أخبار المغيرة بن شعبة ونسبه

أخبار المغيرة بن شعبة ونسبه

هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي، وهو ثقيف. ويكنى أبا عبد الله. وكان يكنى أبا عيسى، فغيرها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكناه أبا عبد الله. وأمه أسماء بنت الأفقم بن أبي عمرو بن ظويلم بن جعيل بن عمرو بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن.

وكان المغيرة بن شعبة من دهاة العرب وحزمتها، وذوي الرأي منها، والحيل الثاقبة، وكان يقال له في الجاهلية والإسلام مغيرة الرأي، وكان يقال: ما اعتلج في صدر المغيرة أمران إلا اختار أحزمهما.

وصحب النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد معه الحديبةية وما بعدها. وبعثه أبو بكر رضي الله عنه إلى أهل النجير . وشهد فتح اليمامة وفتوح الشام. وكان أعور، أصيبت عينه في يوم اليرموك، وشهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص. فلما أراد مراسلة رستم، لم يجد في العرب أدهى منه ولا أعقل، فبعث به إليه، وكان السفير بينهما حتى وقعت الحرب.

وولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عدة ولا يات، إحداها البصرة. ففتح وهو إليها ميسان ودست ميسان وأبر قباذ. وقاتل الفرس بالمرغاب فهزمهم، ونهض إلى من كان يسوق الأهواز، فقاتلهم وهزمهم، وفتحها . وانحازوا إلى نهر تيرى ومناذر الكبرى، فزحف إليهم، فقاتلهم وهزمهم وفتحها. وخرج إلى المشرق مع النعمان بن المقرن، وكان المغيرة على مسيرته، وكان عمر قد عهد: إن هلك النعمان، فالأمير حذيفة، فإن هلك حذيفة، فالأمير المغيرة بن شعبة.

ولما فتحت نهاوند، سار المغيرة في جيش إلى همذان ففتحها.

وولاه عمر رضي الله عنه بعد ذلك الكوفة، فقتل عمر وهو واليها. وولاه أيضاً إياها مهاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فكان عليها إلى أن مات بها.

وهو أول من وضع ديوان الإعطاء بالبصرة، ورتب الناس فيه. فاعطاهم على الديوان. ثم صار ذلك رسماً لهم بعد ذلك يحتذونه.

قال محمد بن سعد كاتب الواقدي: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني محمد بن سعيد الثقفي، وبعد الرحمن بن عبد العزيز وعبد الملك بن عيسى الثقفي وعبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب، ومحمد بن يعقوب بن عتبة، عن أبيه وغيرهم، قالوا: قال المغيرة بن شعبة: كنا قوماً من العرب منمسكين بديننا، ونحن سدنة اللات، فأراني لو رأيت قوماً قد أسلموا ما تبعتهم.

فأجمع نفر من بني مالك الوفود على المقوقس، وأهدوا له هدايا. فاجمعت الخروج معهم. فاستشرت عمي عروة بن مسعود، فنهاني، وقال لي: ليس معك من بني أبيك أحد. فأبين إلا الخروج، وخرجت معهم، وليس معهم أحد من الحلاف غيري، حتى دخلنا الإسكندرية، فإذا المقوقس في مجلس مطل على البحر. فركب قارباًحتى حاذيت مجلسه، فنظر إلي فأنكرني، وأمر من يسائلني ما أنا ؟ وما أريد؟ فسألني المأمور، فأخبرته بأمرنا، حتى حاذيت مجلسه، فنظر إلي فأنكرني، وأمر من يسائلني ما أنا ؟ وما أريد؟ فسألني المأمور، فأخبرته بأمرنا، وقدومنا عليه. فأمر بنا أن ننزل في الكنيسة، وأجرى علينا ضيافة. ثم دعا بنا، فنظر إلى رأس بني مالك، فأدناه إليه، وأجلسه معه، ثم سأله: أكل القوم من بني مالك؟ فقال: نعم، إلا رجلاً واحداً من الأحلاف. فعرفه إياي، فكنت أهون القوم عليه. ووضعوا هداياهم بين يديه، فسر بها، وأمر بقبضها. وأمر لهم بجوائز، وفضل بعضهم على بعض، وقصر بي، فأعطاني شيئاً قليلاً لا ذكر له.

