أخبار النابغة ونسبه

الجزء الحادي عشر

بسم الله الرحمن الرحيم

أخبار النابغة ونسبه

نسب النابغة: النابغة اسمه زياد بن معاوية بن ضباب بن جناب بن يربوع بن غيظ بن مرة ابن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. ويكنى أبا أمامة . وذكر أهل الرواية أنه إنما لقب النابغة لقوله:

فقد نبغت لهم منا شؤون

وهو أحد الأشراف الذين غض الشعر منهم. وهو من الطبقة الأولى المقدمين على سائر الشعراء .
سأل عمر بن الخطاب عن شعر فلما أخبر أنه له قال إنه أشعر العرب: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو نعيم قال حدثنا شريك عن مجاهد عن الشعبي عن ربعي بن حراش قال: قال عمر: يا معشر غطفان، من الذي يقول:

أتيتك عارياً خلقـاً ثـيابـي

 

على خوفٍ تظن بي الظنون

قلنا: النابغة. قال: ذاك أشعر شعرائكم .

أخبرني أحمد وحبيب قالا حدثنا عمر بن شبه قال حدثنا عبيد بن جناد قال حدثنا معن بن عبد الرحمن عن عيسى بن عبد الرحمن السلمي عن جده عن الشعبي قال: قال عمر: من أشعر الناس؟ قالوا: أنت أعلم يا أمير المؤمنين. قال: من الذي يقول:

إلا سليمان إذ قـال الإلـه لـه

 

قم في البرية فاحددها عن الفند

وخبر الجن أني قد أذنت لهـم

 

يبنون تدمر بالصفاح والعمـد

قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول:

أتيتك عارياً خلقـاً ثـيابـي

 

على خوفٍ تظن بي الظنون

قالوا: النابغة. قال: فمن الذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفـسـك ريبةً

 

وليس وراء الله للمرء مذهب

لئن كنت قد بلغت عني خـيانةً

 

لمبلغك الواشي أغش وأكـذب

ولست بمستبقٍ أخاً لا تـلـمـه

 

على شعثٍ أي الرجال المهذب

قالوا: النابغة. قال: فهو أشعر العرب .
أخبرنا أحمد قال حدثنا عمر بن شبه قال حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال حدثنا عمر بن أبي زائدة عن الشعبي قال: ذكر الشعر عند عمر؛ ثم ذكر مثله .

سئل ابن عباس عن أشعر الناس فأمر أبا الأسود بالجواب فذكره: أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثني علي بن محمد عن المدائني عن عبد الله بن الحسن عن عمر بن الحباب عن أبي المؤمل قال: قام رجل إلى ابن عباس فقال: أي الناس أشعر؟ فقال ابن عباس: أخبره يا أبا الأسود الدؤلي: قال الذي يقول:

فإنك كالليل الذي هو مـدركـي

 

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

حوار في شعر له في مجلس الجنيد بن عبد الرحمن: أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد قرأت على أبي جرير بن شريك بن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا عند الجنيد بن عبد الرحمن بخراسان وعنده بنو مرة وجلساؤه من الناس، فتذاكروا شعر النابغة حتى أنشدوا قوله:

فإنك كالليل الذي هو مـدركـي

 

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

فقال شيخ من بني مرة: ما الذي رأى في النعمان حيث يقول له هذا! وهل كان النعمان إلا على منظرةٍ من مناظر الحيرة! وقالت ذلك القيسية فأكثروا. فنظر إلي الجنيد وقال: يا أبا خالد! لا يهولنك قول هؤلاء الأعاريض !فأقسم بالله أن لو عاينوا من النعمان ما عاين صاحبهم لقالوا أكثر مما قال، ولكنهم قالوا ما تسمع وهم آمنون .

كان يجلس للشعراء بعكاظ فمدح شعر الخنساء وحواره مع حسان: أخبرني حبيب بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا أبو بكر العليمي قال حدثني عبد الملك بن قريب قال: كان يضرب للنابغة قبة من أدمٍ بسوق عكاظ، فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها. قال: وأول من أنشده الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم أنشدته الشعراء، ثم أنشدته الخنساء بنت عمرو ابن الشريد:

وإن صخراً لتأتم الهداة به

 

كأنه علم في رأسه نار

فقال: والله لولا أن أبا بصير أنشدني آنفاً لقلت إنك أشعر الجن والإنس. فقام حسان فقال: والله لأنا أشعر منك ومن أبيك !. فقال له النابغة: يابن أخي، أنت لا تحسن أن تقول:

فإنك كالليل الذي هو مـدركـي

 

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

خطاطيف حجن في جبالٍ متـينةٍ

 

تمـد بـهـا أيدٍ إلـيك نـوازع

قال: فخنس حسان لقوله .

تذاركر قوم الشعر وهم في الصحراء فإذا هم بجني يقول إنه أشعر الناس:

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا الأصمعي قال حدثنا أبو عمرو بن العلاء قال قال فلان لرجل سماه فانسيته: بينا نحن نسير بين أنقاءٍ من الأرض تذاكرنا الشعر، فإذا راكب أطيلس يقول أشعر الناس زياد ابن معاوية؛ ثم تملس فلم نره .

فضحك أبو عمرو على زهير: أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال حدثنا الأصمعي قال سمعت أبا عمرو يقول: ما كان ينبغي للنابغة إلا أن يكون زهير أجيراً له .

سأل عبد الملك عن شعر له في اعتذاره للنعمان وقال إنه أشعر العرب: أخبرني أحمد قال حدثنا عمر قال عمرو بن المنتشر المرادي: وفدنا على عبد الملك بن مروان فدخلنا عليه، فقام رجل فاعتذر من أمرٍ وحلف عليه. فقال له عبد الملك: ما كنت حرياً أن تفعل ولا تعتذر. ثم أقبل على أهل الشام فقال: أيكم يروي من اعتذار النابغة إلى النعمان:

حلفت فلم أترك لنفسـك ريبةً

 

وليس وراء الله للمرء مذهب

فلم يجد فيهم من يرويه؛ فأقبل علي فقال: أترويه؟ قلت: نعم! فأنشدته القصيدة كلها؛ فقال: هذا أشعر العرب .
سئل حماد بم تقدم النابغة فأجاب: أخبرنا بن نصر وأحمد بن عبد العزيز قالا حدثنا عمر بن شبة قال: قال معاوية بن بكر الباهلي قلت لحماد الراوية: بم تقدم النابغة؟ قال: باكتفائك بالبيت الواحد من شعره، لا بل بنصف بيت، لا بل بربع بيت مثل قوله:

حلفت فلم أترك لنفسـك ريبةً

 

وليس وراء الله للمرء مذاهب

كل نصف يغنيك عن صاحبه، وقوله: أي الرجال المهذب، ربع بيت يغنيك عن غيره .

وهذه القصيدة العينية يقولها في النعمان بن المنذر يعتذر إليه بها وبعدة قصائد قالها فيه تذكر في مواضعها .
ولقد اختلفت الرواة في السبب الذي دعاه إلى ذلك .

