يخصك بـالـو

 

د فما قـال لا ولا نـعـمـا

قال: وشاعت الأبيات في الناس وغنى فيها إسحاق أيضاً فيما أظن، فبلغت ابن شغوف فحلف ألا يدخل عمراً داره أبداً ولا يكلمه، وقال: فضحني وشهرني وعرضني للسان إسحاق، فمات مهاجراً له. وقال ابن أبي سعد في خبره: إن إسحاق غنى فيها للمعتصم، فسأله عن خبرها فحدثه بالحديث، فضحك وطرب وصفق، ولم يزل يستعيد الصوت والحديث وابن شغوف يكاد أن يموت إلى أن سكر ونام.
لحن عمرو بن بانة في البيتين اللذين قالهما حسين في مقحم من الثقيل الثاني بالوسطى.

قال له أبو نواس أنت أشعر الناس

أخبرني علي بن العباس بن أبي طلحة قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال سمعت مهدي بن سابق يقول: التقى أبو نواس وحسين بن الضحاك، فقال أبو نواس: أنت أشعر أهل زمانك في الغزل، قال: وفي أي ذلك؟ قال: ألا تعلم يا حسين؟ قال لا، قال: في قولك:

وابأبي مقحـم لـعـزتـه

 

قلت له إذ خلوت مكتتمـا

نحب بالله من يخصك بالـو

 

د فما قال لا ولا نـعـمـا

ثم تولى بمقلتـي خـجـلٍ

 

أراد رجع الجواب فاحتشما

فكنت كالمبتغي بحـيلـتـه

 

برءاً من السقم فابتدا سقما

فقال الحسين: ويحك يا أبا نواس ! فأنت لا تفارق مذهبك في الخمر البتة، قال: لا والله، وبذلك فضلتك وفضلت الناس جميعاً.

مدح أبو العباس ثعلب شعره

أخبرني علي بن العباس قال أنشدنا أبو العباس ثعلب قال أنشدني حماد بن المبارك صاحب حسين بن الضحاك قال أنشدني حسين لنفسه:

لا وحبـيك لا أصـا

 

فح بالدمع مدمعـا

من بكى شجوه استرا

 

ح وإن كان موجعا

كبدي من هواك أس

 

قم من أن تقطـعـا

لم تدع سورة الضنى

 

في للسقم موضعـا

قال: ثم قال لن ثعلب: ما بقي من يحسن أن يقول مثل هذا. قال ابن الرومي عنه إنه أغزل الناس

أخبرني علي قال حدثني محمد بن الفضل الأهوازي قال سمعت علي بن العباس الرومي يقول: حسين بن الضحاك أغزل الناس وأظرفهم. فقلت: حين يقول ماذا؟ فقال: حين يقول:

يا مستعير سوالف الحشـف

 

اسمع لحلفة صادق الحلف

إن لم أصح ليلي: ويا حربي

 

ومن وجنتيك وفترة الطرف

فجحدت ربي فضل نعمتـه

 

وعبدته أبداً علـى حـرف

شعره في فتن محبوبته: أخبرني علي بن العباس الرومي قال حدثني قتيبة عن عمرو السكوني بالكوفة قال حدثني أبي قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كانت تألفني مغنية، وتجيئني دائماً، وكنت أميل إليها وأستملحها، وكان يقال لها فتن. فكان يجيء معها خادم لمولاتها يحفظها يسمى نجحا، وكان بغيضاً شرس الخلق، فإذا جاء معها توقيته، فمرض، فجاءتني ومعها غيره، فبلغت منها مرادي وتفرجت يومي وليلتي، فقلت:

لا تلمني علـي فـتـن

 

إنها كاسمهـا فـتـن

فإذا لـم أهـم بـهــا

 

فبمـن! لا بـمـن إذن

أين لا أين مـثـلـهـا

 

في جميع الورى سكن!

طيب نشـرٍ إذا لـثـم

 

ت وغنج ومحتـضـن

وال عشراً من الصبـو

 

ح على وجهها الحسن

وعلى لفـظـهـا الـم

 

نون للام بـالـغـنـن

لست انسى من الغـري

 

رة إذ بحت بالشـجـن

قولها إذ سـلـبـتـهـا

 

عن كثيبٍ وعن عكـن

ليس يرضيك يا فـتـى

 

من هوى دون أن تهن

فامتزجنا معـاً مـمـا

 

زجة الروح للـبـدن

وكفينـا مـن أن نـرا

 

قب نجحاً إذا فـطـن

وأمـــنـــاه أن ي

 

نم وما كان مؤتـمـن

كل ما كان من حـبـي

 

بك مستظرفٌ حسـن

ناظر مخارقاً في أبي نواس وأبي العتاهية فحكم له: حدثني جحظة قال حدثني أبو عبد الله الهشامي: أن مخارقاً وحسين بن الضحاك تلاحيا في أبي العتاهية، وأبي نواس أيهما أشعر، فاتفقا على اختيار شعرٍ من شعريهما يتخايران فيه، فاختار الحسين بن الضحاك شيئاً من شعر أبي نواس جيداً قوياً لمعرفته بذلك، واختار مخارقٌ شيئاً من شعر أبي العتاهية ضعيفاً سخيفاً غزلاً كان يغنى فيه لا لشيء عرفه منه إلا لأنه استملحه وغنى فيه، فخاير به لقلة علمه ولما كان بينه وبين أبي العتاهية من المودة، وتخاطرا على مالٍ، وتحاكما إلى من يرتضيه الواثق بالله ويختاره لهما، فاختار الواثق لذلك أبا محلم، وبعث فأحضره وتحاكما إليه بالشعرين فحكم لحسين بن الضحاك. فتلكأ مخارق وقال: لم أحسن الاختيار للشعر ولحسينٌ أعلم مني بذلك، ولأبي العتاهية خيرٌ مما اخترت، وقد اختار حسينٌ أجود ما قدر عليه لأبي نواس لأنه أعلم مني بالشعر، ولكنا نتخاير بالشاعرين ففيهما وقع الجدال، فتحاكما فحكم لأبي نواس، وقال: هو أشعر وأذهب في فنون الشعر وأكثر إحساناً في جميع تصرفه. فأمر الواثق بدفع الخطر إلى حسين، وانكسر مخارق فما انتفع به بقية يومه.

مدح الحسن بن سهل وطلب أن يصلح المأمون له: أخبرني ابن أبي طلحة قال حدثني سوادة بن الفيض قال حدثني أبي قال: لما اطرح المأمون حسين بن الضحاك لهواه كان في أخيه محمد وجفاه، لاذ الحسين بن الضحاك بالحسن بن سهل وطمع أن يصلحه له، فقال يمدحه:

أرى الآمال غير معـرجـاتٍ

 

على أحدٍ سوى الحسن بن سهل

يباري يومه غـده سـمـاحـاً

 

كلا اليومين بان بكل فـضـل

أرى حسناً تقـدم مـسـتـبـداً

 

ببعدٍ مـن رياسـتـه وقـبـل

فإن حضرتك مشكـلةٌ بـشـكٍّ

 

شفاك بحكمةٍ وخطاب فصـل

سليل مرازبٍ برعوا حلـومـاً

 

وراع صغيرهم بسداد كـهـل

ملوكٌ إن جريت بـهـم أبـروا

 

وعزوا أن توازنهـم بـعـدل

ليهنك أن مـا أرجـأت رشـدٌ

 

وما أمضيت من قول وفعـل

وأنك مؤثرٌ لـلـحـق فـينـا

 

أراك الله من قطـع ووصـل

وأنك للـجـمـيع حـياً ربـيعٍ

 

يصوب على قرارة كل محـل

قال: فاستحسنها الحسن بن سهل، ودعا بالحسين فقربه وآنسه ووصله وخلع عليه ووعده إصلاح المأمون له، فلم يمكنه ذلك لسوء رأي المأمون فيه ولما عاجل الحسن من العلة.

سأله الحسن بن سهل عن شعر له فأجابه: قال علي بن العباس بن أبي طلحة وحدثني أبو العباس أحمد بن الفضل المروزي قال: سمعت الحسن بن سهل يقول لحسين بن الضحاك: ما عنيت بقولك:

يا خلي الذرع من شجني

 

إنما أشكو لترحمـنـي

قال: قد بينته، قال: بأي شيء؟ قال: قلت:

منعك الميسور يؤيسني

 

وقليل اليأس يقتلنـي

فقال له أبو محمد: إنك لتضيع بالخلاعة، ما أعطيته من البراعة.