وخرجنا، فأقبلت بنو مالك يشترون هدايا لأهلهم وهم مسرورون، ولم يعرض علي أحد منهم مواساة. وخرجوا، وحملوا معهم خمراً، فكانوا يشربون منها وأشرب معهم، ونفسي تأبى أن تدعني معهم. وقلت: ينصرفون إلى الطائف بما أصابوا وما حباهم به الملك، ويخبرون قومي بتقصيره بي، وازدرائه إياي. فأجمعت على قتلهم. فقلت: أنا أجد صداعاً، فوضعوا شرابهم ودعوني. فقلت: رأسي يصدع، ولكني أجلس وأسقيكم، فلم ينكروا شيئاً، وجلست أسقيهم وأشرب القدح بعد القدح. فلما دبت الكأس فيهم، اشتهوا الشراب، فجعلت أصرف لهم وأترع الكأس، فيشربون ولا يدرون. فأهمدتهم الكأس، حتى ناموا ما يعقلون. فوثبت إيهم، فقتلتهم جميعاً، وأخذت جميع ما كان معهم. فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدته جالساً في المسجد مع أصحابه، وعلى ثياب السفر، فسلمت بسلام الإسلام. فنظر إلي أبو بكر بن أبي قحافة، وكان بي عارفاً، فقال: ابن أخي عروة؟ قلت: نعم، جئت أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله هداك إلى الإسلام. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أفمن مصر أقبلتم؟ قلت: نعم. قال: فما فعل المالكيون الذين كانوا معك؟ قلت: كان بيني وبينهم بعض ما يكون بين العرب ونحن على دين الشرك، فقتلتهم وأخذت أسلابهم، وجئت بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخمسها، ويرى فيها رأيه، فانما هي غنيمة من مشركين وأنا مسلم مصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إسلامك فنقبله ، ولا نأخذ من أموالهم شيئاً، ولا نخمسها ، لأن هذا غدر، والغدر لا خير فيه. فأخذني ما قرب وما بعد، وقلت: يا رسول الله، إنما قتلتهم وأنا على دين قومي، ثم أسلمت حين دخلت عليك الساعة. قال: فإن الإسلام يجب ما كان قبله. وكان قتل منهم ثلاثة عشر إنساناً. فبلغ ذلك ثقفياً بالطائف، فتداعو للقتال، ثم اصطلحوا على أن يحمل عمي عروة بن مسعود ثلاث عشرة دية.

قال المغيرة: وأقمت مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى اعتمر عمرة الحديبية، في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فكانتأول سفرة خرجت معه فيها، وكنت أكون مع أبي بكر، وألزم النبي صلى الله عليه وسلم فيمن يلزم.

وبعثت قريش عام الحديبة عروة بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأتاه يكلمه، وجعل يمس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا قائم على رأسه، مقنع في الحديد. فقلت لعروة، وهو يمس لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكفف يدك قبل الأ تصل إليك.

فقال عروة: يا محمد، من هذا؟ ما أفظه وأغلظه! فقال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. فقال عروة: يا عدو الله ما غسلت عني سوءتك إلا بالأمس، يا غدر.

أخبرني محمد بن خلف، قال: حدثني أحمد بن الهيثم الفراسي، قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي، قال: قال المغيرة بن شعبة: أول ما عرفني به العرب من الحزم والدهاء، أني كنت في ركب من قومي، في طريق لنا إلى الحيرة. فقالوالي: قد اشتهينا الخمر، وما معنا إلا درهم زائف. فقلت: هاتوه وهلموا زقين. فقالوا: وما يكفيك لدرهم زائف زق واحد؟ فقلت: أعطوني ما طلبت وخلاكم ذم، ففعلوا وهم يهزءون بي. فصببت في أحد الزقين شيئاً من ماء، ثم جئت إلى خمار، فقلت له: كل لي ملء هذا الزق. فملأه. فأخرجت الدرهم الزلف، فأعطيته إياه، فقال لي: ما هذا؟ ويحك! أمجنون أنت؟ فقلت: مالك؟ قال: إن ثمن هذا الزق عشرون درهماً جياداً، وهذا درهم زائف.

فقلت: أنا رجل بدوي، وظننت أن هذا يصلح كما ترى، فإن صلح، وإلا فخذ شرابك. فاكتال من ما كاله، وبقي في زقي من الشراب بقدر ما كان فيه من الماء، فأفرغته في الزق الآخر، وحملتهما على ظهري، وخرجت، وصببت في الزق الول ماء.

ودخلت إلى خمار آخر، فقلت: إني أريد ملء هذا الزق خمراً، فانظر إلى ما معي منه، فإن كان عندك مثله فأعطني. فنظر إليه، وإنما أردت ألا يستريب بي إذا رددت الخمر عليه. فلما رآه قال: عندي أجود منه. قلت: هات. فأخرج لي شراباً، فاكتلته في الزق الذي فيه الماء. ثم دفعت إليه الدرهم الزائف، فقال لي مثل قول صاحبه.

فقلت: خذ خمرك. فأخذ ما كان كاله لي، وهو يرى أني خلطته بالشراب الذي أريته إياه. وخرجت فجعلته مع الخمر الأول.

ولم أزل أفعل ذلك بكل خمار في الحيرة، حتى ملأت زقي الأول وبعض الآخر. ثم رجعت إلى أصحابي، فوضعت الزقين بين أيديهم، ورددت درهمهم. فقالوا لي: ويحك! أي شيء صنعت؟ فحدثتهم، فجعلوا يعجبون وشاع لي الذكر في العرب بالدهاء حتى اليوم.