كان أثيراً عند النعمان فدخل على زوجته المتجردة فوصفها: فأخبرني حبيب بن نصر المهلبي وأحمد بن عبد العزيز الجوهري قالا حدثنا عمر بن شبة عن أبي عبيدة وغيره من علمائهم: إن النابغة كان كبيراً عند النعمان خاصاً به وكان من ندمائه وأهل أنسه؛ فرأى زوجته المتجردة يوماً وغشيها تشبيهاً بالفجاءة، فسقط نصفيها واستترت بيدها وذراعها، فكادت ذراعها تستر وجهها لعبالتها وغلظها؛ فقال قصيدته التي أولها:

أمن آل مية رائح أو مغـتـدي

 

عجلان ذا زادٍ وغـير مـزود

زعم البوارح أن رحلتنـا غـداً

 

وبذاك تنعاب الغراب الأسـود

لا مرحباً بغدٍ ولا غير أن ركابنا

 

لما تزل برحالنـا وكـأن قـد

في إثر غانيةٍ رمتك بسهمـهـا

 

فأصاب قلبك غير أن لم تقصد

بالدر والياقوت زين نحـرهـا

 

ومفضلٍ من لؤلؤ وزبـرجـد

عروضه من الكامل. وغناه أبو كاملٍ من رواية حبشٍ ثقيلاً أول بالبنصر. وغناه الغريض من روايته ثاني ثقيلٍ بالوسطى. وغناه ابن سريج من رواية إسحاق ثقيلاً في مجرى الوسطى .

قوله: أمن آل مية: يخاطب نفسه كالمستثبت. وعجلان: من العجلة، نصبه على الحال. والزاد في هذا الموضع: ما كان من تسليم ورد نحية. والبوارح: ما جاء من ميامنك إلى مياسرك فولاك مياسره. والسانح ما جاء من مياسرك فولاك ميامنه؛ حكى ذلك أبو عبيدة عن رؤبة وقد سأله يونس عنه. وأهل نجدٍ يتشاءمون بالبوارح، وغيرهم من العرب تتشاءم بالسانح وتتيمن بالبارح؛ ومنهم من لا يرى ذلك شيئاً قال بعضهم :

ولقد غدوت وكنت لا

 

أغدو على واقٍ وحاتم

فإذا الأشـائم كـالأيا

 

من والأيامن كالأشائم

وتنعاب الغراب: صياحه؛ يقال: نعب الغراب ينعب نعيباً ونعباناً، والتنعاب تفعال من هذا. وكان النابغة قال في هذا البيت: وبذاك خبرنا الغراب الأسود، ثم ورد يثرب فسمعه يغنى فيه، فبان له الإقواء، فغيره في مواضع من شعره .

كان يقوى فلما ذهب إلى يثرب تبين له هذا العيب فأصلحه: وأخبرنا الحسين بن يحيى قال قال حماد بن إسحاق قرأت على أبي: قال أبو عبيدة: كان فحلان من الشعراء يقويان: النابغة وبشر بن أبي خازم. فأما النابغة فدخل يثرب فهابوه أن يقولوا له لحنت وأكفأت ، فدعوا قينةً وأمروها أن تغني في شعره ففعلت. فلما سمع الغناء و غير مزود، و الغراب الأسود، وبان له ذلك في اللحن فطن لموضع الخطأ فلم يعد. وأما بشر بن أبي خازمٍ فقال له أخوه سوادة: إنك تقوي. قال وما ذاك؟ قال: قولك:

وينسي مثل ما نسيت جذام

ثم قلت بعده: إلى البلد الشآم. ففطن فلم يعد .

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا خلاد الأرقط وغيره من علمائنا قالوا: كان النابغة يقول: إن في شعري لعاهةً ما أقف عليها. فلما قدم المدينة غني في شعره؛ فلما سمع قوله: واتقتنا باليد، و يكاد من اللطافة يعقد، تبين له لما مدت، باليد، فصارت الكسرة ياء ومدت، يعقد، فصارت الضمة كالواو؛ ففطن فغيره وجعله:

غنم على أغصانه لم يعقد

وكان يقول: وردت يثرب وفي شعري بعض العاهة، فصدرت عنها وأنا أشعر الناس. وقوله لا مرحباً: لا سعةً؛ ونصبه ها هنا شبيه بالمصدر؛ كأنه قال لا رحب رحباً ولا أهل أهلاً. وأزف: قرب .

قال: وقال في قصيدته هذه يذكر ما نظر إليه من المتجردة وسترها وجهها بذراعها: صوت:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

 

فتناولته واتـقـتـنـا بـالـيد

بمخضب رخصٍ كأن بنـانـه

 

عنم على أغصانه لم يعـقـد

ويفاحم رجلٍ أثـيثٍ نـبـتـه

 

كالكرم مال على الدعام المسند

نظرت إليك بحاجةٍ لم تقضهـا

 

نظر السقيم إلى وجوه العـود

غناه ابن سريج، ولحنه من خفيف الثقيل الأول بالوسطى عن عمرو. والنصيف: الخمار، والجمع أنصفة ونصف. والعنم: فيما ذكر أبو عبيدة، يساريع حمر تكون في البقل في الربيع. وقال الأصمعي: العنم: شجر يحمر وينعم نبته. والفاحم: الشديد السواد. والرجل: الذي ليس بجعد. والأثيث: المتكاثف؛ قال امرؤ القيس:

أثيثٍ كقنو النخلة المتعثكل

ويقال: شعر رجل ورجل. ويروى:

ورنت إلي بمقلتي مكحولةٍ

والمكحولة: البقرة. وقوله لم تقضها: يعني المرأة أي لم تقدر على الكلام من مخافة أهلها، فهي كالسقيم الذي ينظر إلى من يعوده .

غناه ابن سريج خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة .

قال صالح بن حسان إنه كان مخنثاً: وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري قال: قال الهيثم بن عدي قال لي صالح بن حسان: كان والله النابغة مخنثاً. قلت: وما علمك به؟ أرأيته قط؟ قال: لا والله !. قلت: أفأخبرت عنه؟ قال: لا. قلت: فما علمك به؟ قال: أما سمعت قوله:

سقط النصيف ولم ترد إسقاطه

 

فتناولته واتقـتـنـا بـالـيد

لا والله ما أحسن هذه الإشارة ولا هذا القول إلا من مخنث .

هروبه من النعمان إلى ملوك غسان واختلاف الرواة في سببه: قال: فأنشدها النابغة مرة بن سعد القريعي، فأنشدها مرة النعمان، فامتلأ غضباً فأوعد النابغة وتهدده؛ فهرب منه فأتى قومه، ثم شخص إلى ملوك غسان بالشام فامتدحهم. وقيل: إن عصام بن شهبرٍ الجرمي حاجب النعمان أنذره وعرفه ما يريده النعمان، وكان صديقه، فهرب. وعصام الذي يقول فيه الراجز:

نفس عصامٍ سودت عصاما

 

وعلمته الكر والإقـدامـا

وجعلته ملكاً هـمـامـا

 

 

وقال من رويت عنه خبر النابغة: إن السبب في هربه من النعمان أن عبد القيس بن خفاف التميمي ومرة بن سعد بن قريع السعدي عملا هجاءً في النعمان على لسانه، وأنشدا النعمان منه أبياتاً يقال فيها:

ملك يلاعب أمه وقطـينـه

 

رخو المفاصل أيره كالمرود

ومنه:

قبـح الـلــه ثـــم ثـــنـــى بـــلـــعـــنٍ

 

وارث الـصـائغ الـجـبـــان الـــجـــهـــولا

من يضر الأدنى ويعجز عن ضر الأقاصي ومن يخون الخليلا

 

 

يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو

 

ثم لا يرزأ الـــعـــدو فـــــــتـــــــيلا

يعني بواعث الصائغ النعمان؛ وكان جده لأمه صائغاً بفدك يقال له عطية. وأم النعمان سلمى بنت عطية .

فأخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي عبيد الله عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل: أن مرة بن سعد القريعي الذي وشى بالنابغة كان له سيف قاطع يقال له ذو الريقة من كثرة فرنده وجوهره، فذكر النابغة للنعمان، فأخذه. فاضطغن ذلك حتى وشى به إلى النعمان وحرضه عليه .

وأخبرنا الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن محمد بن سلام عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء، وأخبرنا إبراهيم بن أيوب عن ابن قتيبة، وأخبرنا أحمد بن عبد العزيز عن عمر بن شبة، قالوا جميعاً: إن الذي من أجله هرب النابغة من النعمان أنه كان والمنخل بن عبيد بن عامر اليشكري جالسين عنده، وكان النعمان دميماً أبرش قبيح المنظر، وكان المنخل بن عبيد من أجمل العرب، وكان يرمى بالمتجردة زوجة النعمان، ويتحدث العرب أن ابني النعمان منها كانا من المنخل. فقال النعمان للنابغة: يا أبا أمامة، صف المتجردة في شعرك؛ فقال قصيدته التي وصفها فيها ووصف بطنها وروادفها وفرجها. فلحقت المنخل من ذلك غيرة، فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من جربه. فوقر ذلك في نفس النعمان. وبلغ النابغة فخافه فهرب فصار في غسان .

كان المنخل اليشكري يهوى هنداً بنت عمرو بن هند فتغزل فيها فقتله: قالوا: وكان المنخل يهوى هنداً بنت عمرو بن هند، وفيها يقول: صوت:

ولقد دخلت علـى الـفـتـا

 

ة الخدر في اليوم المطـير

الكاعب الـحـسـنـاء تـر

 

فل في الدمقس وفي الحرير

فدفعتـهـا فـتـدافـعـت

 

مشي القطاة إلى الـغـدير

ولثمتـهـا فـتـنـفـسـت

 

كتنفس الظبـي الـبـهـير

غناه الموصلي من رواية عمرو بن بانة ثاني ثقيل بالوسطى على مذهب إسحاق .

وبدت وقالت يا منخل ما بجسمك من فتور ؟

 

ما مس جسمي غير حب

 

بك فـاهـدئي عــنـــي وســـيري

ولـقـد شـربـت مــن الـــمـــدا

 

مة بـالـكـبـير وبـالـصـــغـــير

فإذا ســكـــرت فـــإنـــنـــي

 

رب الـخـورنـــق والـــســـدير

وإذا صـحـــوت فـــإنـــنـــي

 

رب الـشــويهة والـــبـــعـــير

يا هـنـــد هـــل مـــن نـــائلٍ

 

يا هـنـد لـلـعــانـــي الأســـير

وأحـبـهــا وتـــحـــبـــنـــي

 

وتـحـب نـاقـتـهــا بـــعـــيري

وقال حماد بن إسحاق عن أبيه في كتاب أغاني ابن مسحج: في هذا الصوت لمالك ومعبدٍ وابن سريج وابن محرز والغريض وابن مسحج لكلهم فيه ألحان قال: فبلغ عمراً خبر المنخل فأخذه فقتله. وقال المنخل قبل أن يقتله وهو محبوس في يده يحض قومه على طلب الثأر به:

ظل وسط العراق قتلي بلا جر

 

مٍ وقومي ينتجون السـخـالا

رجع الخبر إلى سياقه. قالوا جميعاً: فلما صار النابغة إلى غسان نزل بعمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث بن الحارث الأعرج بن الحارث الأكبر بن أبي شمر وأم الحارث الأعرج مارية بنت ظالم بن وهب بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع الكندية وهي ذات القرطين اللذين يضرب بهما المثل فيقال لما يغلى به الثمن: خذه ولو بقرطي مارية. وأختها هند الهنود امرأة حجرٍ آكل المرار. وإياها عنى حسان بقوله في جبلة بن الأيهم:

أولاد جفنة حول قبر أبـيهـم

 

قبر ابن مارية الجواد المفضل

مدح عمرو بن الحارث الأصغر الغساني وأخاه النعمان: ولذلك خبر يأتي في موضعه فمدحه النابغة ومدح أخاه النعمان. ولم يزل مقيماً مع عمرو حتى مات، وملك أخوه النعمان؛ فصار معه إلى أن استطلعه النعمان فعاد إليه. فمما مدح به عمراً قوله: صوت:

كليني لهـمٍ يا أمـيمة نـاصـب

 

وليلٍ أقاسيه بطيء الـكـواكـب

وصدرٍ أراح الليل عازب هـمـه

 

تضاعف فيه الحزن من كل جانب

تقاعس حتى قلت لي بمـنـقـضٍ

 

وليس الذي يهدي النجـوم بـآئب

علي لعمرٍو نعمة بـعـد نـعـمةٍ

 

لوالده ليسـت بـذات عـقـارب

عروضه من الطويل. غنى في البيتين الولين ابن محرز خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر على مذهب إسحاق من رواية عمرو. وغنى فيه الأبجر من رواية حبشٍ ثاني ثقيلٍ بالوسطى. وغنى مالك في البيت الرابع ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى من رواية هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات. وغنى في الأربعة الأبيات عبد الله ابن العباس الربيعي ماخورياً عن حبشٍ، وغنى فيها طويس رملاً بالوسطى بحكايتين عن حبش. هكذا روي قوله: يا أميمة، مفتوح الهاء. قال الخليل: من عادة العرب أن تنادي المؤنث بالترخيم يا أميم ويا عز ويا سلم؛ فلما لم يرخم لحاجته إلى الترخيم أجراها على لفظها مرخمةً وأتى بها بالفتح. وكليني أي دعيني. ووكلته إلى كذا أكله وكالة . وناصب : متعب. وبطيء الكواكب أي قد طال حتى إن كواكبه لا تجري ولا تغور. أراح: رد. يقال أراح الرجل إبله أي ردها. فيقول: رد هذا الليل إلي ما عزب من همي بالنهار؛ لأنه يتعلل نهاراً بمحادثة الناس والتشاغل بغير الفكر، فإذا خلا بالليل راح إليه همه. وتقاعس تأخر؛ وأصل التقاعس الرجوع إلى خلفٍ القهقري، فشبه الليل في طوله بالمتقاعس. والذي يهدي النجوم أولها، شبهها بهواديها . وقوله: ليست بذات عقارب، أي لا يكدرها ولا يمنها .
ومما يغنى فيه هذه القصيدة:

حلفت يميناً غير ذي مثـنـويةٍ

 

ولا علم إلا حسن ظني بصاحب

لئن كان للقبرين قبر بـجـلـقٍ

 

وقبرٍ بصيداء الذي عن حارب

وللحارث الجفني سيد قـومـه

 

