أخبار تأبط شراً ونسبه

أخبار تأبط شراً ونسبه

نسبه ولقبه

هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن عدي بن كعب بن حزن. وقيل: حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار.

وأمه امرأة يقال لها: أميمة، يقال: إنها من بني القين بطن من، فهم ولدت خمسة نفر: تأبط شراً، وريش بلغب، وريش نسر، وكعب جدر، ولا بواكي له، وقيل: إنها ولدت سادساً اسمه عمرو.

وتبأبط شراً لقب لقب به، ذكر الرواة أنه كان رأى كبشاً في الصحراء، فاحتمله تحت إبطه، فجعل يبول عليه طول طريقه، فلما قرب من الحي ثقل عليه الكبش، فلم يقله فرمى به فإذا هو الغول، فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ قال: الغول، قالوا: لقد تأبطت شراً فسمي بذلك.

وقيل: بل قالت له أمه: كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راح غيرك، فقال لها: سآتيك الليلة بشيء، ومضى فصاد أفاعي كثيرة من أكبر ما قدر عليه، فلما راح أتى بهن في جراب متأبطاً له، فألقاه بين يديها، ففتحته، فتساعين في بيتها، فوثبت، وخرجت، فقال لها نساء الحي: ماذا أتاك به ثابت؟ فقالت: أتاني بأفاع في جراب، قلن: وكيف حملها؟ قالت: تأبطها، قلن: لقد تأبط شراً، فلزمه تأبط شراً.

حدثني عمي قال حدثني علي بن الحسن بن عبد الأعلى عن أبي محلم بمثل هذه الحكاية وزاد فيها: أن أمه قالت له في زمن الكمأة: ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة، فيروحون بها؟ فقال أعطيني جرابك، حتى أجتني لك فيه، فأعطته، فملأه لها أفاعي، وذكر باقي الخبر مثل ما تقدم.

ومن ذكر أنه إنما جاءها بالغول يحتج بكثرة أشعاره في هذا المعنى، فإنه يصف لقاءه إياها في شعره كثيراً، فمن ذلك قوله:

فأصبحت الغول لي جارة

 

فيا جارتا لك ما أهـولا

فطالبتها بضعها فالتـوت

 

علي وحاولت أن أفعـلا

فمن كان يسأل عن جارتي

 

فإن لها باللوى مـنـزلا

كان أحد العدائين المعدودين: أخبرني عمي عن الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني قال: نزلت على حي من فهم إخوة بني عدوان من قيس، فسألتهم عن خبر تأبط شراً، فقال لي بعضهم: وما سؤالك عنه، أتريد أن تكون لصاً؟ قلت: لا، ولكن أريد أن أعرف أخبار هؤلاء العدائين، فأتحدث بها، فقالوا: نحدثك بخبره: إن تأبط شراً كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه فلا يفوته، حتى يأخذه، فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله.

يصف غولاً افترسها: وإنما سمي تأبط شراً لأنه – فيما حكي لنا – لقي الغول في ليلة ظلماء في موضع يقال له رحى بطسان في بلاد هذيل، فأخذت عليه الطريق فلم يزل بها، حتى قتلها، وبات عليها فلما أصبح حملها تحت إبطه وجاء بها إلى أصحابه، فقالوا له: لقد تأبطت شراً، فقال في ذلك:

تأبط شراً ثم راح أو اغـتـدى

 

يوائم غنماً أو يشيف على ذحل

يوائم: يوافق، ويشيف: يقتدر. وقال أيضاً في ذلك:

ألا من مبلغ فـتـيان فـهـم

 

بما لاقيت عند رحى بطـان

وأني قد لقيت الغول تهـوي

 

بسهب كالصحيفة صحصحان

فقلت لها: كلانـا نـضـوأين

 

أخو سفر فخلي لي مكانـي

فشدت شدة نحوي فـأهـوى

 

لها كفي بمصقول يمـانـي

فأضربها بلا دهش فخـرت

 

صريعاً لليدين ولـلـجـران

فقالت: عد، فقلت لها: رويداً

 

مكانك إنني ثبت الـجـنـان

فلم أنفك متـكـئاً عـلـيهـا

 

لأنظر مصبحاً ماذا أتـانـي

إذا عينان فـي رأس قـبـيح

 

كرأس الهر مشقوق اللسـان

وساقا مخدج وشواة كـلـب

 

وثوب من عباء أو شـنـان

لم لا تنهشه الحيات؟ أخبرنا الحسين بن يحيى: قال: قرأت على حماد: وحدثك أبوك عن حمزة بن عتبة اللهبي: قال: قيل لتأبط شراً: هذه الرجال غلبتها، فكيف لا تنهشك الحيات في سراك؟ فقال: إني لأسرى البردين. يعني أول الليل، لأنها تمور خارجة من حجرتها، وآخر الليل تمور مقبلة إليها.

يبيع ثقفياً أحمق اسمه بطيلسانة:  قال حمزة: ولقي تأبط شراً ذات يوم رجلاً من ثقيف يقال له أبو وهب، كان جباناً أهوج، وعليه حلة جيدة، فقال أبو وهب لتأبط شراً: بم تغلب الرجال يا ثابت، وأنت كما أرى دميم ضئيل؟ قال: باسمي، إنما أقول ساعة ما ألقى الرجل: أنا تأبط شراً، فينخلع قلبه حتى أنال منه ما أردت، فقال له الثقفي: أقط قال: قط، قال: فهل لك أن تبيعني اسمك؟ قال: نعم، فبم تبتاعه؟ قال: بهذه الحلة وبكنيتك قال له: أفعل، ففعل، وقال له تأبط شراً لك اسمي ولي كنيتك؟، وأخذ حلته وأعطاه طمرية، ثم انصرف، وقال في ذلك يخاطب زوجة الثقفي:

ألا هل أتى الحسناء أن حـلـيلـهـا

 

تأبط شراً واكتـنـيت أبـا وهـب

فهبه تسمى اسمي وسميت باسـمـه

 

فأين له صبري على معظم الخطب؟

وأين له بأس كبـأسـي وسـورتـي

 

وأين له في كل فـادحة قـلـبـي؟

يخونه نشاطه أمام الحسان: قال حمزة: وأحب تأبط شراً جارية من قومه، فطلبها زماناً لا يقدر عليها، ثم لقيته ذات ليلة فأجابته وأرادها، فعجز عنها، فلما رأت جزعه من ذلك تناومت عليه فآنسته وهدأ، ثم جعل يقول:

مالك من أير سلبت الخله

 

عجزت عن جارية رفله

تمشي إليك مشية خوزله

 

كمشية الأرخ تريد العله

الأرخ: الأنثى من البقر التي لم تنتج. العلة تريد أن تعل بعد النهل، أي أنها قد رويت فمشيتها ثقيلة. والعل: الشرب الثاني.

لو أنها راعية في ثـلـه

 

تحمل قلعين لها قبـلـه

لصرت كالهراوة العتله

 

 

قصته مع بجيلة: أخبرني الحسن بن علي عن عبد الله بن أبي سعد عن أحمد بن عمر عن أبي بركة الأشجعي قال: أغار تأبط شراً – وهو ثابت بن العميثل الفهمي، ومعه ابن براق الفهمي على بجيلة – فأطردا لهم نعماً، ونذرت بهما بجيلة، فخرجت في آثارهما ومضيا هاربين في جبال السراة، وركبا الحزن، وعارضتهما بجيلة في السهل فسبقوهما إلى الوهط – وهو ماء لعمرو بن العاص بالطائف – فدخلوا لهما في قصبة العين، وجاءا، وقد بلغ العطش منهما، إلى العين، فلما وقفا عليها قال تأبط شراً لابن براق: أقل من الشراب فإنها ليلة طرد، قال: وما يدريك؟ قال: والذي أعدو بطيره، إني لأسمع وجيب قلوب الرجال تحت قدمي. وكان من أسمع العرب وأكيدهم. فقال له ابن براق: ذلك وجيب قلبك. فقال له تأبط شراً: والله ما وجب قط، ولا كان وجاباً، وضرب بيده عليه، وأصاخ نحو الأرض يستمع فقال: والذي أعدو بطيره، إني لأسمع وجيب قلوب الرجال، فقال له ابن براق: فأنا أنزل قبلك، فنزل فبرك وشرب وكان أكل القوم عند بجيلة شوكة، فتركوه وهم في الظلمة، ونزل ثابت، فلما توسط الماء وثبوا عليه، فأخذوه وأخرجوه من العين مكتوفاً، وابن براق قريب منهم لا يطمعون فيه لما يعلمون من عدوه، فقال لهم ثابت: إنه من أصلف الناس وأشدهم عجباً بعدوه، وسأقول له: أستأسر معي، فسيدعوه عجبه بعدوه إلى أن يعدو من بين أيديكم، وله ثلاثة أطلاق: أولها كالريح الهابة، والثاني كالفرس الجواد، والثالث يكبو فيه ويعثر، فإذا رأيتم منه ذلك فخذوه فإني أحب أن يصير في أيديكم كما صرت إذ خالفني ولم يقبل رأيي ونصحي له، قالوا: فافعل، فصاح به تأبط شراً: أنت أخي في الشدة والرخاء، وقد وعدني القوم أن يمنوا عليك وعلي، فاستأسر، وواسني بنفسك في الشدة، كما كنت أخي في الرخاء، فضحك ابن براق، وعلم أنه قد كادهم، وقال: مهلاً يا ثابت، أيستأسر من عنده هذا العدو؟ ثم عدا فعدا أول طلق مثل الريح الهابة كما وصف لهم، والثاني كالفرس الجواد، والثالث جعل يكبو ويعثر ويقع على وجهه. فقال ثابت: خذوه، فعدوا بأجمعهم، فلما أن نفسهم عنه شيشئاً عدا تأبط شراً في كتافه، وعارضه ابن براق، فقطع كتافه، وأفلتا جميعاً، فقال تأبط شراً قصيدته القافية في ذلك:

يا عيد مالك من شوق وإبـراق

 

ومر طيف على الأهوال طراق

يسري على الأين والحيات محتفياً

 

نفسي فداؤك من سار على ساق

طيف ابنة الحر إذ كنا نواصلهـا

 

ثم اجتنبت بها من بعد تـفـراق

لتقر عن علي السـن مـن نـدم

 

إذا تذكرت يوماً بعض أخلاقي

تالله آمن أنثى بعدما حـلـفـت

 

أسماء بالله من عهد ومـيثـاق

ممزوجة الود بينا واصلت صرمت

 

الأول اللذ مضى والآخر الباقـي

فالأول اللذ مضى قال مودتـهـا

 

واللذ منها هذاء غـير إحـقـاق

تعطيك وعد أمانـي تـغـر بـه

 

كالقطر مر على صخبآن بـراق

إني إذا خلة ضنـت بـنـائلـهـا

 

وأمسكت بضعيف الحبل أحـذاق

نجوت منها نجائي في بـجـيلة إذ

 

ألقيت للقوم يوم الروع أرواقـي

وذكرها ابن أبي سعيد في الخبر إلى آخرها.

وأما المفضل الضبي فذكر أن تأبط شرا وعمرو بن براق والشنفري – وغيره يجعل مكان الشنفري السليك بن السلكة – غزوا بجيلة فلم يظفروا منهم بغرة، وثاروا إليهم فأسروا عمراً، وكتفوه، وأفلتهم الآخران عدواً، فلم يقدروا عليهما، فلما علما أن ابن براق قد أسر قال تأبط شراً لصاحبه: امض فكن قريباً من عمرو، فإني سأتراءى لهم وأطمعهم في نفسي حتى يتباعدوا عنه، فإذا فعلوا ذلك فحل كتافه، وانجوا، ففعل ما أمره به، وأقبل تأبط شراً، حتى تراءى لبجيلة، فلما رأوه طمعوا فيه، فطلبوه، وجعل يطمعهم في نفسه، ويعدو عدواً خفيفاً يقرب فيه، ويسألهم تخفيف الفدية وإعطاءه الأمان، حتى يستأسر لهم، وهم يجيبونه إلى ذلك، ويطلبونه وهو يحضر إحضاراً خفيفاً، ولا يتباعد، حتى علا تلعة أشرف منها على صاحبيه، فإذا هما قد نجوا، ففطنت لهما بجيلة، فألحقتهما طلباً ففاتاهم، فقال: يا معشر بجيلة أأعجبكم عدو ابن براق اليوم، والله لأعدون لكم عدواً أنسيكم به عدوه، ثم عدا عدواً شديداً، ومضى وذلك قوله:

يا عيد مالك في شوق وإبراق

وأما الأمصعي فإنه ذكر فيما أخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد بن إسحاق عن أبيه عن عمه: أن بجيلة أمهلتهم حتى وردوا الماء وشربوا وناموا، ثم شدوا عليهم، فأخذوا تأبط شراً، فقال لهم: إن ابن براق دلاني في هذا، وإنه لا يقدر على العدو لعقر في رجليه، فإن تبعتموه أخذتموه، فكتّفوا تأبط شراً، ومضوا في أثر ابن براق، فلما بعدوا عنه عدا في كتافه ففاتهم، ورجعوا.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا ابن الأثرم، عن أبيه. وحدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عمرو، قالا: كان تأبط شراً يعدو على رجليه، وكان فاتكاً شديداً، فبات ليلة ذات ظلمة وبرق ورعد في قاع يقال له رحى بطان، فلقيته الغول فمازال يقاتلها ليلته إلى أن أصبح وهي تطلبه، قال: والغول: سبع من سباع الجن، وجعل يراوغها، وهي تطلبه، وتلتمس غرة منه، فلا تقدر عليه، إلى أن أصبح، فقال تأبط شراً:

ألا من مبلغ فـتـيان فـهـم

 

بما لاقيت عند رحى بطـان

بأني قد لقيت الغول تـهـوي

 

بسهب كالصحيفة صحصحان

فقلت لها: كلانـا نـضـوأين

 

أخوه سفر فخلي لي مكانـي

فشدت شدة نحوي فـأهـوى

 

لها كفي بمصقول يمـانـي

فأضربها بلا دهش فخـرت

 

صريعاً لليدين ولـلـجـران

فقالت عد، فقلت لهـا: رويداً

 

مكانك إنني ثبت الـجـنـان

فلم أنفك متـكـئاً عـلـيهـا

 

لأنظر مصبحاً ماذا أتـانـي

إذا عينان فـي رأس قـبـيح

 

كرأس الهر مشقوق اللسـان

وساقا مخدج وشواة كـلـب

 

وثوب من عباء أو شـنـان

يفر ويدع من معه: قالوا: وكان من حديثه أنه خرج غازياً يريد بجيلة هو ورجل معه، وهو يريد أن يغترهم، فيصيب حاجته، فأتى ناحية منهم، فقتل رجلاً، ثم استاق غنماً كثيرة، فنذروا به، فتبعه بعضهم على خيل، وبعضهم رجالة، وهم كثير، فلما رآهم، وكان من أبصر الناس عرف وجوههم، فقال لصاحبه: هؤلاء قوم قد عرفتهم، ولن يفارقونا اليوم حتى يقاتلونا أو يظفروا بحاجتهم، فجعل صاحبه ينظر، فيقول: ما أتبين أحداً، حتى إذا دهموهما قال لصاحبه: اشتد فإني سأمنعك مادام في يدي سهم، فاشتد الرجل، ولقيهم تأبط شراً، وجعل يرميهم حتى نفدت نبله، ثم إنه اشتد فمر بصاحبه فلم يطق شده، فقتل صاحبه، وهو ابن عم لزوجته، فلما رجع تأبط شراً وليس صاحبه معه عرفوا أنه قد قتل، فقالت له امرأته: تركت صاحبك وجئت متباطئاً، فقال تأبط شراً في ذلك:

ألا تلكما عرسي منيعة ضمنت

 

من الله إثماً مستسا وعالـنـا

تقول: تركت صاحباً لك ضـائعـاً

 

وجئت إلينا فارقـاً مـتـبـاطـئا

إذا ما تركت صاحـبـي لـثـلاثة

 

أو اثنتين مثلينا فـلا أبـت آمـنـا

وما كنت أباء على الخـل إذا دعـا

 

ولا المرء يدعوني ممراً مداهنـا

وكري إذا أكرهت رهطاً وأهلـه

 

وأرضاً يكون العوض فيها عجانهنا

ولما سمعت العوص تدعو تنفـرت

 

عصافير رأسي من غواة فراتنـا

ولم أنتظر أن يدهموني كـأنـهـم

 

ورائي نحل في الخلـية واكـنـا

ولا أن تصيب النافذات مقـاتـلـي

 

ولم أك بالشد الـذلـيق مـداينـا

فأرسلت مثنياً عن الشـد واهـنـا

 

وقلت تزحزح لا تكونـن حـائنـا

وحثحثت مشعوف النجـاء كـأنـه

 

هجف رأى قصراً سمالاً وداجنـا

من الحص هرروف يطير عفـاؤه

 

إذا استدرج الفيفا ومد المغابـنـا

أزج زلوج هـزرفـي زفـازف

 

هزف يبد الناجيات الصـوافـنـا

فزحزحت عنهم أو تجئني منـيتـي

 

بغبراء أو عرفاء تفري الدفـائنـا

كأني أراها المـوت لا در درهـا

 

إذا أمكنت أنيابهـا والـبـراثـنـا

وقالت لأخرى خلفها وبـنـاتـهـا

 

حتوف تنقي مخ من كان واهـنـا

أخاليج وراد علي ذي مـحـافـل

 

إذا نزعوا مدوا الدلا والشواطـنـا

وقال غيره: بل خرج تأبط شراً هو وصاحبان له، حتى أغاروا على العوص من بجيلة، فأخذوا نعماً لهم، واتبعتهم العوص، فأدركوهم، وقد كانوا استأجروا لهم رجالاً كثيرة، فلما رأى تأبط شراً ألا طاقة لهم بهم شمر وتركهما، فقتل صاحباه، وأخذت النعم، وأفلت، حتى أتى بني القين من فهم، فبات عند امرأة منهم يتحدث إليها، فلما أراد أن يأتي قومه دهنته ورجلته، فجاء إليهم وهم يبكون، فقالت له امرأته: لعنك الله تركت صاحبيك وجئت مدهناً، وإنه إنما قال هذه القصيدة في هذا الشأن، وقال تأبط شراً يرثيهما وكان اسم أحدهما عمراً:

أبعد قتيل العوص آسى على فتـى

 

وصاحبه أو يأمل الزاد طـارق؟

أأطرد فهما آخر الليل أبـتـغـي

 

علالة يوم أن تعـوق الـعـوائق

لعمر فتـى نـلـتـم كـأن رداءه

 

على سرحة من سرح دومة سامق

لأطرد نهبـاً أو نـرود بـفـتـية

 

بأيمانهم سمر القنـا والـعـقـائق

مساعرة شعث كـأن عـيونـهـم

 

حريق الغضا تلفى عليها الشقـائق

فعدوا شهور الحرم ثم تـعـرفـوا

 

قتيل أناس أو فـتـاة تـعـانـق

محاولة قتله هو وأصحابه بالسم: قال الأثرم: قال أبو عمرو في هذه الرواية: وخرج تأبط شراً يريد أن يغزو هذيلاً في رهط، فنزل على الأحل بن قنصل – رجل من بجيلة – وكان بينهما حلف، فأنزلهم ورحب بهم، ثم إنه ابتغى لهم الذراريح ليسقيهم فيستريح منهم، ففطن له تأبط شراً، فقام إلى أصحابه، فقال: إني أحب ألا يعلم أنا قد فطنا له، ولكن سابوه حتى نحلف ألا نأكل من طعامه، ثم أغتره فأقتله لأنه إن علم حذرني – وقد كان مالأ ابن قنصل رجل منهم يقال له لكيز قتلت فهم أخاه – فاعتل عليه وعلى أصحابه فسبوه وحلفوا ألا يذوقوا من طعامه ولا من شرابه، ثم خرج في وجهه، وأخذ في بططن واد فيه النمور، وهي لا يكاد يسلم منها أحد، والعرب تسمي النمر ذا اللونين، وبعضهم يسميه السبنتي، فنزل في بطنه وقال لأصحابه: انطلقوا جميعاً فتصيدوا، فهذا الوادي كثير الأروى، فخرجوا وصادوا، وتركوه في بطن الوادي فجاءوا فوجدوه قد قتل نمراً وحده، وغزا هذيلا فغنم وأصاب، فقال تأبط شراً في ذلك:

أقسمت لا أنسى وإن طال عيشنا

 

صنيع لكيز والأحل بن قنصـل

نزلنا به يوماً فساء صبـاحـنـا

 

فإنك عمري قد ترى أي منزل

بكى إذ رآنا نازلـين بـبـابـه

 

وكيف بكاء ذي القليل المعـيل

فلا وأبيك ما نزلنـا بـعـامـر

 

ولا عامر ولا الرئيس ابن قوقل

عامر بن مالك أبو براء ملاعب الأسنة، وعامر بن الطفيل، وابن قوقل: مالك بن ثعلبة أحد بني عوف بن الخزرج – .

ولا بالشليل رب مروان قاعداً

 

بأحسن عيش والنفاثي نوفل

رب مروان: جرير بن عبد الله البجلي. ونوفل بن معاوية بن عروة بن صخر بن يعمر أحد بني الديل بن بكر – .

ولا ابن وهيب كاسب الحمد والعلا

 

ولا ابن ضبيع وسط آل المخبـل

ولا ابن حليس قاعداً في لقـاحـه

 

ولا ابن جري وسط آل المغفـل

ولا ابن رياح بالـزلـيفـات داره

 

رياح بن سعد لا رياح بن معقـل

أولئك أعطى لـلـولائد خـلـفة

 

وأدعى إلى شحم السديف المرعبل

يتخذ من العسل مزلقاً على الجبل فينجو من موت محقق: وقال أيضاً في هذه الرواية: كان تأبط شراً يشتار عسلاً في غار من بلاد هذيل، يأتيه كل عام، وأن هذيلاً ذكرته، فرصدوه لإبان ذلك، حتى إذا جاء هو وأصحابه تدلى، فدخل الغار، وقد أغاروا عليهم فأنفروهم، فسبقوهم ووقفوا على الغار، فحركوا الحبل، فأطلع تأبط شراً رأسه، فقالوا: أصعد، فقال: ألا أراكم، قالوا: بلى قد رأيتنا. فقال: فعلام أصعد، أعلى الطلاقة أم الفداء؟ قالوا: لا شرط لك، قال: فأراكم قاتلي وآكلي جناي، لا والله لا أفعل، قال: وكان قبل ذلك نقب في الغار نقباً أعده للهرب، فجعل يسيل العسل من الغار ويثريقه، ثم عمد إلى الزق فشده على صدره ثم لصق بالعسل فلم يبرح ينزلق عليه حتى خرج سليماً وفاتهم، وبين موضعه الذي وقع فيه وبين القوم مسيرة ثلاث، فقال تأبط شراً في ذلك:

أقول للحيان وقد صفـرت لـهـم

 

وطابي ويومي ضيق الحجر معور

هما خطـتـا إمـا إسـار ومـنة

 

وإما دم والقتل بـالـحـر أجـدر

وأخرى أصادي النفس عنها وإنهـا

 

لمورد حزم إن ظفرت ومصـدر

فرشت لها صدري فزل عن الصفا

 

به جؤجؤ صلب ومتن مخـصـر

فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا

 

به كدحه والموت خزيان ينـظـر

فأبت إلى فهم ومـا كـنـت آئبـاً

 

وكم مثلها فارقتها وهي تصـفـر

إذا المرء لم يحتل وقد جـد جـده

 

أضاع وقاسى أمره وهو مـدبـر

ولكن أخو الحزم الذي ليس نـازلاً

 

به الأمر إلا وهو للحزم مبصـر

فذاك قريع الدهر ما كـان حـولاً

 

إذا سد منه منخر جاش منـخـر

فإنك لو قايست باللصب حيلـتـي

 

بلقمان لم يقصر بي الدهر مقصر

غارة ينتصر فيها على العوص: وقال أيضاً في حديث تأبط شراً: إنه خرج من عدة من فهم، فيهم عامر بن الأخنس، والشنفري، والمسيب، وعمرو بن براق، ومرة بن خليف، حتى بيتوا العوص وهم حي من بجيلة، فقتلوا منهم نفراً، وأخذوا لهم إبلاً، فساقوها حتى كانوا من بلادهم على يوم وليلة، فاعترضت لهم خثعم وفيهم ابن حاجز، وهو رئيس القوم، وهم يومئذ نحو من أربعين رجلاً، فلما نظرت إليهم صعاليك فهم قالوا لعامر بن الأخنس: ماذا ترى؟ قال: لا أرى لكم إلا صدق الضراب، فإن ظفرتم فذاك، وإن قتلتم كنتم قد أخذتم ثأركم، قال تأبط شراً: بأبي أنت وأمي، فنعم رئيس القوم أنت إذا جد الجد، وإذا كان قد أجمع رأيكم على هذا فإني أرى لكم أن تحملوا على القوم حملة واحدة فإنكم قليل والقوم كثير، ومتى افترقتم كثركم القوم، فحملوا عليهم فقتلوا منهم في حملتهم، فحملوا ثانية فانهزمت خثعم وتفرقت، وأقبل ابن حاجز فأسند في الجبل فأعجز، فقال تأبط شراً في ذلك:

جزى الله فتيانا على العوص أمطرت

 

سماؤهم تحت العـجـاجة بـالـدم

وقد لاح ضوء الفجر عرضاً كأنـه

 

بلمحـتـه إقـراب أبـلـق أدهـم

فإن شـفـاء الـداء إدراك ذحــلة

 

صباحاً على آثار حـوم عـرمـرم

وضاربتهم بالسفح إذ عارضـتـهـم

 

قبائل من أبناء قـسـر وخـثـعـم

ضراباً عدا منه ابن حاجز هـاربـاً

 

ذرا الصخر في جوف الوجين المديم

وقال الشنفري في ذلك:

دعيني وقولي بعد ما شئت إننـي

 

سيغدي بنعشي مـرة فـأغـيب

 

خرجنا فلم نعهد وقلت وصاتـنـا

 

ثمانية ما بعدهـا مـتـعـتـب

 

سراحين فتيان كأن وجوهـهـم

 

مصابيح أو لون من الماء مذهب

 

نمر برهو الماء صفحـاً وقـد طـوت

 

ثمـائلـنـا والـزاد ظـن مـغـيب

ثلاثاً على الأقدام حتـى سـمـا بـنـا

 

على العوص شعشاع من القوم محرب

فثاروا إلينا في السواد فهـجـهـجـوا

 

وصوت فينا بالصـبـاح الـمـثـوب

فشن عليهم هـزة الـسـيف ثـابـت

 

وصمم فيهم بالحـسـام الـمـسـيب

وظلت بفـتـيان مـعـي أتـقـيهـم

 

بهن قـلـيلاً سـاعة ثـم جـنـبـوا

وقد خر منـهـم راجـلان وفـارس

 

كمي صرعنـاه وحـوم مـسـلّـب

يشـق إلـيه كـل ربـع وقـلــعة

 

ثمانية والـقـوم رجـل ومـقـنـب

فلما رآنا قـومـنـا قـيل أفـلـحـوا

 

فقلنا: اسألـوا عـن قـائل لايكـذب          

وقال تأبط شراً في ذلك:

أرى قدمي وقعهما خفيف

 

كتحليل الظليم حدا رئاله

أرى بهما عذاباً كـل يوم

 

بخثعم أو بجيلة أو ثماله

ففرق تأبط شراً أصحابه، ولم يزالوا يقاتلونهم حتى انهزمت خثعم، وساق تأبط شراً وأصحابه الإبل حتى قدم بها عليا مكة.