قال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن معاوية النيسابوري، قال: حدثنا دواد بن خالد، عن العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس، قال: أول من خضب بالسواد المغيرة بن شعبة. خرج على الناس وكان عهدهم به أبيض الشعر، فعجب الناس منه.

قال محمد: وأخبرني شهاب بن عباد، قال: حدثنا إبراهيم بن حميد الرواسي، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي خازم، عن المغيرة بن شعبة، قال: كنت جالساً عند أبي بكر، إذ عرض عليه فرس له رجل من الأنصار: احملني عليها. فقال أبو بكر: لأن أحمل عليها غلاماً قد ركب الخيل على غرلته ، أحب إلي من أن أحملك عليها. فقال له الأنصاري: أنا خير منك ومن أبيك. قال المغيرة: فغضبت لما قال ذلك لأبي بكر رضي الله عنه، فقمت إليه، فأخذت برأسه، فركبته، وسقط على أنفه، فكأنما كان عزالي مزادة. فتوعدني الأنصار أن يستقيدوا مني، فبلغ ذلك أبا بكر. فقام فقال: أما بعد. فقد بلغني عن رجال منكم زعموا أني مقيدهم من المغيرة. ووالله لأن أخرجهم من دارهم، أقرب إليهم من أن أقيدهم من وزعة الله الذين يزعون إليه.

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي وحبيب بن نصر المهلبي، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا محمد بن سلام المحي، قال: ركب المغيرة بن شعبة إلى هند بنت النعمان بن المنذر، وهي بدير هند ، منصرة عمياء، بنت تسعين سنة. فقالت له: من أنت؟ قال: أنا المغيرة بن شعبة. قالت: أنت عامل هذه المدرة؟ تعني الكوفة. قال: نعم. قالت: فما حاجتك؟ قال: جئتك خاطباً إليك نفسك. قالت: أما والله لو كنت جئت تبغي جمالاً أو ديناً أو حسباً لزوجناك، ولكنك أردت أن تجلس في موسم من مواسم العرب، فتقول: تزوجت بنت النعمان بن المنذر؛ وهذا والصليب أمر لا يكون أبداً، أو ما يكفيك فخراً أن تكون في ملك النعمان وبلاده، تدبرهما كما تريد! وبكت.

فقال لها: أي العرب كان أحب إلى أبيك. قالت: ربيعة. قال: فأين كان يجعل قيساً؟ قالت: ما كان يستعتبهم من طاعة . قال: فأين كان يجعل ثقفياً؟ قالت: رويداً لا تجعل. بينا أنا ذات يوم جالسة في خدر لي، إلى جنب أبي، إذ دخل عليه رجلان، أحدهما من هوازن، والآخر من بني مازن، كل واحد منهما يقول: إن ثقفياً منا، فأنشأ أبي يقول :

إن ثقيفاً لم يكن هوازنـا

 

ولم يناسب عامراً ومازنا

إلا قريباً فانشر المحاسنا

 

 

فخرج المغيرة وهو يقول:

أدركت ما منيت نفسي خاليا

 

لله درك يا بنة النعـمـان!

وذكر الأبيات التي مضت، وذكرت الغناء فيها.

أخبرني محمد بن خلف، قال: أخبرنا الحارث بن محمد، قال أبو عبيدة: قال العلاء بن جرير العنبري: بينا حسان بن ثابت ذات يوم جالس بالخفيف من منى وهو يومئذ مكفوف، إذ زفر زفرة، ثم أنشأ يقول:

وكأن حافرها بكـل خـمـيلةٍ

 

صاع بكيل به شحيح مـعـدم

عاري الأشاجع من ثقيفٍ أصله

 

عبد ويزعم أنـه مـن يقـدم

3ال: والمغيرة بن شعبة يسمع ما يقول، فبعث إليه بخمسة آلاف درهم. فلما أتاه بها الرسول قال: من بعث بهذه؟ قال: المغيرة بن شعبة، سمع ما قلت. فقال: واسوءتاه! وقبلها.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل العتكي ، قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي، قال: أحصن المغيرة بن شعبة إلى أن مات ثمانين امرأة، فيهن ثلاث بنات لأبي سفيان بن حرب، وفيهن حفصة بنت سعد بن أبي وقاص، وهي أم ابنة حمزة بن المغيرة، وعائشة بنت جرير بن عبد الله.

وقال: أبو اليقظان: صلى المغيرة بالناس سنة أربعين، في العام الذي قتل فيه علي بن أبي طالب عليه السلام. فجعل يوم الأضحى يو عرفة، أظنه خاف أن يعزل، فبق ذلك. فقال الراجز:

سيري رويداً وابتغي المغيره

 

كلفتها الإدلاج بالظـهـيره

ثال: وكان المغيرة مطلاقاً. فكان إذا اجتمع عنده أربع نسوة قال: إنكن لطويلات الأعناق، كريمات الأخلاق، ولكني رجل مطلاق، فاعتددن.