عشق غلام الحسن بن سهل وتغزل فيه فوهبه له: أخبرني علي بن أبو العباس قال حدثني أحمد بن القاسم المري قال حدثني أبو هفان قال: سألت حسين بن الضحاك عن خبره المشهور مع الحسن بن سهل في اليوم الذي شرب معه فيه وبات عنده وكيف كان ابتداؤه، فقلت له: إني أشتهي أن أسمعه منك. فقال لي: دخلت على الحسن بن سهل في فصل الخريف وقد جاء وسميٌ من المطر فرش رشاً حسناً، واليوم في أحسن منظر وأطيبه، وهو جالس على سرير آبنوس وعليه قبةٌ فوقها طارمة ديباج أصفر وهو يشرف على بستان في داره، وبين يديه وصائف يترددن في خدمته وعلى رأسه غلامٌ كالدينار، فسلمت عليه فرد علي السلام، ونظر إلي كالمستنطق، فأنشأت أقول:

ألست ترى ديمةً تهطل

 

وهذا صباحك مستقبل

فقال: بلى. فقلت:

وتلك المدام وقد شاقنا

 

برؤيته الشادن الأكحل

فقال: صدقت فمه، فقلت:

فعاد به وبنا سـكـرةٌ

 

تهون مكروه ما نسأل

فسكت. فقلت:

فإني رأيت له نظرةً

 

تخبرني أنه يفعـل

ثم قال: مه، فقلت:

وقد أشكل العيش في يومنا

 

فيا حبذا عيشنا المشكـل

فقال: العيش مشكل، فما ترى؟ فقلت: مبادرة القصف وتقريب الإلف. قال: على أن تقيم معنا وتبيت عندنا. فقلت: له: لك الوفاء وعليك مثله لي من الشرط. قال: وما هو؟ قلت: يكون هذا الواقف على رأسك يسقيني. فضحك ثم قال: ذلك لك على ما فيه. ودعا بالطعام فأكلنا وبالشراب فشربنا أقداحاً. ولم أر الغلام، فسألت عنه فقال لي: الساعة يجيء، فلم نلبث أن وافاني، أين كان؟ فقال: كنت في الحمام وهو الذي حبسني عنك. فقلت لوقتي:

وابأبي أبيض في صفرةٍ

 

كأنه تبرٌ على فضـه

جرده الحمام على درةٍ

 

تلوح فيها عكنٌ بضـه

غصنٌ تبدى يتثنى على

 

مأكمة مثقلة النهضـه

كأنما الرش على خـده

 

طلٌّ على تفاحةٍ غضه

صفاته فاتنة كـلـهـا

 

فبعضه يذكرني بعضه

يا ليتني زودني قـبـلةً

 

أو لا فمن وجنته عضه

فقال لي الحسن: قد عمل فيك النبيذ، فقلت: لا وحياتك! فقال: هذا شرٌ من ذلك. فقلت:

اسقيانـي وصـرفـا

 

بنت حولين قرقـفـا

واسقيا المرهف الغري

 

ر سقى الله مرهفـا

لا تـقـولا نـراه أك

 

لف نضواً مخفـفـا

نعم ريحـانة الـنـدي

 

م وإن كان مخطـفـا

إن يكن أكـلـفـاً ف

 

إني أرى البدر أكلفـا

بأبي ما جن الـسـري

 

رة يبدي تـعـفـفـا

حف أصداغه وعـق

 

ر بها ثم صـفـفـا

وحشا مدرج القـصـا

 

ص بمسك ورصفـا

فإذا رمـت مـنـه ذا

 

ك تأبـى وعـنـفـا

ليس إلا بـــأن يرن

 

حه السكر مسعـفـا

باكـراً لا تـسـوفـا

 

ني عدمت المسوفـا

أعجلاه وبالـفـضـا

 

ضة في السقي فاعنفا

واحملا شغـبـه وإن

 

هو زنـى وأفـفــا

فإذا هـم لـلـمـنـا

 

م فقومـا وخـفـفـا

فتغاضب الغلام وقام فذهب، ثم عاد فقال لي: أقبل على شرابك ودع الهذيان. وناولني قدحاً. وقام أبو محمد ليبول، فشربت وأعطاني نقلاً فقلت: اجعل بدله قبلةً، فضحك وقال: أفعل، هذا وقته فبدا له وقال: لا أفعل، فعاودته فانتهرني. فقال له خادم للحسن يقال له فرج: بحياتي يا بني أسعفه بما طلب، فضحك ثم دنا مني كأنه يناولني نقلاً وتغافل فاختلست منه قبلةً، فقال لي: هي حرام عليك فقلت:

وبديع الدل قصري الغنـج

 

مره العين كحيل بالدعـج

سمته شيئاً وأصغـيت لـه

 

بعد ما صرف كأساً ومزج

واستخفته على نـشـوتـه

 

نبراتٌ من خفيفٍ وهـزج

فتأبى وتـثـنـى خـجـلاً

 

وذرا الدمع فنوناً ونـشـج

لج في لولا وفي سوف ترى

 

وكذا كفكف عني وخـلـج

ذهب الليل وما نـولـنـي

 

دون أن أسفر صبحٌ وانبلج

هون الأمر عـلـيه فـرجٌ

 

بتأتيه فـسـقـياً لـفـرج

وبنفسي نفس من قال وقـد

 

كان ما كان حرامٌ وحـرج

قال: ثم أسفر الصبح. فانصرفت وعدت من غدٍ إلى الحسن، فقال لي: كيف كنت في ليلتك وكيف كنت عند نومك؟ فقلت له: أأصف ذلك نثراً أم نظماً؟ فقال: بل نظماً فهو أحسن عندي، فقلت:

تألفت طيف غزال الـحـرم

 

فواصلني بعد ما قد صـرم

وما زلت أقنع مـن نـيلـه

 

بما تجتنيه بنـان الـحـلـم

بنفسي خيالٌ عـلـى رقـبةٍ

 

ألم به الشوق فـيمـا زعـم

أتـانـي يجـاذب أردافــه

 

من البهر تحت كسوف الظلم

تمج سـوالـفـه مـسـكةً

 

وعنبرةً ريقـه والـنـسـم

تضمخ من بعد تـجـمـيره

 

فطاب من القرن حتى القدم

يقول ونـازعـتـه تـوبـه

 

على أن يقول لشيء نـعـم

فغض الجفون على خـجـلةٍ

 

وأعرض إعراضة المحتشم

فشبكت كفي علـى كـفـه

 

وأصغيت ألثـم دراً بـفـم

فنهنهنـي دفـع لا مـؤيسٍ

 

بجد ولا مطمعٍ مـعـتـزم

إذا ما هممـت فـأدنـيتـه

 

تثنى وقال لـي الـويل لـم

فما زلت أبسطـه مـازحـاً

 

وأفرط في اللهو حتى ابتسم

وحكمني الريم في نـفـسـه

 

بشيء ولكنـه مـكـتـتـم

فواهاً لذلـك مـن طـارقٍ

 

على أن ما كان أبقى سقـم

قال: فقال لي الحسن: يا حسين يا فاسق! أظن ما ادعيته على الطيف في النوم كان في اليقظة مع الشخص نفسه، وأصلح الأشياء لنا بعد ما جرى أن نرحض العار عن أنفسنا بهبة الغلام لك، فخذه لا بورك لك فيه! فأخذته وانصرفت.

شعره في غلام للحسن بن سهل: حدثني علي بن العباس قال حدثني أبو العيناء قال: أنشدني الحسين بن الضحاك لنفسه في الغلام للحسن بن سهل كان اجتمع معه في دار الحسن، ثم لقيه بعد ذلك فسلم عليه فلم يكلمه الغلام، فقال:

فديتك ما لوجهك صدعـنـي

 

وأبديت التنـدم بـالـسـلام

أحين خليتني وقرنت قلـبـي

 

بطرفك والصبابة في نظـام

تنكر ما عهدت لـغـب يوم

 

فيا قرب الرضاع من الفطام

لأسرع ما نهيت إلى همومي

 

سروري بالزيادة واللـمـام

أخذ جبة من موسى بن عمران كجبة أبي نواس: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني حسين بن الضحاك الخليع قال: كنت في المسجد الجامع بالبصرة، فدخل علينا أبو نواس وعليه جبة خز جديدة. فقلت له: من أين هذه يا أبا نواس؟ فلم يخبرني، فتوهمت أنه أخذها من موسى بن عمران لأنه دخل من باب بني تميم، فقمت فوجدت موسى قد لبس جبة خز أخرى، فقلت له:

كيف أصبحت يا أبا عمران

فقال: بخير صبحك الله به. فقلت:

يا كريم الإخاء والإخوان

فقال: أسمعك الله خيراً. فقلت:

إن لي حاجةً فرأيك فيها

 

إننا في قضائها سـيان

فقال: هاتها على اسم الله وبركته. فقلت:

جبةٌ من جبابك الخز حتـى

 

لا يراني الشتاء حيث يراني

قال: خذها على بركة الله، ومد كمه فنزعتها وجئت وأبو نواس جالس، فقال: من أين لك هذه؟ فقلت: من حيث جاءتك تلك. وفد هو ومحمد بن عمرو على المعتصم وأنشده شعراً فأجازهما: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن موسى بن حماد قال أخبرني عبد الله بن الحارث عن إبراهيم بن عبد السلام عن الحسين بن الضحاك قال: دخلت أنا ومحمد بن عمرو الرومي دار المعتصم، فخرج علينا كالحاً. قال: فتوهمنا أنه أراد النكاح فعجز عنه. قال: وجاء إيتاخ فقال: مخارقٌ وعلويه وفلان وفلان من أشباههما بالباب، فقال: اعزب عني، عليك وعليهم لعنة الله! قال: فتبسمت إلى محمد بن عمرو، وفهم المعتصم تبسمي فقال لي: مم تبسمت؟ فقلت: من شيء حضرني، فقال: هاته، فأنشدته: صوت

انف عن قلبك الحزن

 

باقترابٍ من السكـن

وتمتع بـكـر طـر

 

فك في وجهه الحسن

إن فيه شفـاء صـد

 

رك من لاعج الحزن

قال: فدعا بألفي دينار: ألفٍ لي وألفٍ لمحمد، فقلت: الشعر لي، فما معنى الألف لمحمد بن عمرو؟ قال: لأنه جاءنا معك. ثم أذن لمخارقٍ وعلويه فدخلا، فأمرهما بأن يغنيا فيه ففعلا، فما زال يعيد هذا الشعر، ولقد قام ليبول فسمعته يردده.