عود إلى سبب تسميته: وقال غيره: إنما سمي تأبط شراً ببيت قاله: وهو:

تأبط شراً ثم راح أو اغـتـدى

 

يوائم غنماً أو يشيف على ذحل

غارته على مراد: قال: وخرج تأبط شراً يوماً يريد الغارة، فلقي سرحاً لمراد فأطرده، ونذرت به مراد، فخرجوا في طلبه، فسبقهم إلى قومه، وقال في ذلك:

إذا لاقيت يوم الصدق فاربع

 

عليه ولا يهمـك يوم سـو

على أني بسرح بني مـراد

 

شجوتهم سباقاً أي شـجـو

وآخر مثله لا عـيب فـيه

 

بصرت به ليوم غـير زو

خفضت بساحة تجري علينا

 

أباريق الكرامة يوم لهـو

مع غلام من خثعم: أغار تأبط شراً وحده على خثعم، فبينا هو يطوف إذ مرّ بغلام يتصيد الأرانب، معه قوسه ونبله، فلما رآه تأبط شراً أهوى ليأخذه، فرماه الغلام فأصاب يده اليسرى، وضربه تأبط شراً فقتله، وقال في ذلك:

وكادت وبيت الله أطناب ثابـت

 

تقوض عن ليلى وتبكي النوائح

تمنى فتى منا يلاقي ولـم يكـد

 

غلام نمته المحصنات الصرائح

غلام نمى فوق الخماسي قدره

 

ودون الذي قد ترتجيه النواكح

فإن تك نالته خطاطيف كـفـه

 

بأبيض قصال نمى وهو فادح

فقد شد في إحدى يديه كنـانـه

 

يداوى لها في أسود القلب قادح

هذه الأبيات أن تكون لقوم المقتول أشبه منها بتأبط شراً – .

قالوا لها لا تنكحيه: قال: وخطب تأبط شراً امرأة من هذيل من بني سهم فقال لها قائل: لا تنكحيه، فإنه لأول نصل غداً يفقد فقال تأبط شراً:

وقـالـوا لـهـا: لا تـنـكــحـــيه فـــإنـــه

 

لأول نـصـل أن يلاقـي مـــجـــمـــعـــا

فلـم تـر مـــن رأي فـــتـــيلاً وحـــاذرت

 

تأيمـهـا مـن لابـــس الـــلـــيل أروعـــا

قلـيل غـرار الـنـوم أكـــبـــر هـــمـــه

 

دم الـثـأر أو يلـقـى كـمـيا مـقـــنـــعـــا

قلـــيل ادخـــار الـــزاد إلا تـــعـــــلة

 

وقد نـشـز الـشـر سـوف والـتـصـق الـمـعـي

تنـاضـلـه كـل يشــجـــع نـــفـــســـه

 

ومـا طـبـه فـي طـرقـه أن يشــجـــعـــا

يبـيت بـمـغـنـى الـوحـش حـتـى ألـفـنـــه

 

ويصـبـح لا يحـمـى لـهـا الـدهـر مـرتـعــا

رأين فـتــى لا صـــيد وحـــش يهـــمـــه

 

فلـو صـافـحـت إنـسـاً لـصـافـحـنـه مـعـا

ولـكـن أربـاب الـمـخـاض يشـــقـــهـــم

 

إذا افـتـــقـــدوه أو رأوه مـــشـــيعـــاً

وإني ولا علم لأعلم أننيسألقى سنان الموت يرشق أضلعا

 

 

على غرة أو جهرة من مكاثر

 

أطـال نـزال الـمـوت حـتـى تـسـعـسـعـــا

تسعسع: فني وذهب. يقال: قد تسعسع الشهر، ومنه حديث عمر رضي الله عنه حين ذكر شهر رمضان فقال: “إن هذا الشهر قد تسعسع”

وكنت أظن الموت في الحـي أو أرى

 

ألذ وأكـرى أو أمـوت مـقـنـعـا

ولست أبيت الدهر إلا عـلـى فـتـى

 

أسلبه أو أذعر الـسـرب أجـمـعـا

ومن يضـرب الأبـطـال لابـد أنـه

 

سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا

عود إلى فراره وترك صاحبيه: قال: وخرج تأبط شراً ومعه صاحبان له: عمرو بن كلاب أخو المسيب، وسعد بن الأشرس وهم يريدون العارة على بجيلة فنذروا بهم، وهم في جبل ليس لهم طريق عليهم فأحاطوا بهم وأخذوا عليهم الطريق، فقاتلوهم فقتل صاحبا تأبط شراً ونجا، ولم يكد حتى أنى قومه. فقالت له امرأته وهي أخت عمرو بن كلاب إحدى نساء كعب بن علي بن إبراهيم بن رياح: هربت عن أخي وتركته وغررته، أما والله لو كنت كريماً لما أسلمته، فقال تأبط شراً في ذلك:

ألا تلكما عرشي منيعة ضمنت

 

من الله خزياً مستسراً وعاهنا

وذكر باقي الأبيات.
وإنما دعا امرأته إلى أن عيرته أنه لما رجع بعد مقتل صاحبيه انطلق إلى امرأة كان يتحدث عندها، وهي من بني القين بن فهم، فبات عندها، فلما أصبح غدا إلى امرأته وهو مدهن مترجل، فلما رأته في تلك الحال علمت أين بات، فغارت عليه فعيرته.

يغير على خثعم: وذكروا أن تأبط شراً أغار على خثعم، فقال كاهن لهم: أروني أثره حتى آخذه لكم فلا يبرح حتى تأخذوه، فكفئوا على أثره قال: هذا ما لا يجوز في صاحبه الأخذ، فقال تأبط شراً:

ألا أبلغ بني فهم بن عمرو

 

على طول التنائي والمقالة

مقال الكاهن الجامي لمـا

 

رأى أثري وقد أنهبت ماله

رأى قدمي وقعهما حثـيث

 

كتحليل الظليم دعا رئالـه

أرى بهما عذاباً كـل عـام

 

لخثعم أو بجيلة أو ثمـالة

وشر كان صب على هذيل

 

إذا علقت حبالهم حبـالـه

ويوم الأزد منهم شـر يوم

 

إذا بعدوا فقد صدقت قاله

فزعموا أن ناساً من الأزد ربئوا لتأبط شراً ربيئة وقالوا: هذا مضيق ليس له سبيل إليكم من غيره، فأقيموا فيه حتى يأتيكم، فلما دنا من القوم توجس، ثم انصرف، ثم عاد فنهضوا في أثره حين رأوه لا يجوز، ومر قريباً فطمعوا فيه، وفيهم رجل يقال له حاجز؛ ليث من ليوثهم سريع، فأغروه به فلم يلحقه، فقال تأبط شراً في ذلك:

تتعتعت حضني حاجز وصـحـابـه

 

وقد نبذوا خلقانهـم وتـشـنـعـوا

أظن وأن صادفت وعثـاً وأن جـرى

 

بي السهل أو متن من الأرض مهيع

أجاري ظلال الطير لو فـات واحـد

 

ولو صدقوا قالوا لـه هـو أسـرع

فلو كان من فتيان قـيس وخـنـدف

 

أطاف به القناص من حيث أفزعـوا

وجـاب بـلاداً نـصـف يوم ولـيلة

 

لآب إلـيهـم وهـو أشـوس أروع

فلو كان منكـم واحـد لـكـفـيتـه

 

وما ارتجعوا لو كان في القوم مطمع

فأجــابـــه حـــاجـــز:

 

 

فإن تك جاريت الظلال فربما

 

سبقت ويوم القرن عـريان أسـنـع

وخليت إخوان الصـفـاء كـأنـهـم

 

ذبائح عنـز أو فـحـيل مـصـرع

تبكيهم شجو الـحـمـامة بـعـدمـا

 

أرحت ولم ترفع لهم منك إصـبـع

فهذي ثلاث قد حـويت نـجـاتـهـا

 

وإن تنج أخرى فهي عنـدك أربـع

خير أيامه: أخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال ذكر علي بن محمد المدائني، عن ابن دأب قال: سئل تأبط شراً: أي يوم مر بك خير؟ قال: خرجت حتى كنت في بلاد بجيلة، أضاءت لي النار رجلاً جالساً إلى امرأة. فعمدت إلى سيفي فدفنته قريباً، ثم أقبلت حتى استأنست، فنبحني الكلب، فقال: ما هذا؟ فقلت: بائس. فقال: ادنه فدنوت، فإذا رجل جلحاب آدم، وإذا أضوى الناس إلى جانبه، فشكوت إليه الجوع والحاجة، فقال: اكشف تلك القصعة، فأتيت قصعة إلى جنب إبله، فإذا فيها تمر ولبن، فأكلت منه حتى شعبت، ثم خررت متناوماً، فوالله ما شئت أن أضطجع حتى اضطجع هو ورفع رجله على رجله، ثم اندفع يغني وهو يقول:

خير الليالي إن سألت بـلـيلة

 

ليل بخيمة بين بيش وعـثـر

لضجيع آنسة كأن حـديثـهـا

 

شهد يشاب بمزجة من عنبـر

وضجيع لاهية ألاعب مثلهـا

 

بيضاء واضحة كظيظ المئزر

ولأنت مثلهما وخير منهـمـا

 

بعد الرقاد وقبل أن لم تسحري

قال: ثم انحرف فنام، ومالت فنامت: فقلت: ما رأيت كالليلة في الغرة، فإذا عشر عشراوات بين أثلاث فيها عبد واحد وأمة، فوثبت فانتضيت سيفي، وانتحيت للعبد فقتلته وهو نائم، ثم انحرفت إلى الرجل فوضعت سيفي على كبده حتى أخرجته من صلبه، ثم ضربت فخذ المرأة فجلست، فلما رأته مقتولاً جزعت، فقلت: لا تخافي، أنا خير لك منه. قال: وقمت إلى جل متاعها فرحلته على بعض الإبل أنا والأمة فما حللت عقده حتى نزلت بصعدة بني عوف بن فهر. وأعرست بالمرأة هناك وحين اضطجعت فتحت عقيرتي وغنيت:

بحليةل البجلي بت من ليلهـا

 

بين الإزار وكشحها ثم الصق

بأنيسة طويت على مطـويهـا

 

طي الحمالة أو كطي المنطق

فإذا تقوم فصعدة فـي رمـلة

 

لبدت بريق ديمة لم تـغـدق

وإذا تجيء تجيء شحب خلفها

 

كالأيم أصعد في كثيب يرتقي

كذب الكواهن والسواحر والهنا

 

أن لا وفاء لعاجز لا يتعقـي

قال: فهذا خير يوم لقيته.

شر أيامه: وشر يوم لقيت أني خرجت، حتى إذا كنت في بلاد ثمالة أطوف، حتى إذا كنت من القفير عشياً إذا أنا بسبع خلفات فيهن عبد، فأقبلت نحوه، وكأني لا أريده وحذرني فجعل يلوذ بناقة فيها حمراء، فقلت في نفسي: والله إنه ليثق بها. فأفوق له، ووضع رجله في أرجلها وجعل يدور معها، فإذا هو على عجزها. وأرميه حين أشرف فوضعت سهمي في قلبه فخر، وندت الناقة شيئاً وأتبعتها فرجعت فسقتهن شيئاً ثم قلت: والله لو ركبت الناقة وطردتهن، وأخذت بعثنون الحمراء فوثبت، فساعة استويت عليها كرت نحو الحي تريع وتبعتها الخلفات، وجعلت أسكنها وذهبت، فلما خشيت أن تطرحني في أيدي القوم رميت بنفسي عنها، فانكسرت رجلي، وانطلقت والذود معها. فخرجت أعرج، حتى انخنست في طرف كثيب وجازني الطلب، ونويرة صغيرة، فهويت للصغرى، وأنا أجمر، فلما نبحني الكلب نادى رجل فقال: من هذا؟ فقلت: بائس، فقال: ادنه، فدنوت وجلست وجعل يسائلني، إلى أن قال: والله إني لأجد منك ريح دم. فقلت: لا والله، ما بي دم. فوثب إلي فنفضني، ثم نظر في جعبتي فإذا السهم، فقلت: رميت العشية أرنباً فقال كذبت، هذا ريح دم إنسان، ثم وثب إلي ولا أدفع الشر عن نفسي فأوثقني كتافاً، ثم علق جعبتي وقوسي، وطرحني في كسر البيت ونام، فلما أسحرت حركت رجلي، فإذا هي صالحة وانفتل الرباط فحللته، ثم وثبت إلى قوسي وجعبتي فأخذتهما ثم هممت بقتله فقلت: أنا ضمن الرجل، وأنا أخشى أن أطلب فأدرك ولم أقتل أحداً أحب إلي، فوليت ومضيت. فوالله إني لفي الصحراء أحدث نفسي إذا أنا به على ناقة يتبعني، فلما رأيته قد دنا مني جلست على قوسي وجعبتي وأمنته، وأقبل فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم أقبل إلي، وعهده بي عهده، فقلت له: ويلك، ما تريد مني؟ فأقبل يشتمني، حتى إذا أمكنني، وثبت عليه فما ألبثته أن ضربت به الأرض، وبركت عليه أربطه، فجعل يصيح: يا لثمالة، لم أر كاليوم. فجنبته إلى ناقته وركبتها، فما نزعت حتى أحللته في الحي، وقلت:

أغـرك مـنـي يا بـن فـعــلة عـــلـــتـــي

 

عشـــية أن رابـــت عـــلـــي روائبــــي

ومـوقـد نـــيران ثـــلاث فـــشـــرهـــا

 

وألأمـهـا إذا قــدتـــهـــا غـــير عـــازب

سلبت سلاحي بائساً وشتمتني فيا خير مسلوب ويا شر سالب

 

 

فإن أك لم أخضبك فيها فإنها

 

نيوب أســـاويد وشـــول عـــقـــــــارب

ويا ركـبة الـــحـــمـــراء شـــرة ركـــبة

 

وكـادت تـكـون شـــر بـــكـــبة راكـــب

مخاتلة يظفر فيها: قال: وخرج تأبط غازياً يريد الغارة على الأزد في بعض ما كان يغير عليهم وحده، فنذرت به الأزد، فأهملوا له إبلاً، وأمروا ثلاثة من ذوي بأسهم: حاجز بن أبي، وسواد بن عمرو بن مالك، وعوف بن عبد الله، أن يتبعوه حتى ينام فيأخذوه أخذاً، فكمنوا له مكمناً، وأقبل تأبط شراً فبصر بالإبل، فطردها بعض يومه. ثم تركها ونهض في شعب لينظر: هل يطلبه أحد؟ فكمن القوم حين رأوه ولم يرهم، فلما لم ير أحداً في أثره عاود الإبل فشلها يومه وليلته والغد حتى أمسى، ثم عقلها، وصنع طعاماً فأكله، والقوم ينظرون إليه في ظله، ثم هيأ مضطجعاً على النار، ثم أخمدها وزحف على بطنه ومعه قوسه، حتى دخل بين الإبل، وخشي أن يكون رآه أحد وهو لا يعلم، ويأبى إلا الحذر والأخذ بالحزم، فمكث ساعة وقد هيأ سهماً على كبد قوسه، فلما أحسو نومه أقبلوا ثلاثتهم يؤمون المهاد الذي رأوه هيأه، فإذا هو يرمي أحدهم فيقتله، وجال الآخران، ورمى آخر فقتله، وأفلت حاجز هارباً، وأخذ سلب الرجلين، وأطلق عقل الإبل وشلها حتى جاء بها قومه، وقال تأبط في ذلك:

ترجي نساء الأزد طلعة ثـابـت

 

أسيراً ولم يدرين كيف حويلـي

فإن الأللى أوصيتم بـين هـارب

 

طريد ومسفوح الدماء قـتـيل

وخدت بهم حتى إذا طال وخدهم

 

وراب عليهم مضجعي ومقيلـي

مهدت لهم حتى إذا طاب روعهم

 

إلى المهد خاتلت الضيا بختـيل

فلما أحسوا النوم جاءوا كأنـهـم

 

سباع أصابت هجمة بـسـلـيل

فقلدت سوار بن عمرو بن مالك

 

بأسمر جسر القدتـين طـمـيل

فخر كأن الفيل ألقـى جـرانـه

 

عليه بـريان الـقـواء أسـيل

وظل رعاع المتن من وقع حاجز

 

يخر ولونهنهت غـير قـلـيل

لأبت كما آبا ولو كنـت قـارنـاً

 

لجئت وما مالكت طول ذميلـي

فسرك ندمانك لمـا تـتـابـعـا

 

وأنك لم ترجع بعوص قـتـيل

ستأتي إلى فهم غنـيمة خـسـلة

 

وفي الأزد نوح ويلة بـعـويل

فقال حاجز بن أبي الأزدي يجيبه:

سألت فلم تكلمني الرسوم

وهي في أشعار الأزد.
فأجابه تأبط شراً:

لقد قال الخلي وقال خلـسـاً

 

بظهر الليل شد به العكـوم

لطيف من سعاد عناك منهـا

 

مراعاة النجوم ومـن يهـيم

وتلك لئن عنيت بـهـا رداح

 

من النسوان منطقها رخـيم

نياق القرط غراء الـثـنـايا

 

وريداء الشباب ونعـم خـيم

ولكن فات صاحب بطن وهو

 

وصاحبه فأنت بـه زعـيم

أؤاخذ خطة فـيهـا سـواء

 

أبيت وليل واترهـا نـؤوم

ثأرت به وما اقترفـت يداه

 

فظل لها بنـا يوم غـشـوم

تحز رقابهم حتى نـزعـنـا

 

وأنف الموت منخره رمـيم

وإن تقع النسور علي يومـاً

 

فلحم المعتفي لحـم كـريم

وذي رحم أحال الدهر عنـه

 

فليس له لذي رحـم حـريم

أصاب الدهر آمن مروتـيه

 

فألقاه المصاحب والحمـيم

مددت له يميناً من جناحـي

 