وكان يقول: النساء أربع، والرجال أربعة: رجل مذكر وامرأة مؤنثة، فهو قوام عليها؛ ورجل مؤنث وامرأة مذكرة، فهي قوامة عليه؛ ورجل مذكر وامرأة مذكرة، فهما كالوعلين ينتطحان؛ ورجل مؤنث وامرأة مؤنثة، فهما لا يأتبان بخير، ولا يفلحان.

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا الأصمعي قال: حدثنا أبو هلال عن مطير الوراق، قال: قال المغيرة بن شعبة: نكحت تسعاً وثمانين امرأة، أو قال: أكثر من ثمانين امرأة، فما أمسكت امرأة منهن على حب؛ أمسكها لولها، ولحسبها، ولكذا ولكذا. قال أبو زيد: وبلغني أنهم ذكروا النساء عند المغيرة بن شعبة، فقال: أنا أعلمكم بهن: تزوجت ثلاثاً وتسعين امرأة، منهن سبعون بكراً، فوجدت اليمانية كثوبك: أخذت بجانبه فاتبعك بقيته؛ ووجدت الربعية أمتك: أمرتها فأطاعتك؛ ووجدت المضرية قرناً ساورته، فغلبته أو غلبك.

حدثنا ابن عمار قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا أبو عاصم قال: رأى المغيرة امرأة له تخلل بهد صلاة الصبح، فطلقها. فقالت: علام طلقني ؟ قيل: رآك تخللين، فظن أنك أكلت. فقالت: أبعده الله! والله ما أتخلل إلا من السواك .

أخبرنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني موسى بن إسمعيل قال: حدثناحماد بن سلمة، عن زيد بن أسلم: أن رجلاً جاء فنادى يستأذن لأبي عيسى، على أمير المؤمنين. فقال عمر: أيكم أبو عيسى؟ قال المغيرة بن شعبة: أنا. فقال له عمر: هل لعيسى من أب؟ أما يكفيكم معاشر العرب أن تكتنوا بأبي عبد الله، وأبي عبدعبد الرحمن! فقال له رجل من القوم: أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كناه بها. فقال له عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأنا لا أدري ما يفعل بي فكناه أبا عبد الله.

أخبرني هاشم بن محمد قال: حدثنا أبو غسان دماذ، عن أبي عبيدة، قال: حدثني عمرو بن بحر أبو عثمان الجاحظ، قال: كان الجمال بالكوفة ينتهي إلى أربعة نفر: المغيرة بن شعبة؛ وجرير بن عبد الله، والأشعث بن قيس، وحجر بن عدي، وكلهم كان أعور؛ فكان المغيرة والأشعث وجرير يوماً متواقفين بالكوفة بالكناسة، فطلع عليهم أعرابي. فقال لهم المغيرة: دعوني أحركه. قالوا: لا تفعل، فإن للأعراب جواباً يؤثر. قال: لا بد. قالوا: فأنت أعلم. قال له: يا أعرابي، هل تعرف المغيرة بن شعبة؟ قال: نعم أعرفه أعور زانيا. فوجم. ثم تجلد فقال: هل تعرف الأشعث بن قيس؟ قال: نعم، ذاك رجل لا يعرى قومه . قال: وكيف ذاك؟ قال: لأنه حائك ابن حائك.

قال: فهل تعرف جرير بن عبد الله؟ قال: وكيف لا أعرف رجلاً لولاه ما عرفت عشيرته. قالوا له: قبحك الله، فإنك شر جليس، فهل تحب أن نوقر لك بعيرك هذا مالا وتموت أكرم العرب؟ قال: فمن يبلغه أهلي إذن؟ فانصرفوا عنه وتركوه.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثني أبو سعيد السكري، قال: حدثنا محمد بن أبي السري- واسم أبي السري سهل بن سلام الأزدي- قال: حدثني هشام بن محمد قال: أخبرنا عوانة بن الحكم، قال: خرج المغيرة بن شعبة وهو على الكوفة يومئذ، ومعه الهيثم بن الأسود النخعي، بعد غب مطر، يسير بظهر الكوفة والحوف، فلقي ابن لسان الحمرة، أحد بني تيم الله بن ثعلبة وهو لا يعرف المغيرة. فقال له المغيرة: من أين أقبلت يا أعرابي؟ قال: من السماوة. قال: فكيف تركت الأرض خلفك؟ قال: عريضة أريضة . قال: وكيف كان المطر؟ قال: عفى الأثر، وملأ الحفر. قال: ممن أنت؟ قال: من بكر بن وائل. قال: فكيف علمك بهم؟ قال: إن جهلتهم لم أعرف غيرهم. قال: فما تقول في بني شبيان؟قال: ساتنا وسادة غيرنا. قال: فما تقول في بني ذهل؟ قال: ساة نوكى. قال: فقيس بن ثعلبة؟ إن جاورتهم سرقوك، وإن ائتمنتهم خانوك: قال: فبنوتيم الله بن ثعلبة؟ قال: رعاء البقر ، وعراقيب الكلاب. قال: فما تقول في بني يشكر؟ قال: صريح تحسبه مولى.( قال هشام: لأن في ألوانها حمرة). قال: فعجل؟ قال: أحلاس الخيل. قال: يطعمون الطعام، ويضربون الهام. قال: فعنزة! قال: لا تلتقي بهم الشفتان لؤما . قال: فضبيعة أضجم؟ قال: جدعاً وعقراً . قال: فأخبرني عن النساء. قال: النساء أربع: ربيع مربع، وجميع تجمع، وشيطان سمعمع، وغل لا يخلع . قال: فسر. قال: أما الربيع المربع فالتي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أقسمت عليها أبرتك؛ وأما التي هي جميعتجمع، فالمرأة تتزوجها ولها نشب، فتجمع نشبك إلى نشبها؛ وأما الشيطان السمعمع، فالكالحة في وجهك إذا دخلت، والمولومة في أثرك إذا خرجت؛ وأما الغل الذي لا يخلع، فبنت عمك السوداء القصيرة، الفوهاء الدميمة، التي قد نثرت بطنها، إن طلقتها ضاع ولدك، وإن أمسكتها فعلى جده أنفك. فقال له المغيرة: بلأ أنفك. ثم قالله: ما تقول في أميرك المغيرة بن شعبة؟ قال: أعور زناء. فقال الهيثم: فض الله فاك! ويلك! هذا الأمير المغيرة. فقال: إنها كلمة والله تقال. فانطلق به المغيرة إلى منزله، وعنده يومئذ أربع نسوة، وستون أو سبعون أمة. قال له ويحك! هل يزني الحر وعنده مثل هؤلاء؟ ثم قال لهن المغيرة: ارمين إليه بحلاكن. ففعلن، فخرج الأعرابي بملء كسائه ذهباً وفضة.