الغناء في هذا الشعر اشترك فيه مخارق وعلويه وهو من الثقيل الأول بالبنصر.

أحب غلام أبي كامل المهندس وقال في شعراً: أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال: كان الحسين بن الضحاك عند أبي كامل المهندس وأنا معهم حاضر، فرأى خادماً فاستحسنه وأعجبه. فقال له بعض أصحابه: أتحبه؟ قال: نعم والله، قال: فأعلمه، قال: هو أعلم بحبي له مني به. ثم قال:

عالـمٌ بـحـبـيه

 

مطرقٌ من التـيه

يوسف الجمال وفر

 

عونه في تعـديه

لا وحق ما أنا من

 

عطفـه أرجـيه

ما الحياة نـافـعةٌ

 

لي علي تـأبـيه

النعيم يشـغـلـه

 

والجمال يطغـيه

فهو غير مكتـرثٍ

 

للـذي ألاقــيه

تائهٌ تـزهـــده

 

في رغبتي فـيه

قال محمد بن محمد: وغنى في هذا الشعر عمرو بن بانة وعريب وسليمٌ وجماعةٌ من المغنين.

أحب صديق له جارية وعارضه فيها غلام أمرد فمالت إليه فقال شعراً في ذلك: حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال: كان للحسين بن الضحاك صديق وكان يتعشق جاريةً مغنيةً، فزاحمه فيها غلامٌ كان في مرودته حسن الوجه، فلما خرجت لحيته جعل ينتف ما يخرج منها، ومالت القينة إليه لشبابه، فشكا ذلك إلى الحسين بن الضحاك وسأله أن يقول فيها شعراً فقال:

خل الذي عنك لا تسطيع تدفـعـه

 

يا من يصارع من لا شك يصرعه

جاءت طرائق شعر أنت ناتفـهـا

 

فكيف تصنع لو قد جاء أجمعـه

الله أكبر لا أنفـك مـن عـجـبٍ

 

أأنت تحصد ما ذو العرش يزرعه

تبا لسعـيك بـل تـبـا لأمـك إذ

 

ترعى حمًى خالق الأحماء يمنعه

وقال فيه أيضاً:

ثكلتك أمك يا بن يوسـف

 

حتام ويحك أنت تنتـف

لو قد أتى الصيف الـذي

 

فيه رؤوس الناس تكشف

فكشف عن خـديك لـي

 

لكشفت عن مثل المفوف

أو مثل زرعٍ نـالـه ال

 

يرقان أو نكباء حرجف

فغدا علـيه الـزارعـو

 

ن ليحصدوه وقد تقصف

فظللت تأسف كـالألـى

 

أسفوا ولم يغن التأسـف

أحب غلاماً فاشتراه صالح بن الرشيد: حدثني علي بن العباس قال حدثني عمير بن أحمد بن نصر الكوفي قال حدثني زيد بن محمد شيخنا قال: قلت لحسين بن الضحاك وقد قدم إلينا الكوفة: يا أبا علي شهرت نفسك وفضحتها في خادم، فألا اشتريته! فقال: فديتك! إن الحب لجاجٌ كله، وكنت أحببت هذا الخادم ووافقني على أن يستبيع لأشتريه، فعارضني فيه صالح بن الرشيد فاختلسه مني ولم أقدر على الانتصاف منه، وآثره الخادم واختاره، وكلانا يحبه إلا أن صالحاً يناك ولا أناك والخادم في الوسط بلا شغل. فضحكت من قوله، ثم سألته شيئاً من شعره، فأنشدني:

إن من لا أرى ولـيس يرانـي

 

نصب عيني ممثلٌ بالأمـانـي

بأبي من ضميره وضـمـيري

 

أبداً بالمـغـيب ينـتـجـيان

نحن شخصان إن نظرت وروحا

 

ن إذا ما اختبرت يمتـزجـان

فإذا ما هممت بالأمر أو ه

 

م بشيء بدأته وبـدانـي

كان وفقاً ما كان منه ومني

 

فكأني حكيته وحكـانـي

خطرات الجفون منا سواءٌ

 

وسواءٌ تحـرك الأبـدان

فسألته أن يحدثني بأسر يومٍ مر له معه، فقال: نعم اجتمعنا يوماً فغنى مغنٍّ لنا بشعر قلته فيه فاستحسنه كل من حضر، ثم تغنى بغيره، فقال لي: عارضه، فقلت: بقبلةٍ فقال: هي لك، فقلبته قبلة وقلت:

فديت من قال لي على خـفـره

 

وغض من جفنه علـى حـوره

سمع بي شعرك الملـيح فـمـا

 

ينفك شادٍ بـه عـلـى وتـره

حسبك بعض الـذي أذعـت ولا

 

حسب لصبٍّ لم يقض من وطره

وقلت يا مستعير سالفة الـخـش

 

ف وحسن الفتور من نـظـره

لا تنكرن الحنـين مـن طـربٍ

 

عاود فيك الصبا على كـبـره

لاطفه غلام أبي عيسى فقال فيه شعراً: حدثني الصولي وعلي بن العباس قالا حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي قال: كان حسين بن الضحاك يتعشق خادماً لأبي عيسى أو لصالح بن الرشيد أخيه، فاجتمعا يوماً عند أخي مولى الخادم، فجعل حسينٌ يشكو إليه ما به فلا يسمع به ويكذبه، ثم سكن نفاره وضحك إليه وتحدثا ساعة. فأنشدنا حسين قوله فيه:

سائل بطيفك عن ليلى وعن سهـري

 

وعن تتابع أنفاسي وعن فـكـري

لم يخل قلبي من ذكراك إذ نظـرت

 

عيني إليك على صحوى ولا سكرى

سقياً ليوم سروري إذ تنـازعـنـي

 

صفو المدامة بين الأنس والخـفـر

وفضل كأسك يأتينـي فـأشـربـه

 

جهراً وتشرب كأسي غير مستتـر

وكيف أشمله لـثـمـي وألـزمـه

 

نحري وترفعه كفي إلى بصـري

فليت مدة يومي إذ مضى سـلـفـاً

 

كانت ومدة أيامـي عـلـى قـدر

حتى إذا ما انطوت عنا بشـاشـتـه

 

صرنا جميعاً كذا جارين في الحفر

شعره في حادثة لصالح بن الرشيد مع غلام أخيه: حدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كان صالح بن الرشيد يتعشق غلاماً يسمى يسراً خادم أخيه أبي عيسى، فكان يراوده عن نفسه فيعده ولا يفي له. فأرسله أبو عيسى ذات يومٍ إلى صالح أخيه في السحر يقول له: يا أخي إني قد اشتهيت أن أصطبح اليوم، فبحياتي لما ساعدتني وصرت إلي لنصطبح اليوم جميعاً. فسار يسرٌ إلى صالح أخيه في السحر وهو منتشٍ قد شرب في السحر، فأبلغه الرسالة، فقال: نعم وكرامة، اجلس أولاً فجلس، فقال: يا غلام أحضرني عشرة آلاف درهم فأحضرها، فقال له: يا يسر دعني من مواعيدك ومطلك، هذه عشرة آلاف درهم فخذها واقض حاجتي، وإلا فليس ها هنا إلا الغضب، فقال له: يا سيدي، إني أقضي الحاجة ولا آخذ المال. ثم فعل ما أراد وطاوعه، فقضى حاجته، وأمر صالحٌ بحمل العشرة الآلاف الدرهم معه. قال الحسين: ثم خرج إلي صالح من خلوته فقال: يا حسين، قد رأيت ما كنا فيه، فإن حضرك شيءٌ فقل: فقلت: صوت

أيا من طرفه سحـر

 

ومن ريقته خـمـر

تجاسرت فكاشفـت

 

ك لما غلب الصبر

وما أحسن في مثـل

 

ك أن ينهتك الستـر

وإن لامني الـنـاس

 

ففي وجهك لي عذر

فدعني من مواعـيد

 

ك إذ حينك الدهـر

فلا واللـه لا تـبـر

 

ح أو ينقضي الأمر

فإما الغصب والـذم

 

وإما البذل والشكـر

ولو شئت تـيسـرت

 

كما سميت يا يسـر

وكن كاسمك لا تمن

 

عك النخوة والكبـر

فلا فزت بحظي من

 

ك إن داع له ذكـر

قال الحسين: فضحك ثم قال: قد لعمري تيسر يسرٌ كما ذكرت. فقلت: نعم ومن لا يتيسر بعد أخذه الدية! لو أردتني أيضاً بهذا لتيسرت. فضحك ثم قال: نعطيك يا حسين الدية لحضورك ومساعدتك، ولا نريدك لما أردنا له يسراً، فبئست المطية أنت، وأمر لي بها. ثم أمر عريب بعد ذلك فغنت في بعض هذا الشعر.