لها وفر وكـافـية رحـوم

أواسيه عـلـى الأيام إنـي

 

إذا قعدت به اللؤمـا ألـوم

موت أخيه عمرو: ذكروا أنه لما انصرف الناس عن المستغل؛ وهي سوق كانت العرب تجتمع بها، قال عمرو بن جابر بن سفيان أخو تأبط شراً لمن حضر من قومه: لا واللات والعزى لا أرجع حتى أغير على بني عتير من هذيل، ومعه رجلان من قومه هو ثالثهما، فأطردوا إبلاً لنبي عتير فأتبعهم أرباب الإبل، فقال عمرو: أنا كار على القوم ومنهنهم عنكما، فامضيا بالإبل. فكر عليهم فنهنهم طويلاً، فجرح في القوم رئيساً، ورماه رجل من بني عتير بسهم فقتله، فقالت بنو عتير: هذا عمرو بن جابر، ما تصنعون أن تلحقوا بأصحابه؟ أبعدها الله من إبل، فإنا نخشى أن نلحقهم فيقتل القوم منا، فيكونوا قد أخذوا الثأر، فرجعوا ولم يجاوزوه. وكانوا يظنون أن معه أناساً كثيراً، فقال تأبط لما بلغه قتل أخيه:

وحرمت النساء وإن أحلت

 

بشور أو بمزج أو لصاب

حياتي أو أزور بني عتير

 

وكاهلها بجمع ذي ضباب

إذا وقعت لكعب أو خثـيم

 

وسيار يسوغ لها شرابي

أظني ميتاً كمـداً ولـمـا

 

أطالع طلعة أهل الكراب

ودمت مسيراً أهدي رعيلا

 

أؤم سواد طود ذي نقاب

فأجابه أنس بن حذيفة الهذلي:

لعلك أن تجيء بك المـنـايا

 

تساق لفتية منـا غـضـاب

فتنزل في مكرهم صـريعـاً

 

وتنزل طرقة الضبع السغاب

تأبط سوأة وحمـلـت شـراً

 

لعلك أن تكون من المصاب

أخوه السمع يثأر لأخيه عمرو: ثم أن السمع بن جابر أخا تأبط شراً خرج في صعاليك من قومه يريد الغارة على بني عتير ليثأر بأخيه عمرو بن جابر، حتى إذا كان ببلاد هذيل لقي راعياً لهم، فسأله عنهم، فأخبره بأهل بيت من عتير كثير مالهم، فبيتهم، فلم يفلت منهم مخبر، واستاقوا أموالهم، فقال في ذلك السمع بن جابر:

بأعلى ذي جماجم أهل دار

 

إذا ظعنت عشيرتهم أقاموا

طرقتهم بفـتـيان كـرام

 

مساعير إذا حمي المقـام

متى ما أدع من فهم تجبني

 

وعدوان الحماة لهم نظـام

إصابته في غارة على الأزد: ذكروا أن تأبط شراً خرج ومعه مرة بن خليف يريدان الغارة على الأزد، وقد جعلا الهداية بينهما، فلما كانت هداية مرة نعس، فجار عن الطريق، ومضيا حتى وقعا بين جبال ليس فيها جبل متقارب، وإذا فيها مياه يصيح الطير عليها؛ وإذا البيض والفراخ بظهور الأكم، فقال تأبط شراً: هلكنا واللات يا مرة، ما وطئ هذا المكان إنس قبلنا، ولو وطئته إنس ما باضت الطير بالأرض، فاختر أية هاتيت القنتين شئت، وهما أطول شيء يريان من الجبال، فأصعد إحداهما وتصعد أنت الأخرى، فإن رأيت الحياة فألح بالثوب، وإن رأيت والموت فألح بالسيف، فإني فاعل مثل ذلك، فأقاما يومين. ثم إن تأبط شراً ألاح بالثوب، وانحدرا حتى التقيا في سفح الجبل، فقال مرة: ما رأيت يا ثابت؟ قال: دخاناً أو جراداً. قال مرة: إنك إن جزعت منه هلكنا، فقال تأبط شراً: أما أنا فإني سأخرم بك من حيث تهتدي الريح، فمكثا بذلك يومين وليلتين، ثم تبعا الصوت، فقال تأبط شراً: النعم والناس. أما والله لئن عرفنا لنقتلن، ولئن أغرنا لندركن، فأت الحي من طرف وأنا من الآخر، ثم كن ضيفاً ثلاثا، فإن لم يرجع إليك قلبك فلا رجع، ثم أغر على ما قبلك إذا تدلت الشمس فكانت قدر قامة، وموعدك الطريق. ففعلا، حتى إذا كان اليوم الثالث أغار كل واحد منهما على ما يليه، فاستاقا النعم والغنم، وطردا يوماً وليلة طرداً عنيفاً حتى أمسيا الليلة الثانية دخلا شعباً، فنحرا قلوصاً، فبينا هما يشويان إذا سمعا حساً على باب الشعب، فقال تأبط: الطلب يا مرة، إن ثبت فلم يدخل فهم مجيزون، وإن دخل فهو الطلب، فلم يلبث أن سمع الحس يدخل، فقال مرة: هلكنا، ووضع تأبط شراً يده على عضد مرة، فإذا هي ترعد، فقال: ما أرعدت عضدك إلا من قبل أمك الوابشية من هذيل، خذ بظهري، فإن نجوت نجوت، وإن قتلت وقيتك. فلما دنا القوم أخذ مرة بظهر تأبط، وحمل تأبط فقتل رجلاً، ورموه بسهم فأعلقوه فيه؛ وأفلتا جميعاً بأنفسهما، فلما أمنا وكان من آخر الليل، قال مرة: ما رأيت كاليوم غنيمة أخذت على حين أشرفنا على أهلنا، وعض مرة عضده، وكان الحي الذين أغاروا عليهم بجيلة، وأتى تأبط امرأته، فلما رأيت جراحته ولولت، فقال تأبط في ذلك:

وبالشعب إذ سدت بجـيلة فـجـه

 

ومن خلفه هضب صغار وجامـل

شددت لنفس المرء مرة حـزمـه

 

وقد نصب دون النجاء الحـبـائل

وقلت له: كن خلف ظهري فإننـي

 

سأفديك وانظر بعد ما أنت فاعـل

فعاذ بحد السيف صاحب أمـرهـم

 

وخلوا عن الشيء الذي لم يحاولوا

وأخطأهم قتلي ورفعت صاحـبـي

 

على الليل لم تؤخذ عليه المخاتـل

واخطأ غنم الحي مـرة بـعـدمـا

 

حوته إلـيه كـفـه والأنـامـل

بعض على أطرافه كـيف زولـه

 

ودون الملا سهل من الأرض مائل

فقلت له: هذي بتـلـك وقـد يرى

 

لها ثمناً من نـفـسـه مـا يزاول

تولول سعدى أن أتيت مـجـرحـاً

 

إليها وقد منت علي الـمـقـاتـل

وكائن أتاها هارباً قبل هـذه

 

ومن غانم فأين منك الولاول

يثبث مع قلة من أصحابه فيظفرون: فلما انقضت الأشهر الحرم خرج تأبط والمسيت بن كلاب في ستة نفر يريدون الغارة على بجيلة، والأخذ بثأر صاحبيهم عمرو بن كلاب وسعد بن الأشرس. فخرج تأبط والمسيب بن كلاب وعامر بن الأخنس وعمرو بن براق ومرة بن خليف والشنفري بن مالك، والسمع وكعب حدا رابنا جابر أخوا تأبط. فمضوا حتى أغاروا على العوص، فقتلوا منهم ثلاثة نفر: فارسين وراجلاً، وأطردوا لهم إبلاً، وأخذوا منهم امرأتين، فمضوا بما غنموا، حتى إذا كانوا على يوم وليلة من قومهم عرضت لهم خثعم في نحو من أربعين رجلاً، فيهم أبي بن جابر الخثعمي، وهو رئيس القوم، فقال تأبط: يا قوم، لا تسلموا لهم ما في أيديكم حتى تبلوا عذراً، وقال عامر بن الأخنس: عليكم بصدق الضراب وقد أدركتم بثأركم، وقال المسيب: اصدقوا القوم الحملة، وإياكم والفشل، وقال عمرو بن براق: ابذلوا مهجكم ساعة، فإن النصر عند الصبر. وقال الشنفري:

نحن الصعاليك الحماة البزل

 

إذا لقينا لا نرى نـهـلـل

وقال مرة بن خليف:

يا ثابت الخير ويا بـن الأخـنـس

 

ويا بن براق الكـريم الأشـوس

والشنفري عند حـيود الأنـفـس

 

أنا ابن حامي السرب في المغمس

نحن مساعير الحروب الضرس

 

 

وقال كعب حدار أخو تأبط:

يا قوم أما إذ لقيتم فاصبروا

 

ولا تخيموا جزعاً فتدبروا

وقال السمع أخو تأبط:

يا قوم كونوا عندها أحرارا

 

لا تسلموا العون ولا البكارا

ولا القناعيس ولا العشـارا

 

لخثعم وقد دعـوا غـرارا

ساقوهم الموت معاً أحرارا

 

