أخبار الوليد بن يزيد ونسبه

الجزء السابع

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبار الوليد بن يزيد ونسبه

نسبه وكنيته

هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاصي بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ويكنى أبا العباس. وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم بن أبي عقيل الثقفي، وهي بنت أخي الحجاج. وفيه يقول أبو نخيلة:

بين أبي العاصي وبين الحجاج

 

يالكما نوار سـراجٍ وهـاج

عليه بعد عمه عقد الـتـاج

 

 

وأم يزيد بن عبد الملك عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية. وأمها أم كلثوم بنت عبد الله بن عامر. وأم عبد الله بن عامر أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم، ولذلك قال الوليد بن يزيد:

نبي الهدى خالي ومن يك خاله

 

نبي الهدى يقهر به من يفاخر

كان شاعراً خليعاً مرمياً بالزندقة: وكان الوليد بن يزيد بن فتيان بني أمية وظرفائهم وشعرائهم وأجوادهم وأشدائهم، وكان فاسقاً خليعاً متهماً في دينه مرمياً بالزندقة، وشاع ذلك من أمره وظهر حتى أنكره الناس فقتل. وله أشعار كثيرة تدل على خبثه وكفره. ومن الناس من ينفي ذلك عنه وينكره، ويقول: إنه نحله وألصق إليه. والأغلب الأشهر غير ذلك.

ولاه أبوه العهد بعد هشام وطمع هشام في خلعه: أخبرني الحسن بن علي وأحمد بن الحارث الخراز عن المدائني عن إسحاق بن أيوب القرشي وجويرية بن أسماء وعامر بن الأسود والمنهال بن عبد الملك وأبي عمرو بن المبارك وسحيم بن حفص وغيرهم: أن يزيد بن عبد الملك لما وجه الجيوش إلى يزيد بن المهلب وعقد لمسلمة بن عبد الملك على الجيش وبعث العباس بن الوليد بن عبد الملك وعقد له على أهل دمشق، قال له العباس: يا أمير المؤمنين، إن أهل العراق أهل غدر وإرجاف، وقد وجهتنا محاربين والأحداث تحدث، ولا آمن أن يرجف أهل العراق ويقولوا: مات أمير المؤمنين ولم يعهد، فيفت ذلك في أعضاد أهل الشأم؛ فلو عهدت عهداً لعبد العزيز بن الوليد! قال: غداً.

وبلغ ذلك مسلمة بن عبد الملك، فأتى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين، أيما أحب إليك: ولد عبد الملك أو ولد الوليد؟ فقال: بل ولد عبد الملك. قال: أفأخوك أحق بالخلافة أم ابن أخيك؟ قال: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحق بها من ابن أخي. قال: فابنك لم يبلغ، فبايع لهشام ثم لابنك بعد -هشام قال: والوليد يومئذ ابن إحدى عشرة سنة – قال: غداً أبايع له. فلما أصبح فعل ذلك وبايع لهشام، وأخذ العهد عليه ألا يخلع الوليد بعده ولا يغير عهده ولا يحتال عليه. فلما أدرك الوليد ندم أبوه، فكان ينظر إليه ويقول: الله بيني وبين من جعل هشاماً بيني وبينك. وتوفي يزيد سنة خمس ومائة وابنه الوليد ابن خمس عشرة سنة. قالوا : فلم يزل الوليد مكرماً عند هشام رفيع المنزلة مدة، ثم طمع في خلعه وعقد العهد بعده لابنه مسلمة بن هشام، فجعل يذكر الوليد بن يزيد وتهتكه وإدمانه على الشراب، ويذكر ذلك في مجلسه ويقوم ويقعد به، وولاه الحج ليظهر ذلك منه بالحرمين فيسقط؛ فحج وظهر منه فعل كثير مذموم، وتشاغل بالمغنين وبالشراب، وأمر مولى له فحج بالناس. فلما حج طالبه هشامٌ بأن يخلع نفسه فأبى ذلك، فحرمه العطاء وحرم سائر مواليه وأسبابه وجفاه جفاء شديداً. فخرج متبدياً وخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى مؤدبه ، وكان يرمى بالزندقة. ودعا هشام الناس إلى خلعه والبيعة لمسلمة بن هشام – وأمه أم حكيم بنت يحيى بن الحكم بن أبي العاصي. وكان مسلمة يكنى أبا شاكر؛ كني بذلك لمولى كان لمروان يكنى أبا شاكر، كان ذا رأي وفضل وكانوا يعظمونه ويتبركون به – فأجابه إلى خلع الوليد والبيعة لمسلمة بن هشام محمد وإبراهيم ابنا هشام بن إسماعيل المخزومي والوليد وعبد العزيز وخالد بن القعقاع بن خويلد العبسي وغيرهم من خاصة هشام. وكتب إلى الوليد: ما تدع شيئاً من المنكر إلا أتيته وارتكبته غير متحاشٍ ولا مستترٍ، فليت شعري ما دينك؟! أعلى الإسلام أنت أم لا؟! فكتب إليه الوليد بن يزيد ويقال: بل قال ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى ونحله إياه :

صوت

يأيها السائل عن دينـنـا

 

نحن على دين أبي شاكر

نشربها صرفاً وممزوجةً

 

بالسخن أحياناً وبالفاتـر

 غناه عمر الوادي رملاً بالبنصر فغضب هشام على ابنه مسلمة، وقال: يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة! فالزم الأدب، واحضر الصلوات. وولاه الموسم سنة سبع عشرة ومائة، فأظهر النسك وقسم بمكة والمدينة أموالاً. فقال رجل من موالي أهل المدينة:

يأيها السائل عن دينـنـا

 

نحن على دين أبي شاكر

الواهب البزل بأرسانهـا

 

ليس بزنديق ولا كافـر

قال المدائني: وبلغ خالداً القسري ما عزم عليه هشام، فقال: أنا بريء من خليفة يكنى أبا شاكر؛ فبلغت هشاماً عنه هذه، فكان ذلك سبب إيقاعه به.

تساب هو والعباس بن الوليد في مجلس هشام أخبرني محمد بن الحسن الكندي المؤدب قال حدثني أبي عن العباس بن هشام قال: دخل الوليد بن يزيد يوماً مجلس هشام بن عبد الملك وقد كان في ذكره قبل أن يدخل، فحمقه من حضر من بني أمية. فلما جلس قال له العباس بن الوليد وعمر بن الوليد: كيف حبك يا وليد للروميات، فإن أباك كان بهن مشغوفاً؟ قال: إني لأحبهن؛ وكيف لا أحبهن ولن تزل الواحدة منهن قد جاءت بالهجين مثلك وكانت أم العباس رومية قال: اسكت فليس الفحل يأتي عسبه بمثلي، فقال له الوليد: اسكت يا بن البظراء! قال: أتفخر علي بما قطع من بظر أمك. وأقبل هشام على الوليد فقال له: ما شرابك؟ قال: شرابك يا أمير المؤمنين، وقام مغضباً فخرج. فقال هشام: أهذا الذي تزعمون أنه أحمق! ما هو أحمق، ولكني لا أظنه على الملة.

دخل مجلس هشام فعبث بمن كان فيه من وجوه بني أمية: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال أخبرنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: مروان وليس هشام حاضراً، فجلس الوليد مجلس هشام، ثم أقبل على سعيد بن هشام فقال له: من أنت؟ وهو به عارف، قال: سعيد ابن أمير المؤمنين، قال: مرحباً بك. ثم نظر إلى أبي الزبير فقال: من أنت؟ قال: أبو الزبير مولاك أيها الأمير، قال: أنسطاسٌ أنت؟ مرحباً بك. ثم قال لإبراهيم بن هشام: من أنت؟ قال: إبراهيم بن هشام. قال: من إبراهيم بن هشام؟ وهو يعرفه، قال: إبراهيم بن هشام بن إسماعيل. قال: من إسماعيل؟ وهو يعرفه، قال: إسماعيل بن هشام بن الوليد بن المغيرة. قال: من الوليد بن المغيرة؟ قال: الذي لم يكن جدك يرى أنه في شيء حتى زوجه أبي وهو بعض ولد ابنته. قال: يا بن اللخناء! أتقول هذا! وائتخذا . وأقبل هشام، فقيل لهما: قد جاء أمير المؤمنين، فجلسا وكفا. ودخل هشام، فما كاد الوليد يتنحى له عن صدر مجلسه، إلا أنه زحل له قليلاً، فجلس هشام وقال له: كيف أنت يا وليد؟ قال: صالح. قال: ما فعلت برابطك ؟ قال: معملة أو مستعملة. قال: فما فعل ندماؤك؟ قال: صالحون، ولعنهم الله إن كانوا شراً ممن حضرك، وقام، فقال له هشام: يا بن اللخناء! جئوا عنقه، فلم يفعلوا ودفعوه رويداً. فقال الوليد:

أنا ابن أبي العاصي وعثمان والدي

 

ومروان جدي ذو الفعال وعامر

أنا ابن عظيم القريتين وعـرهـا

 

ثقيفٌ وفهرٌ والعصاة الأكـابـر

نبي الهدى خالي ومن يك خـالـه

 

نبي الهدى يقهر به من يفـاخـر

مات مسلمة بن عبد الملك فرثاه

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: كان هشام بن عبد الملك يكثر تنقص الوليد بن يزيد، فكان مسلمة يعاتب هشاماً ويكفه، فمات مسلمة، فغم الوليد ورثاه فقال:

صوت

أنانا بـريدان مـن واسـطٍ

 

يخبان بالكتب المعـجـمة

أقول وما البعد إلا الـردى

 

أمسلم لا تبعدن مسـلـمة

فقد كنت نوراً لنا في البلاد

 

تضيء فقد أصبحت مظلمة

كتمنا نعيك نخشى الـيقـين

 

فجلى اليقين عن الجمجمة

وكم من يتـيم تـلافـيتـه

 

بأرض العـدو وكـم أيمة

وكنت إذا الحرب درت دماً

 

نصبت لها راية معـلـمة

غنى في هذه الأبيات التي أولها

أقول وما البعد إلا الردى

يونس خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وذكر الهشامي أن فيه ثقيلاً أول ينسب إلى أبي كامل وعمر الوادي. وذكر حبش أن ليونس فيه رملاً بالبنصر.

أخبرني الطوسي والحرمي بن أبي العلاء قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني موسى بن زهير بن مضرس بن منظور بن زبان بن سيار عن أبيه قال: رأيت هشام بن عبد الملك وأنا في عسكره يوم توفي مسلمة بن عبد الملك وهشام في شرطته، إذا طلع الوليد بن يزيد على الناس وهو نشوان يجر مطرف خز عليه، فوقف على هشام فقال: يا أمير المؤمنين، إن عقبى من بقي لحوق من مضى، وقد أقفر بعد مسلمة الصيد لمن يرى ، واختل الثغر فوهى، وعلى أثر من سلف يمضي من خلف، فتزودوا، فإن خير الزاد التقوى. فأعرض عنه هشام ولم يرد جواباً، ووجم الناس فما همس أحد بشيء. قال: فمضى الوليد وهو يقول:

أهينمةٌ حديث القوم أم هم

 

سكوت بعد ما متع النهار

عزيز كان بينهـم نـبـيّا

 

فقول القوم وحي لا يحار

كأنا بعد مسلمة المرجـى

 

شروبٌ طوحت بهم عقار

أوالافٌ هجانٌ في قـيودٍ

 

تلفت كلما حنت ظـؤار

فليتك لم تمت وفداك قـومٌ

 

تريح غبيهم عنـا الـديار

سقيم الصدر أو شكسٌ نكيد

 

وآخر لا يزور ولا يزار

يعني بالسقيم الصدر يزيد بن الوليد، ويعني بالشكس هشاماً، والذي لا يزور ولا يزار مروان بن محمد.
أراد هشام خلعه فقال شعراً قال الزبير وحدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: أراد هشام أن يخلع الوليد ويجعل العهد لولده، فقال الوليد:

كفرت يداً من منعم لو شكـرتـهـا

 

جزاك بها الرحمن ذو الفضل والمن

رأيتك تبني جاهداً في قطـيعـتـي

 

ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبنـى

أراك على الباقين تجنـي ضـغـينةً

 

فيا ويحهم إن مت من شر ما تجني

كأني بهم يوماً وأكـثـر قـولـهـم

 

أيا ليت أنا حين يا لـيت لا تـغـي

أمره هشام بطرد عبد الصمد فطرده ولما اضطهد أعوانه ذمه بشعر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: عتب هشام على الوليد وخاصته. فخرج الوليد ومعه قوم من خاصته وموالية فنزل بالأبرق بين أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدف، وخلف بالرصافة كاتبه عياض بن مسلم مولى عبد الملك ليكاتبه بما يحدث، وأخرج معه عبد الصمد بن عبد الأعلى. فشربوا يوماً، فقال له الوليد: يا أبا وهب، قل أبياتاً نغني فيها، فقال أبياتاً، وأمر عمر الوادي فغنى فيها وهي:

صوت

ألم تر للنجـم إذ سـبـعـا

 

يبادر في برجه المرجـعـا

تحير عن قصد مـجـراتـه

 

إلى الغور والتمس المطلعا

فقلت وأعجبـنـي شـأنـه

 

وقد لاح إذ لاح لي مطمعا

لعل الولـيد دنـا مـلـكـه

 

فأمسى إليه قد استجمـعـا

وكنا نؤمل فـي مـلـكـه

 

كتأميل ذي الجدب أن يمرعا

عقدنا له محكمـات الأمـو

 

ر طوعاً وكان لها موضعا

فروي هذا الشعر، وبلغ هشاماً، فقطع عن الوليد ما كان يجري عليه وعلى أصحابه وحرمهم، وكتب إلى الوليد: قد بلغني أنك اتخذت عبد الصمد خدناً ومحدثاً ونديماً، وقد حقق ذلك ما بلغني عنك، ولن أبرئك من سوء، فأخرج عبد الصمد مذموماً. قال: فأخرجه الوليد وقال:

لقد قذفوا أبا وهب بأمـر

 

كبيرٍ بل يزيد على الكبير

وأشهد أنهم كذبوا علـيه

 

شهادة عالمٍ بهم خـبـير

فكتب الوليد إلى هشام بأنه قد أخرج عبد الصمد، واعتذر إليه من منادمته، وسأله أن يأذن لابن سهيل في الخروج إليه – وكان من خاصة الوليد – فضرب هشامٌ ابن سهيل ونفاه وسيره وكان ابن سهيل من أهل النباهة، وقد ولي الولايات، ولي دمشق مراراً وولي غيرها وأخذ عياض بن مسلم كاتب الوليد فضربه ضرباً مبرحاً وألبسه المسوح وقيده وحبسه، فغم ذلك الوليد فقال: من يثق بالناس! ومن يصنع المعروف! هذا الأحوال المشؤوم قدمه أبي على ولده وأهل بيته وولاه وهو يصنع بي ما ترون، ولا يعلم أن لي في أحدٍ هوى إلا أضر به، كتب إلي بأن أخرج عبد الصمد فأخرجته، وكتبت إليه في أن يأذن لابن سهيل في الخروج إلي فضربه وطرده وقد علم رأيي فيه، وعرف مكان عياض مني وانقطاعه إلي فضربه وحبسه، يضارني بذلك، اللهم أجرني منه. ثم قال الوليد:

صوت

أنا النذير لمـسـدي نـعـمةٍ أبـداً

 

إلى المقاريف لما يخبر الـدخـلا

إن أنت أكرمتهم ألفيتهم بـطـروا

 

وإن أهنتهـم ألـفـيتـهـم ذلـلا

أتشمخون ومنا رأس نعـمـتـكـم

 

ستعلمون إذا أبـصـرتـم الـدولا

انظر فإن أنت لم تقدر على مـثـلٍ

 

لهم سوى الكلب فاضربه لهم مثلا

بينا يسمنه للـصـياد صـاحـبـه

 

حتى إذا ما استوى من بعد ما هزلا

عدا عليه فلم تـضـرره عـدوتـه

 

ولو أطاق له أكـلاً لـقـد أكـلا

غناه مالكٌ خفيف ثقيل من رواية الهشامي.
شعره في الفخر على هشام قال: وقال الوليد أيضاً يفتخر على هشام:

صوت

أنا الوليد أبو العباس قد عـلـمـت

 

عليا معدٍّ مدى كـري وإقـدامـي

إني لفي الذروة العليا إذا انتسـبـوا

 

مقابلٌ بين أخوالـي وأعـمـامـي

بنى لي المجد بانٍ لـم يكـن وكـلاً

 

على منـار مـضـيئاتٍ وأعـلام

حللت من جوهر الأعياض قد علموا

 

في باذخ مشمخر العز قـمـقـام

صعب المرام يسامي النجم مطلعـه

 

يسمو إلى فرع طودٍ شامخ سامـي

غناه عمر الوادي خفيف ثقيلٍ بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق.
وأخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال حدثني مصعب الزبيري قال: بعث الوليد بن يزيد إلى هشام بن عبد الملك راويته فأنشده قوله:

أنا الوليد أبو العباس قد علمت

 

عليا معد مدى كري وإقدامي

فقال هشام: والله ما علمت له معدٌ كرا ولا إقداماً، إلا أنه شرب مرة مع عمه بكار بن عبد الملك فعربد عليه وعلى جواريه، فإن كان يعني ذلك بكره وإقدامه فعسى.