شعره في غلام عبد الله بن العباس: حدثني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد بن مروان قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كنت عند عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع وهو مصطبحٌ وخادمٌ له يسقيه، فقال لي: يا أبا علي، قد استحسنت سقي هذا الغلام، فإن حضرك شيءٌ في قصتنا هذه فقل، فقلت:

أحيت صبوحي فكاهة اللاهي

 

وطاب يومي لقرب أشباهي

فاستثر اللهو من مكـامـنـه

 

من قبل يومٍ منغصٍ ناهـي

بابنة كرمٍ من كف منتـطـق

 

مؤتزرٍ بالـمـجـون تـياه

يسقيك من طرفه ومـن يده

 

سقي لطيفٍ مجرب داهـي

كأساً فكأساً كأن شـاربـهـا

 

حيران بين الذكور والساهي

قال: فاستحسنه عبد الله، وغنى فيه لحناً مليحاً، وشربنا عليه بقية يومنا.

سكر فجمش يسراً فهدده بخنجره فقال شعراً: أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض المخزومي قال حدثني أبي قال: خرج حسين بن الضحاك إلى القفص متنزهاً ومعه جماعةٌ من إخوانه ظرفاء. وبلغ يسراً الخادم خروجه، فشد في وسطه خنجراً وخرج إليه فجاءه وهو على غفلة، فسر به حسين وتلقاه وأقام معه إلى آخر النهار يشربان. فلما سكرا جمشه حسين، فأخرج خنجره عليه وعربد، فأمسك حسينٌ وعاد إلى شرابه، وقال في ذلك:

جمشت يسراً على تسـكـره

 

وقد دهاني بحسن منظـره

فهم بالفتك بـي فـنـاشـده

 

فيّ كريمٌ من خير معشـره

يا من رأى مثل شادنٍ خنـثٍ

 

يصول في خـدره بـزوره

يسحب ذيل القميص صعتره

 

ووارداتٍ من هدب مـئزره

ولا يعاطي نديمـه قـدحـاً

 

إلا بإبهامـه وخـنـصـره

أخاف من كـبـره بـوادره

 

أدالني الله مـن تـكـبـره

قد قلت للشرب إذ بدا فضلا

 

في ريطتيه وفي ممصـره

ويلي على شادنٍ توعـدنـي

 

بسل سكينـه وخـنـجـره

أما كفاه ما حز في كـبـدي

 

بسحر أجفانه ومـحـجـره

إذا نسيم الرياح قـابـلـنـا

 

بالطيب من مسكه وعنبـره

هز قواماً كـأنـه غـصـنٌ

 

وارتج ما انحط من مخصره

شعر له في يسر: أخبرني علي بن العباس قال حدثني سوادة بن الفيض قال حدثني أبي قال: حضرت حسين بن الضحاك يوماً وقد جاءه يسرٌ فجلس عنده وأخذنا نتحدث ملياً ثم غازله حسينٌ، فقال له يسر: إياك والتعرض لي، واربح نفسك، فقال حسين: صوت

أيها النفاث في الـعـقـد

 

أنا مطويٌّ على الكـمـد

إنما زخرفت لي خـدعـاً

 

قدحت في الروح والجسد

هات يا خـداع واحــدةً

 

من كثيرٍ قلـتـه وقـدى

ليت شعري بعد حلفك لي

 

بوفاء العهد بـعـد غـدٍ

ما الذي بالـلـه صـيره

 

بعد قربٍ في مدى الأبـد

ما لأنسٍ كان مـبـتـذلاً

 

منك لي بالأمس لم يعـد

إيه قل لي غير محتـشـمٍ

 

هل دهاني فيك من أحـد

حبـذا والـكــأس دائرةٌ

 

لهونا والصيد بالـطـرد

وحديثٌ في القلـوب لـه

 

أخذٌ يصدعن في الكـبـد

يوم تعطيني وتـأخـذهـا

 

دون ندمـانـي يداً بـيد

فإذا ألـويت هـيجـنـي

 

تلعٌ من ظبـية الـبـلـد

وإذا أصعـيت ذكـرنـي

 

نشر كافورٍ علـى بـرد

ذاك يومٌ كان حـاسـدنـا

 

فيه معذوراً على الحسـد

قال شعراً للمعتصم بدير مران سكر عليه وغنى به المغنون: حدثني الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي قال حدثنا عمرو بن بانة قال: خرجنا مع المعتصم إلى الشأم لما غزا، فنزلنا في طريقنا بدير مران – وهو دير على تلعةٍ مشرفة عاليةٍ تحتها مروجٌ ومياهٌ حسنة – فنزل فيه المعتصم فأكل ونشط للشرب ودعا بنا، فلما شربنا أقداحاً قال لحسين بن الضحاك: أين هذا المكان من ظهر بغداد! فقال: لا أين يا أمير المؤمنين! والله لبعض الغياض والآجام هناك أحسن من هنا، قال: صدقت والله، وعلى ذلك فقل أبياتاً يغن فيها عمروٌ، فقال: أما أن أقول شيئاً في وصف هذه الناحية بخير فلا أحسب لساني ينطق به، ولكني أقول متشوقاً إلى بغداد: فضحك وقال قل ما شئت: صوت

يا دير مديان لا عريت من سكنٍ

 

هيجت لي سقماً يا دير مديانـا

هل عند قسك من علم فيخـبـرنـا

 

أم كيف يسعف وجه الصبر من بانا

حث المدام فإن الكـأس مـتـرعةً

 

مما يهيج دواعي الشوق أحـيانـا

سقياً ورعياً لكرخايا وسـاكـنـهـا

 

وللجنينة بالروحـاء مـن كـانـا

فاستحسنها المعتصم، وأمرني ومخارقاً فغنينا فيها وشرب على ذلك حتى سكر، وأمر للجماعة بجوائز. لحن عمرو بن بانة في هذه الأبيات رمل، ولحن مخارق هزج، ويقال: إنه لغيره.

عبث بخادم أبي عيسى فضربته فجفاه فقال شعراً: أخبرني الصولي قال حدثنا يزيد بن محمد قال: كان حسين بن الضحاك يميل إلى خادم لأبي عيسى بن الرشيد، فعبث به يوماً على سكر، فأخذ قنينةً فضرب بها رأسه فشجه شجةً منكرةً، وشاع خبره وتوجع له إخوانه وعولج منها مدة، فجفا الخادم واطرحه وأبغضه ولم يعرض له بعدها. فرآه بعد ذلك في مجلس مولاه فعبث به الخادم وغازله. فلما أكثر ذلك قال له الحسين: صوت

تعز بيأسٍ عـن هـواي فـإنـنـي

 

إذا انصرفت نفسي فهيهات عن ردي

إذا خنتم بالغـيب ودي فـمـا لـكـم

 

تدلون إدلال المقم علـى الـعـهـد

ولي منك بدٌّ فاجتنبـنـي مـذمـمـاً

 

وإن خلت أني ليس لي منك من بـد

الغناء في هذه الأبيات لعمرو بن بانة، وله فيه لحنان رملٌ وخفيف رمل.

