أخبار المخبل القيسي ونسبه

أخبار المخبل القيسي ونسبه

حبة بنتي عن له: قال عبد الله بن أبي سعد الوراق -فيما أخبرني به حبيب بن نصر المهلبي، إجازة عنه-: حدثني علي بن الصباح بن الفرات، قال: أخبرني علي بن الحسن بن أيوب النبيل، عن رباح بن قطيب بن زيد الأسدي، قال: كانت عند رجل من قيس يقال له: كعب -بنت عم له، وكانت أحب الناس إليه فخلا بها ذات يوم فنظر إليها وهي واضعة ثيابها، فقال: يا أم عمرو، هل ترين أن الله خلق أحسن منك؟ قالت: نعم، أختى ميلاء، هي أحسن مني.

ينكشف حبه فيرحل ولا يدري مكانه: قال: فإني أحب أن أنظر إليها، فقالت: إن علمت بك لم تخرج إليك، ولكن كن من وراء الستر، ففعل، وأرسلت إليها فجاءتها فلما نظر إليها عشقها وانتظرها حتى راحت إلى أهلها، فاعترضها فشكا إليها حبها، فقالت: والله يا بن عم، ما وجدت من شيء إلا وقد وقع لك في قلبي أكثر منه. وواعدته مرة أخرى، فأتتهما أم عمرو وهما لا يعلمان، فرأتهما جالسين، فمضت إلى إخوتها -وكانوا سبعة- فقالت: إما أن تزوجوا ميلاء كعباً، وإما أن تكفوني أمرها. وبلغهما الخبر، ووقف إخوتها على ذلك، فرمى بنفسه نحو الشام حياء منهم، وكان منزله ومنزل أهله الحجاز، فلم يدر أهله ولا بنو عمه أين ذهب، فقال كعب: شعره في أرض الغربة:

أفي كل يوم أنت من لاعج الهوى

 

إلى الشم من أعلام ميلاء ناظر

بعمشاء من طول البكاء كأنـمـا

 

بها خزر أو طرفها متـخـازر

تمنى المنى حتى إا ملت المنـى

 

جرى واكفٌ من دمعها متبـادر

كما ارفض عنها بعدما ضم ضمةً

 

بخيط الفتيل اللؤلؤ الـتـنـاثـر

تدل رواية شعره على مكانه: قال: فرواه عنه رجل من أهل الشام، ثم خرج بعد ذلك الشامي يريد مكة، فاجتاز بأم عمرو وأختها ميلاء، وقد ضل الطريق، فسلم عليهما ثم سألهما عن الطريق، فقالت أم عمرو: يا ميلاء ، صفي له الطريق، فذكر -لما نادت: يا ميلاء- شعر كعب هذا، فتمثل به، فعرفت أم عمرو الشعر، فقالت: يا عبد الله، من أين أنت؟ قال: رجل من أهل الشام. قالت: من أين رويت هذا الشعر؟ قال: رويته عن أعرابي بالشام، قالت: أو تدري ما اسمه؟ فقال: سمعت أنه كعب، فأقسمت عليه: لا تبرح حتى تعرف إخواتنا بذلك فنحسن إليك نحن وهم، وقد أنعمت علينا. قال: أفعل، وإني لأروي له شعراً آخر، فما أدري أتعرفانه أم لا؟ فقالت: نسألك بالله أسمعتنا، قال: سمعته يقول: شعر آخر له في أرض الغربة:

خليلي قد قست الأمور ورمـتـهـا

 

بنفسي وبالـفـتـيان كـل زمـان

فلم أخف سوءاً للصـديق ولـم أجـد

 

خلـياً ولا ذا الـبـث يسـتــويان

من الناس إنسانان ديني عـلـيهـمـا

 

مليئان لو شاءا لـقـد قـضـيانـي

خليلي أما أم عمرو فـمـنـهـمـا

 

وأما عن الأخرى فلا تـسـلانـي

بلينا بهجـران ولـم أر مـثـلـنـا

 

من الناس إنسانـيت يهـتـجـران

أشد مصافاةً وأبـعـد مـن قـلـى

 

وأعصى لواش حـين يكـتـقـيان

تحدث طرفانا بما فـي صـدورنـا

 