أخبرني عبيد الله بن محمد، قال: حدثنا الخراز، عن المدائني، عن أبي مخنف، وأخبرني أحمد بن عيسى العجلي قال: حدثنا الحسن بن نصر، قال: حدثني أبي نصر بن مزاحم قال: حدثنا عمر بن سعد ، عن أبي مخنف عن رجاله: أن المغيرة بن شعبة جاء إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فقال له: أكتب إلى معاوية فوله السام، ومره بأخذ البيعة لك، فإنك إن لم تفعل وأردت عزله حاربك. فقال علي عليه السلام. (ماكنت متخذ المفصلين عضدا). فانصرف المغيرة وتركه. فلما كان من غد جاءه، فقال: أني فكرت فيما أشرت به عليك أمس، فوجدته خطأ، ووجدت رأيك أصوب. فقال له علي: لم يخف علي ما أردت؛ قد نصحتني في الأولى، وغشيتني في الآخرة، ولكني والله لا آتي أمر اجد فيه فساداً لديني، طلباً لصلاح دنياي. فانصرف المغيرة.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني إبراهيم بن سعيد بن شاهين، قال: حدثني محمد بن يونس الشيرازي، قال: حدثني محمد بن غسان الضبي، قال: حدثني زاجر بن عبد الله الثقفي، مولى الحجاج بن يوسف، قال: كان بين المغيرة بن شعبة وبين مصقلة بن هبيرة الشيباني تنازع، فضرع له المغيرة، وتواضع في كلامه، حتى طمع فيه مصقلة. واستعلى عليه، فشتمه. فقدمه المغيرة إلى شريح، وهو القاضي يومئذ، فأقام عليه البينة، فضربه الحد. فآلى مصقلة ألا يقيم ببلدة فيها المغيرة بن شعبة ما دام حياً، وخرج إلى بني شيبان، فنزل فيهم إلى أن مات المغيرة. ثم دخل الكوفة، فتلقاه قومه، وسلموا عليه. فما فرغ من التسليم حتى سألهم عن مقابر ثقيف، فأرشدوه إليها. فجعل قوم من مواليه يلتقطون له الحجارة، فقال: ما هذا؟ قالوا: ظننا أنك تريد أن ترجم قبره. فقال: ألقوا ما في أيديكم. فألقوه، وانطلق حتى وقف على قبره، ثم قال: والله لقد كنت ما علمت نافعاً لصديقك، ضائراً لعدوك، ما مثلك إلا كما قال مهلهل في أخيه كليب:

إن تحت الأحجار حزماً وعزما

 

وخصيمـاً ألـد ذا مـعـلاق

حية في الـوجـار أريد لا ين

 

فع منه السليم نفث الـراقـي

وأخبرني بهذا الخبر محمد بن خلف بن المرزيان، عن أحمد بن القاسم، عن العمري، عن الهيثم بن عدي، عن مجالد، عن الشعبي: أن مصقلة قال له: والله إني لأعرف شبهي في عروة ابنك. فأشهد عليه بذلك، وجلده الحد. وذكر باقي الخبر مثل الذي قبله.