هنأ الواثق بالخلافة فأجازه: حدثني أحمد بن العباس العسكري قال حدثني عبد الله بن المؤمل العسكري قال: لما ولي الواثق الخلافة جلس للناس ودخل إليه المهنئون والشعراء فمدحوه وهنئوه، ثم استأذن حسين بن الضحاك بعدهم في الإنشاد، وكان من الجلساء فترفع عن الإنشاد مع الشعراء، فأذن له، فأنشده قوله:

أكاتم وجدي فما ينكـتـم

 

بمن لو شكوت إليه رحم

وإني على حسن ظني به

 

لأحذر إن بحت أن يحتشم

ولي عند لحظتـه روعةٌ

 

تحقق ما ظنه المتـهـم

وقد علم الناس أنـي لـه

 

محبٌ وأحسبه قد عـلـم

وفي هذا رملٌ لعبد الله بن العباس بن الربيع:

وإني لمغضٍ عـلـى لـوعةٍ

 

من الشوق في كبدي تضطرم

عشية ودعـت عـن مـقـلةٍ

 

سفوحٍ وزفرة قـلـبٍ سـدم

فما كان عند النوى مسـعـدٌ

 

سوى العين تمزج دمعاً بـدم

سيذكر مـن بـان أوطـانـه

 

ويبكي المقيمين من لـم يقـم

إلى خازن الله في خـلـقـه

 

سراج النهار وبدر الظـلـم

رحلنـا غـرابـيب زفـافةً

 

بدجلة في موجها الملتـطـم

إذا ما قصدنا لقـاطـولـهـا

 

ودهم قراقيرها تـصـطـدم

سكناً إلى خـير مـسـكـونةٍ

 

تيممهـا راغـبٌ مـن أمـم

مبـاركةٌ شـاد بـنـيانـهـا

 

بخير المواطن خـير الأمـم

كأن بهـا نـشـر كـافـورةٍ

 

لبرد نداها وطيب الـنـسـم

كظهر الأديم إذا ما السـحـا

 

ب صاب على متنها وانسجم

مبرأة من وحول الـشـتـاء

 

إذا ما طمى وحله وارتـكـم

فمـا إن يزال بـهـا راجـلٌ

 

يمر الهوينى ولا يلـتـطـم

ويمشي على رسلـه آمـنـاً

 

سليم الشراك نقـي الـقـدم

وللنون والضب في بطنـهـا

 

مراتع مسكـونةٌ والـنـعـم

غدوت على الوحش مغتـرةً

 

رواتع في نورها المنتـظـم

ورحت عليها وأسـرابـهـا

 

تحوم بأكنافهـا تـبـتـسـم

ثم قال يمدح الواثق:

يضيق الفضاء به إن غـدا

 

بطودي أعاريبه والعجـم

ترى النصر يقـدم راياتـه

 

إذا ما خفقن أمام العـلـم

وفي الـلـه دوخ أعـداءه

 

وجرد فيهم سيوف النقـم

وفي الله يكظم من غيظـه

 

وفي الله يصفح عمن جرم

رأى شيم الجود محمـودةً

 

وما شيم الجود إلا قـسـم

فراح على نعمٍ واغـتـدى

 

كأن ليس يحسن إلا نعـم

قال: فأمر له الواثق بثلاثين ألف لألف أدرهم، واتصلت أيامه بعد ذلك، ولم يزل من ندمائه.

أمره الواثق بأن يقول شعراً فأرتج عليه حيناً ثم قال: حدثني أحمد بن العباس قال حدثنا محمد بن زكريا الغلابي قال حدثني مهدي بن سابق قال: قال الواثق لحسين بن الضحاك: قل الساعة أبياتاً ملاحاً حتى أهب لك شيئاً مليحاً، فقال: في أي معنى يا أمير المؤمنين؟ فقال: امدد طرفك وقل فيما شئت مما ترى بين يديك وصفه. فالتفت فإذا ببساط زهره قد تفتحت أنواره وأشرق في نور الصبح، فأرتج علي ساعةً حتى خجلت وضقت ذرعاً. فقال لي الواثق: مالك ويحك! ألست ترى نور الصباح، ونور أقاح! فانفتح القول فقلت:

ألست ترى الصبح قد أسفـرا

 

ومبتكر الغيث قد أمـطـرا

وأسفرت الأرض عن حـلة

 

تضاحك بالأحمر الأصفـرا

ووافاك نـيسـان فـي ورده

 

وحثك في الشرب كي تسكرا

وتعمل كأسـين فـي فـتـيةٍ

 

تطارد بالأصغر الأكـبـرا

يحث كؤوسهم مـخـطـفٌ

 

تجاذب أردافـه الـمـئزرا

ترجل بالـبـان حـتـى إذا

 

أدار غــدائره وفـــرا

وفضض في الجلنار البـهـا

 

ر والآبنوسة والعـبـهـرا

فلما تـمـازج مـا شـذرت

 

مقاريض أطرافـه شـذرا

فكـلٌ ينـافـس فـي بـره

 

ليفعل في ذاته المـنـكـرا

قال: فضحك الواثق وقال: سنستعمل كل ما قلت يا حسين إلا الفسق الذي ذكرته فلا ولا كرامة. ثم أمر بإحضار الطعام فأكل وأكلوا معه. ثم قال: قوموا بنا إلى حانة الشط فقاموا إليها، فشرب وطرب، وما ترك يومئذ أحداً من الجلساء والمغنين والحشم إلا أمر له بصلة. وكانت من الأيام التي سارت أخبارها وذكرت في الآفاق. قال حسين: فلما كان من الغد غدوت إليه، فقال: أنشدني يا حسين شيئاً إن كنت قلته في يومنا الماضي، فقد كان حسناً، فأنشدته: شعره في حانة الشط وقد شرب فيها مع الواثق: صوت

يا حانة الشط قد أكرمت مثـوانـا

 

عودي بيوم سرورٍ كالـذي كـانـا

لا تفقدينـا دعـابـات الإمـام ولا

 

طيب البطالة إسـراراً وإعـلانـا

ولا تخالعنا فـي غـير فـاحـشةٍ

 

إذا يطربنا الطـنـبـور أحـيانـا

وهاج زمر زنـامٍ بـين ذاك لـنـا

 

شجواً فأهدى لنا روحاً وريحـانـا

وسلسل الرطل عمروٌ ثم عم به الس

 

قيا فألـحـق أولانـا بـأخـرانـا

سقياً لشكلك من شكل خصصت به

 

دون الدساكر من لـذات دنـيانـا

حفت رياضك جنـاتٌ مـجـاورةٌ

 

في كل مخترقٍ نهراً وبسـتـانـا

لا زلت آهله الأوطـان عـامـرةً

 

بأكرم الناس أعراقاً وأغـصـانـا

قال: فأمر له الواثق بصلة سنية مجددة، واستحسن الصوت، وأمر فغنى في غدة أبيات منها، غنت فريدة في البيتين الأولين من هذه الأبيات، ولحنها هزج مطلقٌ.

خاصم أبا شهاب ولاحاه: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني علي بن يحيى قال: اجتمعت أنا وحسين بن الضحاك وأبو شهاب الشاعر وهو الذي يقول:

لقد كنت ريحانةً في الندى

 

وتفاحةً في يد الكاعـب

وعمرو بن بانة يغنيها فتذاكرنا الدواب، واتصل الحديث إلى أن تلاحى حسين وأبو شهاب في دابتيهما وتراهنا على المسابقة بهما، فتسابقا فسبقه أبو شهاب. فقال حسين في ذلك:

كلـوا واشـربـوا هـنـئتـم وتـمــتـــعـــوا

 

وعـيشـوا وذمـوا الـكـودنـين جـمـــيعـــا

فأقـسـم مـا كـان الـذي نـال مـنـهـــمـــا

 

مدى الـسـبـق إذ جـد الـجـراء ســـريعـــا

وهي قصيدة معروفة في شعره. فقال أبو شهاب يجيبه:

 

 

أيا شاعر الخصيان حاولت خطةً

 

سبـقـت إلـيهـا وانـكـفـــأت ســـريعـــا

تحـاول سـبـقـي بـالـقــريض ســـفـــاهةً

 

لقـد رمـت جـهـلاً مـن حـمـاي مـنـيعـــا

وهي أيضاً قصيدة. فكان ذلك سبب التباعد بينهما. وكنا إذا أردنا العبث بحسين نقول له: أيا شاعر الخصيان، فيجن ويشتمنا.