ليلتمسن بالجيش دار المحارب

غناه إسحاق خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر على مذهبه من رواية عمرو بن بانة عنه ومن رواية حبش. وغناه ابن سريج ثاني ثقيلٍ بالبنصر. يقول: ليس لي علم بما يكون من صاحبي إلا أني أحسن الظن به. وقوله: لئن كان للقبرين، يعني لئن كان عمرو ابناً للمدفونين في هذين القبرين، يعني قبر أبيه وجده وهما الحارث الكبر والحارث الأعرج، ليلتمسن جيشه دار المحارب له؛ يحرضه بذلك وروي: أرض المحارب

ولا عيب فيهم غير أن سـيوفـهـم

 

بهن فلول من قـراع الـكـتـائب

إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقـلـوا

 

إلى الموت إرقال الجمال المصاعب

لهم شيمة لم يعطها اللـه غـيرهـم

 

من الناس والأحلام غير عـوازب

على عارفاتٍ للطعـان عـوابـسٍ

 

بهن كـلـوم بـين دامٍ وجـالـب

ولا عيب فيهم غير أن سـيوفـهـم

 

بهن فلول من قـراع الـكـتـائب

إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقـلـوا

 

إلى الموت إرقال الجمال المصاعب

حبوت بها غسان إذ كنـت لاحـقـاً

 

بقومي وإذ أعيت علي مذاهـبـي

وجدت في كتابٍ لهارون بمن محمد بن عبد الملك الزيات في البيتين والثالث والرابع لحناً منسوباً إلى معبد من خفيف الرمل بالوسطى. وأحسبه من لحن يحيى المكي. الشيمة: الطبيعة، وجمعها شيم. غير عوازب أي لا تعزب أحلامهم فتنفذ عنهم. وعارفات للطعان أي صابرات عليه عودت أن يحارب عليها. وعوابس كوالح. وجالب أي عليه جلبة وهي قشرة تكون على الجرح؛ يقال جلب الجرح يجلب جلوباً وأجلب إجلاباً. والإرقال: مشي يشبه الخبب سريع. والمصاعب واحدها مصعب وهو الفحل الذي لم يمسسه الحبل وإنما يقتنى للفحلة، ويقال له قرم ومقرم. وقوله: حبوت بها، يعني بالقصيدة. وروى أبو عبيدة إذ كنت لاحقاً بقومٍ، وقال: يعني إذ كنت لاحقاً بغيركم أي بقومٍ آخرين، فكنتم أحق بالمدح منهم.

قالوا: فنظر إلى النعمان بن الحارث أخى عمرو وهو يومئذٍ غلام فقال:

هذا غـلام حـسـن وجـهــه

 

مقتبل الخير سـريع الـتـمـام

للحارث الأكبـر والـحـارث ال

 

أصغر والأعـرج خـير الأنـام

ثم لـهـنـدٍ ولـهـنـدٍ فـقـد

 

أسرع في الخيرات منـه إمـام

خمـسة آبـاءٍ وهـم مـا هــم

 

هم خير من يشرب صوب الغمام

غناه حنين خفيف رملٍ بالبنصر عن حبش .

فضله الشعبي على الأخطل في مواجهته في مجلس عبد الملك: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا هارون بن عبد الله الزبيري قال حدثنا شيخ يكنى أبا داود عن الشعبي قال: دخلت على عبد الملك بن مروان وعنده الأخطل وأنا لا أعرفه. فقلت حين دخلت: عامر بن شراحيل الشعبي. فقال : على علمٍ ما أذنا لك. فقلت في نفسي: خذ واحدةً على وافد أهل العراق. فسال عبد الملك الأخطل: من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. فقلت لعبد الملك: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتبسم وقال: هذا الأخطل. فقلت في نفسي: خذها ثنتين على وافد أهل العراق، فقلت: أشعر منك الذي يقول:

هذا غلام حـسـن وجـهـه

 

مستقبل الخير سريع التـمـام

للحارث الأكبر والحـارث ال

 

أصغر والأعرج خير الأنـام

خمسة آبـاءٍ وهـم مـا هـم

 

هم خير من يشرب ماء الغمام

والشعر للنابغة فقال الأخطل: إن أمير المؤمنين إنما سألني عن أشعر أهل زمانه، ولو سألني عن أشعر أهل الجاهلية لكنت حرياً أن أقول كما قلت أو شبيهاً به. فقلت في نفسي: خذها ثلاثاً على وافد أهل العراق. يعني أنه أخطأ ثلاث مرات . ونسخت هذا الخبر من كتاب أحمد بن الحارث الخراز ولم أسمعه من أحد، ووجدته أتم مما رأيت في كل موضع، فأتيت به في هذا الموضع وإن لم يكن من خاص خبر النابغة لأنه أليق به. قال أحمد بن الحارث الخراز حدثني المدائني عن عبد الملك بن مسلم قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج: إنه ليس شيء من لذة الدنيا إلا وقد أصبت منه، ولم يكن عندي شيء ألذه إلا مناقلة الأخوان للحديث. وقبلك عامر الشعبي، فابعث به إلي يحدثني. فدعا الحجاج الشعبي فجهزه وبعث به إليه وقرظه وأطراه في كتابه. فخرج الشعبي حتى إذا كان بباب عبد الملك قال للحاجب: استأذن لي. قال: من أنت؟ قال: أنا عامر الشعبي. قال: حياك الله! ثم نهض فأجلسني على كرسيه. فلم يلبث أن خرج إلي فقال: ادخل يرحمك الله. فدخلت، فإذا عبد الملك جالس على كرسي وبين يديه رجل أبيض الرأس واللحية على كرسي، فسلمت فرد علي السلام، ثم أومأ إلي بقضيبه فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الذي بين يديه فقال: ويحك! من أشعر الناس؟ قال: أنا يا أمير المؤمنين. قال الشعبي: فأظلم علي ما بيني وبين عبد الملك، فلم أصبر أن قلت: ومن هذا يا أمير المؤمنين الذي يزعم أنه أشعر الناس ؟! قال: فعجب عبد الملك من عجلتي قبل أن يسألني عن حالي قال: هذا الأخطل. فقلت: يا أخطل! أشعر والله منك الذي يقول:

هذا غـلام حـسـن وجـهــه

 

مستقبل الخير سريع الـتـمـام

للحارث الأكبـر والـحـارث ال

 

أصغر والأعـرج خـير الأنـام

ثم لـهـنـدٍ ولـهـنـدٍ فـقـد

 

أسرع في الخيرات منهـم إمـام

خمـسة آبـاءٍ وهـم مـا هــم

 

هم خير من يشرب صوب الغمام

فرددتها حتى حفظها عبد الملك. فقال الأخطل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: هذا الشعبي. قال فقال: صدق والله يا أمير المؤمنين، النابغة والله أشعر مني. فقال الشعبي: ثم أقبل علي فقال: كيف أنت يا شعبي؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين فلا زلت به. ثم ذهبت لأضع معاذيري لما كان من خلافي على الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث؛ فقال: مه ! إنا لا نحتاج إلى هذا المنطق ولا تراه منا في قول ولا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل علي فقال: ما تقول في النابغة؟ قال قلت: يا أمير المؤمنين، قد فضله عمر بن الخطاب في غير موطن على الشعراء أجمعين، وببابه وفد غطفان فقال: يا معشر غطفان، أي شعرائكم الذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفـسـك ريبةً