عابه هشام والزهري فحقد عليهما أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو ابن أبي سعد قال حدثت أن أبا الزناد قال: دخلت على هشام بن عبد الملك وعنده الزهري وهما يعيبان الوليد، فأعرضت ولم أدخل في شيء من ذكره. فلم ألبث أن استؤذن للوليد فأذن له، فدخل وهو مغضب فجلس قليلاً ثم نهض. فلما مات هشام وولي الوليد كتب إلى المدينة فحملت فدخلت عليه، فقال: أتذكر قول الأحول والزهري؟ قلت: نعم، وما عرضت في شيء من أمرك، قال: صدقت، أتدري من أبلغني ذلك؟ قلت لا، قال: الخادم الواقف على رأسه، وايم الله لو بقي الفاسق الزهري لقتلته. ثم قال: ذهب هشام بعمري، فقلت: بل يبقيك الله يا أمير المؤمنين، وقام وصلى العصر. ثم جلس يتحدث إلى المغرب ثم صلى المغرب ودعا بالعشاء فتعشيت معه ثم جلس يتحدث حتى صلى العتمة، ثم تحدثنا قليلاً ثم قال: اسقينني فأتينه بإناء مغطى، وجاء جوار فقمن بيني وبينه فشرب وانصرفن، ومكث قليلاً ثم قال: اسقينني ففعلن مثل ذلك. وما زال والله ذلك دأبه حتى طلع الفجر، فأحصيت له سبعين قدحاً.

وأخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب عن أبي الزناد قال: أجمع الزهري على أن يدخل إلى بلاد الروم إن ولي الوليد بن يزيد، فمات الزهري قبل ذلك.

عابه بعض بني مروان بالشراب فلعنهم

قال المدائني: وبلغ الوليد أن العباس بن الوليد وغيره من بني مروان يعيبونه بالشراب، فلعنهم وقال: إنهم ليعيبون علي ما لو كانت لهم فيه لذةٌ ما تركوه، وقال هذا الشعر، وأمر عمر الوادي أن يغني فيه – وهو من جيد شعره ومختاره. وفيه غناء قديم ذكره يونس لعمر الوادي غير مجنس – :

صوت

ولقد قضيت وإن تجلل لمتـي

 

شيبٌ على رغم العدا لذاتـي

من كاعباتٍ كالدمى ومناصفٍ

 

ومراكب للصيد والنشـوات

في فتيةٍ تأبى الهوان وجوههم

 

شم الأنوف جحاجح سـادات

إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بهـا

 

أو يطلبوا لا يدركوا بتـرات

الكتابان المتبادلان بينه وبين هشام: حدثني المنهال بن عبد الملك قال: كتب الوليد إلى هشام : “قد بلغني أحدث أمير المؤمنين من قطع ما قطع عني ومحو من محا من أصحابي، وأنه حرمني وأهلي. ولم أكن أخاف أن يبتلي الله أمير المؤمنين بذلك في ولا ينالني مثله منه، ولم يبلغ استصحابي لابن سهيل ومسئلتي في أمره أن يجري علي ما جرى. وإن كان ابن سهيل على ما ذكره أمير المؤمنين، فبحسب العير أن يقرب من الذئب. وعلى ذلك فقد عقد الله لي من العهد وكتب لي من العمر وسبب لي من الرزق ما لا يقدر أحد دونه تبارك وتعالى على قطعه عني دون مدته ولا صرفه عن مواقعه المحتومة له. فقدر الله يجري على ما قدره فيما أحب الناس وكرهوا، لا تعجيل لآجله ولا تأخير لعاجله، والناس بعد ذلك يحتسبون الأوزار ويقترفون الآثام على أنفسهم من الله بما يستوجبون العقوبة عليه. وأمير المؤمنين أحق بالنظر في ذلك والحفظ له. والله يوفق أمير المؤمنين لطاعته، ويحسن القضاء له في الأمور بقدرته. وكتب إليه الوليد في آخر كتابه:

أليس عظيماً أن أرى كـل واردٍ

 

حياضك يوماً صادراً بالنوافـل

فأرجع محمود الرجاء مصـردا

 

بتحلئةٍ عن ورد تلك المنـاهـل

فأصبحت مما كنت آمل منـكـم

 

وليس بلاقٍ ما رجا كـل آمـل

كمقتبض يوماً على عرض هبوةٍ

 

يشد عليها كفـه بـالأنـامـل

فكتب إليه هشام: “قد فهم أمير المؤمنين ما كتبت به من قطع ما قطع وغير ذلك. وأمير المؤمنين يستغفر الله من إجرائه ما كان يجري عليك، ولا يتخوف على نفسه اقتراف المآثم في الذي أحدث من قطع ما قطع ومحو من محا من صحابتك، لأمرين: أما أحدهما فإن أمير المؤمنين يعلم مواضعك التي كنت تصرف إليها ما يجريه عليك.

وأما الآخر فإثبات صحابتك وأرزاقهم دارةٌ عليهم لا ينالهم ما نال المسلمين عند قطع البعوث عليهم وهم معك تجول بهم في سفهك. وأمير المؤمنين يرجو أن يكفر الله عنه ما سلف من إعطائه إياك باستئنافه قطعه عنك. وأما ابن سهيل، فلعمري لئن كان نزل منك بحيث يسوءك ما جرى عليه لما جعله الله لذلك أهلاً. وهل زاد ابن سهيل، لله أبوك، على أن كان زفاناً مغنياً قد بلغ في السفه غايته! وليس مع ذلك ابن سهيل بشر ممن كنت تستصحبه في الأمور التي ينزه أمير المؤمنين نفسه عنها مما كنت لعمري أهلاً للتوبيخ فيه. وأما ما ذكرت مما سببه الله لك، فإن الله قد ابتدأ أمير المؤمنين بذلك واصطفاه له، والله بالغ أمره. ولقد أصبح أمير المؤمنين وهو على يقين من رأيه إلا أنه لا يملك لنفسه مما أعطاه الله من كرامته ضراً ولا نفعاً، وإن الله ولي ذلك منه وإنه لا بد له من مفارقته، وإن الله أرأف بعباده وأرحم من أن يولي أمرهم غير من يرتضيه لهم منهم. وإن أمير المؤمنين مع حسن ظنه بربه لعلى أحسن الرجاء لأن يوليه بسبب ذلك لمن هو أهله في الرضا به لهم، فإن بلاء الله عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبلغه ذكره أو يوازيه شكره إلا بعون منه. ولئن كان قد قدر الله لأمير المؤمنين وفاة تعجيلٍ، فإن في الذي هو مفض وصائرٌ إليه من كرامة الله لخلفاً من الدنيا. ولعمري إن كتابك لأمير المؤمنين بما كتبت به لغير مستنكر من سفهك وحمقك، فأبق على نفسك وقصر من غلوائها واربع على ظلعك، فإن الله سطوات وغيراً يصيب بها من يشاء من عباده. وأمير المؤمنين يسأل الله العصمة والتوفيق لأحب الأمور إليه وأرضاها له. وكتب في أسفل الكتاب:

إذا أنت سامحت الهوى قادك الهوى

 

إلى بعض ما فيه عليك مـقـال

والسلام.

بشر بالخلافة بعد موت هشام

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة عن المدائني عن جويرية بن أسماء عن المنهال بن عبد الملك عن إسحاق بن أيوب كلهم عن أبي الزبير المنذر بن عمرو – قال: وكان كاتباً للوليد بن يزيد – قال: أرسل إلي الوليد صبيحة اليوم الذي أتته فيه الخلافة فأتيته، فقال لي: يا أبا الزبير، ما أتت علي ليلةٌ أطول من هذه الليلة، عرضتني أمورٌ وحدثت نفسي فيها بأمور، وهذا الرجل قد أولع بي، فاركب بنا نتنفس. فركب وسرت معه، فسار ميلين ووقف على تل فجعل يشكو هشاماً، إذ نظر إلى رهج قد أقبل – قال عمر بن شبة في حديثه – وسمع قعقعة البريد، فتعوذ بالله من شر هشام، وقال: إن هذا البريد قد أقبل بموت وحي أو بملك عاجل. فقلت: لا يسوءك الله أيها الأمير بل يسرك ويبقيك، إذ بدا رجلان على البريد يقبلان، أحدهما مولى لآل أبي سفيان بن حرب، فلما قربا رأيا الوليد فنزلا يعدوان حتى دنوا فسلما عليه بالخلافة فوجم، وجعلا يكرران عليه التسليم بالخلافة، فقال: ويحكم! ما الخبر؟ أمات هشام؟ قالا نعم: قال: فمرحباً بكما! ما معكما؟ قالا: كتاب مولاك سالم بن عبد الرحمن، فقرأ الكتاب وانصرفنا. وسأل عن عياض بن مسلم كاتبه الذي كان هشام ضربه وحسبه، فقالا: يا أمير المؤمنين، لم يزل محبوساً حتى نزل بهشام أمر الله، فلما صار إلى حالٍ لا ترجى الحياة لمثله معها، أرسل عياضٌ إلى الخزان: احتفظوا بما في أيديكم فلا يصلن أحد إلى شيء. وأفاق هشام إفاقةً فطلب شيئاً فمنعه، فقال: أرانا كنا خزاناً للوليد، وقضى من ساعته. فخرج عياضٌ من السجن ساعة قضى هشامٌ، فختم الأبواب والخزائن، وأمر بهشام فأنزل عن فراشه ومنعهم أن يكفنوه من الخزائن، فكفنه غالبٌ مولى هشام، ولم يجدوا قمقماً حتى استعاروه. وأمر الوليد بأخذ ابني هشام بن إسماعيل المخزومي، فأخذا بعد أن عاذ إبراهيم بن هشام بقبر يزيد بن عبد الملك، فقال الوليد: ما أراه إلا قد بجا، فقال له يحيى بن عروة بن الزبير وأخوه عبد الله: إن الله لم يجعل قبر أبيك معاذاً للظالمين، فخذه برد ما في يده من مال الله، فقال: صدقت، وأخذهما فبعث بهما إلى يوسف بن عمر، وكتب إليه أن يبسط عليهما العذاب حتى يتلفا، ففعل ذلك بهما وماتا جميعاً في العذاب بعد أن أقيم إبراهيم بن هشام للناس حتى اقتضوا منه المظالم.
وقال عمر بن شبة في خبره: إنه لما نعي له هشام قال: والله لأتلقين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر، ثم أنشأ يقول:

طاب يومي ولذ شرب السلافه

 

إذ أتاني نعي من بالـرصـافة

وأتانا البريد ينعـي هـشـامـاً

 

وأتانا بـخـاتـم لـلـخـلافة

فاصطبحنا من خمر عانة صرفاً

 

ولهـونـا بـقـينةٍ عـزافـه

ثم حلف ألا يبرح موضعه حتى يغنى في هذا الشعر ويشرب عليه، فغني له فيه وشرب وسكر، ثم دخل فبويع له بالخلافة.
قال: وسمع صياحاً، فسأل عنه، فقيل له: هذا من دار هشام يبكيه بناته، فقال:

إني سمعت بلـيلٍ

 

ورا المصلى برنه

إذا بنات هـشـامٍ

 

يندبن والدهـنـه

يندبن قرماً جلـيلاً

 

قد كان يعضدهنه

أنا المخنث حـقًّـا

 

إن لم أنيكنهـنـه

وقال المدائني في خبر أحمد بن الحارث: وشرب الوليد يوماً، فلما طابت نفسه تذكر هشاماً، فقال لعمر الوادي غنني:

إني سمعت بلـيل

 

ورا المصلى برنه

فغناه فيه، فشرب عليه ثلاثة أرطال، ثم قال: والله لئن سمعه منك أحد أبداً لأقتلنك. قال: فما سمع منه بعدها ولا عرف.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

طاب يومي ولذ شرب السلافه

 

إذ أتانا نعي من الرصـافـه

غناه عمر الوادي خفيف رملٍ بالبنصر.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان قال قال حكم الوادي: كنا عند الوليد بن يزيد وهو يشرب، إذ جاءنا خصيٌّ فشق جيبه وعزاه عن عمه هشام وهنأه بالخلافة وفي يده قضيب وخاتم وطومار ، فأمسكنا ساعةً ونظرنا إليه بعين الخلافة، فقال: غنوني، غنياني: قد طاب شرب السلافه…. البيتين، فلم نزل نغنيه بهما الليل كله.

سأل الرشيد عنه ابن أبي حفصة فمدحه وذكر من شعره:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثني مروان بن أبي حفصة قال: دخلت على الرشيد أمير المؤمنين فسألني عن الوليد بن يزيد فذهبت أتزحزح، فقال: إن أمير المؤمنين لا ينكر ما تقول فقل، قلت: كان من أصبح الناس وأظرف الناس وأشعر الناس. فقال: أتروى من شعره شيئاً؟ قلت: نعم، دخلت عليه مع عمومتي وفي يده قضيب ولي جمةٌ فينانة فجعل يدخل القضيب في جمتي وجعل يقول: يا غلام، ولدتك سكر وهي أم ولد كانت لمروان بن الحكم فزوجها أبا حفصة قال: فسمعته يومئذ ينشد:

ليت هشاماً عاش حتى يرى

 

مكياله الأوفر قد أترعـا

كلنا له الصاع التي كالهـا

 

فما ظلمناه بها أصـوعـا

لم نأت ما نأتيه عن بـدعة

 

أحله القرآن لي أجمـعـا

قال: فأمر الرشيد بكتابتها فكتبت.

كان شاعراً مجيداً وشيء من شعره

وللوليد أشعار جيادٌ فوق هذا الشعر الذي اختاره مروان. فمنها وهو ما برز فيه وجوده وتبعه الناس جميعاً فيه وأخذوه منه قوله في صفة الخمر أنشدنيه الحسن بن علي قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبة قال أنشدني أبو غسان محمد بن يحيى وغيره للوليد. قال: وكان أبو غسان يكاد يرقص إذا أنشدها :

اصـدع نـجـي الـهـمـوم بـالـــطـــرب

 

وانـعـم عـلـى الـدهـر بـابـنة الـعـنــب

واسـتـقـبـل الـعـيش فـي غـضــارتـــه

 

لا تـقـف مـنـه آثـار مـعـــتـــقـــب

من قـهـوة زانـهـا تـــقـــادمـــهـــا

 

فهـي عـجـوز تـعـلـو عـلـى الـحـقــب

أشـهـى إلـى الـشـرب يوم جـلـوتــهـــا

 

من الـفـتـاة الـكـريمة الـــنـــســـب

فقـد تـجـلــت ورق جـــوهـــرهـــا

 

حتـى تـبـدت فـي مـنـظـر عـــجـــب

فهـي بـغـير الـمـــزاج مـــن شـــرر

 

وهـي لـدى الـمـزج سـائل الـــذهـــب

كأنـهـا فـي زجـاجـــهـــا قـــبـــسٌ

 

تذكـو ضـياءً فـي عـين مـــرتـــقـــب

في فتيةٍ من بني أمية أهل المجد والمأثرات والحسب

 

 

ما في الورى مثلهم ولا فيهم

 

مثـلـي ولا مـنـتـمٍ لـمـــثـــل أبـــي

قال المدائني في خبره: وقال الوليد حين أتاه نعي هشام:

طال ليلي فبت أسقى المداما

 

إذ أتاني البريد ينعي هشاما

وأتاني بحـلة وقـضـيب

 

وأتاني بخاتـم ثـم قـامـا

فجعلت الولي من بعد فقدي

 

يفضل الناس ناشئاً وغلاما

ذلك ابني وذاك قرم قريشٍ

 

خير قرمٍ وخيرهم أعمامـا

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه المدائني عن جرير قال قال لي عمر الوادي: كنت يوماً أغني الوليد إذ ذكر هشاماً، فقال لي: غنني بهذه الأبيات، قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فأنشأ يقول:

هلك الأحول المشو

 

م فقد أرسل المطر

ثمت استخلف الولي

 

د فقد أورق الشجر

أخذ أبو نواس وغيره من الشعراء معانيه في أشعارهم:

وللوليد في ذكر الخمر وصفتها أشعار كثيرة قد أخذها الشعراء فأدخلوها في أشعارهم، سلخوا معانيها، وأبو نواس خاصة فإنه سلخ معانيه كلها وجعلها في شعره فكررها في عدة مواضع منه. ولولا كراهة التطويل لذكرتها ها هنا، على أنها تنبىء عن نفسها.