إذا استعجمت بالمنطق الشـفـتـان

فوالله ما أدري أكـل ذوي الـهـوى

 

على ما بنا أو نحن مـبـتـلـيان؟

فلا تعجبا مما بي اليوم مـن هـوى

 

فبي كـل يوم مـثـل مـا تـريان

خلليلي عن أي الذي كـان بـينـنـا

 

من الوصل أم ماضي الهوى تسلان؟

وكنا كريمي معشـر حـم بـينـنـا

 

هوى فحفظناه بـحـسـن صـيان

سلاه بأم العمرو مـن هـي إذ بـدا

 

به سقـم جـم وطـول ضـمـان

فما زادنا بعد المدى نـقـض مـرةٍ

 

ولا رجعا من عـلـمـنـا بـبـيان

خليلي لا واللـه مـا لـي بـالـذي

 

تريدان من هجر الـحـبـيب يدان

ولا لي بالبـين اعـتـلاءٌ إذا نـأت

 

كما أنتما بـالـبـين مـعـتـلـيان

يعود به ابن عمه من الشام ويموت غماً: قال: ونزل الرجل ووضع رحلة حتى جاء إخواتهما، فأخبراهم الخبر، وكانوا مهتمين بكعب، وكان كعب أظرفهم وأشعرهم، فأكرموا الرجل وحملوه على راحلة ودلوه على الطريق، وطلبوا طعباً فوجدوه بالشام، فأقبلوا به، حتى إذا كانوا في ناحية ماء أهلهم إذا الناس قد اجتمعوا عند البيوت، وكان كعب ترك بنياً له صغيراً، فزحمه غلام منهم في ناحية الماء، فقال له كعب: ويحك يا غلام! من أبوك؟ فقال: رجل يقال له: كعب، قال: وعلى أي شيء قد اجتمع الناس؟ وأحس قلبه بالشر. قال: اجتمعوا على خالتي ميلاء. قال: وما قصتها؟ قال: ماتت. فزفر زفرة مات منها مكانه، فدفن حذاء قبرها.

من شعره في الشام: قال: وقال كعب وهو بالشام:

أحقاً عباد الله أن لسـت مـاشـياً

 

بمرحاب حتى يحشر الثـقـلان

ولا لاهياً يوماً إلى اللـيل كـلـه

 

ببيضٍ لطيفات الخصور رواني ؟

يمنيننا حتـى تـريع قـلـوبـنـا

 

ويخلطن مطلا ظاهـراً بـلـيان

فعيني يا عيني حـتـام أنـتـمـا

 

بهجران أم العمرو تختلـجـان؟

أما أنتمـا إلا عـلـي طـلـيعةً

 

على قرب أعدائي كمـا تـريان

فلو أن أم العمرو أضحت مقـيمةً

 

بمصر وجثماني بشحر عـمـان

إذا لرجوت الله يجمع شمـلـنـا

 

فإنا على ما كان مـلـتـقـيان

نسبة ما في هذا الخبر من الغناء صوت اختلاف الرواة في نسبة صوت من شعره:

من الناس إنسانان ديني عليهما

 

مليئان لو شاءا لقد قضيانـي

خليلي أما أم عمرو فمنهمـا

 

وأما عن الأخرى فلا تسلاني

عروضه من الطويل، الشعر -على ما في هذا الخبر- لكعب المذكور قصته، وروى المفضل بن سلمة وأبو طالب بن أبي طاهر هذين البيتين مع غيرهما لابن الدمينة الخثعمي. والغناء لإبراهيم الموصلي، خفيف رمل بالوسطى، ذكره أبو العبيس عنه، وذكر ابن المكي أنه لعلويه. والأبيات التي ذكرنا أن المفضل بن سلمة وابن أبي طاهر روياها لابن الدمينة مع البيتين اللذين فيهما الغناء هي:

من الناس إنسانان ديني عليهـمـا

 

مليئان لو شاءا لقد قـضـيانـي

خليلي أما أم عمرو فمنـهـمـا

 

وأما عن الأخرى فلا تسـلانـي

منوعان ظلامان ما ينصفانـنـي

 

بدليهما والحسن قد خلـبـانـي

من البيض نجلاء العيون غذاهما

 