قصته مع أحد جند الشام وإيقاعه بينه وبين عشيقته: حدثني جعفر قال حدثني علي بن يحيى قال حدثني حسين بن الضحاك قال: كان يألفني إنسانٌ من جند الشأم عجيب الخلقة والزي والشكل غليظٌ جلفٌ جافٍ، فكنت أحتمل ذلك كله له ويكون حظي التعجب به، وكان يأتيني بكتب من عشيقة له ما رأيت كتباً أحلى منها ولا أظرف ولا أبلغ ولا أشكل من معانيها، ويسألني أن أجيب عنها، فأجهد نفسي في الجوابات وأصرف عنايتي إليها على علمي بأن الشامي بجهله لا يميز بين الخطأ والصواب، ولا يفرق بين الابتداء والجواب. فلما طال ذلك علي حسدته وتنبهت إلى إفساد حاله عندها. فسألته عن اسمها فقال: بصبص. فكتبت إليها عنه في جواب كتابٍ منها جاءني به:

أرقصني حبك يا بصبـص

 

والحب يا سيدتي يرقـص

أرمصت أجفاني بطول البكا

 

فما لأجفانك لا تـرمـص

وابأبي وجهـك ذاك الـذي

 

كأنه من حسنه عصعـص

فجاءني بعد ذلك فقال لي: يا أبا علي، جعلني الله فداءك، ما كان ذنبي إليك وما أردت بما صنعت بي؟ فقلت له: وما ذاك عافاك الله؟ فقال: ما هو والله إلا أن وصل ذلك الكتاب إليها حتى بعثت إلي: إني مشتاقة إليك، والكتاب لا ينوب عن الرؤية، فتعال إلى الروشن الذي بالقرب من بابنا فقف بحياله حتى أراك، فتزينت بأحسن ما قدرت عليه وصرت إلى الموضع. فبينا أنا واقفٌ مكلماً أو مشيراً إلي إذا شيء قد صب علي فملأني من قرني إلى قدمي وأفسد ثيابي وسرجي وصيرني وجميع ما علي ودابتي في نهاية السواد والنتن والقذر، وإذا به ماءٌ قد خلط ببول وسواد سرجين ، فانصرفت بخزيٍ. وكان ما مر بي من الصبيان وسائر من مررت به من الضحك والطنز والصياح بي أغلظ مما مر بي، ولحقني من أهلي ومن في منزلي شرٌّ من ذلك وأوجع. وأعظم من ذلك أن رسلها انقطعت عني جملةً. قال: فجعلت أعتذر إليه وأقول له: إن الآفة أنها لم تفهم معنى الشعر لجودته وفصاحته، وأنا أحمد الله على ما ناله وأسر الشماتة به.

دعاه الحسن بن رجاء ودعاه ابن بسخنر فذهب له واعتذر للحسن: أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال حدثني ميمون بن هارون عن حسين بن الضحاك قال: كتب إلي الحسن بن رجاء في يوم شك وقد أمر الواثق بالإفطار، فقال:

هززتك للصبوح وقد نهانـي

 

أمير المؤمنين عن الصـيام

وعندي من قيان المصر عشرٌ

 

تطيب بهن عاتقة الـمـدام

ومن أمثالهن إذا انتـشـينـا

 

ترانا نجتني ثمـر الـغـرام

فكن أنت الجواب فليس شيءٌ

 

أحب إلي من حذف الكـلام

قال: فوردت علي رقعته وقد سبقه إلي محمد بن الحارث بن بسخنر ووجه إلي بغلام نظيف الوجه كان يتحظاه، ومعه ثلاثة غلمة أقران حسان الوجوه ومعهم رقعةٌ قد كتبها إلي كما تكتب المناشير، وختمها في أسفلها وكتب فيها يقول:

سر على اسم الله يا أش

 

كل من غصن لجـين

في ثلاثٍ من بني الرو

 

م إلـى دار حـسـين

فاشخص الكهل إلى مو

 

لاك يا قرة عـينـي

أره العنف إذا اسـتـع

 

صى وطالبـه بـدين

ودع اللفظ وخـاطـب

 

ه بغمز الحـاجـبـين

واحذر الرجعة من وج

 

هك في خفي حنـين

قال: فمضيت معهم، وكتبت إلى الحسن بن رجاء جواب رقعته:

دعوت إلى مماحكة الصـيام

 

وإعمال الملاهي والـمـدام

ولو سبق الرسول لكان سعيي

 

إليك ينوب عن طول الكلام

وما شوقي إليك بدون شوقي

 

إلى ثمر التصابي والغـرام

ولكن حل في نفر عسـوفٌ

 

بمنشورٍ محل المسـتـهـام

حسينٍ فاستباح له حـريمـاً

 

بطرف باعثٍ سبب الحمـام

وأظهر نخوةً وسطا وأبـدى

 

فظاظته بتركٍ لـلـسـلام

وأزعجني بألـفـاظٍ غـلاظٍ

 

وقد أعطيته طرفي زمامي

ولو خالفته لم يخش قتـلـي

 

وقنعني سريعاً بالـحـسـام

لاعب الواثق بالنرد وغازل خافان خادمه فقال شعراً: أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني جعفر بن هارون بن زياد قال حدثني أبي قال: كان الواثق يلاعب حسين بن الضحاك بالنرد وخاقان غلام الواثق واقفٌ على رأسه، وكان الواثق يتحظاه، فجعل يلعب وينظر إليه. ثم قال للحسين بن الضحاك: إن قلت الساعة شعراً يشبه ما في نفسي وهبت لك ما تفرح به. فقال الحسين: صوت

أحبك حبًّا شابه بنـصـيحةٍ

 

أبٌ لك مأمونٌ عليك شفيق

وأقسم ما بيني وبينك قربةٌ

 

ولكن قلبي بالحسان علوق

فضحك الواثق وقال: أصبت ما في نفسي وأحسنت. وصنع الواثق فيه لحناً، وأمر لحسين بألفي دينار. لحن الواثق في هذين البيتين من الثقيل الأول بالوسطى.

فضل نفسه على أبي نواس فرده أحمد بن خلاد: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أحمد بن خلاد قال: أنشدني حسين بن الضحاك لنفسه:

بدلت من نفحات الورد بـالآء

 

ومن صبوحك در الإبل والشاء

حتى أتى على آخرها، وقال لي: ما قال أحد من المحدثين مثلها. فقلت: أنت تحوم حول أبي نواس في قوله:

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء

 

وداوني بالتي كانت هي الداء

وهي أشعر من قصيدتك. فغضب وقال: ألي تقول هذا! علي وعلي إن لم أكن نكت أبا نواس! فقلت له: دع ذا عنك، فإنه كلام في الشعر لا قدحٌ في نسب، لو نكت أبا نواس وأمه وأباه لم تكن أشعر منه. وأحب أن تقول لي: هل لك في قصيدتك بيتٌ نادر غير قولك:

فضت خواتمها في نعت واصفها

 

عن مثل رقراقةٍ في عين مرهاء

وهذه قصيدة أبي نواس يقول فيها:

دارت على فتيةٍ ذل الزمان لهم

 

فما أصابهم إلا بـمـا شـاءوا

صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها

 

لو مسها حجرٌ مستـه سـراء

فأرسلت من فم الإبريق صافيةً

 

كأنما أخذها بالعقـل إغـفـاء

والله ما قدرت على هذا ولا تقدر عليه، فقام وهو مغضب كالمقر بقولي.

تحاكم هو وأبو نواس إلى ابن مناذر فحكم له: حدثني الحسن قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني إبراهيم بن المدبر قال حدثني أحمد بن المعتصم قال: حج أبو نواس وحسين بن الضحاك فجمعهما الموسم، فتناشدا قصيدتيهما: قول أبي نواس:

دعك عنك لومي فإن اللوم إغراء

 

وداوني بالتي كانت هي الـداء

وقصيدة حسين:

بدلت من نفحات الورد بالآء

فتنازعا أيهما أشعر في قصيدته، فقال أبو نواس: هذا ابن مناذر حاضرٌ الموسم وهو بيني وبينك. فأنشده قصيدته حتى فرغ منها، فقال أبو مناذر: ما أحسب أن أحداً يجيء بمثل هذه وهم بتفضيله، فقال له الحسين: لا تعجل حتى تسمع، فقال: هات، فأنشده قوله:

بدلت من نفحات الورد بـالآء

 

ومن صبوحك در الإبل والشاء

حتى انتهى إلى قوله:

فضت خواتمها في نعت واصفها

 

عن مثل رقراقةٍ في عين مرهاء

فقال له ابن مناذر: حسبك، قد استغنيت عن أن تزيد شيئاً، والله لو لم تقل في دهرك كله غير هذا البيت لفضلتك به على سائر من وصف الخمر، قم فأنت أشعر وقصيدتك أفضل. فحكم له وقام أبو نواس منكسراً.

قال شعراً لكثير بن إسماعيل استرضى به المعتصم: أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن محمد قال حدثني كثير بن إسماعيل التحتكار قال: لما قدم المعتصم بغداد، سأل عن ندماء صالح بن الرشيد وهو أبو الواسع وقنينة وحسين بن الضحاك وحاتم الريش وأنا، فأدخلنا عليه. فلشؤمي وشقائي كتبت بين عيني: سيدي هب لي شيئاً. فلما رآني قال: ما هذا على جبينك؟! فقال حمدون بن إسماعيل: يا سيدي تطايب بأن كتب على جبينه: سيدي هب لي شيئاً!. فلم يستطب لي ذلك ولا استملحه، ودعا بأصحابي من غد ولم يدع بي. ففزعت إلى حسين بن الضحاك، فقال لي: إني لم أحلل من أنسه بعد بالمحل الموجب أن أشفع إليه فيك، ولكني أقول لك بيتين من الشعر وادفعهما إلى حمدون بن إسماعيل يوصلهما، فإن ذلك أبلغ. فقلت: أفعل. فقال حسين:

قل لدنيا أصبحت تلعب بي

 

سلط الله عليك الآخـرة

إن أكن أبرد من قـنـينةٍ

 

ومن الريش فأمي فاجره

قال: فأخذتهما وعرفت حمدون أنهما لي وسألته إيصالهما ففعل، فضحك المعتصم وأمر لي بألفي دينار واستحضرني وألحقني بأصحابي.