وافتخروا الدهر بها افتخاراً

فلما سمع تأبط مقالتهم قال: بأبي أنتم وأمي، نعم الحماة إذا جد الجد، أما إذا أجمع رأييكم على قتال القوم فاحملوا ولا تتفرقوا، فإن القوم أكثر منكم، فحملوا عليهم فقتلوا منهم، ثم كروا الثانية فقتلوا، ثم كروا الثالثة فقتلوا فانهزمت خثعم وتفرقت في رؤوس الجبال، ومضى تأبط وأصحابه بما غنموا وأسلاب من قتلوا، فقال تأبط من ذلك:

جزى الله فتياناً على العوص أشرقت

 

سيوفهم تحت العـجـاجة بـالـدم

الأبيات…
وقال الشنفري في ذلك:

دعيني وقولي بعد ما شئت إنني

 

سيفدي بنفسي مرة فـأغـيب

الأبيات…
وقال الشنفري أيضاً:

ألا هل أتى عنا سعاد ودونهـا

 

مهامه بيد تعتلي بالصعالـيك

بأنا صبحنا القوم في حر دارهم

 

حمام المنايا بالسيوف البواتـك

قتلنا بعمرو منهم خير فـارس

 

يزيد وسعدا، وابن عوف بمالك

ظللنا نفري بالسيوف رؤوسهم

 

ونرشقهم بالنبل بين الدكـادك

ينهزم أمام النساء: قال: وخرج تأبط في سرية من قومه، فيهم عمرو بن برّاق، ومرة بن خليف، والمسيب بن كلاب، وعامر بن الأخنس، وهو رأس القوم، وكعب حدار، وريش كعب، والسمع وشريس بنو جابر إخوة تأبط شراً، وسعد ومالك ابنا الأقرع، حتى مروا ببني نفاثة بن الديل وهم يريدون الغارة عليهم، فباتوا في جبل مطل عليهم، فلما كان في وجه السحر أخذ عامر بن الأخنس قوسه، فوجد وترها مسترخياً، فجعل يوترها ويقول له تأبط: بعض حطيط وترك يا عامر، وسمعه شيخ من بني نفاثة، فقال لبنات له: أنصتن فهذه والله غارة لبني ليث – وكان الذي بينهم يومئذ متفاقماً في قتل حميصة بن قيس أخي بلعاء، وكانوا أصابوه خطأ – وكانت بنو نفاثة في غموة والحي خلوف وليس عندهم غير أشياخ وغلمان لا طباخ بهم، فقالت امراة منهم: اجهروا الكلام، والبسوا السلاح، فإن لنا عدة فواللات ما هم إلا تأبط وأصحابه. فبرزن مع نوفق وأصحابه، فلما بصر بهم قال: انصرفوا فإن القوم قد نذروا بكم، فأبوا عليه إلا الغارة فسل تأبط سيفه وقال: لئن أغرتم عليهم لأتكئن على سيفي حتى أنفذه من ظهري، فانصرفوا ولا يحسبون إلا أن النساء رجال، حتى مروا بإبل البلعاء بن قيس بقرب المنازل فأطردوها، فلحقهم غلام من بني جندع بن ليث؟ فقال: يا عامر بن الخنس، أتهاب نساء بني نفاثة وتغير على رجال بني ليث؟ هذه والله إبل لبلعاء بن قيس. فقال له عامر: أو كان رجالهم خلوفاً؟ قال: نعم، قال: أقرئ بلعاء مني السلام، وأخبره بردي إبله، وأعلمه أني قد حبست منها بكراً لأصحابي، فإنا قد أرملنا، فقال الغلام: لئن حبست منها هلبة لأعلمنه، ولا أطرد منها بعيراً أبداً. فحمل عليه تأبط فقتله، ومضوا بالإبل إلى قومهم؛ فقال في ذلك تأبط:

ألا عجب الفـتـيان مـن أم مـالـك

 

تقول: أراك اليوم أشـعـث أغـبـرا

تبوعـاً لآثـار الـسـرية بـعـدمـا

 

رأيتك بـراق الـمـفـارق أيسـرا

فقـلـت لـهـا: يومـان يوم إقـامة

 

أهز به غصناً من البـان أخـضـرا

ويوم أهز السـيف فـي جـيد أغـيد

 

له نسوة لم تلـق مـثـلـي أنـكـرا

يخفن علـيه وهـو ينـزع نـفـسـه

 

لقد كنت أبـاء الـظـلامة قـسـورا

وقد صحت في آثار حـوم كـأنـهـا

 

عذارى عقيل أو بـكـارة حـمـيرا

أبـعـد الـنـفـاثـيين آمـل طـرقة

 

وآسى علـى شـيء إذا هـو أدبـرا

أكفكف عنهم صحبـتـي وإخـالـهـم

 

من الذل يعرا بـالـتـلاعة أعـفـرا

فلو نالت الكفان أصـحـاب نـوفـل

 

بمهمهة من بطن ظرء فـعـرعـرا

ولما أبى الـلـيثـي إلا تـهـكـمـاً

 

بعرضي وكان العرض عرضي أوفرا

فقلت له: حـق الـثـنـاء فـإنـنـي

 

سأذهب حتى لـم أجـد مـتـأخـرا

ولما رأيت الـجـهـل زاد لـجـاجة

 

يقـول فـلا يألـوك أن تـتـشـورا

دنوت له حـتـى كـأن قـمـيصـه

 

تشرب من نضح الأخادع عصـفـرا

فمن مبلغ ليث بـن بـكـر بـأنـنـا

 

تركنا أخاهـم يوم قـرن مـعـفـرا

قال: غزا تأبط بني نفاثة بن الديل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة وهم خلوف، ليس في دارهم رجل، وكان الخبر قد أتى تأبط، فأشرف فوق جبل ينظر إلى الحي وهم أسفل منه، فرأته امرأة فطرح نفسه، فعلمت المرأة أنه تأبط، وكانت عاقلة، فأمرت النساء فلبسن لبسة الرجال، ثم خرجن كأنهن يطلبن الضالة، وكان أصحابه يتفلتون ويقولون: أغز، وإنما كان في سرية من بين الستة إلى السبعة، فأبى أن يدعهم، وخرج يريد هذيلاً، وانصرف عن النفاثيين، فبينا هو يتردد في تلك الجبال إذ لقي حليفاً له من هذيل، فقال له: العجب لك يا تأبط، قال: وما هو؟ قال: إن رجال بني نفاثة كانوا خلوفاً فمكرت بك امرأة، وأنهم قد رجعوا.
ففي ذلك يقول:

ألا عجب الفتيان من أم مـالـك

 

تقول: لقد أصبحت اشعث أغبرا

وذكر باقي الأبيات المتقدمة. وقال غيره: لا بل قال هذه القصيدة في عامر بن الأخنس الفهمي، وكان من حديث عامر بن الأخنس أنه غزا في نفر، بضعة وعشرين رجلاً، فيهم عامر بن الأخنس، وكان سيداً فيهم، وكان إذا خرج في غزو رأسهم، وكان يقال له سيد الصعاليك، فخرج بهم حتى باتوا على بني نفاثة بن عدي بن الديل ممسين، ينتظرون أن ينام الحي، حتى إذا كان في سواد الليل مر بهم راع من الحي قد أغدر، فمعه غديرته يسوقها فبصر بهم وبمكانهم، فخلى الغديرة وتبع الضراء ضراء الوادي، حتى جاء الحي فأخبرهم بمكان القوم وحيث رآهم، فقاموا فاختاروا: فتيان الحي فسلحوهم، وأقبلوا نحوهم، حتى إذا دنوا منهم قال رجل من النفاثيين: والله ما قوسي بموترة. فقالوا: فأوتر قوسك، فوضع قوسه فأوترها، فقال تأبط لأصحابه: اسكتوا، واستمع فقال: أتيتم والله، قالوا: وما ذلك؟ قال: أنا والله أسمع حطيط وتر قوس. قالوا: والله ما نسمع شيئاً، قال: بلى والله إني لأسمعه، يا قوم النجاء، قالوا: لا والله ما سمعت شيئاً، فوثب فانطلق وتركهم، ووثب معه نفر، وبيتهم بنو نفاثة فلم يفلت منهم إنسان، وخرج هو وأصحابه الذين انطلقوا معه، وقتل تلك الليلة عامر بن الأخنس.
قال ابن عمير: وسألت أهل الحجاز عن عامر بن الأخنس، فزعموا أنه مات على فراشه.
فلما رجع تأبط قالت له امرأته: تركت أصحابك، فقال حينئذ:

ألا عجب الفتيان من أم مـالـك

 