وله أبيات أنشدنيها الحسن بن علي قال أنشدني الحسين بن فهم قال أنشدني عمر بن شبة قال أنشدني أبو غسان وغيره للوليد – وكان أبو غسان يكاد أن يرقص إذا أنشدها – :

اصدع نجي الهموم بالطـرب

 

وانعم على الدهر بابنة العنب

الأبيات التي مضت متقدماً. وهذا من بديع الكلام ونادره، وقد جود فيه منذ ابتدأ إلى أن ختم. وقد نقلها أبو نواس والحسين بن الضحاك في أشعارهما.
ومن جيد معانيه قوله:

رأيتك تبني جاهداً في قطيعتـي

 

ولو كنت ذا حزم لهدمت ما تبني

وقد مضت في أخباره مع هشام.
وأنشدني الحسن بن علي عن الحسين بن فهم قال أنشدني عمرو بن أبي عمرو للوليد بن يزيد وكان يستجيده فقال:

إذا كم يكن خيرٌ مع الشر لم تجد

 

نصيحاً ولا ذا حاجةٍ حين تفزع

وكانوا إذا هموا بإحدى هناتهـم

 

حسرت لهم رأسي فلا أتقنـع

ومن نادر شعره قوله لهشام

فإن تك قد مللت القرب مني

 

فسوف ترى مجانبتي وبعدي

وسوف تلوم نفسك إن بقينـا

 

وتبلو الناس والأحوال بعدي

فتندم في الذي فرطت فـيه

 

إذا قايست في ذمي وحمدي

قال يوم بيعته على المنبر بدمشق

أخبرني الحسين بن يحيى قال حدثنا ابن مهرويه وعبد الله بن عمرو بن أبي سعد قالا حدثنا عبد الله بن أحمد بن الحارث الحرشي قال حدثنا محمد بن عائذ قال حدثني الهيثم بن عمران قال سمعته يقول: لما بويع الوليد سمعته على المنبر يقول بدمشق:

ضمنت لكم إن لم ترعني منيتي

 

بأن سماء الضر عنكم ستقلـع

كتب إلى أهل المدينة شعراً ورد عليه حمزة بن بيض:

أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لما ولى الوليد بن يزيد كتب إلى أهل المدينة والشعر له:

محرمكم ديوانكم وعـطـاؤكـم

 

به يكتب الكتاب والكتب تطبـع

ضمنت لكم إن لم تصابوا بمهجتي

 

بأن سماء الضر عنكم ستقـلـع

وأول هذه الأبيات:

ألا أيها الركب المخبون أبلغوا

 

سلامي سكان البلاد فأسمعوا

وقولوا أتاكم أشبه الناس سنةً

 

بوالده فاستبشروا وتوقعـوا

سيوشك إلحاقٌ بـكـم وزيادة

 

وأعطيةٌ تأتي تباعاً فتشفـع

وكان سبب مكاتبته أهل الحرمين بذلك أن هشاماً لما خرج عليه زيد بن علي رضي الله عنه منع أهل مكة وأهل المدينة أعطياتهم سنةً. فقال حمزة بن بيض يرد على الوليد لما فعل خلاف ما قال:

وصلت سماء الضر بالضر بعد ما

 

زعمت سماء الضر عنا ستقلـع

فليت هشاماً كان حياً يسـوسـنـا

 

وكنا كما كنا نرجي ونـطـمـع

بعث إلى جماعة من أهله يوم بيعته وأنشدهم شعراً يدل على مجونه: أخبرني أحمد قال حدثني عمر بن شبة قال روى جرير بن حازم عن الفضل بن سويد قال: بعث الوليد بن يزيد إلى جماعة من أهله لما ولي الخلافة فقال: أتدرون لم دعوتكم؟ قالوا لا: قال: ليقل قائلكم، فقال رجل منهم: أردت يا أمير المؤمنين أن ترينا ما جدد الله لك من نعمته وإحسانه، فقال: نعم، ولكني:

أشهد اللـه والـمـلائكة الأب

 

رار والعابدين أهل الصلاح

أنني أشتهي السماع وشرب ال

 

كأس والعض للخدود الملاح

والنديم الكريم والخادم الـفـا

 

ره يسعى علـي بـالأقـداح

قوموا إذا شئتم.

عرضت عليه جارية وغنته فأمر بشرائها

أخبرني إسماعيل بن يونس وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: عرضت على الوليد بن يزيد جاريةٌ صفراء كوفية مولدة يقال لها سعاد، فقال لها: أي شيء تحسنين؟ فقالت: أنا مغنية، فقال لها: غنيني، فغنت:

صوت

لولا الذي حملت من حـبـكـم

 

لكان في إظهـاره مـخـرج

أو مذهب في الأرض ذو فسحةٍ

 

أجل ومن حجت له مـذحـج

لكن سبانـي مـنـكـم شـادنٌ

 

مربـبٌ ذو غـنة أدعـــج

أغر ممكورٌ هضيم الحـشـى

 

قد ضاق عنه الحجل والدملـج

– الشعر للحارث بن خالد. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالبنصر. وفيه لدحمان هزج بالوسطى، وذكر الهشامي أن الهزج ليحيى المكي – فطرب طرباً شديداً وقال: يا غلام اسقني، فسقاه عشرين قدحاً وهو يستعيدها. ثم قال لها: لمن هذا الشعر؟ قالت: للحارث بن خالد. قال: وممن أخذتيه؟ قالت: من حنين. قال: وأين لقيته؟ قالت: ربيت بالعراق وكان أهلي يجيئون به فيطارحني. فدعا صاحبه فقال: اذهب فابتعها بما بلغت ولا تراجعني في ثمنها ففعل، ولم تزل عنده حظيةً.

شرب هو ومحمد بن سليمان بجرن

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثني عبيد الله بن عمار قال حدثني عبيد الله بن أحمد بن الحارث القرشي قال حدثنا العباس بن الوليد قال حدثنا ضمرة قال: خرج عبد الوهاب بن إبراهيم الإمام يوماً إلى بعض الديارات فنزل فيه وهو والٍ على الرملة، فسأل صاحب الدير: هل نزل بك أحدٌ من بني أمية؟ قال: نعم، نزل بي الوليد ين يزيد ومحمد بن سليمان ين عبد الملك. قال: فأي شيء صنعا؟ قال: شربا في ذلك الموضع، ولقد رأيتهما شربا في آنيتهما، ثم قال أحدهما لصاحبه: هلم نشرب بهذا الجرن – وأومأ إلى جرنٍ عظيم من رخام – قال: أفعل، فلم يزالا يتعاطيانه بينهما ويشربان به حتى ثملا. فقال عبد الوهاب لمولى له أسود: هاته. قال ضمرة: وقد رأيته وكان يوصف بالشدة، فذهب يحركه فلم يقدر. فقال الراهب: والله لقد رأيتهما يتعاطيانه وكل واحد منهما يملؤه لصاحبه فيرفعه ويشربه غير مكترث.

وفد عليه سعد بن مرة ومدحه فأجازه

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو غسان محمد بن يحيى قال: وفد سعد بن مرة بن جبير مولى آل كثير بن الصلت، وكان شاعراً، على الوليد بن يزيد، فعرض له في يوم من أيام الربيع وقد خرج إلى متنزه له، فصاح به: يا أمير المؤمنين، وافدك وزائرك ومؤملك، فتبادر الحرس إليه ليصدوه عنه، فقال: دعوه، ادن إلي فدنا إليه، فقال: من أنت؟ قال: أنا رجل من أهل الحجاز شاعر، قال: تريد ماذا؟ قال: تسمع مني أربعة أبياتٍ، قال: هات.

صوت

شمن المخايل نحو أرضك بالحيا

 

ولقين ركباناً بعرفـك قـفـلا

قال: ثم مه، قال:

فعمدن نحوك لم ينخن لحاجة

 

إلا وقوع الطير حتى ترحلا

قال: إن هذا السير حثيث، ثم ماذا؟ قال:

يعمدن نحو موطىءٍ حجراته

 

كرماً ولم تعدل بذلك معدلا

قال: فقد وصلت إليه، فمه، قال:

لاحت لها نيران حيي قسـطـلٍ

 

فاخترن نارك في المنازل منزلا

قال: فهل غير هذا؟ قال لا، قال: أنجحت وفادتك، ووجبت ضيافتك، أعطوه أربعة آلاف دينار، فقبضها ورحل.
الغناء لابن عائشة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو والهشامي.

مسلمة بن هشام وزوجته

رجعت الرواية إلى حديث المدائني قال: لما أقدم العباس بن الوليد لإحصاء ما في خزائن هشام وولده سوى مسلمة بن هشام فإنه كان كثيراً ما يكف أباه عن الوليد ويكلمه فيه ألا يعرض له ولا يدخل منزله. وكانت عند مسلمة أم سلمة بنت يعقوب المخزومية، وكان مسلمة يشرب. فلما قدم العباس لإحصاء ما كتب إليه الوليد، كتبت أم سلمة: ما يفيق من الشراب ولا يهتم بشيءٍ مما فيه إخوته ولا بموت أبيه. فلما راح مسلمة بن هشام إلى العباس قال له: يا مسلمة، كان أبوك يرشحك للخلافة ونحن نرجوك لما بلغني عنك، وأنبه وعاتبه على الشراب، فأنكر مسلمة ذلك وقال: من أخبرك بهذا؟ قال: كتبت إلي به أم سلمة، فطلقها في ذلك المجلس، فخرجت إلى فلسطين، وبها كانت تنزل، وتزوجها أبو العباس السفاح هناك.

قصة طلاقه سعدة وتعشقه أختها وسلمى التي عناها الوليد هناك هي سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، وأمها أم عمرو بنت مروان بن الحكم، وأمها بنت عمر بن أبي ربيعة المخزومي.

فأخبرني محمد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن محمد بن سلام وعن المدائني عن جويرية بن أسماء: أن يزيد بن عبد الملك كان خرج إلى قرين متبدياً به، وكان هناك قصر لسعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان، وكانت بنته أم عبد الملك، واسمها سعدة، تحت الوليد بن يزيد. فمرض سعيدٌ في ذلك الوقت، وجاءه الوليد عائداً، فدخل فلمح سلمى بنت سعيد أخت زوجته وسترها حواضنها وأختها فقامت ففرعتهن طولاً، فوقعت بقلب الوليد. فلما مات أبوه طلق أم عبد الملك زوجته وخطب سلمى إلى أبيها. وكانت لها أخت يقال لها أم عثمان تحت هشام بن عبد الملك، فبعثت إلى أبيها – وقيل: بعث إليه هشام – : أتريد أن تستفحل الوليد لبناتك يطلق هذه وينكح هذه! فلم يزوجه سعيد ورده أقبح رد. وهويها الوليد ورام السلو عنها فلم يسل، وكان يقول: العجب لسعيد! خطبت إليه فردني، ولو قد مات هشام ووليت لزوجني! وهي طالق ثلاثاً إن تزوجتها حينئذ وإن كنت أهواها. فيقال: إنما لما طلق سعدة ندم على ذلك وغمه. وكان لها من قلبه محل ولم تحصل له سلمى، فاهتم لذلك وجزع. وراسل سعدة، وقد كانت زوجت غيره فلم ينتفع بذلك.

أرسل أشعب لزوجته بعد طلاقها فردته

فأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري والحسن بن علي قالا حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا أبو مسلم عبد الرحمن بن الجهم قال حدثنا المدائني قال: بعث الوليد بن يزيد إلى أشعب بعد ما طلق امرأته، فقل: يا أشعب، لك عندي عشرة آلاف درهم على أن تبلغ رسالتي سعدة، فقال: أحضر العشرة آلالاف الدرهم حتى أنظر إليها، فأحضرها الوليد، فوضعها أشعب على عنقه وقال: هات رسالتك، قال: قل لها يقول لك أمير المؤمنين:

أسعدة هل إليك لنا سـبـيل

 

وهل حتى القيامة من تلاقي

بلى ولعل دهـراً أن يؤاتـي

 

بموت من حليلك أو طلاق

فأصبح شامتاً وتقر عـينـي

 

ويجمع شملنا بعد افتـراق

فأتى أشعب الباب فأخبرت بمكانه، فأمرت بفرش له. ففرشت وجلست وأذنت لهز فلما دخل أنشدها ما أمره، فقالت لخدمها: خذوا الفاسق! فقال: يا سيدتي إنها بعشرة آلاف درهم. قالت: والله لأقتلنك أو تبلغه كما بلغتني، قال: وما تهبين لي؟ قالت: بساطي الذي تحتي، قال: قومي عنه، فقامت فطواه وجعله إلى جانبه، ثم قال: هات رسالتك جعلت فداك، قالت: قل له:

أتبكي على لبنى وأنت تركتهـا

 

فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع

فأقبل أشعب فدخل على الوليد، فقال: هيه، فأنشده البيت، فقال: أوه قتلتني يا بن الزانية؟ ما أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع يا بن الزانية، إما أن أدليك على رأسك منكساً في بئر أو أرمي بك منكساً من فوق القصر أو أضرب رأسك بعمودي هذا ضربةً، هذا الذي أنا صانع، فاختر أنت الآن ما أنت صانع، فقال: ما كنت لتفعل شيئاً من ذلك، قال: ولم يا بن الزانية؟ قال: لم تكن لتعذب عينين نظرتا إلى سعدة. قال: أوه! أفلت والله بهذا يا بن الزانية؟ اخرج عني. وقال الحسن في روايته: إنها قالت له أنشده:

أتبكي على لبنى وأنت تركتها

 

وأنت عليها بالملا كنت أقدر

وفي هذه الأبيات غناء هذه نسبته

صوت

أرى بيت لبنى أصبح اليوم يهجر

 

وهجران لبنى يا لك الخير منكر

فإن تكن الدنيا بلبنـى تـغـيرت

 

فللدهر والدنيا بطونٌ وأظـهـر

أتبكي على لبنى وأنت تركتـهـا

 

وأنت عليها بالحرا كنت أقـدر

عروضه من الطويل. والشعر لقيس بن ذريح. والغناء في الثاني والثالث للغريض ثقيل أول بالبنصر عن عمرو والهشامي.، وفيهما لعريب رملٌ بالبنصر. وفيه لشارية خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي. وفي الأول خفيف ثقيلٍ مجهول.

تزيا بزي زيات ليرى سلمى وشعره في ذلك

قال ابن سلام والمدائني في خبرهما: وخرج الوليد بن يزيد يريد فرتنى لعله يراها، فلقيه زيات معه حمار عليه زيت، فقال له: هل لك أن تأخذ فرسي هذا وتعطيني حمارك هذا بما عليه وتأخذ ثيابي وتعطيني ثيابك؟ ففعل الزيات ذلك. وجاء الوليد وعليه الثياب وبين يديه الحمار يسوقه متنكراً حتى دخل قصر سعيد، فنادى: من يشتري الزيت، فاطلع بعض الجواري فرأينه فدخلن إلى سلمى وقلن: إن بالباب زياتاً أشبه الناس بالوليد، فاخرجي فانظري إليه، فخرجت فرأته ورآها، فرجعت القهقرى وقالت: هو والله الفاسق الوليد! وقد رآني! فقلن له: لا حاجة بنا إلى زيتك، فانصرف وقال:

إنني أبصرت شيخاً

 

حسن الوجه مليح

ولباسي ثوب شيخ

 

من عباءٍ ومسوح

وأبيع الزيت بيعـاً

 

خاسراً غير ربيح

وقال أيضاً:

فما مسكٌ يعل بـزنـجـبـيلٍ

 

ولا عسلٌ بألبان الـلـقـاح

بأشهى من مجاجة ريق سلمى

 

ولا ما في الزقاق من القراح

ولا والله لا أنسـى حـياتـي

 

وثاق الباب دوني واطراحي

قال: فلما ولى الخلافة أشخص إلى المغنين فحضروه وفيهم معبدٌ وابن عائشة وذووهما. فقال لابن عائشة: يا محمد، إن غنيتني صوتين في نفسي فلك عندي مائة ألف درهم، فغناه قوله:

إنني أبصرت شيخاً

وغناه:

فما مسكٌ يعل بزنجبيل

الأبيات، فقال الوليد: ما عدوت ما في نفسي، وأمر له بمائة ألف درهم وألطاف وخلع، وأمر لسائر المغنين بدون ذلك.
نسبة ما في هذا الخبر من الغناء

صوت

فما مسكٌ يعل بزنجبيلٍ

 

ولا عسلٌ بألبان اللقاح

بأطيب من مجاجة ريق سلمى

 

ولا ما في الزقاق من القراح

غناه ابن عائشة، ولحنه ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي وحماد بن إسحاق: تزوج سلمى بعد ولايته الخلافة وماتت بعد قليل فرثاها: قال المدائني وابن سلام: فلما طال بالوليد ما به كتب إلى أبيها سعيد:

أبا عثمان هل لك في صنـيع

 

تصيب الرشد في صلتي هديتا

فأشكر منك ما تسدى وتحـيى

 

أبا عثـمـان مـيتةً ومـيتـا

قالوا: فلم يجبه إلى ذلك حتى ولى الخلافة، فلما وليها زوجه إياها، فلم يلبث إلا مدة يسيرةً حتى ماتت. وقال فيه ليلة زفت إليه:

خف من دار جيرتي

 

يا بين داود أنسهـا

وهي طويلة. وفيها مما يغنى به:

أو لا تخرج العـرو

 

س فقد طال حبسها

قد دنا الصبح أو بـدا

 

وهي لم يقض لبسها

برزت كالهلال فـي

 

ليلةٍ غاب نحسـهـا

بين خمس كواعـبٍ

 

أكرم الخمس جنسها

غناء ابن سريج، فيما ذكره حبش، رملٌ بالبنصر، أوله:

خف من دار جيرتي

وغناء معبد فيه خفيف ثقيلٍ، أوله:

ومتى تخرج العروس

في رواية الهشامي وابن المكي. وغناء عمر الوادي في الأربعة الأبيات الأخر خفيف رملٍ بالبنصر عن عمرو. وذكر في النسخة الثانية ووافقه الهشامي أن فيه هزجاً بالوسطى ينسب إلى حكم وإلى أبي كامل وإلى عمر.