كان ابن بسخنر يكره الصبوح فقال فيه شعراً: أخبرني عمي قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك قال قال لي أحمد بن حمدون: كان محمد بن الحارث بن بسخنر لا يرى الصبوح ولا يؤثر على الغبوق شيئاً، ويحتج بأن من خدم الخلفاء كان اصطحابه استخفافاً بالخدمة، لأنه لا يأمن أن يدعى على غفلة والغبوق يؤمنه من ذلك، وكان المعتصم يحب الصبوح، فكان يلقب ابن بسخنر الغبوقي. فإذا حضر مجلس المعتصم مع المغنين منعه الصبوح وجمع له مثل ما يشرب نظراؤه، فإذا كان الغبوق سقاه إياه جملةً غيظاً عليه، فيضج من ذلك ويسأل أن يترك حتى يشرب مع الندماء إذا حضروا فيمنعه ذلك. فقال فيه حسين بن الضحاك وفي حاتم الريش الضراط وكان من المضحكين:

حب أبي جعفر لـلـغـبـوق

 

كقبحك يا حاتـمٌ مـقـبـلا

فلا ذاك يعذر فـي فـعـلـه

 

وحقك في الناس أن تقـتـلا

وأشبه شيء بـمـا اخـتـاره

 

ضراطك دون الخلا في الملا

استعطف أبا أحمد بن الرشيد وكان قد غضب عليه: حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة قال: مزح أبو أحمد بن الرشيد مع حسين بن الضحاك مزاحاً أغضبه، فجاوبه حسين جواباً غضب منه أبو أحمد أيضاً. فمضى إليه حسين من غدٍ فاعتذر إليه وتنصل وحلف، فأظهر له قبولاً لعذره. ورأى ثقلاً في طرفه وانقباضاً عما كان يعهده منه، فقال في ذلك:

لا تعجبن لملةٍ صـرفـت

 

وجه الأمير فإنه بـشـر

وإذا نبا بك في سـريرتـه

 

عقد الضمير نبا بك البصر

حكى للنشار صحبته للأمين وإكرامه له: حدثني الصولي قال حدثني أبو أحمد بن النشار قال: كان أبي صديقاً للحسين بن الضحاك وكان يعاشره، فحملني معه يوماً إليه، وجعل أبي يحادثه إلى أن قال له: يا أبا علي، قد تأخرت أرزاقك وانقطعت موادك ونفقتك كثيرة، فكيف يمشي أمرك؟ فقال له: بلى والله يا أخي، ما قوام أمري إلا ببقايا هبات الأمين محمد بن زبيدة وذخائره وهبات جاريةٍ له لم يسمها أغنتني للأبد لشيءٍ ظريف جرى على غير تعمد، وذلك أن الأمين دعاني يوماً فقال لي: يا حسين، إن جليس الرجل عشيره وثقته وموضع سره وأمنه، وإن جاريتي فلانة أحسن الناس وجهاً وغناء، وهي مني بمحل نفسي، وقد كدرت علي صفوها ونغصت علي النعمة فيها بعجبها بنفسها وتجنيها علي وإدلالها بما تعلم من حبي إياها. وإني محضرها ومحضر صاحبةً لها ليست منها في شيء لتغني معها. فإذا غنت وأومأت لك إليها على أن أمرها أبين من أن يخفى عليك فلا تستحسن الغناء ولا تشرب عليه، وإذا غنت الأخرى فاشرب واطرب واستحسن واشقق ثيابك، وعلي مكان كل ثوب مائة ثوب. فقلت: السمع والطاعة. فجلس في حجرة الخلوة وأحضرني وسقاني وخلع علي، وغنت المحسنة وقد أخذ الشراب مني، فما تمالكت أن استحسنت وطربت وشربت، فأومأ إلي وقطب في وجهي. ثم غنت الأخرى فجعلت أتكلف ما أقوله وأفعله. ثم غنت المحسنة ثانيةً فأتت بما لم أسمع مثله قط حسناً، فما ملكت نفسي أن صحت وشربت وطربت، وهو ينظر إلي ويعض شفتيه غيظاً، وقد زال عقلي فما أفكر فيه، حتى فعلت ذلك مراراً، وكلما ازداد شربي ذهب عقلي وزدت مما يكره، فغضب فأمضني وأمر بجر رجلي من بين يديه وصرفي فجررت وصرفت، فأمر بأن أحجب. وجاءني الناس يتوجعون لي ويسألوني عن قصتي فأقول لهم: حمل علي النبيذ فأسأت أدبي، فقومني أمير المؤمنين بصرفي وعاقبني بمنعي من الوصول إليه. ومضى لما أنا في شهرٌ، ثم جاءتني البشارة أنه قد رضي عني، وأمر بإحضاري فحضرت وأنا خائف. فلما وصلت أعطاني الأمين يده فقبلتها، وضحك إلي وقام وقال: اتبعني، ودخل إلى تلك الحجرة بعينها ولم يحضر غيري. وغنت المحسنة التي نالني من أجلها ما نالني فسكت فقال لي: قل ما شئت ولا تخف، فشربت واستحسنت. ثم قال لي: يا حسين، لقد خار الله لك بخلافي وجرى القدر بما تحب فيه. إن هذه الجارية عادت إلى الحال التي أريد منها ورضيت كل أفعالها، فأذكرتني بك وسألتني الرضا عنك والاختصاص لك، وقد فعلت ووصلتك بعشرة آلاف دينار، ووصلتك هي بدون ذلك. والله لو كنت فعلت ما قلت لك حتى تعود إلى مثل هذه الحال ثم تحقد ذلك عليك فتسألني ألا تصل إلي لأجبتها. فدعوت له وشكرته وحمدت الله على توفيقه، وزدت في الاستحسان والسرور إلى أن سكرت وانصرفت وقد حمل معي المال. فما كان يمضي أسبوع إلا وصلاتها وألطافها تصل إلي من الجوهر والثياب والمال بغير علم الأمين، وما جالسته مجلساً بعد ذلك إلا سألته أن يصلني. فكل شيء أنفقته بعده إلى هذه الغاية فمن فضل مالها وما ذخرت من صلاتها. قال ابن النشار: فقال له أبي: ما سمعت بأحسن من هذا الحديث ولا أعجب مما وفقه الله لك فيه.

هنأ الأمين بظفر جيشه بطاهر بن الحسين: حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال: دخل حسين بن الضحاك على محمد الأمين بعقب رقعةٍ أوقعها أهل بغداد بأصحاب طاهر فهزموهم وفضحوهم، فهنأه بالظفر ثم استأذنه في الإنشاد، فأذن له فأنشده:

أمين الله ثق بـالـل

 

ه تعط العز والنصره

كل الأمر إلى الـلـه

 

كلاك الله ذو القدره

لنا النصر بإذن الـل

 

ه والكرة لا الفـره

وللـمـراق أعـدائ

 

ك يوم السوء والدبره

وكأسٌ تورد المـوت

 

كريهٌ طعمها مـره

سقونا وسقـينـاهـم

 

فكانت بهم الـحـره

كذاك الحرب أحيانـاً

 

علينا ولـنـا مـره

فأمر له بعشرة آلاف درهم، ولم يزل يتبسم وهو ينشده.

عابثه الأمين وركب ظهره: حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى أبو الحمار قال: قال لي الحسين بن الضحاك: شربنا يوماً مع الأمين في بستانٍ، فسقانا على الريق، وجد بنا في الشرب، وتحرز من أن نذوق شيئاً. فاشتد الأمر علي، وقمت لأبول، فأعطيت خادماً من الخدم ألف درهم على أن يجعل لي تحت شجرةٍ أومأت إليها رقاقةً فيها لحمٌ، فأخذ الألف وفعل ذلك. ووثب محمد فقال: من يكون منك حماري؟ فكل واحد منهم قال له: أنا، لأنه كان يركب الواحد منا عبثاً ثم يصله، ثم قال: يا حسين، أنت أضلع القوم. فركبني وجعل يطوف وأنا أعدل به عن الشجرة وهو يمر بي إليها حتى صار تحتها، فرأى الرقاقة فتطأطأ فأخذها فأكلها على ظهري، وقال: هذه جعلت لبعضكم، ثم رجع إلى مجلسه وما وصلني بشيء. فقلت لأصحابي: أنا أشقى الناس، ركب ظهري وذهب ألف درهمٍ مني وفاتني ما يمسك رمقي ولم يصلني كعادتي، ما أنا إلا كما قال الشاعر:

ومطعم الصيد يوم الصيد مطعمه

 

