أخبار جعفر بن الزبير ونسبه

بسم الله الرحمن الرحيم

الجزء الخامس عشر

صوت

هل في آدكار الحبيب من حرج

 

أم هل لهم الفؤاد مـن فـرج

أم كيف أنسى رحيلنا حـرمـا

 

يوم حللنا بالنخـل مـن أمـج

يوم يقول الرسول قـد أذنـت

 

فائت على غير رقبة فـلـج

أقبلت أسعى إلى رحـالـهـم

 

في نفحة من نسيمهـا الأرج

الشعر لجعفر بن الزبير ،والغناء للغريض، خفيف ثقيل أول، بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أنه لدحمان في هذه الطريقة والمجرى. وذكره يونس بغير طريقة وقال: فيه لحنان: لابن سريج والغريض. وذكر الهشامي أن لحن ابن سريج رمل بالوسطى.

أخبار جعفر بن الزبير ونسبه

جعفر بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب. وأم جعفر بن الزبير زينب بنت بشر بن عبد عمرو، من بني قيس بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

أخبرني الطوسي قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثني مصعب بن عثمان قال: أخبرني جدك عبد الله بن مصعب عن أبي عثمان بن مصعب، عن شعيب بن جعفر بن الزبيرقال: فرض سليمان بن عبد الملك للناس في خلافته، وعرض الفرض. قال: وكان ابن حزم في ذلك محسناً يعلم الله، إنه كان يأمر الغلمان أن يتطاولوا على خفافهم ليرفعهم بذلك.

قال شعيب بن جعفر بن الزبير: فقال لي سليمان بن عبد الملك: من أنت؟ قلت: شعيب بن جعفر بن الزبير.

فقال: ما فعل جعفر؟ فقال له عمر بن عبد العزيز: ياأمير المؤمنين على الكبر والعيال. فقال: قل له يحضر الباب فقال لجعفر، احضر الباب. فدعا المنذر بن عبيدة بن الزبير، فرفع معه رقعة وأرسله إلى عمر بن عبد العزيز، فيها قوله:

يا عمر بن عمر بن الخـطـاب

 

إن وقوفي من وراء الأبـواب

يعدل عندي حطم بعض الأنياب

 

 

قال: فلما قرأها عمر عذره عند سليمان، فأمر له سليمان بألف دينار في دينه، وألف دينار معونةً على عياله، وبرقيق من البيض والسودان، وكثير من طعام الجاري ، وأن يدان من الصدقة بألفي دينار. قال: فلما جاء ذلك إلى أبي قال: أعطيته من غير مسألة؟ فقيل: نعم. قال: الحمد لله، ما أسخى هذا الفتى! ما كان أبوه سخياً ولا ابن سخي. ولكن هذا كأنه من آل حرب. ثم قال:

فما كنت ديانا فقد دنت إذا بـدت

 

صكوك أمير المؤمنين تـدور

بوصل أولي الأرحام قبل سؤالهم

 

وذلك أمر في الكرام كـثـير

قال بعض من روى هذا الخبر عن الزبير: الناس لاينظرون في عيب أنفسهم، وما كان لجعفر أن يعيب أحداً بالبخل؛ وما رئي في الناس أحد أبخل منهم أهل البيت ولامن عبد الله بن الزبير خاصة، وماكان فيهم جواد غير مصعب.

قال الزبير: حدثني عمي، قال: كان السلطان بالمدينة إذا جاء مال الصدقة أدان من أراد من قريش منه ، وكتب بذلك صكاً عليه، فيستعبدهم به، ويختلفون إليه، ويديرونه ، فإذا غضب على أحد منهم استخرج ذلك منه ، حتى كان هارون الرشيد، فكلمه عبد الله بن مصعب في صكوك بقيت من ذلك على غير واحد من قريش؛ فأمر بها فخرقت عنهم، فذلك قول ابن الزبير:

فما كنت دياناً فقد دنت إذ بدت

 

صكوك أمير المؤمنين تدور

قال الزبير: وحدثني عمي مصعب قال: شهد جعفر بن الزبير مع أخيه عبد الله حربة، واستعمله عبد الله على المدينة، وقاتل يوم قتل عبد الله بن الزبير، حتى جمد الدم على يده؛ وفي ذلك يقول جعفر:

لعمرك إني يوم أجلت ركائبـي

 

لاطيب نفسا بالجلاد لدى الركن

ضنين بمن خلفي شحيح بطاعتي

 

طراد رجال لامطاردة الحصن

-الحصن: جمع حصان، يقول: هذا طراد القتال لاطراد الخيل في الميادين-

غداة تحامتنا تـجـيب وغـافـق

 

وهمدان تبكي من مطاردة الضبن

قال الزبير: وحدثني عمي مصعب بن عثمان؛ أن جعفر بن الزبير كانت بينه وبين أخيه عروة معاتبة، فقال في ذلك:

لا تلحيني يابن أمي فـإنـنـي

 

عدو لمن عاديت ياعرو جاهد

وفارقت إخواني الذين تتابعـوا

 

وفارقت عبد الله والموت عاند

ولولا يمـين لاأزال أبـرهـا

 

لقد جمعتنا بالفناء المقـاعـد

قال الزبير: انشدتني عمتي أسماء بنت مصعب بن ثابت، لجعفر بن الزبير، وأنشدنيه غيرها يرثي ابناً له :

أهاجك بين من حبيب قد احتمـل

 

نعم ففؤادي هائم العقل محتبـل

وقالوا صحيرات اليمام وقـدمـوا

 

أوائلهم من آخر الليل في الثقـل

مررن على ماء العشيرة والهوى

 

على ملل يالهف نفسي على ملل

فتى السن كهل الحلم يهتز للنـدى

 

أمر من الدفلى وأحلى من العسل

في هذه الأبيات خفيف رمل بالبنصر، نسبه يحيى المكي إلى ابن سريج، ونسبه الهشامي إلى الأبجر، قال: ويقال إنه لابن سهيل.

فأخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني-وخبره أتم-قال: اصطحب قوم في سفر، ومعم رجل يغني، وشيخ عليه أثر النسك والعبادة، فكانوا يشتهون أن يغنيهم الفتى ويستحيون من الشيخ إلى أن بلغوا إلى صحيرات اليمام، فقال له المغني: أيها الشيخ إن علي يمينا أن أنشد شعرا إذا انتهيت إلى هذا الموضع، وإني أهابك وأستحي منك؛ فإن رأيت أن تأذن لي في إنشاده أو تتقدم حتى أوفي بيميني ثم نلحق بك فافعل. قال: وما علي من إنشادك؟! أنشد ما بدا لك. فاندفع يغني:

وقالوا صحيرات اليمام وقدمـوا

 

أوائلهم من آخر الليل في الثقـل

وردن على ماء العشيرة والهوى

 

على ملل يالهف نفسي على ملل

فجعل الشيخ يبكي أحر بكاء وأشجاه، فقالوا له: مالك ياعم تبكي؟ فقال: لاجزيتم خيراً؛ هذا معكم طول هذا الطريق وأنتم تبخلون علي به اتفرج به ويقطع عني طريقي؛ وأتذكر أيام شبابي. فقالوا: لاوالله ماكان يمنعنا منه غير هيبتك. قال: فأنتم إذا معذورون. ثم أقبل عليه؛ فقال: عد فديتك إلى ماكنت عليه. فلم يزل يغنيهم طول سفرهم حتى افترقوا.

قال: الزبير: وأخبرني مصعب بن عثمان أن أم عروة بنت جعفر بن الزبير أنشدته لأبيها جعفر وكان يرقصها بذلك:

ياحبذا عروة في الدمالج

 

أحب كل داخل وخارج

قال: وأخبرتني أن أخاها صالح بن جعفرغزا أرض الروم، فقال فيه جعفر:

قدراح يوم السبت حين راحوا

 

مع الجمال والتقى صـلاح

من كل حي نفـر سـمـاح

 

بيض الوجوه عرب صحاح

وفزعـوا وأخـذ الـسـلاح

 

وهم إذا ما كره الـشـياح

مصاعب يكرهها الجـراح

 

 