غنى حكم الوادي للمهدي فوصله

وقد أخبرنا إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال: رأيت حكما الوادي قد تعرض للمهدي وهو يريد الحج، فوقف له في الطريق وكانت له شهرة، فأخرج دفاً له فنقر فيه وقال: أنا، أطال الله بقاءك، القائل:

ومتى تخرج العـرو

 

س فقد طال حبسها

قد دنا الصبح أو بـدا

 

وهي لم يقض لبسها

قال: فتسرع إليه الحرس، فصيح بهم، وإذا هو حكم الوادي، فأدخل إليه المضرب فوصله وانصرف.
نسبة أو لا تخرج العروس – قال: الشعر الوليد بن يزيد. والغناء لعمر الوادي. وفيه لحنان هزجٌ خفيف بالخنصر في مجرى البنصر “وخفيف رملٍ بالخنصر في مجرى البنصر جميعاً عن إسحاق”، وذكر حكم الوادي أن الهزج له، وذكر إسحاق أن لحن حكم خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى. وقال في كتاب يحيى: إن هذا اللحن لعمر الوادي. وذكر الهشامي أنه فيه خفيف ثقيلٍ لمعبد ورملاً لابن سريج. وذكر عمرو بن بانة أن فيه للدلال خفيف ثقيل أول بالبنصر.

ماتت سلمى فرثاها الوليد

وقال المدائني: مكثت عنده سلمى أربعين يوماً ثم ماتت، فقال:

ألما تعلما سلمى أقـامـت

 

مضمنةً من الصحراء لحدا

لعمرك يا وليد لقد أجـنـوا

 

بها حسباً ومكرمةً ومجـدا

ووجهاً كان يقصر عن مداه

 

شعاع الشمس أهلٌ أن يفدى

فلم أر ميتاً أبكـى لـعـينٍ

 

وأكثر جازعاً وأجل فقـدا

وأجدر أن تكون لديه ملكـاً

 

يريك جلادةً ويسر وجـدا

شعره في سلمى

ذكر أشعار الوليد التي قالها في سلمى وغنى المغنون فيها منها:

صوت

عرفت المنزل الخالي

 

عفا من بعد أحـوال

عفاه كـل حـنـانٍ

 

عسوف الوبل هطال

لسلمى قرة الـعـين

 

وبنت العم والخـال

بذلت اليوم في سلمى

 

خطاراً أتلفت مالـي

كأن الريق من فيهـا

 

سحيقٌ بـين جـريال

غناه عمر الوادي هزجاً بالوسطى عن عمرو. وذكر ابن خرداذبه أن هذا اللحن للوليد بن يزيد. وفي رملٌ ذكر الهشامي أنه لابن سريج.
ومنها وهو صوت الذي غناه أبو كامل فأعطاه الوليد قلنسيته : صوت

منازل قد تحل بها سليمـى

 

دوارس قد أضر بها السنون

أميت السر حفظاً يا سليمـى

 

إذا ما السر باح به الحزون

غناه أبو كامل من الثقيل الأول. وفي لابن سريج، ويقال للغريض، خفيف أول بالوسطى عن الهشامي، وقيل: إنه لحكم أو لعمر الوادي. ومنها:

صوت

أراني قد تصابـيت

 

وقد كنت تناهـيت

ولو يتركني الحـب

 

لقد صمت وصليت

إذا شئت تصبـرت

 

ولا أصبر إن شيت

ولا والـلـه لا يصـب

 

ر في الديمومة الحوت

سليمى ليس لي صبـر

 

وإن رخصت لي جيت

فقـبـلـتـك ألـفـين

 

وفـديت وحـــييت

ألا أحبـب بـزورٍ زا

 

ر من سلمى ببـيروت

غزالٌ أدعـج الـعـين

 

نقي الجـيد والـلـيت

غناه ابن جامع في البيتين الأولين هزجاً بالوسطى، وغناه أبو كامل في الأبيات كلها على ما ذكرت بذل ولم يجنسه. وغنى حكم الوادي في الثالث والرابع والسابع والثامن خفيف رملٍ بالوسطى عن عمرو والهشامي. ومنها:

صوت

عتبت سلمى علينا سفاهـا

 

أن سببت اليوم فيها أباهـا

كان حق العتب يا قوم مني

 

ليس منها كان قلبي فداها

فلئن كنت أردت بقلـبـي

 

لأبي سلمى خلاف هواها

فثكلت اليوم سلمى فسلمى

 

ملأت أرضي معاً وسماها

غير أني لا أظـن عـدواً

 

قد أتاها كاشحاً بـأذاهـا

فلها العتبى لدينا وقـلـت

 

أبداً حتى أنال رضـاهـا

غناه أبو كامل خفيف رملٍ مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه ليحيى المكي ثقيل أول من رواية علي بن يحيى. وفيه رمل يقال: إنه لابن جامع، ويقال: بل لحن ابن جامع خفيف رمل أيضاً.

خطب سلمى إلى أبيها وهو سكران فرده فسبته فقال شعراً: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال: لقي سعيد بن خالد الوليد بن يزيد وهو مملٌ، فقال له: يا أبا عثمان، أتردني على سلمى! وكأني بك لو قد وليت الخلافة خطبتني فلم أجبك، وإن تزوجتها حينئذ فهي طالق ثلاثاً. فقال له سعيد: إن المرء يجعل كريمته عند مثلك لحقيقٌ بأكثر مما قلت، فأمضه الوليد وشتمه وتسامعا وافترقا. وبلغ الوليد أن سلمى جزعت لما جرى وبكت وسبت الوليد ونالت منه، فقال:

عتبت سلمى علينا سفاهـا

 

أن هجوت اليوم فيها أباها

وذكر الأبيات. وقال أيضاً في ذلك:

صوت

على الدور التي بليت سفاهـا

 

قفا يا صاحبي فسـائلاهـا

دعتك صبابةٌ ودعاك شـوق

 

وأخضل دمع عينك مأقياهـا

وقالت عند هجوتنـا أبـاهـا

 

أردت الصرم فانتده انتداهـا

أردت بعادنا بهجاء شـيخـي

 

وعندك خلةٌ تبغي هـواهـا

فإن رضيت فذاك وإن تماديت

 

فهبها خطةً بلغت مـداهـا

غناه مالك بن أبي السمح خفيف رمل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وللهذلي فيه ثاني ثقيل بالوسطى عن يونس والهشامي، وذكر حبش: أن الثقيل الثاني لإسحاق يعني بقوله:

أردت بعادنا بهجاء شيخي.

أنه كان هجا سعيد بن خالد، فقال:

ومن يك مفتاحاً لخير يريده

 

فإنك قفلٌ يا سعيد بن خالد

قال المدائني: لما غضبت سلمى من هجائه أباها قال يعتذر إليه بقوله:

ألا أبلغ ألا عثـمـا

 

ن عذرة معتبٍ أسفا

فلست كمن يودك بال

 

لسان ويكثر الحلفـا

عتبت علي في أشيا

 

ء كانت بيننا سرفـا

فلا تشمت بي الأعدا

 

ء والجيران ملتهفـا

تود لو أنني لـحـمٌ

 

رأته الطير فاختطفا

ولا ترفع به رأسـاً

 

عفا الرحمن ما سلفا

ومنها وهو من سخيف شعره:

صوت

خبروني أن سـلـمـى

 

خرجت يوم المصلـى

فإذا طـيرٌ مـلـــيح

 

فوق غصن يتفـلـى

قلت من يعرف سلمـى

 

قال ها ثـم تـعـلـى

قلت يا طير ادن منـي

 

قال هـا ثـم تـدلـى

قلت هل أبصرت سلمى

 

قال لا ثـم تـولــى

فنكا في القلب كلـمـاً

 

باطنـاً ثـم تـعـلـى

فيه ثقيل أول بالبنصر مطلق، ذكر الهشامي أنه لأبي كامل ولعمر الوادي، وذكر حبش أنه لدحمان ومنها:

صوت

اسقني يا بن سالـم قـد أنـارا

 

كوكب الصبح وانجلى واستنارا

اسقني من سلاف ريق سليمى

 

واسق هذا النديم كأساً عقـارا

غناه ابن قدح ثاني ثقيل بالوسطى من رواية حبش.

سأل المأمون ندماءه عن شعر يدل على أنه لملك ثم قال لهم: إنه شعر الوليد: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله قال حدثني أبي: أنا المأمون قال لمن حضره من جلسائه: أنشدوني بيتاً لملك يدل البيت وإن لم يعرف قائله أنه شعر ملكٍ، فأنشده بعضهم قول امرىء القيس:

أمن أجل أعرابية حل أهلها

 

جنوب الملا عيناك تبتدران

قال: وما في هذا مما يدل على ملكه! قد يجوز أن يقول هذا سوقةٌ من أهل الحضر، فكأنه يؤنب نفسه على التعلق بأعرابية، ثم قال: الشعر الذي يدل على أن قائله ملكٌ قول الوليد:

اسقني من سلاف ريق سليمى

 

واسق هذا النديم كأساً عقارا

أما ترى إلى إشارته في قوله هذا النديم وأنها إشارة ملك. ومثل قوله:

لي المحض من ودهم

 

ويغمرهـم نـائلـي

وهذا قول من يقدر بالملك على طويات الرجال، يبذل المعروف لهم ويمكنه استخلاصها لنفسه. وفي هذا البيت مع أبيات قبله غناءٌ وهو قوله:

صوت

سقيت أبـا كـامـل

 

من الأصفر البابلـي

وسقيتهـا مـعـبـداً

 

ولك فـتـى بـازل

لي المحض من ودهم

 

ويغمرهـم نـائلـي

فما لامنـي فـيهـم

 

سوى حاسدةٍ جاهـل

غناه أبو كامل ثقيلاً أول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر.

ومنها وهو من ملح شعره:

صوت

أراني الله يا سلمى حـياتـي

 

وفي يوم الحساب كما أراك

ألا تجزين من تيمت عصـراً

 

ومن لو تطلبين لقد قضـاك

ومن لو مت مات ولا تموتي

 

ولو أنسي له أجلٌ بـكـاك

ومن حقًّا لو اعطي ما تمنى

 

من الدنيا العريضة ما عداك

ومن لو قلت مت فأطاق موتاً

 

إذا ذاق الممات وما عصاك

أثيبي عاشقاً كلفاً مـعـنـى

 

إذا خدرت له رجلٌ دعـاك

كانت العرب تقول: إن الإنسان إذا خدرت قدمه باسم أحب الناس إليه فسكنت. في الخبر أن رجل عبد الله عمر خدرت، فقيل له: ادع باسم أحب الناس إليك، فقال: يا رسول الله، صلى الله على رسول الله وعلى آله وسلم. ذكر يونس أن في هذه الأبيات لحناً لسنان الكاتب، وذكرت دنانير أنه لحكم ولم تجنسه .
ومنها:

صوت

ويح سلمى لو تراني

 

لعناها ما عنـانـي

متلفاً في اللهو ما لي

 

عاشقاً حور القـيان

إنما أحزن قلـبـي

 

قول سلمى إذ أتاني

ولقد كنت زمـانـاً

 

خالي الذرع لشاني

شاق قلبي وعنانـي

 

حب سلمى وبراني

ولكـم لام نـصـيحٌ

 

في سليمى ونهاني

غنته فريدة خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. وفيه ثقيل أول ينسب إلى معبد، وهو فيما يذكر إسحاق يشبه غناءه وليس تعرف صحته له، وذكر كثير الكبير أنه له، وذكر الهشامي أنه لابن المكي. وفيه لحكم هزجٌ صحيح. ومنها:

صوت

بلغا عني سلـيمـى

 

وسلاها لي عـمـا

فعلت في شأن صبٍّ

 

دنفٍ أشعـرهـمـا

ولقد قلت لسلـمـى

 

إذ قتلت البين علمـا

أنت همي يا سليمـى

 

قد قضاه الرب حتما

نزلت في القلب قسراً

 

منزلاً قد كان يحمى

غناه حكمٌ خفيف ثقيلٍ. ولعمر الوادي فيه خفيف رمل بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. ومنها: صوت

يا سليمى يا سلـيمـى

 

كنت للقلب عـذابـا

يا سليمى ابنة عمـي

 

برد اللـيل وطـابـا

إيما واشٍ وشـى بـي

 

فاملئي فـاه تـرابـا

ريقها في الصبح مسك

 

باشر العذب الرضابا

غناه عمر الوادي هزجاً بالبنصر عن الهشامي

وذكر ابن المكي أنه لمعان . وفي كتاب إبراهيم أنه لعطرد. ومنها:

صوت

أسلمى تلـك حـييت

 

قفي نخبرك إن شيت

وقيلي ساعةً نـشـك

 

إليك الحب أو بيتـي

فما صهباء لم تكـس

 

قذىً من خمر بيروت

ثوت في الدن أعواما

 

ختيماً عند حـانـوت

غناه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ومنها:

صوت

يا من لقلب في الهوى متشعبٍ

 

بل من القلب بالحبيب عمـيد

سلمى هواه ليس يعرف غيرها

 

دون الطريف ودون كل تلـيد

إن القرابة والسعـادة ألـفـا

 

بين الوليد وبين بنت سـعـيد

يا قلب كم كلف الفؤاد بغـادةٍ

 

ممكورةٍ ريا العظـام خـريد

غناه عمر الوادي رملاً بالبنصر عن عمرو. ومنها:

قد تمنى معشرٌ إذا أطـربـوا

 

من عقـار وسـوامٍ وذهـب

ثم قالوا لي تمـن واسـتـمـع

 

كيف ننحو في الأماني والطلب

فتمنـيت سـلـيمـى إنـهـا

 

بنت عمي من لهاميم العـرب

فيه للهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكر الهشامي أن هذا الخفيف الثقيل لخالد صامةً . وذكر ابن المكي أن فيه المكي ثاني ثقيل بالوسطى. ومنها:

صوت

هل إلى أم سـعـيدٍ

 

من رسول أو سبيل

ناصحٍ يخبـر أنـي

 

حافظٌ ود خـلـيل

يبذل الود لـغـيري

 

وأكافي بالجمـيل

لست أرضى لخليلي

 

من وصالي بالقليل

غناه عمر الوادي هزجاً خفيفاً بالسبابة في مجرى الوسطى. ومنها:

صوت

طاف من سلمى خيالٌ

 

بعد ما نمت فهاجـا

قلت عج نحوي أسائل

 

ك عن الحب فعاجا

يا خليلي يا نـديمـي

 

قم فأنفث لي سراجا

بفلاةٍ ليس تـرعـى

 

أنبتت شيحاً وحاجـا

غناه عمر الوادي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. ولابن سريج فيه خفيف رمل بالوسطى عن حبش. ولأبي سلمى المدني ثقيل أول عن ابن خرداذبه. ومنها:

صوت

أم سلامٍ أثيبي عاشـقـاً

 

يعلم الله يقـينـاً ربـه

أنكم من عيشه في نفسه

 