أخبرني محمد بن عبد الله الرازي، قال: حدثنا أحمد بن الحارث، عن المدائني، عن مسلمة بن محارب، قال: قال رجل من قريش لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه: ألا تتزوج أم كلثوم بننت أبي بكر، فتحفظه بعد وفاته، وتخلفه في اهله. فقال: عمر: بلى، إني لأحب ذاك؛ فاذهب إلى عائشة، فاذكر لها ذلك، وعد إلي بجوابها. فمضى الرسول إلى عائشة، فأخبرها بما قال عمر، فأجابته إلى ذلك، وقالت له: حباً وكرامة . ودخل إليها بعقب ذلك المغيرة بن شعبة، فرآها مهمومة. فقال لها: مالك يا أم المؤمنين؟ فأخبرته برسالة عمر، وقالت: إن هذه جارية حدثة، وأردت لها ألين عيشاً من عمر. فقال لها: علي أن أكفيك. وخرج من عندها، فدخل على عمر، فقال: بالرفاء والبنين، قد بلغني ما أتيته من صلة أبي بكر في أهله، وخطبتك ام كلثوم. فقال: قد كان ذاك. قال: إلا أنك، يا أمير المؤمنين، رجل شديد الخلق على أهلك، وهذه صبية حديثة السن، فلا تزال تنكر عليها الشيء، فتضربها فتصيح: يا أبتاه! فيغمك ذلك، وتتألم له عائشة، ويذكرون أبا بكر، فيبكون عليه، فتجدد لهم المصيبة به، مع قرب عهدها في كل يوم. فقال له: متى كنت عند عائشة ، واصدقني؟ فقال: آنفاً. فقال عمر: أشهد أنهم كرهوني، فتضمنت لهم أن تصرفني عما طلبت، وقد أعفيتهم. فعاد إلى عائشة، فأخبرها بالخبر، وأمسك عمر من معاودتها.

حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد الله بن عمار، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال:حدثنا علي بن محمد بن سليمان الباقلاني، عن قتادة، عن غنيم بن قيس، قال: كان المغيرة بن شعبة يختلف إلى امرأة من ثقيف يقال لها الرقطاء، فلقيه أبو بكرة، فقال له: أين تريد؟ قال: أزور آل فلان . فأخذ بتلابيبه، وقال: إن الأمير يزار ولا يزور.

وحدثنا بخبره لما شهد عليه الشهود عند عمر رضي الله عنه، أحمد بن عبيد الله بن عمار، وأحمد بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن شبة، فرواه عن جماعة من رجاله، بحكايات متفرقة.

قال عمر بن شبة: حدثني أبو بكر العيلمي، قال: أخبرنا هشام، عن عيينة بن عبد الرحمن بن جوشن، عن أبيه عن أبي بكرة.

قال عمر بن شبة: وحدثنا عمرو بن عاصم، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة.

قال أبو زيد عمر بن شبة: وحدثنا علي بن محمد بن حباب بن موسى، عن مجالد، عن الشعبي.

قال: وحدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا عوف، عن قسامة بن زهير.

قال أبو زيد عمر بن شبة: قال الواقدي: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكرة، عن أبيه، عن مالك بن لأوس بن الحدثان.

قال: وحدثني محمد بن الجهم، عن علي بن أبي هاشم، عن إسماعيل بن أبي عبلة، عن عبد العوزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك: أن المغيرة بن شعبة كان يخرج من دار غلإمارة وسط النهار، وكان أبو بكرة يلقاه فيقول له: أين يذهب الأمير؟ فيقول: آتي حاجة. فيقول له: حاجة ماذا؟ إن الأمير يزار ولا يزور.

قال: وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة. قال: فبينا أبو بكرة في غرفة له مع أصحابه وأخويه نافع وزياد، ورجل آخر، يقال له شبل بن معيد، وكانت غرفة جارته تلك بحذاء غرفة أبي بكرة. فضربت الريح باب المرأة ففتحته. فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها. فقال أبو بكرة: هذه بلية ابتليتم بها، فانظروا. فنظروا حتى أثبتوا. فنزل أبو بكرة فجلس حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة، فقال له: إنه قد كان من أمرك ما قد علمت، فاعزلنا. قال: وذهب ليصلي بالناس الظهر، فمنعه أبو بكرة، وقال له: لا والله لاتصلي بنا وقد فعلت ما فعلت.

فقال الناس: دعوه فليصل، فإنه الأمير، واكتبوا بذلكم إلى عمر. فكتبوا إليه، فورد كتابه بأن يقدموا عليه جميعاً، المغيرة والشهود.
وقال المدائني في حديثه عن حباب بن موسى: وبعث عمر بأبي موسى الأشعري على البصرة. وعزم عليه ألا يضع كتابه من يده حتى يرحل المغيرة بن شعبة. قال: قال علي بن أبي هاشم في حديثه: إن أبا موسى قال لعمر لما أمره أن يرحله من وقته: أو خير من ذلك يا أمير المؤمنين: تتركه يتجهز ثلاثاً، ثم يخرج. قال: فصلينا صلاة الغداة بظهر المربد، ودخلنا المسجد، فإذا هم يصلون: الرجال والنساء مختلطين. فدخل رجل على المغيرة، فقال له: إني رأيت أبا موسى في جاني المسجد، عليه برنس. فقال له المغيرة: ما جاء زائراً ولا تاجراً. فدخلنا عليه ومعه صحيفة ملء يده ، فلما رآنا قال: الأمير؟ فأعطاه أبو موسى الكتاب. فلما قرأه ذهب يتحرك عن سريره. فقال له أبو موسى: مكانك، تجهز ثلاثاً.