تقول: لقد أصبحت أشعث أغبرا

مصرعه على يد غلام دون المحتلم: فلما رجع تأبط وبلغه ما لقي أصحابه قال: والله ما يمس رأسي غسل ولا دهن حتى أثأر بهم. فخرج في نفر من قومه، حتى عرض لهم بيتع من هذيل بين صوى جبل، فقال: اغنموا هذا البيت أولاً، قالوا: لا والله، ما لنا فيه أرب، ولئن كانت فيه غنيمة ما نستطيع أن نسوقها. فقال: إني أتفاءل أن أنزل، ووقف، وأتت به ضبع من يساره، فكرهها، وعاف على غير الذي رأى، فقال: أبشري أشبعك من القوم غداً. فقال له أصحابه: ويحك، انطلق، فوالله ما نرى أن نقيم عليها. قال: لا والله لا أريم حتى أصبح. وأتت به ضبع عن يساره فقال: أشبعك من القوم غداً. فقال أحد القوم: والله إني أرى هاتين غداً بك، فقال: لا والله لا أريم حتى أصبح. فبات، حتى إذا كان في وجه الصبح، وقد رأى أهل البيت وعدهم على النار، وأبصر سواد غلام من القوم دون المحتلم، وغدوا على القوم، فقتلوا شيخاً وعجوزاً، وحازوا جاريتين وإبلاً. ثم قال تأبط: إني قد رأيت معهم غلاماً؛ فأين الغلام الذي كان معهم؟ فأبصر أثره فاتبعه، فقال له أصحابه: ويلك دعه فإنك لا تريد منه شيئاً، فاتبعه، واستتر الغلام بقتادة إلى جنب صخرة، وأقبل تأبط يقصه وفوق الغلام سهماً حين رأى أنه لا ينجيه شيء، وأمهله حتى إذا دنا منه قفز قفزة، فوثب على الصخرة، وأرسل السهم، فلم يسمع تأبط إلا الحبضة فرفع رأسه، فانتظم السهم قلبه، وأقبل نحوه وهو يقول: لا بأس، فقال الغلام: لا بأس، والله لقد وضعته حيث تكره، وغشية تأبط بالسيف وجعل الغلام يلوذ بالقتادة، ويضربها تأبط بحشاشته، فيأخذ ما أصابت الضربة منها، حتى خلص إليه، فقتله، ثم نزل إلى أصحابه يجر رجله، فلما رأوه وثبوا، ولم يدروا ما أصابه، فقالوا: مالك؟ فلم ينطق، ومات في أيديهم، فانطلقوا وتركوه، فجعل لا يأكل منه سبع ولا طائر إلا مات، فاحتملته هذيل، فألقته في غار يقال له غار رخمان، فقالت ريطة أخته وهي يومئذ متزوجة في بني الديل:

نعم الفتى غادرتم برخمان

 

ثابت بن جابر بن سفيان

وقال مرة بن خليف يرثيه:

إن العزيمة والـعـزاء قـد ثـويا

 

أكفان ميت غداً في غار رخمـان

إلا يكن كرسف كـفـنـت جـيده

 

ولا يكن كفن من ثـوب كـتـان

فإن حراً من الأنسـاب ألـبـسـه

 

ريش الندى، والندى من خير أكفان

وليلة رأس أفعاها إلـى حـجـر

 

ويوم أور من الـجـوزاء رنـان

أمضيت أول رهط عـنـد آخـره

 

في إثر عـادية أو إثـر فـتـيان

وقالت أم تأبط ترثيه:

وابناه وابن الليل

مقته: قال أبو عمر الشيباني: لا بل كان من شأن تأبط وهو ثابت بن جابر بن سفيان، وكان جريئاً شاعراً فاتكاً أنه خرج من أهله بغارة من قومه، يريدون بني صاهلة بن كاهل بن الحارث بن سعيد بن هذيل، وذلك في عقب شهر حرام مما كان يحرم أهل الجاهلية، حتى هبط صدر أدم، وخفض عن جماعة بني صاهلة، فاستقبل التلاعة، فوجد بها داراً من بني نفاثة بن عدي، ليس فيها إلا النساء، غير رجل واحد، فبصر الرجل بتأبط وخشية، وذلك في الضحى، فقام الرجل إىل النساء، فأمرهن فجعلن رؤوسهن جمماً وجعلن دروعهن أردية، وأخذن من بيوتهن عمداً كهيئة السيوف فجعلن لها حمائل، ثم تأبطنها ثم نهض ونهضن معه يغريهن كما يغري القوم، وأرمهن أن لا يبرزن خداً، وجعل هو يبرز للقوم ليروه، وطفق يغري ويصيح على القوم، حتى أفزع تأبط شراً واصحابه وهو على ذلك يغري. في بقية ليلة أو ليلتين من الشهر الحرام، فنهضوا في شعب يقال له شعب وشل، وتأبط ينهض في الشعب مع أصحابه، ثم يقف في آخرهم، ثم يقول: يا قوم لكأنما يطردكم النساء، فيصيح عليه أصحابه فيقولون: انج أدركك القوم، وتأبى نفسه، فلم يزل به أصحابه حتى مضى معهم فقال تأبط في ذلك:

أبعد النفاثيين أزجر طائراً وآسى على شيء إذا هو أدبرا

 

أنهنه رجلي عنهم وإخالهم

 

من الـذل يعـراً بـالــتـــلاعة أعـــفـــرا

ولـو نـالـت الـكـفـان أصـحـاب نـــوفـــل

 

بمـهـمـهة مـن بـين ظــرء وعـــرعـــرا

قال: ثم طلعوا الصدر حين أصبحوا فوجدوا أهل بيت شاذ من بني قريم ذنب نمار فظل يراقبهم حتى أمسوا، وذلك البيت لساعدة بن سفيان أحد بني حارثة بن قريم، فحصرهم تأبط وأصحابه حتى أمسوا. قال: وقد كانت قالت وليدة لساعدة: إني قد رأيت اليوم القوم أو النفر بهذا الجبل، فبات الشيخ حذراً قائماً بسيفه بساحة أهله. وانتظر تأبط وأصحابُه أن يغفل الشيخ، وذلك آخر ليلة من الشهر الحرام فلما خشوا أن يفضحهم الصبح، ولم يقدروا على غرة مشوا إليه وغروه ببقية الشهر الحرام، وأعطوه من مواثيقهم ما أقنعه، وشكوا إليه الجوع، فلما اطمأن إليهم وثبوا عليه فقتلوه وابناً له صغيراً حين مشى. قال: ومضى تأبط شراً إلى ابن له ذي ذؤابة، كان أبوه قد أمره فارتبأ من وراء ماله، يقال له: سفيان بن ساعدة. فأقبل إليه تأبط شراً مستتراً بمجنة، فلما خشي الغلام أن يناله تأبط بسيفه وليس مع الغلام سيف، وهو مفوق سهماً، رمى مجن تأبط بحجر، فظن تأبط أنه قد أرسل سهمه، فرمى مجنه عن يده، ومشى إليه فأرسل الغلام سهمه فلم يخط لبته حتى خرج منه السهم، ووقع في البطحاء حذو القوم، وأبوه ممسك، فقال أبو الغلام حين وقع السهم: أخاطئه سفيان؟ فحرد القوم، فذلك حين قتلوا الشيخ وابنه الصغير، ومات تأبط.

فقالت أمه – وكانت امرأة من بني القين بن جسر بن قضاعة – ترثيه:

قتيل ما قتيل بنـي قـريم

 

إذا ضنت جمادى بالقطار

فتى فهم جميعاً غـادروه

 

مقيماً بالحريضة من نمار

وقالت أمه ترثيه أيضاً:

ويل أم طرف غادروا برخمان

 

بثابت بن جابر بن سـفـيان

يجدل القرن ويروي الندمـان

 

ذو مأقط يحمي وراء الإخوان

وقالت ترثيه أيضاً: وابناه وابن الليل، ليس بزميل، شروب للقيل، رقود بالليل، وواد ذي هول، أجزت بالليل، تضرب بالذيل، برجل كالثول.
قال: وكان تأبط شراً يقول قبل ذلك:

ولقد علمت لـتـعـدون

 

م علي شتم كالحساكـل

يأكلـن أوصـالاً ولـح

 

ما كالشكاعي غير جاذل

يا طير كلن فـإنـنـي

 

سم لكـن وذو دغـاول

وقال قبل موته:

لعـلـي مــيت كـــمـــداً ولـــمـــا

 

أطـالـع أهـل ضـيم فـــالـــكـــراب

وإن لم آت جمع بني خثيم وكاهلها برجل كالضباب

 

 

إذا وقعت بكعب أو قريم

 

وســيار فـــيا ســـوغ الـــشـــراب

فأجابه شاعر من بني قريم:

تأبط سوأة وحمـلـت شـراً

 

لعلك أن تكون من المصـاب

لعلك أن تجيء بك الـمـنـايا

 

تساق لفتية منـا غـضـاب

فتصبح في مكرهم صـريعـاً

 

وتصبح طرفة الضبع السغاب

فزلتم تهربون لو كـرهـتـم

 

تسوقون الحرائم بالـنـقـاب

وزال بأرضكم مـنـا غـلام

 

طليعة فتية غلب الـرقـاب

ونذكر ها هنا بعد أخبار تأبط شراً أخبار صاحبيه عمرو بن براق والشنفري ونبدأ بما يغني فيه من شعريهما، ونتبعه بالأخبار.

فأما عمرو بن براق فمعاً يغنى فيه من شعره قوله:

صوت

متى تجمع القلب الذكي وصارما

 

وأنفا حميا تجتنبك الـمـظـالـم

وكنت إذا قوم غزوني غزوتهـم

 

فهل أنا في ذا يا لهمدان ظالـم!

كذبتم وبيت الله لا تـأخـذونـهـا

 

مراغمة مادام للـسـيف قـائم

ولا صلح حتى تعثر الخيل بالقنـا

 

وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم

عروضه من الطويل، الشعر لابن براق وقيل ابن براقة. والغناء لمحمد بن إسحاق بن عمرو بن بزيع ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن الهشامي.