قال: الزبير: ولجعفر شعر كثير قد نحل عمر بن أبي ربيعة ودخل في شعره. فأما الأبيات التي ذكرت فيها الغناء فمن الناس من يرويها لعمر بن أبي ربيعة، ومنهم من يرويها للأحوص وللعرجي؛ وقد أنشدنيها جماعة من أصحابنا لجعفر بن الزبير. وأخبرني بذلك الحرمي، والطوسي، وحبيب بن نصر المهلبي، وذكر الأبيات. وأخبرنيه عمي عن ابن أبي سعد عن سعيد بن عمرو عن أم عروة بنت جعفر مثله. قال ابن أبي سعد : قال الخزامي الناس يروونها للعرجي، وأم عروة أصدق.

أخبرني الطوسي قال حدثنا الزبيري قال:حدثني سعيد بن عمرو الزبيري قال: تزوج جعفر بن الزبير امرأةً من خزاعة وفيها يقول:

هل في ادكار الحبيب من حرج

الأبيات وزاد فيها بيتين وهما:

تسفر عن واضح إذا سفرت

 

ليس بذي آمة ولا سـمـج

وسقط البيت الآخر من الأصل.
قال الزبير في رواية الطوسي: حدثني مصعب بن عثمان وعمي مصعب قالا: كان جماعة من قريش منتحين عن المدينة، فصدر عن المدينة بدوي فسألوه: هل كان لمدينة خبر؟ قال: نعم مات أبو الناس. قالوا: وأنى ذلك؟ قال: شهده أهل المدينة جميعاً؛ وبكي عليه من كل دار. فقال القوم: هذا جعفر بن الزبير، فجاءهم الخبر بعد أن جعفر بن الزبير مات.

أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني إبراهيم بن معاوية عن أبي محمد الأنصاري، عن عروة بن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال: أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني إبراهيم بن معاوية عن أبي محمد الأنصاري، عن عروة بن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال: لما تزوج الحجاج وهو أمير المدينة بنت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أتى رجل سعيد بن المسيب فذكر له ذلك، فقال: إني لأرجو أن لايجمع الله بينهما، ولقد دعا داع بذلك فابتهل، وعسى الله ، فإن أباها لم يزوج إلا الدراهم. فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان أبرد البريد إلى الحجاج، وكتب إليه يغلظ له ويقصر به، ويذكر تجاوزه قدره، ويقسم بالله لئن هو مسها ليقطعن أحب اعضائه إليه، ويأمره بتسويغ أبيها المهر ، وبتعجيل فراقها.

ففعل، فما بقي أحد فيه خير إلا سره ذلك.
وقال جعفر بن الزبير وكان شاعراً في هذه القصة:

وجدت أمير المؤمنين ابن يوسـف

 

حميا من الأمر الذي جئت تنكـف

ونبئت أن قد قال لما نكحـتـهـا

 

وجاءت به رسل تخب وتوجـف

ستعلم أني قد أنفت لـمـا جـرى

 

ومثلك منه عمرك الـلـه يؤنـف

ولولا انتكاس الدهر ما نال مثلهـا

 

رجاؤك إذ لم يرج ذلـك يوسـف

أبنت المصفى ذي الجناحين تبتغي

 

لقد رمت خطبا قدره ليس يوصف

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

 

أنيس ولم يسمر بمـكة سـامـر

بلى نحن كنا أهلـهـا فـأبـادنـا

 

صروف الليالي والجدود العواثـر

عروضه من الطويل. الشعر فيما ذكر ابن إسحاق صاحب المغازي لمضاض بن عمروالجرهمي. وقال غيره: بل هو لحارث بن عمر بن مضاض.
أخبرنا بذلك الجوهري عن عمر بن شبة عن أبي غسان محمد بن يحيى عن غسان بن عبد الحميد. وقال عبد العزيز بن عمران : هو عمر بن الحارث بن مضاض. والغناء ليحيى المكي، رمل بالوسطى عن عمرو. وفيه لإبراهيم الموصلي ما خوري بالبنصر. وفيه لأهل مكة لحن قديم ذكره إبراهيم ولم يجنسه.