وقال الآخرون: إن أبا موسى أمره أن يرحل من وقته. فقال له المغيرة: لقد علمت ما وجهت فيه، فألا تقدمت فصليت. فقال له أبو موسى: ما أنا وأنت في هذا الأمر إلا سواء. فقال له المغيرة: فإني أحب أن أقيم ثلاثاً لأتجهز. فقال: قد عزم علي أمي المؤمنين ألا أضع عهدي من يدي إذا قراته عليك، حتى أرحلك إليه. قال: إن شئت شفعتني وأبررت قسم أمير المؤمنين. قال: وكيف؟ قال: تؤجلني إلى الظهر، وتمسك الكتاب في يدك.

قالوا: فقد رئى أبو موسى يمشي مقبلاً ومدبراً، وإن الكتاب لفي يده معلقاً بخيط. فتجهز المغيرة، وبعث إلى أبي موسى بعقيلة، جارية عربية من سبي اليمامة، من بني حنيفة؛ ويقال إنها مولده الطائف، ومعها خادم لها. وسار المغيرة حين صلى الظهر، حتى قدم على عمر. وقال في حديث محمد بن عيد الله الأنصاري: فلما قدم على عمر. قال له: إنه قد شهد عليك بأمر إن كان حقاً لأن تكون مت قبل ذلك كا خيراً لك. قال أبو زيد: وحدثني الحكم بن موسى، قال: حدثنا يحيى بن حمزة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري عن مصعب بن سعد: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جلس، ودعا المغيرة والشهود. فتقدم أبو بكرة. فقال له: أرأيته بين فخذيها، قال: نعم والله، لكأني أنظر إلى تشريم جدري بفخذيها. فقال له المغيرة: لقد ألطفت النظر. فقال له لم آل أن أثبت ما يخزيك الله به؟ فقال له عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيه كما يلج المرود في المكحلة.

فقال: نعم أشهد على ذلك. فقال له: اذهب عنك مغيرة، ذهب ربعك.

ثم دعا نافعاً فقال له: علام تشهد؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة. قال: لا، حتى تشهد أنه كان يلج فيه ولوج المرود في المكحلة. فقال: نعم حتى بلغ قذذه . فقال: اذهب عنك مغيرة، ذهب نصفك. ثم دعا الثالث، فقال: علام تشهد؟ فقال: على مثل شهادة صاحبي. فقال له علي بن أبي طالب عليه السلام: اذهب عنك مغيرة، ذهب ثلاثة أرباعك. قال: حتى مكث يبكي إلى المهاجرين، فبكوا. وبكى إلى أمهات المؤمنين، حتى بكين معه، وحتى لا يجالس هؤلاء الثلاثة أحد من اهل المدينة.

قال: ثم كتب إلى زياد، فقدم على عمر. فلما رآه جلس له في المسجد، واجتمع إليه رؤوس المهاجرين والأنصار. قال المغيرة: ومعي كلمة قد رفعتها لأكلم القوم. قال: فلما رآه عمر مقبلاً قال: إني لأرى رجلاً لن يخزي الله على لسانه رجلاً من المهاجرين.

قال أبو زيد: وحدثنا عفان، قال: حدثنا السري بن يحيى، قال: حدثنا عبد الكريم بن رشيد، عن أبي عثمان النهدي، قال: لما شهد عند عمر الشاهد الول على المغيرة، تغير لذلك لون عمر. ثم جاء آخر فشهد، فانكسر لذلك انكساراً شديداً. ثم جاء رجل شاب يخطر بين يديم، فرفع عمر رأسه إليه، وقال له: ما عنك يا سلح العقاب وصاح أبو عثمان صيحة تحكي صيحة عمر. قال عبد الكريم: لقد كدت أن يغشى علي.

وقال آخرون: قال المغيرة: فقمت إلى زياد، فقلت له: لا مخبأ لعطر بعد عروس. ثم قلت: يا زيد، اذكر الله، واذكر موقف يوم القيامة؛ فإن الله وكتابه ورسوله وأمير المؤمنين قد حقنوا دمي، إلا أن تتجاوز إلى ما لم تر ما رأيت، فلا يحملك شر منظر رأيته على ان تتجاوزه إلى مالن تر، فوالله لو كنت بين بطني وبطنها ما رأيت أين سلك ذكري منها. قال: فترنقت عيناه، واحمر وجهه، وقال: يا أمير المؤمنين، أما أن أحق ما حق القوم فليس ذلك عندي، ولكني رأيت مجلساً قبيحاً، وسمعت نفساً حثيثاً وانبهاراً، ورأيته متبطنها. فقال له: أرأيته يدخله كالميل في المكحلة. فقال: لا.