 

وليس وراء الله للمرء مذهب

لئن كنت قد بلغت عني خـيانةً

 

لمبلغك الواشي أغش وأكـذب

ولست بمستبقٍ أخاً لا تـلـمـه

 

على شعثٍ أي الرجال المهذب

قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: فأيكم الذي يقول:

فإنك كالليل الذي هو مـدركـي

 

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

خطاطيف جحن في حبالٍ متـينةٍ

 

تمـد بـهـا أيدٍ إلـيك نـوازع

قالوا: النابغة. قال: فأيكم الذي يقول:

إلى ابن محرقٍ أعملت نفسي

 

وراحلتي وقد هدت العيون

أتيتك عارياً خلقـاً ثـيابـي

 

على خوفٍ تظن بي الظنون

فألفيت الأمانة لم تخـنـهـا

 

كذلك كان نـوح لا يخـون

قالوا: النابغة يا أمير المؤمنين. قال: هذا أشعر شعرائكم. قال: ثم أقبل على الأخطل فقال: أتحب أن لك قياضاً بشعرك شعر أحدٍ من العرب أو تحب أنك قلته؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، إلا أني وددت أن كنت قلت أبياتاً قالها رجل منا، كان والله ما علمت مغدف القناع قليل السماع قصير الذراع. قال: وما قال؟ فأنشد قصيدته:

إن محيوك فأسلم أيها الـطـلـل

 

وإن بليت وإن طالت بك الطـيل

 

ليس الجديد به تبقى بشـاشـتـه

 

إلا قلـيلاً ولا ذو خـلةٍ يصـل

 

والعيش لا عيش إلا ما تقـر بـه

 

عين ولا حال إلا سوف تنتـقـل

 

إن ترجعي من أبي عثمان منجحة

 

فقد يهون على المستنجح العمل

 

والناس من يلق خيراً قائلون له

 

ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل

قد يدرك المتأني بعض حاجته

 

وقد يكون مع المتسعجل الزلل            

حتى أتى على آخرها. قال الشعبي: فقلت: قد قال القطامي أفضل من هذا. قال: وما قال؟ قلت قال:

طرقت جنوب رحالنا من مطـرق

 

ما كنت أحسبها قريب المعـنـق

قطعت إليك بمـثـل جـيد جـدايةٍ

 

حسنٍ معلق تومـتـيه مـطـوق

ومصرعين من الكلال كـأنـمـا

 

شربوا الغبوق من الرحيق المعرق

متـوسـدين ذراع كـل نـجـيبةٍ

 

ومفرجٍ عرق المـقـذ مـنـوق

وجثت على ركبٍ تهد بها الصفـا

 

وعلى كلاكل كالنقيل المـطـرق

وإذا سمعن إلى همـاهـم رفـقة

 

ومن النجوم غوابر لم تـخـفـق

جعلت تمـيل خـدودهـا آذانـهـا

 

طرباً بهن إلى حـداء الـسـوق

كالمنصتات إلى الغناء سمـعـنـه

 

من رائع لقلـوبـهـن مـشـوق

وإذا نظرن إلى الـطـريق رأينـه

 

لهقاً كشاكلة الحصـان الأبـلـق

وإذا تخلف بـعـدهـن لـحـاجةٍ

 

حادٍ يشسع نعـلـه لـم يلـحـق

وإذا يصيبـك والـحـوادث جـمة

 

حدث حداك إلى أخـيك الأوثـق

لئن الهموم عن الفؤاد تـفـرقـت

 

وخلا التكلم للسان الـمـطـلـق

قال: فقال عبد الملك: هذا والله أشعر، ثكلت القطامي أمه! قال: فالتفت إلي الأخطل فقال: يا شعبي، إن لك فنوناً في الأحاديث، وإنما لنا فن واحد؛ فإن رأيت ألا تحملني على أكتاف قومك فأدعهم حرضاً !. فقلت: لا أعرض لك في شيء من الشعر أبداً، فأقلني في هذه المرة. قال: من يتكفل بك؟ قلت: أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: هو علي ألا يعرض لك أبداً؛ ثم قال: يا شعبي، أي نساء الجاهلية أشعر؟ قلت: خنساء. قال: ولم فضلتها على غيرها؟ قلت: لقولها:

وقائلةٍ والنعش قد فات خطـوهـا

 

لتدركه يا لهف نفسي على صخر

ألا ثكلـت أم الـذين غـدوا بـه

 

إلى القبر! ماذا يحملون إلى القبر

فقال عبد الملك: أشعر منها والله التي تقول :

مهفهف الكشح والسربال منخرق

 

عنه القميص لسير الليل محتقر

لا يأمن الناس ممساه ومصبحـه

 

في كل فجٍ وإن لم يغز ينتظـر

ثم قال: يا شعبي، لعلك شق عليك ما سمعت. قلت: إي والله يا أمير المؤمنين أشد المشقة. إني أحدثك منذ شهرين أفدك إلا أبيات النابغة في الغلام. قال: يا شعبي، إنما أعلمتك هذا لأنه بلغني أن أهل العراق يتطاولون على أهل الشام، يقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة فلم يغلبونا على العلم والرواية؛ وأهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم رد علي الأبيات أبيات ليلى حتى حفظتها، ولم أزل عنده؛ فكنت أول داخل وآخر خارج. قال: فمكثت كذلك سنين ، وجعلني في ألفين من العطاء وعشرين رجلاً من ولدي وأهل بيتي في ألفين ألفين، فبعثني إلى أخيه عبد العزيز بن مروان بمصر وكتب إليه: يا أخي، إني قد بعثت إليك الشعبي، فانظر هل رأيت مثله قط ؟! ثم أذن فانصرفت .

حديث حسان عنه حين وفد على النعمان: أخبرني الحسين بن علي قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني، وأخبرني ببعضه أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة عن أبي بكر الهذلي قال: قال حسان بن ثابت: قدمت على النعمان بن المنذر وقد امتدحته، فأتيت حاجبه عصام بن شهبرٍ فجلست إليه، فقال: إني لأرى عربياً، أفمن الحجاز أنت؟ قلت نعم. قال: فكن قحطانياً. فقلت: فأنا قحطاني. قال: يثربياً. قلت فأنا يثربي. قال: فكن خزرجياً. قلت: فأنا خزرجي. قال: فكن حسان بن ثابت. قلت: فأنا هو. قال: أجئت بمدحة الملك؟ قلت نعم. قال: فإني أرشدك: إذا دخلت إليه فإنه يسألك عن جبلة بن الأيهم ويسبه، فإياك أن تساعده على ذلك، ولكن أمر ذكره إمراراً لا توافق فيه ولا تخالف، وقل: ما دخول مثلي أيها الملك بينك وبين جبلة وهو منك وانت منه!. وإن دعاك إلى الطعام فلا تؤاكله، فإن أقسم عليك فأصب منه اليسير إصابة بارٍ قسمه متشرفٍ بمؤاكلته لا أكل جائعٍ سغبٍ، ولا تطل محادثته، ولا تبدأه بإخبار عن شيء حتى يكون هو السائل لك، ولا تطل الإقامة في مجلسه. فقلت: أحسن الله رفدك! قد أوصيت واعياً. ودخل ثم خرج إلي فقال لي: ادخل. فدخلت فسلمت وحييت تحية الملوك. فجاراني من أمر جبلة ما قاله عصام كأنه كان حاضراً، وأجبت بما أمرني، ثم استأذنته في الإنشاد فأذن لي فأنشدته. ثم دعا بالطعام، ففعلت ما أمرني عصام به، وبالشراب ففعلت مثل ذلك. فأمر لي بجائزة سنية وخرجت. فقال لي عصام: بقيت علي واحدة لم أوصك بها، قد بلغني أن النابغة الذبياني قدم عليه، وإذا قدم فليس لأحد منه حظ سواه، فاستأذن حينئذٍ وانصرف مكرماً خير من أن تنصرف مجفواً، فأقمت ببابه شهراً. ثم قدم عليه الفزاريان وكان بينهما وبين النعمان دخلل أي خاصة وكان معهما النابغة قد استجار بهما وسألهما مسالة النعمان أن يرضى عنه. فضرب عليهما قبة من أدمٍ، ولم يشعر بأن النابغة معهما. ودس النابغة قينةً تغنيه بشعره:

يا دار مية بالعلياء فالسند

قلما سمع الشعر قال: أقسم بالله إنه لشعر النابغة! وسأل عنه فأخبر أنه مع الفزاريين، فكلماه فيه فأمنه .

وقال أبو زيد عمر بن شبة في خبره: لما صار معهما إلى النعمان كان يرسل إليهما بطيبٍ وألطاف مع قينة من إمائه، فكانا يأمرانها أن تبدأ بالنابغة قبلهما. فذكرت ذلك للنعمان، فعلم أنه النابغة. ثم ألقى عليها شعره هذا وسألها أن تغنيه به إذا أخذت فيه الخمر، ففعلت فأطربته، فقال: هذا شعر علوي ، هذا شعر النابغة !. قال: ثم خرج في غب سماء، فعارضه الفزاريان والنابغة بينهما قد خضببحناء فقنأ خضابه. فلما رآه النعمان قال: هي بدمٍ كانت أحرى أن تخضب. فقال الفزاريان: أبيت اللعن! لا تثريب ، قد أجرناه، والعفو أجمل. فأمنه واستنشد أشعاره. فعند ذلك قال حسان بن ثابت: فحسدته على ثلاث لا أدري أيتهن كنت له أشد حسداً: على إدناء النعمان له بعد المباعدة ومسامرته له وإصغائه إليه، أم على جودة شعره، أم على مائة بعيرٍ من عصافيره أمر له بها .

قال أبو عبيدة: قيل لأبي عمرو: أفمن مخافته امتدحه وأتاه بعد هربه منه أم لغير ذلك؟ فقال: لا لعمر الله ما لمخافته فعل، إن كان لآمناً من أن يوجه النعمان له جيشاً، وما كانت عشيرته لتسلمه لأول وهلة، ولكنه رغب في عطاياه وعصافيره. وكان النابغة يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب من عطايا النعمان وأبيه وجده، لا يستعمل غير ذلك. وقيل: إن السبب في رجوعه إلى النعمان بعد هربه منه أنه بلغه عليل لا يرجى، فأقلقه ذلك ولم يملك الصبر على البعد عنه مع علته وما خافه عليه وأشفق من حدوثه به، فصار إليه وألفاه محمولاً على سريره ينقل ما بين الغمر وقصور الحيرة. فقال لعصام بن شهبرٍ حاجبه فيما أخبرنا به اليزيد عن عمه عبيد الله وابن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل: صوت:

ألم أقسم عليك لتخبـرنـي

 

أمحمول على النعش الهمام

فإني لا ألومك في دخولـي

 

ولكن ما وراءك يا عصام

فإن يهلك أبو قابوس يهلـك

 

ربيع الناس والشهر الحرام

ونمسك بعده بذنابٍ عـيشٍ

 

أجب الظهر ليس له سنـام

غناه حنين ثقيلاً أول بالبنصر عن حبش .
قال أبو عبيدة: كانت ملوك العرب إذا مرض أحدهم حملته الرجال على أكتافها يتعاقبونه، فيكون كذلك على أكتاف الرجال، لأنه عندهم أوطأ من الأرض .
وقوله:

فإني لا ألومك في دخولي

أي لا ألومك في ترك الإذن لي في الدخول، ولكن أخبرني بكنه أمره. وقوله:

ربيع الناس والشهر الحرام

يريد أنه كالربيع في الخصب لمجتديه، وكالشهر الحرام لجاره، لا يوصل إلى من أجاره كما لا يوصل في الشهر الحرام إلى أحد.
مما يغنى فيه من شعره:

رأيتك ترعاني بعينٍ بـصـيرةٍ

 

وتبعث حراساً علي ونـاظـرا

فآليت لا آتيك إن كنت مجرمـاً

 

و لا أبتغي جاراً سواك مجاورا

وأهلي فداء لامرئ إن أتـيتـه

 

تقبل معروفي وسد المفاقـرا

ألا أبلغ النعمان حيث لـقـيتـه

 

وأهدي له الله الغيوث البواكرا

غناه خليد الوادي رملاً بالبنصر من رواية حبشٍ .
ومما يغنى فيه من قصائد النابغة التي يعتذر إلى النعمان: صوت:

يا دار مية بالعـلـياء فـالـسـنـد

 

أقوت وطال عليها سالـف الأمـد

وقفت فيها أصـيلانـاً أسـائلـهـا

 

أعيت جواباً وما بالربع من أحـدر

إلا الأواري لأياً مـا أبـينـهـــا

 

والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلـد

ردت عـلـيه أقـاصـيه ولـبـده

 

ضرب الوليدة بالمسحاة في الـثـأد

خلت سبيل أتـيٍ كـان يحـبـسـه

 

ورفعته إلى السجفين فالـنـضـد

أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا

 

أخنى عليها الذي أخنى على لـبـد

الغناء لمعبد ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لجميلة ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو وحبشٍ .
قال الأصمعي: قوله: يا دار مية، كما قال امرؤ القيس:

ألا عم صباحاً أيها الطلل البالي

يريد أهل الطلل. وقال الفراء: إنما نادى الدار لا أهلها أسفاً عليها وتشوقاً إلى أهلها وتمنيه أن تكون أهلاً. والعلياء: المكان المرتفع بناؤه، يقال من ذلك علا يعلو وعلي يعلى، مثل حلا يحلو وحلي، وسلا يسلو وسلي يسلي. والسند: سند الجبل وهو ارتفاعه حيث يسند فيه أي يصعد. أقوت: أقفرت وخلت من أهلها. وقال أبو عبيدة في قوله يا دار مية ثم قال أقوت ولم يقل أقويت: إن من شان العرب أن يخاطبوا الشيء ثم يتركوه ويكفوا عنه .