يا سليمى فاعلميه حسبه

فارحميه إنه يهذي بكـم

 

هائمٌ صبٌ قد أودى قلبه

أنت لو كنت له راحـمةً

 

لم يكدر يا سليمى شربه

غناه حكمٌ رملاً بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لابن سريج بالوسطى. ومنها:

صوت

رب بيتٍ كأنه متن سـهـم

 

سوف نأتيه من قرى بيروت

من بلاد ليست لنـا بـبـلاد

 

كلما جئت نحوهـا حـييت

أم سلام لا برحـت بـخـير

 

ثم لا زلت جنتي ما حـييت

طرباً نحوكم وتوقاً وشـوقـاً

 

لادكاريكم وطيب المـبـيت

حيثما كنت من بلاد وسرتـم

 

فوقاك الإله ما قد خشـيت

في البيت الأول والثاني لابن عائشة ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن الهشامي، وذكر غيره أنه لإبراهيم. وفي الثالث وما بعده والثاني لابن عائشة أيضاً رمل بالوسطى، ولابن سريج خفيف رمل بالبنصر. وقيل: إن الرمل لعمر الوادي، وهو أن يكون له أشبه. ومنها:

صوت

طرقتني وصحابي هجـوعٌ

 

ظبيةٌ أدماء مثل الـهـلال

مثل قرن الشمس لما تبـدت

 

واستقلت في رؤوس الجبال

تقطع الأهوال نحوي وكانت

 

عندنا سلمى ألوف الحجال

كم أجازت نحونا من بـلاد

 

وحشةٍ قتـالةٍ لـلـرجـال

لابن محرز فيه ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق في الثاني والثالث. ولابن سريج في الأول وما بعده خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفيه لحن لابن عائشة ذكر الهشامي أنه رمل بالوسطى. وفي خفيف رملٍ ينسب إلى ابن سريج وعمر الوادي. ومنها:

صوت

أنا الوليد الإمام مفـتـخـراً

 

أنعم بالي وأتبـع الـغـزلا

أهوى سليمى وهي تصرمني

 

وليس حقاً جفاء من وصلا

أسحب بردى إلى منازلـهـا

 

ولا أبالي مقال مـن عـذلا

غنى فيه أبو كامل رملاً بالبنصر. وغنى عمر الوادي فيه خفيف رملٍ بالوسطى، ويقال إن هذا اللحن للوليد. أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: قال الوليد على لسان سلمى:

صوت

اقر مني على الوليد السلاما

 

عدد النجم قل ذا للـولـيد

حسداً ما حسدت أختي عليه

 

ربنا بيننا وبـين سـعـيد

غناه الهذلي خفيف ثقيل أول بالوسطى عن ابن المكي.

غضب على جاريته ثم صالحها لشعر رجل من قريش:

حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا خالد بن النضر القرشي بالبصرة قال حدثنا أبو حاتم السجستاني قال حدثنا العتبي قال: كانت للوليد بن يزيد جارية يقال لها صدوف، فغاضبها، ثم لم يطعه قلبه فجعل يتسبب لصلحها، فدخل عليه رجل قرشي من أهل المدينة فكلمه في حاجة وقد عرف خبره، فبرم به، فأنشده:

أعتبت أن عتبت عليك صدوف

 

وعتاب مثلك مثلها تشـريف

لا تقعدن تلوم نفسـك دائمـاً

 

فيها وأنت بحبها مشـغـوف

إن القطيعة لا يقوم لمثلـهـا

 

إلا القوي ومن يحب ضعيف

الحب أملك بالفتى من نفسـه

 

والذل فيه مسلك مـألـوف

قال: فضحك وجعل ذلك سبباً لصلحها، وأمر بقضاء حوائج القرشي كلها.
استقدم حماداً الراوية ليسأله عن شعر وأجازه: أخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن الحارث عن المدائني قال قال حماد الراوية: استدعاني الوليد بن يزيد وأمر لي بألفين لنفقتي وألفين لعيالي، فقدمت عليه. فلما دخلت داره قال لي الخدم: أمير المؤمنين من خلف الستارة الحمراء، فسلمت بالخلافة، فقال لي: يا حماد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: ثم ثاروا، فلم أدر ما يعني فقال: ويحك يا حماد! ثم ثاروا، فقلت في نفسي: راوية أهل العراق لا يدري عما يسأل! ثم انتبهت فقلت:

ثم ثـاروا إلـى الـصـبـوح فــقـــامـــت

 

قينةٌ فـــي يمـــينـــهـــا إبــــريق

قدمته على عقار كعين الديك صفى سلافها الراووق

 

 

ثم فض الختام عن حاجب الد

 

ن وقـامـت لـدى الـــيهـــودي ســـوق

فسـبـاهــا مـــنـــه أشـــم عـــزيز

 

أريحـــيٌّ غـــذاه عـــيش رقـــــيق

الشعر لعدي بن زيد. والغناء لحنين خفيف ثقيل أول بالبنصر. وفيه لمالك خفيف رمل. ولعبد الله بن العباس الربيعي رمل، كل ذلك عن الهشامي قال: فإذا جارية قد أخرجت كفا لطيفة من تحت الستر في يدها قدح، والله ما أدري أيهما أحسن الكف أم القدح، فقال: رديه فما أنصفناه! تغدينا ولم نغده! فأتيت بالغداء، وحضر أبو كامل مولاه فغناه: صوت

أدر الكـأس يمـينـاً

 

لا تدرهـا لـيسـار

اسق هـذا ثـم هـذا

 

صاحب العود النضار

من كميت عتقـوهـا

 

منذ دهر في جـرار

ختموهـا بـالأفـاوي

 

ه وكـافـورٍ وقـار

فلقـد أيقـنـت أنـي

 

غير مبعوثٍ لـنـار

سأروض الناس حتى

 

يركبوا أير الحمـار

وذروا من يطلب الج

 

نة يسعى لـتـبـار

فيه هزجان بالوسطى والبنصر لعمر الوادي وأبي كامل فطرب وبرز إلينا وعليه غلالة موردةٌ، وشرب حتى سكر. فأقمت عنده مدة ثم أذن بالانصراف، وكتب لي إلى عامله بالعراق بعشرة آلاف درهم.

حكاية تروى عن تهتكه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: لما ولي الوليد بن يزيد لهج بالغناء والشراب والصيد، وحمل المغنين من المدينة وغيرها إليه وأرسل إلى أشعب فجاء به، فألبسه سراويل من جلد قرد له ذنب، وقال له: ارقص وغنني شعراً يعجبني، فإن فعلت فلك ألف درهم، فغناه فأعجبه فأعطاه ألف درهم.

ودخل إليه يوماً، فلما رآه الوليد كشف عن أيره وهو منعظٌ – قال أشعب: فرأيته كأنه مزمار آبنوس مدهون – فقال لي: أرايت مثله قط؟ قلت: لا يا سيدي، قال: فاسجد له، فسجدن ثلاثاٌ، فقال: ما هذا؟ قلت: واحدةً لأيرك وثنتين لخصيتيك. قال: فضحك وأمر لي بجائزة.

قال: وتكلم بعض جلسائه والمغنية تغني، فكره ذلك وأضجره، فقال لبعض جلسائه: قم فنكه، فقام فناكه والناس حضورٌ وهو يضحك.

وذكرت جاريةٌ أنه واقعها يوماً وهو سكران، فلما تنحى عنها آذنه المؤذن بالصلاة، فحلف ألا يصلي بالناس غيرها، فخرجت متلثمةُ فصلت بالناس.

قال: ونزل على غدير ماء فاستحسنه. فلما سكر حلف ألا يبرح حتى يشرب ذلك الغدير كله ونام، فأمر العلاء بن البندار بالقرب والروايا فأحضرت، فجعل ينزحه ويصبه على الأرض والكثب التي حولهم حتى لم يبق فيه شيء، فلما أصبح الوليد رآه قد نشف فطرب وقال: أنا أبو العباس! ارتحلوا. فارتحل الناس.

نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال النضر بن حديد حدثني ابن أبي جناح قال أخبرني عمر بن جبلة: أن الوليد بن يزيد بات عند امرأة وعدته المبيت، فقال حين انصرف:

قامت إلي بتقبيل تعـانـقـنـي

 

ريا العظام كأن المسك في فيها

ادخل فديتك لا يشعر بنـا أحـد

 

نفسي لنفسك من داء تفـديهـا

بتنا كذلك لا نومٌ عـلـى سـررٍ

 

من شدة الوجد تدنيني وأدنيهـا

حتى إذا ما بدا الخيطان قلت لها

 

حان الفراق فكاد الحزن يشجيها

ثم انصرفت ولم يشعر بنا أحـدٌ

 

والله عني بحسن الفعل يجزيها

مر بنسوة من بني كلب استسقاهن وقال فيهن شعراً: وحدثني النضر بن حديد قال حدثنا هشام بن الكلبي عن خالد بن سعيد قال: مر الوليد بن يزيد وهو متصيدٌ بنسوة من بني كلب من بني المنجاب، فوقف عليهن واستسقاهن وحدثهن وأمر لهن بصلة، ثم مضى وهو يقول:

ولقد مررت بنسوة أعـشـينـنـي

 

حور المدامع من بني المنـجـاب

فيهن خـرعـبةٌ مـلـيح دلـهـا

 

غرثى الوشـاح دقـيقة الأنـياب

زين الحواضر ما ثوت في حضرها

 

وتزين بـاديهـا مـن الأعـراب

أطلق غزالاً صاده لشبهه سلمى: قال النضر وحدثني ابن الكلبي عن أبيه: أن الوليد خرج يتصيد ذات يوم، فصادت كلابه غزالاً، فأتي به فقال: خلوه ، فما رأيت أشبه منه جيداً وعينين بسلمى. ثم أنشأ يقول:

ولقد صدنـا غـزالاً سـانـحـاً

 

قد أردنا ذبحـه لـمـا سـنـح

فإذا شـبـهـك مـا نـنـكـره

 

حين أزجى طرفه ثـم لـمـح

فتـركـنـاه ولـولا حـبـكـم

 

فاعلمي ذاك لقد كـان انـذبـح

أنت يا ظـبـي طـلـيقٌ آمـن

 

فاغد في الغزلان مسروراً ورح

بعث إلى شراعة بن الزندبوذ وماجنه: نسخت من كتاب الحسين بن فهم قال أخبرني عمرو عن أبيه عن عمروا بن واقد الدمشقي قال: بعث الوليد بن يزيد إلى شراعة بن الزندبوذ، فلما قدم عليه قال: يا شراعة، إني لم أستحضرك لأسألك عن العلم ولا لأستفتيك في الفقه ولا لتحدثني ولا لتقرئني القرآن، قال: لو سألتني عن هذا لوجدتني فيه حماراً. قال: فكيف علمك بالفتوة؟ قال: ابن بجدتها، وعلى الخبير بها سقطت، فسل عما شئت. قال: فكيف علمك بالأشربة؟ قال: ليسألني أمير المؤمنين عما أحب. قال: ما قولك في الماء؟ قال: في الحياة، ويشركني فيه الحمار. قال: فاللبن؟ قال: ما رأيته قط إلا ذكرت أمي فاستحيت. قال: فالخمر؟ قال: تلك السارة البارة وشراب أهل الجنة. قال: لله درك! فإي شيء أحسن ما يشرب عليه؟ قال: عجبت لمن قدر أن يشرب على وجه السماء في كن من الحر والقر كيف يختار عليها شيئاً! الوليد وحادثة المصحف: قال وأخبرنا عمرو بن أبيه عن يحيى بن سليم قال: دعا الوليد بن يزيد ذات ليلة بمصحف، فلما فتحه وافق ورقةً فيها: “واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيدٍ. من ورائه جهنم ويسقى من ماءٍ صديدٍ”، فقال: أسجعاً سجعاً! ثم أخذ القوس والنبل فرماه حتى مزقه، ثم قال:

أتوعد كل جبار عـنـيدٍ

 

فها أنا ذاك جبار عنـيد

إذا لاقيت ربك يوم حشر

 

فقل لله مزقني الولـيد

قال: فما لبث بعد ذلك إلا يسيراً حتى قتل.

غضب على جارية أمرها بالغناء في شعر لم تعرفه: أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني معاوية بن بكر عن يعقوب بن عياش المروزي من أهل ذي المروة أن أباه حمل عدة جوار إلى الوليد بن يزيد، فدخل إليه وعنده أخوه عبد الجبار وكان حسن الوجه والشعرة وفيها، فأمر الوليد جاريةً منهن أن تغني:

لو كنت من هاشم أو من بنـي أسـد

 

أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد

وأمرها أخوه أن تغني:

أتعجب أن طربت لصوت حاد

 

حدا بزلاً يسرن ببـطـن واد

فغنت ما أمرها به الغمر ، فغضب الوليد واحمر وجهه، وظن أنها فعلت ذلك ميلاً إلى أخيه. وعرفت الشر في وجهه، فاندفعت فغنت: صوت

أيها العاتب الذي خاف هجري

 

وبعادي وما عمـدت لـذاكـا

أترى أننـي بـغـيرك صـبٌّ

 

جعل الله من تظـن فـداكـا

أنت كنت الملول في غير شيء

 

بئس ما قلت ليس ذاك كذاكـا

ولو أن الذي عتبـت عـلـيه

 

خير الناس واحداً ما عـداكـا

فارض عني جعلت نعليك إني

 

والعظيم الجليل أهوى رضاكا

– الشعر لعمر .أخ والغناء لمعبد من روايتي يونس وإسحاق، ولحنه من خفيف الثقيل بإطلاق الوتر في مجرى البنصر. وذكر حماد في أخبار ابن عائشة أن له فيه لحناً – قال: فسري عن الوليد وقال لها: ما منعك أن تغني ما دعوتك إليه؟ قالت: لم أكن أحسنه، وكنت أحسن الصوت الذي سألنيه، أخذته من ابن عائشة، فلما تبينت غضبك غنيت هذا الصوت وكنت أخذته من معبد. تعني الذي اعتذرت به إليه.

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت

 

لو كنت من هاشم أو من بنـي أسـد

 

أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد

أو من بني نوفـل أو آل مـطـلـبٍ

 

أو من بني جمح الخضر الجلاعـيد

أو من بني زهرة الأبطال قد عرفوا

 

لله درك لـم تـهـمـم بـتـهـديد

الشعر لحسان بن ثابت، يقوله لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرة، وخبره يذكر بعد هذا. والغناء لابن سريج خفيف رمل بالخنصر ، وقيل: إنه لمالك. ومنها: صوت

أتعجب أن طربت لصوت حاد

 

حدا بزلاً يسرن ببـطـن واد

فلا تعجب فإن الحب أمسـى

 

لبثنة في السواد من الفـؤاد

الشعر لجميل. والغناء لابن عائشة رمل بالبنصر.
غنته جارية بشعر المخزومي فطرب وأمر بشرائها: أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال: عرضت على الوليد ين يزيد جاريةٌ مغنية، فقال لها: غني، فغنت: صوت

لولا الذي حملت من حـبـكـم

 

لكان من إظهـاره مـخـرج

أو مذهبٌ في الأرض ذو فسحةٍ

 

أجل ومن حجت له مـذحـج

لكن سبانـي مـنـهـم شـادنٌ

 

مربـبٌ بـينـهـم أدعــج

أغر ممكورٌ هضيم الحـشـى

 

قد ضاق عنه الحجل والدملـج

فقال لها الوليد: لمن هذا الشعر؟ قال: للوليد بن يزيد المخزومي. قال: فممن أخذت الغناء؟ قالت: من حنين. فقال: أعيديه، فأعادته فأجادت، فطرب الوليد ونعر وقال: أحسنت وأبى وجمعت كل ما يحتاج إليه في غنائك، وأمر بابتياعها، وحظيت عنده.
غنى في هذا الصوت ابن سريج ولحنه رمل بالبنصر. وغنى فيه إسحاق فيما ذكر الهشامي خفيف ثقيلٍ. ومما يغني به من هذه القصيدة: صوت

قد صرح القوم وما لجلجوا

 

لجوا علينا ليت لم يلججوا

باتوا وفيهم كالمها طفـلةٌ

 

قد زانها الخلخال والدملج

غناه صباح الخياط خفيف ثقيلٍ بالبنصر. وغنى فيه ابن أبي الكنات خفيف ثقيل بالوسطى.