وقال غير هؤلاء: إن زياداً قال له: رأيته رافعاً برجليها، ورأيت خصيتيه تترددان بين فخذيها، ورأيت حفزاً شديداً، وسمعت نفساً عالياً. فقال له: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ فقال: لا. فقال عمر: الله أكبر. قم إليهم فاضربهم. فقام أبي بكرة، فضربه ثمانين، وضرب الباقين، وأعجبه قول زياد، ودرأ عن المغيرة الرجم. فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: فإني أشهد أن المغيرة فعل كذا وكذا. فهم عمر بضربه، فقال له علي عليه السلام: إن ضربته رجمت صاحبك. ونهاه عن ذلك.

قال: يعني أنه إن ضربه جعل شهادته بشهادتين، فوجب بذلك الرجم على المغيرة.

قال: واستتاب عمر أبا بكرة. فقال: إنما تستتيبني لتقبل شهادتي. قال:أجل. قال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا. قال: فلما ضربوا الحد قال المغيرة: الله أكبر الحمد لله الذي أخزاكم. فقال له عمر: اسكت أخزى الله مكاناً رأوك فيه . قال: وأقام أبو بكرة على قوله، وكان يقول: والله ما أنسى رقط فخذيها. قال: وتاب الاثنان، فقبلت شهادتهما. قال: وكان أبو بكرة بعد ذلك إذا دعي إلى شهادة يقول: اطلب غيري، فإن زياداً قد أفسد علي شهادتي.

قال أبو زيد: وحدثني سليمان بن داود بن علي، قال: حدثني إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده، قال: لما ضرب أبو بكرة أمرت أمه بشاة فذبحت، وجعلت جلدها على ظهره. قال: فكان أبي يقول: ما ذاك إلا من ضرب شديد.

حدثنا ابن عمار والجوهري قاللا: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا علي بن محمد، عن يحيى بن زكريا، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كانت أم جميل بنت عمر، التي رمي بها المغيرة بن شعبة بالكوفة، تختلف إلى المغيرة في حوائجها، فيقضيها لها. قال: ووافقت عمر بالموسم والمغيرة هناك، فقال له عمر: أتعرف هذه؟ قال: نعم؛ هذه أم كلثوم بنت علي . فقال: له عمر: أنتجاهل علي؟ والله ما أظن أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء.

حدثني أحمد بن الجعد، قال: حدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال: قال علي بن أبي طالب عليه السلام: لئن لم ينته المعغيرة لأتبعنه أحجاره. وقال غيره: لئن أخذت المغيرة لأتبعنه أحجاره.
أخبرني ابن عمار والجوهري قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا المائني، قال: قال حسان بن ثابت يهجو المغيرة بن شعبة في هذه القصة:

لو ان اللؤم ينسب كان عبـدا

 

قبيح الوجه أعور من ثقيف

تركت الدين والإسلام لـمـا

 

بدت لك غدوة ذات النصيف

وراجعت الصبا وذكرت عهدا

 

من القينات والغمر اللطيف

أخبرني الجوهري وابن عمار، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا المدائني عن هبد الله بن سلم الفهري قال: لما شخص المغيرة إلى عمر، رأى في طريقه جارية فأعجبته، فخطبها إلى أبيها. فقال له: أنت على هذه الحال؟ قال: وما عليك؟ إن أعف، فهو الذي تريد؛ وإن أقتل ترثني. فزوجه.

قال أبو زيد: قال الواقدي. تزوجها بالرقم . وهي امرأة من بني مرة. فلما قدم بها على عمر، قال: إنك لفارغ القلب، طويل الشبق.
وقال محمد بن سعد: أخبرني محمد بن عبد الله الأسدي، قال: حدثنا مسعر، عن زياد بن علاقة، قال: سمعت جرير بن عبد الله حين مات المغيرة بن شعبة يقول: اسغفروا لأميركم هذا، فإنه كان يحب العافية .

قال: وكان المغيرة أصهب الشعر جداً، أكشف، يفرق رأسه قروناً أربعة، أقلص الشفتين، مهتوماً، ضخم الهامة، عبل الذراعين، بعيد ما بين المنكبين.

قال:وقال الواقدي، حدثني محمد بن موسى الثقفي، عن أبيه، قال: مات المغيرة بن شعبة بالكوفة سنة خمسين، في خلافة معاوية، وهو ابن سبعين سنة. وكان رجلاً طوالاً أعور، أصيبت عينه يوم اليرموك.

جنية ولها جـن يعـلـمـهـا

 

رمى القوب بقوس ما لها وتر

إن كان ذا قدراً يعطيك نافـلة

 

منا ويحرمنا، ما أنصف القدر

الشعر لمحمد بن بشير الخارجي، والغناء لإبراهيم: هزج بالبنصر، عن الهشامي.