وروى الأصمعي أصيلاناً وهو تصغير أصلان . ويروى عيت جواباً، أي عييت بالجواب. والأواري: جمع آري . ولأياً: بطئاً. والمظلومة: التي لم يكن فيها أثر فحفر أهلها فيها حوضاً، وظلمهم إياها إحداثهم فيها ما لم يكن فيها. شبه النؤى بذلك الحوض لاستدارته. والجلد: الرض الصلبة الغليظة من غير حجارة. وإنما جعلها جلداً لأن الحفر فيها لا يسهل. وقوله: ردت عليه أقاصيه، يعني أمةً فعلت ذلك، أضمرها ولم يكن جرى لها ذكر. وأقاصيه: يعني أقاصي النؤي على أدناه ليرتفع. ولبده: طأمنه . والوليدة: الأمة الشابة. والثأد: الندى. والسبيل: الطريق. والأتي: النهر المحفور، والأتي: السيل من حيث كان. يقول: لما أفسدت طريق الأتي سهلت له طريقاً حتى جرى. ورفعته أي قدمت الحفر إلى موضع السجفين، وليس رفعته ها هنا من ارتفاع العلو .

والسجفان: ستران رقيقان يكونان في مقدم البيت. والنضد: ما نضد من المتاع. وأخنى: أفسد . ولبد: آخر نسور لقمان التي اختار أن يعمر مثل أعمارها، وله حديث ليس هذا موضعه .
صوت:

أسرت عليه من الـجـوزاء سـارية

 

تزجي الشمال عليه جامـد الـبـرد

فارتاع من صوت كلابٍ فبـات لـه

 

طوع الشوامت من خوفٍ ومن صرد

فبثـهـن عـلـيه واسـتـمـر بـه

 

صمع الكعوب برياتٍ من الـحـرد

وكان ضمران منـه حـيث يوزعـه

 

طعن المعارك عند المحجر النـجـد

شك الفريصة بالمدرى فـأنـفـذهـا

 

طعن المبيطر إذ يشفى من العضـد

غنى فيه إبراهيم الموصلي هزجاً بالبنصر من رواية عمرو بن بانة. وفيه لحن لمالك. يعني أن سحابة مرت عليه ليلاً وأن أنواء الجوزاء أسرت عليه بها. وتزجي: تسوق وتدفع. عليه أي على الثور . والكلاب: صاحب الكلاب. وقوله: بات له طوع الشوامت، أي بات له ما يسر السوامت اللواتي شمتن به. وصمغ الكعوب: يعني قوائمه أنها لازقة محددة الأطراف ليست برهلاتٍ. وأصل الصمع رقة الشيء ولطافته. والحرد : داء يعيبه، يقال بعير أحرد، وناقة حرداء. والمحجر: الملجأ. والنجد : الشجاع. والفريصة: مرجع الكتف إلى الخاصرة والمدري: القرن. والمبيطر: البيطار. والعضد: داء يأخذ في العضد . وفي لحن إبراهيم الموصلي بعد: فارتاع من صوت كلابٍ:

كأن رحلي وقد زال النهـار بـنـا

 

يوم الجليل على مستـأنـسٍ وحـد

من وحش وجرة موشيٍ أكـارعـه

 

طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد

قال الأصمعي: زال النهار بنا أي انتصف. و بنا ها هنا في موضع علينا. ومن روى مستوجس فإنه يعني أنه قد أوجس شيئاً خافه فهو يستوجس. والجليل : الثمام، واحدته جليلة. ووجرة: طرف السي وهي فلاة بين مران وذات عرق وهي ستون ميلاً يجتمع فيها الوحش. وموشي أكارعه أي إنه أبيض في قوائمه نقط سود وفي وجهه سفعة . وطاوي المصير: ضامر. والمصير المعى، وجمعه المصران. والفرد: المنقطع القرين، يقال: فَرَد وفَرِد وفُرُد .

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: غنى مخارق بين يدي الرشيد:

سرت عليه من الجوزاء سارية

فلما بلغ إلى قوله:

فارتاع من صوت كلابٍ فبات له

قال: فارتاعُ بضم العين، فأردت أن أرد عليه خطأه، ثم خفت أن يغضب الرشيد ويظن أني حسدته على منزلته منه وأردت إسقاطه. فالتفت إليه بعض من حضر أظنه قال محمد بن عمر الرومي فقال له: ويلك يا مخارق! أتغني بمثل هذا الخطأ القبيح لسوقةٍ فضلاً عن الملوك! ويلك! لو قلت: فارتاعَ، كان أخف على اللسان وأسهل من قولك: فارتاعُ. فخجل مخارق، وكفيت ما أردته بغيري. قال: وكان مخارق لحاناً .
ومنها: صوت:

قالت ألا ليتما هذا الحمـام لـنـا

 

إلى حمامتنا ونصـفـه فـقـد

يحفه جانبـاً نـيقٍ وتـتـبـعـه

 

مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد

فحسبوه فألفوه كما حـسـبـت

 

تسعاً وتسعين لم تنقص ولم تزد

فكملت مائةً فيها حمـامـتـهـا

 

وأسرعت حسبةً في ذلك العـدد

غناه ابن سريج خفيف ثقيلٍ عن الهشامي. هذا خبر روي عن زرقاء اليمامة ، ويروى عن بنت الخس .
أخذ معنى لزرقاء اليمامة: حدثني محمد بن العباس اليزيدي قال سمعت أبا العباس محمد بن الحسن الأحول يقول: هذا أخذه النابغة من زرقاء اليمامة، وقالت:

ليت الحمام ليه

 

ونصفه قديه

إلى حماميتـه

 

تم الحمام ميه

فسلخه النابغة. وقال الأصمعي: سمعت أناساً من أهل البادية يتحدثون أن بنت الخس كانت قاعدةً في جوارٍ، فمر بها قطاً وارد في مضيقٍ من الجبل، فقالت:

يا ليت ذا القطا ليه

 

ومثل نصف معيه

إلى قطاة أهلـيه

 

إذاً لنا قطاً مـيه

وأتبعت فعدت على الماء فإذا هي ست وستون. وقوله: فقد، أي فحسب. ويحفه أي يكون من ناحية هذا الثمد، يقال: حف القوم بالرجل أي اكتنفوه. والنيق: الجبل. ومثل الزجاجة: يريد عيناً صافية كصفاء الزجاجة .

الحسبة: الهيئة التي تحسب، ويقال: ما أحسن حسبته، مثل الجلسة واللبسة والركبة.
ومنها: صوت:

نبئت أن أبا قابوس أوعـدنـي

 

ولا قرار على زأرٍ من الأسد

مهلاً فداء لك الأقوام كلـهـم

 

وما أثمر من مالٍ ومـن ولـد

إن كنت قلت الذي بلغت معتمدا

 

إذا فلا رفعت سوطي إلي يدي

هذا الثناء فإن تسمع به حسنـاً

 

فلم أعرض أبيت اللعن بالصفد

غناه الهذلي، ولحنه من الثقيل الأول عن الهشامي. أثمر: أصلح وأجمع. والزأر: صياح الأسد، يقال: زأر زئيراً وهو الزأر. والصفد : العطية، يقال: أصفده بصفده إصفاداً إذا أعطاه، وصفده يصفده صفداً إذا أوثقه .