حسان بن ثابت وهجوه مسافع بن عياض: فأما خبر الشعر الذي قال حسان بن ثابت لمسافع بن عياض أحد بني تيم بن مرة، فأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا عثمان بن عبد الرحمن: أن عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز اشتريا من عمر بن الخطاب رضي الله عنه رقيقاً ممن سبي، ففضل عليهما ثمانون ألف درهم، فأمر بهما عمر أن يلزما . فمر بهما طلحة بن عبيد الله وهو يريد الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما لابن معمرٍ يلازم؟ فأخبر خبره، فأمر له بالأربعين ألفا التي عليه تقضى عنه. فقال ابن معمر لابن عامر: إنها إن قضيت عني بقيت ملازماً، وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى يقضي عني، فدفع إليه الأربعين ألفا درهم فقضاها ابن عامر عن نفسه وخليت سبيله. فمر طلحة منصرفاً من الصلاة فوجد ابن معمر يلازم فقال: ما لابن معمر؟ ألم آمر بالقضاء عنه! فأخبر بما صنع، فقال: أما ابن معمر فعلم أن له ابن عم لا يسلمه، احملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه، ففعلوا وخلي سبيله. فقال حسان بن ثابت لمسافع بن عياض بن صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة:

يا آل تيم ألا تنهـون جـاهـلـكـم

 

قبل القذاف بصـمٍّ كـالـجـلامـيد

فنهنهوه فـإنـي غـير تـاركـكـم

 

إن عاد ما اهتز ماءٌ في ثرى عـود

لو كنت من هاشم أو من بنـي أسـد

 

أو عبد شمس أو أصحاب اللوا الصيد

أو من بني نوفـل أو آل مـطـلـبٍ

 

أو من بني جمح الخضرٍ الجلاعـيد

أو من بني زهرة الأبطال قد عرفوا

 

لله درك لـم تـهـمـم بـتـهـديد

ليظهر الـلـه بـذاك الـدينـا

 

وقد جعلنا قبل مـشـركـينـا

من يطع الله فـقـد أصـابـا

 

أو يعصه أو الرسول خـابـا

ثم القران والهـدى الـسـبـيل

 

قد بقيا لما مضى الـرسـول

كأنـه لـمـا بـقـى لـديكـم

 

حيٌ صحـيحٌ لا يزال فـيكـم

إنكم مـن بـعـد إن تـزلـوا

 

عن قصده أو نهجه تضـلـوا

لا تتركن نصحي فإني ناصـح

 

إن الطريق فاعلمـن واضـح

من يتق الله يجد غب التـقـى

 

يوم الحساب صائراً إلى الهدى

إن التقى أفضل شيءٍ في العمل

 

أرى جماع البر فيه قد دخـل

خافوا الجحيم إخوتي لعـلـكـم

 

يوم اللقاء تعرفوا ما سـركـم

قد قيل في الأمثال لو علمـتـم

 

فانتفعوا بذاك إن عـقـلـتـم

ما يزرع الزارع يوماً يحصـده

 

وما يقدم من صلاح يحـمـده

فاستغفروا ربـكـم وتـوبـوا

 

فالموت منكم فاعلموا قـريب          

ثم نزل.
الوليد بن يزيد والوليد البندار: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه عن الوليد البندار قال: حججت مع الوليد بن يزيد، فقلت له لما أراد أن يخطب الناس: أيها الأمير، إن اليوم يومٌ يشهده الناس من جميع الآفاق، وأريد أن تشرفني بشيء. قال: وما هو؟ قلت: إذا علون المنبر دعوت بي فيتحدث الناس بذلك وبأنك أسررت إلي شيئاً، فقال: أفعل. فلما جلس على المنبر قال: الوليد البندار، فقمت إليه، فقال: ادن مني فدنوت، فأخذ بأذني ثم قال: البندار ولد زنا، والوليد ولد زنا، وكل من ترى حولنا ولد زنا، أفهمت؟ قلت: نعم، قال: انزل الآن، فنزلت.

نادرة له مع أشعب: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي عن أشعب قال: دخلت على الوليد بن يزيد الخاسر وقد تناول الخاسر وقد تناول نيبذاً، فقال له: تمن، فقلت: يتمنى أمير المؤمنين ثم أتمنى، قال: فإنما أردت أن تغلبني، فإني لأتمنى ضعف ما تتمنى به كائنا ما كان، قلت: فإني أتمنى كفلين من العذاب، فضحك ثم قال: إذا نوفرهما عليك. ثم قال لي: ما أشياء تبلغني عنك؟ قلت: يكذبون علي. قال: متى عهدك بالأصم؟ قلت: لا عهد لي به. فأخرج أيره كأنه نايٌ مدهون، فسجدت له ثلاث سجدات، فقال: ويلك إنما يسجد الناس سجدةً واحدةً، فقلت: واحدةً للأصم واثنتين لخصيتيك.

كان يغالي بالجوهر: أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا محمد بن علي بن حمزة قال حدثني عبد الصمد بن موسى الهاشمي قال: إنما أغلى الجوهر بنو أمية، ولقد كان الوليد بن يزيد يلبس منه العقود ويغيرها في اليوم مراراً كما تغير الثياب شغفاً، فكان يجمعه من كل وجه ويغالي يه.

برز للناس راكباً فرساً وهو متهتك: قال: وكان يوماً داره على فرس له جاريةٌ تضرب بطبل قدامه، فأخذه منها ووضعه على رقبته، ونفر الفرس من صوت الطبل فخرج به على أصحابه في هذه الهيئة، وكان خليعاً.

قدم المدينة وبعث لابن يسار بخمر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قدم الوليد بن يزيد المدينة، فقلت لإسماعيل بن يسار: أحذنا مما أعطاك الله، فقال: هلم أقاسمك إن قبلت، بعث إلي براويةٍ من خمر.

مر بإسكار حاجبه وكان لا يشرب: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني رجل قال: كان الوليد بن يزيد إذا أصبح يوم الاثنين تغدى وشرب رطلين ثم جلس للناس. قال: فحدثني عمر الوادي قال: دخلت عليه وعنده أصحابه وقد تغدى وهو يشرب، فقال له: اشرب فشربت، وطرب، وغنى صوتاً واحداً وأخذ دفافة فدفف بها، فأخذ كل واحد منا دفافة فدفف بها، وقام وقمنا حتى بلغنا إلى الحاجب، فلما رآنا الحاجب صاح بالناس: الحرم الحرم، اخرجوا. ودخل الحاجب فقال: جعلني الله فداءك، اليوم يحضر فيه الناس، فقال له: اجلس واشرب، فقال: إنما أنا حاجب فلا تحملين على الشراب فما شربته قط، قال: اجلس فاشرب، فامتنع، فما فارقناه حتى صببنا في حلقه بالقمع وقام وهو سكران.
قيل إنه افترع بنتاً له وكذب ذلك أبو الفرج:

أو في الدؤابة من تيم إذا انتسـبـوا

 

أو من بني الحارث البيض الأماجيد

لكن سأصرفها عنكم وأعـدلـهـا

 

لطلحة بن عبيد اللـه ذي الـجـود

رجع الخبر إلى سياقه أخبار الوليد: الوليد بن يزيد وأبو الأقرع الشاعر: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمرو قال قال الهيثم حدثني ابن عياش قال: دخل أبو الأقرع على الوليد بن يزيد، فقال له: أنشدني قولك في الخمر، فأنشد قوله:

كميتٌ إذا شجت وفي الكأس وردةٌ

 

لها في عظام الشاربـين دبـيب

تريك القذى من دونها وهي دونه

 

لوجه أخيها في الإناء قـطـوب

فقال الوليد: شربتها يا أبا الأقرع ورب الكعبة! فقال: يا أمير المؤمنين، لئن كان نعتي لها رابك لقد رابني معرفتك بها.

رأى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن فأعجبته: أخبرني الحسن قال حدثني ابن مهرويه قال حدثني عبد الله بن عمرو قال قال المدائني: نظر الوليد بن يزيد إلى أم حبيب بنت عبد الرحمن بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف وقد مروا بين يديها بالشمع ليلاً، فلما رآها أعجبته وراعه جمالها وحسنها، فسأل عنها فقيل له: إن لها زوجاً، فأنشأ يقول: صوت

إنما هاج لـقـلـبـي

 

شجوه بعد المـشـيب

نظرةٌ قد وقرت في ال

 

قلب من أم حـبـيب

فإذا ما ذقـت فـاهـا

 

ذقت عذباً ذا غـروب

خالط الراح بمـسـك

 

خالصٍ غير مشـوب

غناه ابن محرز خفيف رملٍ بالوسطى عن الهشامي، وذكر عمرو بن بانة أنه للأبجر، وهو الصحيح.

الوليد بن يزيد في آخر دولته: أخبرني عمي قال حدثني الكراني عن النضر بن عمرو عن العتبي قال: لما ظهرت المسودة بخراسان كتب نصر بن سيار إلى الوليد يستمده، فتشاغل عنه، فكتب إليه كتاباً وكتب في أسفله يقول:

أرى خلل الرماد وميض جمرٍ

 

وأحر بأن يكون له ضـرام

فإن النار بالعـودين تـذكـى

 

وإن الحرب مبدؤها الكـلام

فقلت من التعجب ليت شعري

 

أأيقـاظٌ أمـية أم نـــيام

فكتب إليه الوليد: قد أقطعتك خراسان، فاعمل لنفسك أودع، فإني مشغول عنك بابن سريج ومعبد والغريض.
أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا ابن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد عن ابن الصباح عن ابن الكلبي عن حماد الراوية قال: دخلت يوماً على الوليد وكان آخر يوم لقيته فيه، فاستنشدني كل ضرب من شعر أهل الجاهلية والإسلام، فما هش لشيء منه حتى أخذت في السخف فأنشدته لعمار ذي مجنبذاً :

أشتهي منك منك من

 

ك مكاناً مجنـبـذاً

فأجا فيه فـيه فـي

 

ه بأير كمـثـل ذا

ليت أيري وحرك يو

 

ماً جميعاً تجـابـذا

فأخذ ذا بشـعـر ذا

 

وأخذ ذا بقعـر ذا

فضحك حتى استلقى وطرب، ودعا بالشراب فشرب، وجعل يستعيدني الأبيات فأعيدها حتى سكر وأمر لي بجائزة، فعلمت أن أمره قد أدبر. ثم أدخلت على أبي مسلمٍ فاستنشدني فأنشدته، قول الأفوه :

لنا معشر لم يبنوا لقومهم

فلما بلغت إلى قوله:

تهدى الأمور بأهل الرشد ما صلحت

 

وإن تولت فبـالأشـرار تـنـقـاد

قال: أنا ذلك الذي تنقاد به الناس، فأيقنت حينئذ أن أمره مقبل.

خطب يوماً خطبة الجمعة بشعر: أخبرني محمد بن خلف وكيع قال: وجدت في كتاب عن عبيد الله بن سعيد الزهري عن عمر عن أبيه قال: خرج الوليد بن يزيد وكان من أصحابه على شراب، فقيل له: إن اليوم الجمعة، فقال: والله لأخطبنهم اليوم بشعر، فصعد المنبر فخطب فقال:

الحمد لله ولـي الـحـمـد

 

أحمده في يسرنا والجـهـد

وهو الذي في الكرب أستعين

 

وهو الذي ليس لـه قـرين

أشهد في الدنيا وما سواهـا

 

أن لا إلـه غـيره إلـهـاً

ما إن له في خلقـه شـريك

 

قد خضعت لملكه الملـوك

أشهد أن الدين دين أحـمـد

 

فليس من خالفه بمهـتـدي

وأنه رسول رب الـعـرش

 

القادر الفرد الشديد البطـش

أرسله في خلـقـه نـذيراً

 

وبالكتاب واعظـاً بـشـيراً

  أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن شريك قال حدثني عمي علي بن عمرو قرقارة قال حدثني أنيف بن هاشم بن الكلبي ومات قبل أبيه قال حدثني أبي قال: خرج الوليد بن يزيد من مقصورةٍ إلى مقصورةٍ، فإذا هو ببنت له معها حاضنتها، فوثب عليها فاقترعها، فقالت له الحاضنة: إنها المجوسية، قال: اسكتي! ثم قال:

من راقب الناس مات غماًّ

 

وفاز باللذة الـجـسـور

وأحسب أنا أن هذا الخبر باطلٌ، لأن هذا الشعر لسلم الخاسر، ولم يدرك زمن الوليد.

تمنى غلاء الخمر وعزة النساء لئلا يبتذلا: أخبرنا أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق الموصلي قال أخبرني مسلمة بن سلم الكاتب قال: قال الوليد بن يزيد: وددت أن كل كأس تشرب من خمر بدينار، وأن كل حرٍ في جبهة أسد، فلا يشرب إلا سخي، ولا ينكح إلا شجاعٌ.

?شرب شرب الفرس سبعة أسابيع: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال: سمعت رجلاً يحدث أبي الكوفة قال: أرسلت إلى الوليد جفنةٌ مملوءةٌ فرعونية قوارير لم ير مثلها قط. فلما أمسينا صببنا فيها الشراب في ليلة أربع عشرة، حتى إذا استوى القمر على رؤوسنا وصار في الجفنة قال الوليد: في أي منزلةٍ القمر الليلة؟ فقال بعضهم: في الحمل، وقال بعضهم: في منزلة كذا وكذا من منازل القمر، فقال بعض جلسائه: القمر في الجفنة، قال: قاتلك الله! أصبت ما في نفسي! لتشربن الهفتجنة . فقال مصعب: فسأل أبي عن الهفتجنة فقال: شرب كانت الفرس تشربه سبعة أسابيع. فشرب تسعةً وأربعين يوماً.

غناه المغنون فطرب واعترض على شعر لابن أذينة: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير قال حدثني عبد الرحمن بن عبد الله الزهري عن عبد الله بن عمران بن أبي فروة قال أخبرني خالد صامة المغني وكان من أحسن الناس غناءً على عودٍ، قال: بعث إلي الوليد بن يزيد، فقدمت عليه، فوجدت عنده معبداً ومالكاً والهذلي، وعمر الوادي وأبا كامل، فغنى القوم ونحن في مجلس يا له من مجلس! وغلامٌ للوليد له سبرة يسقي القوم الطلاء، إذ جاءت نوبة الغناء إلي، فأخذت عودي فغنيت بأبيات قالها عروة بن أذينة يرثي أخاه بكراً: صوت

سرى همي وهم المرء يسـري

 

وغار النجـم إلا قـيد فـتـر

أراقب في المجرة كـل نـجـم

 

تعرض في المجرة كيف يجري

بحـزن مـا أزال مـديمـــاً

 

كأن القلب أسعر حر جـمـر

على بكر أخي ولـى حـمـيداً

 

وأي العيش يحسن بعد بـكـر

– غناه ابن سريج ثاني ثقيل بالوسطى. وغنى فيه ابن عباد الكاتب ولحنه رمل بالوسطى عن الهشامي – قال خالد: فقال لي الوليد: أعد يا صام فأعدت، فقال: من يقوله ويحك؟ قلت: بان أذنية، قال: هذا والله العيش الذي نحن فيه على رغم أنفه، لقد تحجر واسعاً. قال عبد الرحمن بن عبد الله قال عبد الله بن أبي فروة: وأنشدها ابن أذنية ابن أبي عتيق، فضحك ابن أبي عتيق وقال: كل العيش يحسن حتى الخبز والزيت، فحلف ابن أذنية لا يكلمه أبداً، فمات ابن أبي عتيق وابن أذنية مهاجرٌ له.

أنشدت سكينة بنت الحسين شعر ابن أذنية فاعترضت عليه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال: بلغني أن سكينة بنت الحسين رضي الله عنها أنشدت، وأخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن مصعب قال: أنشدت سكينة، وأخبرني الحسين بن يحيى عن عباد عن أبيه عن أبي يحيى العبادي: أن سكينة أنشدت أبيات عروة بن أذنية في أخيه بكر، فلما انتهت إلى قوله:

على بكر أخي ولى حميداً

 

وأي العيش يحسن بعد بكر

قالت سكينة: ومن أخوه بكر! أليس الدحداح الأسيد القصير الذي كان يمر بنا صباحاً ومساء؟ قالوا: نعم، قالت: كل العيش والله يصلح ويحسن بعد بكر حتى الخبز والزيت.
سبق سليمان بن عبد الملك بين المغنين ببدرة فأخذها ابن سريج: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا يزيد بن محمد المهلبي عن إسحاق قال: قدم سليمان بن عبد الملك المدينة، فجمع المغنين وسبق بينهم ببدرة، وقال: أيكم كان أحسن غناءً فهي له، فاجتمعوا. فبلغ الخبر ابن سريج، فجاء وقد أغلق الباب، فقال للحاجب: استأذن لي، قال: لا يمكن وقد أغلق الباب، ولو كنت جئت قبل أن يغلق الباب لاستأذنت لك. قال: فدعني أغن من شق الباب، قال نعم. فسكت حتى فرغ جميع المغنين من غنائهم ثم اندفع فغنى:

سرى همي وهم المرء يسري

فنظر المغنون بعضهم إلى بعض وعرفوه، فلما فرغ قال سليمان: أحسن والله! هذا والله أحسن منكم غناءً، أخرج يا غلام إليه بالبدرة، فأخرجها إليه.