أنى توجه والمحروم محـروم

أحب جارية لأم جعفر ووسط عاصماً الغساني في استيهابها فأبت فقال شعراً: حدثني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد النحوي المبرد قال: كان حسين بن الضحاك الأشقر، وهو الخليع، يهوى جاريةً لأم جعفر، وكانت من أجمل الجواري، وكان لها صدغان معقربان، وكانت تخرج إليه إذا جاء فتقول له: ما قلت فينا؟ أنشدنا منه شيئاً، فيخرج إليها الصحيفة، فتقول له: اقرأ معي، فيقرأ معها حتى تحفظه ثم تدخل وتأخذ الصحيفة. فشكا ذلك إلى عاصم الغساني الذي كان يمدحه سلم الخاسر وكان مكيناً عند أم جعفر، وسأله أن يستوهبها له فاستوهبها، فأبت عليه أم جعفر، فوجه إلى الخليع بألف دينار وقال: خذ هذا الألف، فقد جهدت الجهد كله فيها فلم تمكني حيلة. فقال الحسين في ذلك:

رمتك غداة السبت شمسٌ من الخلـد

 

بسهم الهوى عمداً وموتك في العمـد

مؤزرة السربال مهضومة الحـشـا

 

غلامية التقطيع شـاطـرة الـقـد

محنأة الأطـراف رؤدٌ شـبـابـهـا

 

معقربة الصدغين كـاذبة الـوعـد

أقول ونفسـي بـين شـوقٍ وزفـرةٍ

 

وقد شخصت عيني ودمعي على الخد

أجيزي علي من قد تـركـت فـؤاده

 

بلحظته بين التـأسـف والـجـهـد

فقالت عذاب بالهوى مع قـربـكـم

 

وموتٌ إذا أقرحت قلبك بالـبـعـد

لقد فطنت للجور فـطـنة عـاصـمٍ

 

لصنع الأيادي الغر في طلب الحمـد

سأشكوك في الأشعار غير مقـصـرٍ

 

إلى عاصمٍ ذي المكرمات وذي المجد

لعل فتى غسـان يجـمـع بـينـنـا

 

فيأمن قلبي منـكـم روعة الـصـد

أقطع المعتصم الناس دوراً دونه فقال شعراً: حدثني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن مخارق قال: أقطع المعتصم الناس الدور بسر من رأى وأعطاهم النفقات لبنائها، ولم يقطع الحسين بن الضحاك شيئاً.

فدخل عليه فأنشده قوله:

يا أمين الـلـه لا خـطة لـي

 

ولقد أفردت صحبي بخطـط

أنا في دهياء من مـظـلـمةٍ

 

تحمل الشيخ على كل غـلـط

صعبة المسلك يرتـاع لـهـا

 

كل من أصعد فيها وهـبـط

بوني منك كـمـا بـوأتـهـم

 

عرصةً تبسط طرفي ما انبسط

أبتني فيها لنفسـي مـوطـنـاً

 

ولعقبي فرطاً بـعـد فـرط

لم يزل منك قريباً مسـكـنـي

 

فأعد لي عادة القرب فـقـط

كل من قربتـه مـغـتـبـطٌ

 

ولمن أبعدت خزيٌ وسـخـط

قال: فأقطعه داراً وأعطاه ألف دينار لنفقته عليها.

حاز شعراً لأبي العتاهية: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرني عمي الفضل عن الحسين بن الضحاك قال: كنت أمشي مع أبي العتاهية، فمررت بمقبرة وفيها باكيةٌ تبكي بصوتٍ شجٍ على ابنٍ لها. فقال أبو العتاهية:

أما تنفك باكـية بـعـين

 

غزيرٌ دمعها كمدٌ حشاها

أجز يا حسين، فقلت:

تنادي حفرةً أعيت جـوابـاً

 

فقد ولهت وصم بها صداها

نصحه أبو العتاهية بألا يرثي الأمين فأطاعه: حدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال حدثني الحسين بن الضحاك قال: كنت عازماً على أن أرثي الأمين بلساني كله وأشفي لوعتي. فلقيني أبو العتاهية فقال لي: يا حسين، أنا إليك مائلٌ ولك محبٌ، وقد علمت مكانك من الأمين، وإنه لحقيق بأن ترثيه، إلا أنك قد أطلقت لسانك من التلهف عليه والتوجع له بما صار هجاءً لغيره وثلباً له وتحريضاً عليه، وهذا المأمون منصبٌ إلى العراق قد أقبل عليك، فأبق على نفسك، يا ويحك! أتجسر على أن تقول:

تركوا حريم أبيهـم نـفـلاً

 

والمحصنات صوارخٌ هتف

هيهات بعدك أن يدون لهـم

 

عزٌّ وأن يبقى لهم شـرف

أكفف غرب لسانك واطو ما انتشر عنك وتلاف ما فرط منك. فعلمت أنه قد نصحني فجزيته الخير، وقطعت القول فنجوت برأيه وما كدت أن أنجو.

أعرض عنه فتى جميل فقال فيه شعراً: حدثني جعفر بن قدامة قال حدثني أبو العيناء قال: وقف علينا حسين بن الضحاك ومعنا فتًى جالسٌ من أولاد الموالي جميل الوجه، فحادثنا طويلاً وجعل يقبل على الفتى بحديثه والفتى معرضٌ عنه حتى طال ذلك، ثم أقبل عليه الحسين فقال:

تتيه علينا أن رزقـت مـلاحةً

 

فمهلاً علينا بعض تيهك يا بدر

لقد طالما كنا ملاحاً وربـمـا

 

صددنا وتهنا ثم غيرها الدهر

وقام فانصرف.
عربد في مجلس الأمين فغضب عليه ثم استرضاه بشعر فرضي عنه: أخبرني الحسن بن القاسم الكوفي قال حدثني ابن عجلان قال: غنى بعض المغنين في مجلس محمدٍ المخلوع بشعر حسين بن الضحاك، وهو: صوت

ألست ترى ديمةً تهطل

 

وهذا صباحك مستقبل

وهذي العقار وقد راعنا

 

بطلعته الشادن الأكحل

فعاد به وبنا سـكـرةٌ

 

تهون مكروه ما نسأل

فإني رأيت له نظـرةً

 

تخبرنا أنـه يفـعـل

قال: فأمر بإحضار حسين فأحضر، وقد كان محمد شرب أرطالاً. فلما مثل بين يديه أمر فسقي ثلاثة أرطالٍ، فلم يستوفها الحسين حتى غلبه السكر وقذف، فأمر بحمله إلى منزله فحمل. فلما أفاق كتب إليه:

إذا كنت في عصـبةٍ

 

من المعشر الأخـيب

ولم يك في مسـعـدٌ

 

نديم سوى جـعـدب

فأشرب مـن رمـلةٍ

 

وأسهر من قطـرب

ولما حباني الـزمـا

 

ن من حيث لم أحسب

ونادمت بدر السـمـا

 

ء في فلك الكوكـب

أبت لي غضوضيتـي

 

ولؤمٌ من المنصـب

فأسكرني مسـرعـاً

 

قويٌ من المشـرب

كذا النذل ينـبـوبـه

 

منادمة المـنـجـب

قال: فرده إلى منادمته وأحسن جائزته وصلته.

شعره في غلام أبي أحمد بن الرشيد: أخبرني الكوكبي قال حدثني علي بن محمد بن نصر عن خالد بن حمدون: أن الحسين بن الضحاك أنشده وقد عاتبه خادم من خدام أبي أحمد بن الرشيد كان حسين يتعشقه ولامه في أن قال فيه شعراً وغنى فيه عمرو بن بانة، فقال حسين فيه: صوت

فديت من قال لي على خفـره

 

وغض جفناً له علـى حـوره

سمع بي شعرك المليح فـمـا

 

ينفك شادٍ بـه عـلـى وتـره

فقلت يا مستعـير سـالـفة ال

 

خشف وحسن الفتور من نظره

لا تنكرن الحنين مـن طـربٍ

 

عاود فيك الصبا على كـبـره

وغنى فيه عمرو بن بانة هزجاً مطلقاً.
كتب شعراً على قبر أبي نواس: أخبرني الكوكبي قال حدثني أبو سهل بن نوبخت عن عمرو بن بانة قال: لما مات أبو نواس كتب حسين بن الضحاك على قبره:

كابرنيك الزمان يا حـسـن

 

فخاف سهمي وأفلح الزمن

ليتك إذ لم تكن بقيت لـنـا

 

لم تبق روحٌ يحوطها بدن

هجا جراحاً مخنثاً اسمه نصير: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني أبي قال: كان في جوار الحسين بن الضحاك طبيب يداوي الجراحات يقال له نصير، وكان مخنثاً، فإذا كانت وليمةٌ دخل مع المخنثين، وإذا لم تكن عالج الجراحات. فقال فيه الحسين بن الضحاك:

نصير ليس لمرد من شأنه

 

نصير طبٌّ بالنـكـاريش

يقول للنكريش في خلـوة

 

مقال ذي لطف وتجميش

هل لك أن نلعب في فرشنا

 

تقلب الطير المراعـيش

يعني المبادلة. فكان نصيرٌ بعد ذلك يصيح به الصبي