رواية أخرى في حديث حسان عنه حين وفد على النعمان: أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني الصلت بن مسعود قال حدثنا أحمد بن شبويه عن سليمان بن صالح عن عبد الله بن المبارك عن فليح بن سليمان عن رجل قد سماه عن حسان بن ثابت، ونسخت من كتاب ابن أبي خيثمة عن أبيه عن مصعب الزبيري قال قال حسان بن ثابت، وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي يوسف بن محمد عن عمه إسماعيل بن أبي محمد قال قال أبو عمرو الشيباني قال حسان بن ثابت وقد جمعت رواياتهم وذكرت اختلافهم فيها، وأكثر اللفظ للجوهري قال: خرجت إلى النعمان بن المنذر، فلقيت رجلاً وقال اليزيدي في خبره: فلقيت صائغاً من أهل فدك فلما رآني قال: كن يثربياً، فقلت: الأمر كذلك. قال: كن خزرجياً، قلت: أنا خزرجي. قال: كن نجارياً، قلت أنا نجاري. قال: كن حسان بن ثابت، قلت: أنا هو. فقال: أين تريد؟ قلت: إلى هذا الملك. قال: تريد أن أسددك إلى أين تذهب ومن تريد؟ قلت: نعم. قال: إن لي به علماً وخبراً. قلت: فأعلمني ذلك. قال: فإنك إذا جئته متروك شهراً قبل أن يرسل إليك عسى أن يسأل عنك رأس الشهر، ثم إنك متروك أخر بعد المسألة ثم عسى أن يؤذن لك. فإن أنت خلوت به وأعجبته فأنت مصيب منه خيراً، فأقم ما أقمت، فإن رأيت أبا أمامة فاظعن، فلا شيء لك عنده. قال: فقدمت ففعل بي ما قال الرجل ثم أذن لي وأصبت منه مالاً كثيراً ونادمته وأكلت معه. فبينا أنا على ذلك وأنا معه في قبة له إذا رجل يرتجز حولها:

أصم أم يسمع رب القـبـه

 

يا أوهب الناس لعنسٍ صلبه

ضرابةٍ بالمشـفـر الأذبـه

 

ذات هبابٍ في يديها جلبـه

في لاحبٍ كأنه الأطـبـه

 

 

وفي رواية اليزيدي: في يديها خدبة ، أي طول واضطراب. والأطبة: جمع طباب وهو الشراك يجمع بين الأديمين في الخرز. وقال عمر بن شبة في خبره: قال فليح بن سليمان: أخذت هذا الرجز عن ابن دأب قال فقال: أليس بأبي أمامة؟ قالوا بلى. قال: فأذنوا له. ودخل فحياه وشرب معه. ثم وردت النعم السود، ولم يكن لأحد من العرب بعير أسود يعرف مكانه ولا يفتحل أحد بعيراً أسود غير النعمان. فاستأذنه في أن ينشده كلمته على الباء، فأذن له أن ينشد قصيدته التي يقول فيها:

فإنك شمس والملوك كواكـب

 

إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

ووردت عليه مائة من الإبل السود الكلبية فيها رعاؤها وبيتها وكلبها، فقال: شأنك بها يا أبا أمامة، فهي لك بما فيها. قال حسان. فما أصابني حسد في موضع ما أصابني يومئذٍ، وما أدري أيما كنت أحسد له عليه: ألما أسمع من فضل شعره، أم ما أرى من جزيل عطائه، فجمعت جراميزي وركبت إلى بلادي. وقد روى الواقدي عن محمد بن صالح الخبر فذكر أن حسان قدم على جبلة بن أبي شمر، ولعله غلط. أخبرنا به محمد بن العباس اليزيدي قال حدثني عمي يوسف قال حدثني عمي إسماعيل عن الواقدي عن محمد بن صالح قال: كان حسان بن ثابت يقدم على جبلة بن الأيهم سنةً ويقيم سنةً في أهله. فقال: لو وفدت على الحارث، فإن له قرابةً ورحمةً بصاحبي، وهو أبذل الناس لمعروف، وقد يئس مني أن أقدم عليه لما يعرف من انقطاعي إلى جبلة. فخرجت في السنة التي كنت أقيم فيها بالمدينة حتى قدمت على الحارث وقد هيأت مديحاً. فقال لي حاجبه وكان لي ناصحاً: إن الملك قد سر بقدومك عليه، وهو لا يدعك حتى تذكر جبلة فإياك أن تقع فيه فإنه يختبرك، فإنك إن وقعت فيه زهد فيك وإن ذكرت محاسنه ثقل عليه، فلا تبتدئ بذكره فإن سألك عنه فلا تطنب في الثناء عليه ولا تعبه، امسح ذكره مسحاً وجاوزه. وإنه سوف يدعوك إلى الطعام وهو يثقل عليه أن يؤكل طعامه أو يشرب شرابه، فلا تضع يدك في شيء حتى يدعوك إليه. فشكرت له ذلك. ثم دعاني فسألني عن البلاد والناس وعن عيشنا في الحجاز وكيف ما بيننا من الحرب، وكل ذلك أخبره، حتى انتهى إلى ذكر جبلة فقال: كيف تجد جبلة، فقد انقطعت إليه وتركتنا؟ فقلت له: إنما جبلة منك وأنت منه، فلم أجر معه في مدح ولا ذم، وفعلت في الطعام والشراب كما قال لي الحاجب. قال: ثم قال لي الحاجب: قد بلغني قدوم النابغة وهو صديقه وآنس به، وهو قبيح أن يجفوك بعد البر، فاستأذنه من الآن فهو أحسن. فاستأذنته فأذن لي وأمر لي بخمسمائة دينار وكساً وحملان ، فقبضتها وانصرفت إلى أهلي .
صوت:

ملوك وإخوان إذا ما لقـيتـهـم

 

أحكم في أموالـهـم وأقـرب

ولكنني كنت امرأً لـي جـانـب

 

من الأرض فيه مستراد ومطلب

الغناء لإبراهيم ثقيل أول. الجانب هنا: المتسع من الأرض. والمستراد: المختلف يذهب فيه ويجيء، ويقال: راد الرجل لأهله إذا خرج رائداً لهم في طلب الكلأ ونحوه. ثم ذكر مستراده فقال: ملوك وإخوان .
ومن القصيدة العينية: صوت:

عفا ذو حساً من قرتنا فالفوارع

 

فجنبا أريكٍ فالتلاع الـدوافـع

فمجتمع الأشراج غير رسمهـا

 

مصايف مرت بعدنا ومرابـع

توهمت آياتٍ لها فعرفـتـهـا

 

لستة أعوام وذا العام سـابـع

رماد ككحل العين ما إن أبينـه

 

ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع

غناه معبد من رواية حبشٍ رملاً بالبنصر .
صوت:

آذنتنا ببينـهـا أسـمـاء

 

رب ثاوٍ يمل منه الثواء

بعد عهدٍ لها ببرقة شمـا

 

ء فأدنى ديارها الخلصاء

عروضه من الخفيف. آذنتنا: أعلمتنا. والبين: الفرقة. والثاوي: المقيم، يقال ثوى ثواءً. والبرقة: أرض ذات رمل وطين. وشماء والخلصاء: موضعان. الشعر للحارث بن حلزة اليشكري. والغناء لمعبد، ثقيل أول بالوسطى عن عمرو، ومن الناس من ينسبه إلى حنين .