الوليد بن يزيد وفرسه السندي: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن ابن جعدبة: أن رجلاً أهدى إلى هشام بن عبد الملك خيلاً، فكان فيها فرس مربوعٌ قريب الركاب، فعرف الوليد منه ما لم يعرف هشام، فنهر الرجل وشتمه وقال. أتجيء بمثل هذا إلى أمير المؤمنين! ردوه عليه، فردوه. فلما خرج وجه إليه بثلاثين ألف درهم وأخذه منه، فهو فرسه الذي يسميه السندي.

فأخبرني بعض أصحابي أن الوليد خرج يوماً يتصيد وحده، فانتدب إليه مولى لهشام يريد الفتك به. فلما بصر به الوليد حاوله فقهره بفرسه الذي كان تحته فقتله. وقال في ذلك:

ألم ترأني بـين مـا أنـا آمـنٌ

 

يخب بي السندي قفراً فـيافـيا

تطلعت من غورٍ فأبصرت فارساً

 

فأوجست منه خـيفةً أن يرانـيا

ولما بدا لي أنمـا هـو فـارس

 

وقفت له حتى أتى فـرمـانـيا

رماني ثلاثاً ثم إني طـعـنـتـه

 

فرويت منه صعدتي وسنـانـيا

غناه أبو كامل لحناً من الماخوري بالبنصر. ولإبراهيم فيه ثقيل أول، وقيل: إن له فيه ماخورياً آخر. وفيه لعمر الوادي ثاني ثقيل. ولمالك رملٌ من رواية الهشامي.
قال: وقال الوليد أيضاً في فرسه السندي:

قد أغتدي بذي سبـيبٍ هـيكـل

 

مشرب مثل الغـراب أرجـل

أعددته لحـلـبـات الأحـوال

 

ولك نقع ثـائرٍ لـجـحـفـل

وكل خطب ذي شؤون معضل

 

 

فقال هشام: لكنا أعددنا له ما يسوءه، نخلعه ونقصيه، فيكون مهاناً مدحوراً مطرحاً.

ماتت سلمى بعد زفافها بسبعة أيام فرثاها: نسخت من كتاب أحمد بن أبي طاهر حدثني أبو الحسن العقيلي: أن الوليد لما ولي الخلافة خطب سلمى التي كان ينسب بها، فزوجها لما مضى صدرٌ من خلافته، فقامت عنده سبعة أيام فماتت، فقال يرثيها:

يا سلم كنت كجنةٍ قد أطعمـت

 

أفنانها دانٍ جناها مـوضـع

أربابها شفقاً عليها نـومـهـم

 

تحليل موضعها ولما يهجعوا

حتى إذا فسح الربيع طنونهـم

 

نثر الخريف ثمارها فتصدعوا

أمر وهو سكران بقتل نديمه القاسم ثم ندم ورثاه: أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أحمد بن يحيى ثعلب عن أبي العالية، وأخبرني الحسن بن علي عن أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار عن عمه: أن الوليد بن يزيد لما انهمك على شربه ولذاته ورفض الآخرة وراء ظهره وأقبل على القصف والعسف مع المغنين مثل مالك ومعبد وابن عائشة وذويهم، كان نديمه القاسم بن الطويل العبادي، وكان أديباً ظريفاً شاعراً، فكان لا يصبر عنه، فغناه معبد ذات يوم شعر عدي: صوت

يكر العاذلون في وضح الص

 

بح يقولون لي ألا تستفـيق

لست أدري وقد جفاني خليلي

 

أعدوٌ يلومـنـي أم صـديق

ثم قالوا ألا اصبحونا فقامـت

 

قينةٌ في يمينـهـا إبـريق

قدمته على عقار كعين الـد

 

يك صفى سلافها الـراووق

– فيه لمعبد ثقيل ويقال إنه لحنين. وفيه لمالك خفيف رمل. وفيه لعبد الله بن العباس رملٌ كل ذلك عن الهشامي – قال: فاستحسنه الوليد وأعجب به وطرب عليه وجعل يشرب إلى أن غلب عليه السكر فنام في موضعه، فانصرف ابن الطويل. فلما أفاق الوليد سأل عنه، فعرف حين انصرافه، فغضب وقال وهو سكران لغلام كان واقفاً على رأسه يقال له سبرة: ائتني برأسه، فمضى الغلام حتى ضرب عنقه وأتاه برأسه فجعله في طست بين يديه، فلما رآه أنكره وسأل عن الخبر فعرفه، فاسترجع وندم على ما فرط منه، وجعل يقلب الرأس بيده. ثم قال يرثيه: صوت

عيني للحدث الجليل

 

جودا بأربعةٍ همول

جودا بـدمـع إنـــه

 

يشفي الفؤاد من الغلـيل

لله قـبـرٌ ضـمـنـت

 

فيه عظام ابن الطـويل

ماذا تضـمـن إذ ثـوى

 

فيه من اللب الأصـيل

قد كنت آوي مـن هـوا

 

ك إلى ذرى كهفٍ ظليل

أصبحت بعـدك واحـداً

 

فرداً بمدوجة الـسـيول

غناه الغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وغنى فيه سليم لحناً من الثقيل الأول بالبنصر عن الهشامي، وذكر غيره أن لحن الغريض لدحمان، وذكر حبشٌ انه لأبي كامل، وذكره غيره أن لحن الغريض لدحمان قال: ثم دخل إلى جواريه فقال: والله ما أبالي متى جاءني الموت بعد الخليل ابن الطويل. فيقال: إنه لم يعش بعده إلا مديدةً حتى قتل. والله أعلم.

أجاز حماداً الراوية لطربه لشعر أنشده إياه: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال روى الهيثم بن عدي عن ابن عياش عن حماد الراوية قال: دعاني الوليد يوماً من الأيام في السحر والقمر طالعٌ وعنده جماعةٌ من ندمائه وقد اصطبح، فقال: أنشدني في النسيب، فأنشدته أشعاراً كثيرة، فلم يهش لشيء منها، حتى أنشدته قول عمار ذي كناز :

اصبح القوم قهـوةً

 

في الأباريق تحتذى

من كميت مـدامةٍ

 

حبذا تلك حـبـذا

فطرب. ثم رفع رأسه إلى خادم وكان قائماً كأنه الشمس، فأومأ إليه فكشف ستراً خلف ظهره، فطلع منه أربعون وصيفاً كأنهم اللؤلؤ المنثور في أيديهم الأباريق والمناديل، فقال: أسقوهم، فما بقي أحد إلا أسقي، وأنا في خلال ذلك أنشده الشعر، فما زال يشرب ويسقى إلى طلوع الفجر. ثم لم نخرج عن حضرته حتى حملنا الفراشون في البسط فألقونا في دار الضيافة، فما أفقنا حتى طلعت الشمس. قال حماد: ثم أحضرني فخلع علي خلعاً من فاخر ثيابه وأمر بعشرة آلاف درهم وحملني على فرس.

خاصم وكيله الجعفري في أرض لدى هشام فلم ينصفه فقال هو شعراً: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن أبي بكر الهذلي قال: للوليد بن يزيد يخاصم الجعفري في الرحبة من أرض دمشق، وكان الجعفري قد استولى عليها فقطع شفرة الأعلى، فاستعدى عليه هشاماً فلم يعده، فقال الوليد في ذلك:

أيا حكم المتبول لو كنت تعـتـزى

 

إلى أسرةٍ ليسوا بسود زعـانـف

لأيقنت قد أدركت وتـرك عـنـوةً

 

بلا حكم قاضٍ بل بضرب السوالف

غناه الهذلي ثقيلاً أول عن الهشامي ويونس قال: فلما استخلف الوليد بعث إلى بكر بن نوفل الجعفري فقال: ألا تعطي حكم بن الزبير حقه! قال: لا، فأمر به فشترت عينه. ثم قال:

يا رب أمرٍ ذي شؤون جحفل

 

قاسيت فيه جلبات الأحـول

مات ابنه مؤمن ونعاه إليه سنان الكاتب وهو سكران فرثاه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال: خرج الوليد إلى متصيد له فأقام به، ومات له ابن يقال له مؤمن بن الوليد، فلم يقدر أحد أن ينعاه إليه، حتى ثمل فنعاه إليه سنان الكاتب وكان مغنياً، فقال الوليد – وفي هذا الشعر غناء من الأصوات التي أختيرت للواثق والرشيد قبله – : صوت من المائة المختارة من رواية علي بن يحيى

أتاني سنانٌ بالوداع لـمـؤمـنٍ

 

فقلت له إني إلى الله راجـع

ألا أيها الحاثي علـيه تـرابـه

 

هبلت وشلت من يديك الأصابع

يقولون لا تجزع وأظهر جلادةً

 

فكيف بما تحنى عليه الأضالع

عروضه من الطويل. غناه سنان الكاتب، ولحنه المختار من القدر الأوسط من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لأبي كامل خفيف ثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وقيل: إن فيه لحناً لعبد الله بن يونس صاحب أيلة.

كتب له مؤدبه يزيد شعراً ينصحه فرد عليه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني عقيل بن عمرو قال: قال يزيد بن أبي مساحق السلمي مؤدب الوليد شعراً وبعث به إلى النوار جارية الوليد، فغنته به، وهو:

مضى الخلفاء بالأمر الحمـيد

 

وأصبحت المذمة لـلـولـيد

تشاغل عن رعيتـه بـلـهـو

 

وخالف فعل ذي الرأي الرشيد

فكتب إليه الوليد:

ليت حظي اليوم من

 

كل معاشٍ لي وزاد

قهوةٌ أبـذل فـيهـا

 

طارفي ثم تـلادي

فيظل القلب منهـا

 

هائماً في كـل واد

إن في ذاك صلاحي

 

وفلاحي ورشـادي

نهى بني أمية عن الغناء وقال إنه رقية الزنا: أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إبراهيم بن الوليد الحمصي قال حدثنا هارون بن الحسن العنبري قال: قال الوليد بن يزيد: يا بني أمية، إياكم والغناء فإنه ينقص الحياء ويزيد في الشهوة ويهدم المروءة ويثور على الخمر ويفعل ما يفعل السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين، فجنبوه النساء فإن الغناء رقية الزنا. وإني لأقول ذلك فيه على أنه أحب إلي من كل لذة وأشهى إلي من الماء البارد إلى ذي الغلة، ولكن الحق أحق أن يقال.

قال له بعض مواليه إن الناس أنكروا عليك البيعة لابنيك فأجابه وقال شعراً: أخبرني الحسن بن علي حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني قال حدثني بعض موالي الوليد قال: دخلت إليه وقد عقد لابنيه بعده وقدم عثمان، فقلت له: يا أمير المؤمنين، أقول قول الموثوق بنصيحته أو يسعني السكوت؟ قال: بل قل قول الموثوق به، فقلت: إن الناس قد أنكروا ما فعلت وقالوا: يبايع لمن لم يحتلم، وقد سمعت ما أكره فيك، فقال: عضوا ببظور أمهاتكم، أفأدخل بيني وبين ابني غيري، فيلقى منه كما لقيت من الأحوال بعد أبي! ثم أنشأ يقول: صوت

سرى طيف ذا الظبي بالعاقدا

 

ن ليلاً فهيج قلبـاً عـمـيدا

وأرق عيني عـلـى غـرة

 

فباتت بحزنٍ تقاسى السهودا

نؤمل عثمان بعـد الـولـي

 

د للعهد فينا ونرجو سعـيدا

كما كان إذ كان في دهـره

 

يزيد يرجي لتلك الـولـيدا

على أنها شسعت شـسـعةً

 

فنحن نرجي لها أن تعـودا

فإن هي عادت فعاص القري

 

ب منها لتؤيس منها البعـيدا

– غناه أبو كامل ثاني ثقيل بالبنصر من أصوات قليلة الأشباه. وذكر عمرو بن بانة أن فيه لعمر الوادي لحناً من الماخوري بالوسطى. وذكر الهشامي أن فيه خفيف رمل لحكم، وذكرت دنانير عن حكم أنه لعمر الوادي، وذكر حبش أن الثقيل الثاني لمالك وأن فيه لفضل النجار رملاً بالبنصر- أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن سعيد عن الزبير بن بكار قال: هو:

سرى طيف ظبي بأعلى الغوير

ولكن هذا تصحيف سليمان السوادي أو قال: خليد.
حبس يزيد الناقص وليي عهد الوليد وقتلهما: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال: كان الوليد قد بايع لابنيه الحكم وعثمان، وهو أول من بايع لابن سريةٍ أمةٍ، ولم يكونوا يفعلون ذلك، وأخذهما يزيد بن الوليد الناقص، فحبسهما ثم قتلهما، وفيهما يقول ابن أبي عقب:

إذا قتل الخلف المديم لـسـكـره

 

بقفر من البخراء أسس في الرمل

وسيق بلا جرم إلى التحف والردى

 

بنياه حتى يذبحا مذبح الـسـخـل

فويل بني مروان ماذا أصابـهـم

 

بأيدي بني العباس بالأسر والقتـل

تبع الكلبي الزنديق على قوله في ماني ورده العلاء البندار: أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني علي بن محمد النوفلي قال حدثني أبي عن العلاء البندار قال: كان الوليد زنديقاً، وكان رجل من كلب يقول بمقالته مقالة الثنوية ، فدخلت على الوليد يوماً وذلك الكلبي عنده، وإذا بينهما سفطٌ قد رفع رأسه عنه فإذا ما يبدو لي منه حريرٌ أخضر، فقال: ادن يا علاء فدنوت، فرفع الحريرة فإذا في السفط صورة إنسان وإذا الزئبق والنوشادر قد جعلا في جفنه يطرف كأنه يتحرك، فقال: يا علاء، هذا ماني ، لم يبتعث الله نبياً قبله ولا يبتعث نبياً بعده. فقلت: يا أمير المؤمنين، اتق الله ولا يغرنك هذا الذي ترى عن دينك. فقال له الكلبي: يا أمير المؤمنين، ألم أقل لك: إن العلاء لا يحتمل هذا الحديث. قال العلاء: ومكثت أياماً، ثم جلست مع الوليد على بناء كان بناه في عسكره يشرف به والكلبي عنده، إذ نزل من عنده وقد كان الولد حمله على برذون هملاجٍ أشقر من أفره ما سخر، فخرج على برذونه ذلك فمضى به في الصحراء حتى غاب عن العسكر، فما شعر إلا وأعرابٌ قد جاءوا به يحملونه منفسخةً عنقه ميتاً وبرذونه يقاد حتى أسلموه. فبلغني ذلك، فخرجت متعمداً حتى أتيت أولئك الأعراب، وقد كانت لهم أبياتٌ بالقرب منه في أرض البخراء لا حجر فيها ولا مدر، فقلت لهم: كيف كانت قصة هذا الرجل؟ قالوا: أقبل علينا على برذون، فو الله لكأنه دهنٌ يسيل على صفاةٍ من فراهته، فعجبنا لذلك، إذ انقض رجلٌ من السماء عليه ثيابٌ بيض فأخذ بضبعيه فاحتمله ثم نكسه وضرب برأسه الأرض فدق عنقه ثم غاب عن عيوننا، فاحتملناه فجئنا به.

قصة الخارجين عليه ومقتله: وأخبرني الحسن بن علي قال حدثنا الخراز عن المدائني قال: لما أكثر الوليد بن يزيد التهتك وانهمك في اللذات وشرب الخمر وبسط المكروه على ولد هشام والوليد وأفرط في أمره وغيه، مل الناس أيامه وكرهوه. وكان قد عقد لابنيه بعده ولم يكونا بلغا، فمشى الناس بعضهم إلى بعض في خلعه، وكان أقوالهم في ذلك يزيد الناقص بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، فمشى إلى أخيه العباس وكان امرأ صدقٍ ولم يكن في بني أمية مثله، كان يتشبه بعمر بن عبد العزيز فشكا إليه ما يجري على الناس من الوليد، فقال له: يا أخي، إن الناس قد ملوا بني مروان، وإن مشى بعضكم في أمر بعض أكلتم، ولله أجلٌ لا بد أن يبلغه فانتظره. فخرج من عنده ومشى إلى غيره، فبايعه جماعةٌ من اليمانية الوجوه، فعاد إلى أخيه ومعه مولى له وأعاد عليه القول وعرض له بأنه قد دعي إلى الخلافة، فقال له: والله لولا أني لا آمنه عليك من تحامله لوجهت بك إليه مشدوداً، فنشدتك الله ألا تسعى في شيء من هذا. فانصرف من عنده وجعل يدعو الناس إلى نفسه. وبلغ الوليد ذلك فقال يذكر قومه ومشى بعضهم إلى بعض في خلعه: صوت

سل هم النفس عنهـا

 

بعـلـنـداةٍ عـلاة

تتقي الأرض وتهوي

 

بخفاف مدمـجـات

ذاك أم بال قـومـي

 

كسروا سن قنـاتـي

واستخفوا بي وصاروا

 

كقـرودٍ خـاسـئات

الشعر للوليد بن يزيد بن عبد الملك. والغناء لأبي كامل غزيل الدمشقي ماخوري بالبنصر. وفي هذه القصيدة يقول الوليد بن يزيد:

أصبح اليوم وليدٌ

 

هائماً بالفتـيات

عنده راح وإبري

 

قٌ وكأسٌ بالفلاة

ابعثوا خيلاً لخيل

 

ورماةً لرمـاة

وأخبرني بالسبب في مقتله الحسن بن علي قال أخبرنا أحمد بن الحارث قال حدثني المدائني عن جويرية بن أسماء، وأخبرني بن ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن المدائني عن جويرية بن أسماء قال: قال ابن بشر بن الوليد بن عبد الملك: لما أظهر الوليد بن يزيد أمره وأدمن على اللهو والصيد واحتجب عن الناس ووالى بين الشرب وانهمك في اللذات، سئمه الناس ووعظه من أشفق عليه من أهله، فلما لم يقلع دبوا في خلعه. فدخل أبي بشر بن الوليد على عمي العباس بن الوليد وأنا معه، فجعل يكلم عمي في أن يخلع الوليد بن يزيد ومعه عمي يزيد بن الوليد، فكان العباس ينهاه وأبي يرد عليه، فكنت أفرح وأقول في نفسي: أرى أبي يجترىء أن يكلم عمي ويرد عليه، فقال العباس: يا بني مروان، أظن أن الله قد أذن في هلاككم. ثم قال العباس:

إني أعيذكم بالـلـه مـن فـتـنٍ

 

مثل الجبال تسامى ثم تـنـدفـع

إن البرية قد ملت سياسـتـكـم

 

فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا

لا تلحمن ذئاب الناس أنفسـكـم

 

إن الذئاب إذا ما ألحمت رتعـوا

لا تبقرن بأيديكـم بـطـونـكـم

 

فثم لا فديةٌ تغـنـي ولا جـزع

قال المدائني عن رجاله: فلما استجمع ليزيد أمره وهو متبدٍّ أقبل إلى دمشق، وبين مكانه الذي كان متبدياً فيه وبين دمشق أربع ليالٍ، فأقبل إلى دمشق متنكراً في سبعة أنفس على حمر وقد بايع له أكثر أهل دمشق وبايع له أكثر أهل المزة. فقال مولى لعباد بن زياد: إني لبجرود – وبين جرود ودمشق مرحلةٌ إذ طلع علينا سبعةٌ معتمون على حمر فنزلوا، وفيهم رجل طويل جسيم، فرمى بنفسه فنام وألقوا عليه ثوباً، وقالوا لي: هل عندك شيء نشتريه من طعام؟ فقلت: أما بيعٌ فلا، وعندي من قراكم ما يشبعكم، فقالوا: فعجله، فذبحت لهم دجاجاً وفراخاً وأتيتهم بما حضر من عسل وسمن وشوانيز ، وقلت: أيقظوا صاحبكم للغداء، فقالوا: هو محموم لا يأكل، فسفروا للغداء فعرفت بعضهم، وسفر النائم فإذا هو يزيد بن الوليد، فعرفته فلم يكلمني. ومضوا ليدخلوا دمشق ليلاً في نفر من أصحابه مشاةٍ إلى معاوية بن مصاد وهو بالمزة – وبينها وبين دمشق ميل – فأصابهم مطر شديد، فأتوا منزل معاوية فضربوا بابه وقالوا: يزيد بن الوليد، فقال له معاوية: الفراش، ادخل أصلحك الله، قال: في رجلي طين وأكره أن أفسد عليك بساطك، فقال: ما تريدني عليه أفسد. فمشى على البساط وجلس على الفراش، ثم كلم معاوية فبايعه. وخرج إلى دمشق فنزل دار ثابت بن سليمان الحسني مستخفياً، وعلى دمشق عبد الملك بن محمد بن الحجاج بن يوسف، فخاف عبد الملك الوباء فخرج فنزل قطناً ، واستخلف ابنه على دمشق وعلى شرطته أبو العاج كثير بن عبد الله السلمي، وتم ليزيد أمره فأجمع على الظهور. وقيل لعامل دمشق: إن يزيد خارجٌ فلم يصدق. وأرسل يزيد إلى أصحابه بين المغرب والعشاء في ليلة الجمعة من جمادى الآخرة سنة سبع وعشرين ومائة، فكمنوا في ميضأةٍ عند باب الفراديس ، حتى إذا أذنوا العتمة دخلوا المسجد مع الناس فصلوا. وللمسجد حرسٌ قد وكلوا بإخراج الناس من المسجد بالليل، فإذا خرج الناس خرج الحرس وأغلق صاحب المسجد الأبواب، ودخل الدار من باب المقصورة فيدفع المفاتيح إلى من يحفظها ويخرج. فلما صلى الناس العتمة صاح الحرس بالناس فخرجوا، وتباطأ أصحاب يزيد الناقص، فجعلوا يخرجونهم من باب ويدخلون من باب، حتى لم يبق في المسجد إلا الحرس وأصحاب يزيد، فأخذوا الحرس. ومضى يزيد بن عنبسة السكسكي إلى يزيد فأخبره وأخذ بيده وقال: قم يا أمير المؤمنين وأبشر بعون الله ونصره، فأقبل وأقبلنا ونحن اثنا عشر رجلاً. فلما كنا عند سوق القمح لقيهم فيها مائتا رجل من أصحابهم، فمضوا حتى دخلوا المسجد وأتوا باب المقصورة، وقالوا: نحن رسل الوليد، ففتح لهم خادمٌ الباب، ودخلوا فأخذوا الخادم، وإذا أبو العاج سكران فأخذوه وأخذوا خزان البيت وصاحب البريد، وأرسل إلى كل من كان يحذره فأخذه. وأرسل من ليلته إلى محمد بن عبيد ة مولى سعيد بن العاص وهو على بعلبك، وإلى عبد الملك بن محمد بن الحجاج فأخذهما. وبعث أصحابه إلى الخشبية فأتوه، وقال للبوابين: لا تفتحوا الأبواب غدوةً إلا لمن أ خبركم بشعار كذا وكذا. قال: فتركوا الأبواب في السلاسل. وكان في المسجد سلاح كثير قدم به سليمان بن هشام من الجزيرة، فلم يكن الخزان قبضوه، فأصابوا سلاحاً كثيراً فأخذوه وأصبحوا، وجاء أهل المزة مع حريث بن أبي الجهم. فما انتصف النهار حتى بايع الناس يزيد وهو يتمثل قول النابغة:

إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقـلـوا

 

إلى الموت إرقال الجمال المصاعب

فجعل أصحابه يتعجبون ويقولون: انظروا إلى هذا! كان قبيل الصبح يسبح وهو الآن ينشد الشعر. قال : وأمر يزيد عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك بن مروان فوقف بباب الجابية فنادى: من كان له عطاءٌ فليأت إلى عطائه، ومن لم يكن له عطاء فله ألف درهم معونةُ ، فبايع له الناس وأمر بالعطاء. قال: وندب يزيد بن الوليد الناس إلى قتال الوليد بن يزيد بن عبد العزيز، وقال: من انتدب معه فله ألفان، فانتدب ألفا رجلٍ، فأعطاهم وقال: موعدكم ذنبه ، فوافى ذنبة ألف ومائتا رجل، فقال: ميعادكم مصنعةٌ بالبرية وهي لبنى عبد العزيز بن الوليد، فوافاه ثمانمائة رجل، فسار فوافاهم ثقل الوليد فأخذوه ومع عبد العزيز فرسانٌ منهم منصور بن جمهور ويعقوب بن عبد الرحمن السلمي والأصبغ بن ذؤالة وشبيب بن أبي ملك الغساني وحميد بن نصر اللخمي، فأقبلوا فنزلوا قريباً من الوليد. فقال الوليد: أخرجوا لي سريراً فأخرجوه فصعد عليه. وأتاه خبر العباس بن الوليد: إني أجيئك. وأتى الوليد بفرسين الذائد والسندي، وقال: أعلي يتواثب الرجال وأنا أثب على الأسد وأتخصر الأفاعي!. وهم ينتظرون العباس أن يأتيهم ولم يكن بينهم كبير قتالٍ، فقتل عثمان الخشبي، وكان من أولاده الخشبية الذين كانوا مع المختار . وبلغ عبد العزيز بن الحجاج أن العباس بن الوليد يأتي الوليد، فأرسل منصور بن جمهور في جريدة خيل وقال: إنكم تلقون العباس بن الوليد ومعه بنوه في الشعب فخذوه. وخرج منصور في تلك الخيل وتقدموا إلى الشعب، وإذا العباس ومعه ثلاثون قد تقدموا أصحابه، فقال: اعدل إلى عبد العزيز، فشتمهم، فقال له منصور: والله لئن تقدمت لأنفذن حصينك بالرمح، فقال: إنا لله! فأقبلوا به يسوقونه إلى عبد العزيز. فقال له عبد العزيز: بايع ليزيد، فبايع ووقف، ونصبوا رايةً وقالوا: هذا العباس قد بايع. ونادى منادي عبد العزيز، من لحق بالعباس بن الوليد فهو آمنٌ، فقال العباس: إنا لله! خدعةٌ من خدع الشيطان! هلك والله بنو مروان! فتفرق الناس عن الوليد وأتوا العباس. وظاهر الوليد في درعين وقاتلهم. وقال الوليد: من جاء برأس فله خمسمائة درهم، فجاء جماعةٌ بعدة رؤوس، فقالوا: اكتبوا أسماءهم، فقال له رجل من مواليه: ليس هذا يا أمير المؤمنين يوماً يعامل فيه بالنسيئة. وناداهم رجالٌ: اقتلوا اللوطي قتلة قوم لوط، فرموه بالحجارة. فلما سمع ذلك دخل القصر وأغلق الباب وقال: صوت

دعوا لي سليمى والطلاء وقينةً

 

وكأساً ألا حسبي بذلـك مـالا

إذا ما صفا عيش برملة عالـجٍ

 

وعانقت سلمـى لا أريد بـدالا

خذوا ملككم لا ثبت الله ملككـم

 

ثباتاً يساوي ما حييت عـقـالا

وخلوا عناني قبل عيرٍ وما جرى

 

ولا تحسدوني أن أموت هزالا

غناه عمر الوادي رملاً بالوسطى عن حبش ثم قال لعمر الوادي: يا جامع لذتي، غنني بهذا الشعر. وقد أحاط الجند بالقصر، فقال لهم الوليد من وراء الباب: أما فيكم رجل شريف له حسب وحياءٌ أكلمه؟! فقال له يزيد بن عنبسة السكسكي: كلمني، فقال له الوليد: يا أخا السكاسك، ما تنقمون مني؟ ألم أزد في أعطياتكم وأعطية فقرائكم وأخدمت زمناكم ودفعت عنكم المؤن! فقال: ما ننقم عليك في أنفسنا شيئاً، ولكن ننقم عليك انتهاك ما حرم الله وشرب الخمور ونكاح أمهات أولاد أبيك واستخفافك بأمر الله. قال: حسبك يا أخا السكاسك! فلعمري لقد أغرقت فأكثرت، وإن فيما أحل الله لسعةً عما ذكرت. ورجع إلى الدار فجلس وأخذ المصحف وقال: يومٌ كيوم عثمان، ونشر المصحف يقرأ، فعلوا الحائط، فكان أول من علا الحائط يزيد بن عنبسة، فنزل وسيف الوليد إلى جنبه، فقال له يزيد: نح سيفك، فقال الوليد: لو أردت السيف لكانت لي ولك حالةٌ غير هذه. فأخذ بيده وهو يريد أن يدخله بيتاً ، ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور بن جمهور وعبد الرحمن وقيس مولى يزيد بن عبد الملك والسري بن زياد بن أبي كبشة، فضربه عبد الرحمن السلمي على رأسه ضربةً وضربه السري بن زياد على وجهه، وجروه بين خمسة ليخرجوه، فصاحت امرأةٌ كانت معه في الدار فكفوا عنه فلم يخرجوه، واحتز رأسه أبو علاقة القضاعي وخاط الضربة التي في وجهه بالعقب ، وقدم بالرأس على يزيد، قدم به روح بن مقبل، وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق، فاستتم الأمر له وأحسن صلته. ثم كان من خلع يزيد بعد ذلك ما ليس هذا موضع ذكره.

قال: ولما قتل الوليد بن يزيد جعل أبو محجن مولى خالد القسري يدخل سيفه في است الوليد وهو مقتول. فقال الأصبغ بن ذؤالة الكلبي في قتل الوليد وأخذهم ابنيه:

من مبلغٌ قيساً وخندف كلـهـا

 

وساداتهم من عبد شمس وهاشم

قتلنا أمير المؤمنين بـخـالـد

 

وبعنا ولي عهده بـالـدراهـم

وقال أبو محجن مولى خالد:

لو شاهدوا حد سيفي حين أدخله

 

في است الوليد لماتوا عنده كمدا

كان عمر الوادي يغنيه حين قتل: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن هشام بن الكلبي عن جرير قال: قال لي عمر الوادي: كنت أغني الوليد أقول: صوت

كذبتك نفسك أم رأيت بواسـطٍ

 

غلس الظلام من الرباب خيالا

قال: فما أتممت الصوت حتى رأيت رأسه قد فارق بدنه ورأيته يتشحط في دمه. يقال: إن اللحن في هذا الشعر لعمر الوادي، ويقال: لابن جامع.

أخذ يزيد الحكم وعثمان ولي عهد الوليد وحبسهما وشتمهما قالوا: وكان عثمان والحكم ابنا الوليد قد بايعهما بالعهد بعده، فتغيبا فأخذهما يزيد بعد ذلك فحبسهما في الخضراء ودخل عليهما يزيد الأفقم بن هشام فجعل يشتم أباهما الوليد وكان قد ضربه وحلقه ، فبكى الحكم، فقال عثمان أخوه: اسكت يا أخي، وأقبل على يزيد فقال: أتشتم أبي! قال: نعم، قال: لكني لا أشتم عمي هشاماً، ووالله لو كنت من بني مروان ما شتمت أحداً منهم، فانظر إلى وجهك فإن كنت رأيت حكمياً يشبهك أوله مثل وجهك فأنت منهم، لا والله ما في الأرض حكمي يشبهك.

ندم أيوب السختياني لمقتله تخوفاً من الفتنة: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني عن مسلمة بن محارب قال: لما قتل الوليد قال أيوب السختياني: ليت القوم تركوا لنا خليفتنا لم يقتلوه. قال: وإنما قال ذلك تخوفاً من الفتنة.

لعن الرشيد قاتليه: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث عن المدائني: أن ابناً للغمر بن يزيد بن عبد الملك دخل على الرشيد، فقال: ممن أنت؟ قال: من قريش، قال: من أيها؟ فأمسك قال: قل وأنت آمن، ولو أنك مرواني، قال: أنا ابن الغمر بن يزيد. قال: رحم الله عمك ولعن يزيد الناقص وقتلة عمك جميعاً، فإنهم قتلوا خليفةً مجمعاً عليه، ارفع إلي حوائجك، فقضاها.
رمى عند المهدي بالزندقة فدافع عنه: أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثنا الغلابي قال حدثنا العلاء بن سويد المنقري قال: ذكر ليلةً المهدي أمير المؤمنين الوليد بن يزيد فقال: كان ظريفاً أديباً. فقال له شبيب بن شيبة: يا أمير المؤمنين إن رأيت ألا تجري ذكره على سمعك ولسانك فافعل فإنه كان زنديقاً، فقال: اسكت، فما كان الله ليضع خلافته عند من يكفر به. هكذا رواه الصولي.

دافع عنه ابن علاثة الفقيه لدى المهدي: وقد أخبرنا به أحمد بن عبد العزيز إجازةً قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا عقيل بن عمرو قال أخبرني شبيب بن شيبة عن أبيه قال: كنا جلوساً عند المهدي فذكروا الوليد بن يزيد، فقال المهدي: أحسبه كان زنديقاً، فقام ابن علاثة الفقيه فقال: يا أمير المؤمنين، الله عز وجل أعظم من أن يولي خلافة النبوة وأمر الأمة من لا يؤمن بالله، لقد أخبرني من كان يشهده في ملاعبه وشربه عنه بمروءة