نعيمٌ وعيشٌ ضـاربٌ بـجـران

أفي كل يوم أنـت رام بـلادهـا

 

بعينين إنسانا همـا غـرقـان؟

إذا اغرورقت عيناي قال صحابتي

 

لقد أولعت عيناك بالـهـمـلان

وقد روي أيضاً أن هذا البيت:

أفي كل يوم أنت رام بلادها

لعروة بن حزام:

ألا فاحملاني بارك الله فيكمـا

 

إلى حاضر الروحاء ثم ذراني

أخبرني محمد بن خلف وكيع، قال: حدثني أبو سعيد القيسي، قال: حدثني سليمان بن عبد العزيز، قال: حدثني خارجة المالي قال: حدثني من رأى عروة بن حزام يطاف به حول البيت، قال: فقلت له: من أنت؟ قال: أنا الذي أقول:

أفي كل يوم أنت رام بلادهـا

 

بعينين إنسانا هما غـرقـان؟

ألا فاحملاني بارك الله فيكمـا

 

إلى حاضر الروحاء ثم ذراني

فقلت: زدني، قال: لا، ولا حرف.

التغني بالصوت المنسوب إليه يهيج الواثق للإيقاع بشخصين: ويقال: إن الذي هاج الواثق على القبض على أحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب أنه غنى -هذا الصوت- أعني:

من الناس إنسانان ديني عليهما

فدعا خادماً كان للمعتصم، ثم قال له: أصدقني وإلا ضربت عنقك. قال: سل يا أمير المؤمنين عما شئت، قال: سمعت أبي وقد نظر إليك يتمثل بهذين البيتين، ويومئ إليك إيماء تعرفه، فمن اللذان عني؟ قال، قال لي: إنه وقف على إقطاع أحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب ألفي دينار، وأنه يريد الإيقاع بهما. فكان كلما رآني يتمثل بهذين البيتين. قال: صدقني والله، والله لا سبقاني بهما كما سبقاه، ثم أرقع بهما.

وأخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: نظر الواثق إلى أحمد بن الخصيب يمشي فتمثل:

من الناس إنسانان ديني عليهما

وذكر البيتين، وأشار بقوله:

خليلي أما أم عمرو فمنهما

إلى أحمد بن الخصيب. فلما بلغ هذا سليمان بن وهب، قال: إنا لله! أحمد بن الخصيب والله أم عمرو، وأنا الأخرى. قال: ونكبهما بعد أيام. وقد قيل: إن محمد بن عبد الملك الزيات كان السبب في نكبتهما.

رواية أخرى لسبب إيقاع الواثق بصاحبيه: أخبرنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عون بن محمد الكندي، قال: كانت الخلافة أيام الواثق تدور على إيتاخ، وعلى كاتبه سليمان بن وهب، وعلى أشناس وكاتبه أحمد بن الخصيب، فعمل الوزير محمد بن عبد الملك الزيات قصيدة، وأوصلها إلى الواثق على أنها لبعض أهل العسكر، وهي:

يا بن الخلائف والأملاك إن نسبـوا

 

حزت الخلافة عـن آبـائك الأول

أجرت أم رقدت عيناك عن عجـب

 

فيه البرية من خوف ومـن وهـل

وليت أربعة أمر الـعـبـاد مـعـاً

 

وكلهم خاطبٌ في حبل محـتـبـل

هذا سليمان قد ملـكـت راحـتـه

 

مشارق الأرض من سهل ومن جبل

ملكته السند فالشحـرين مـن عـدنٍ

 

إلى الجزيرة فالأطراف من ملـل

خلافةٌ قد حواها وحده فـمـضـت

 

أحكامه في دماء القوم والـنـفـل

وابن الخصيب الذي ملكت راحـتـه

 

خلافة الشأم والغازين والـقـفـل

فنيل مصر فبحر الشـأم قـد جـريا

 

بما أراد من الأمـوال والـحـلـل

كأنهم في الذي قسـمـت بـينـهـم

 

بنو الرشيد زمان القسـم لـلـدول

حوى سليمان ما كان الأمين حـوى

 

من الخلافة والتـبـلـيغ لـلأمـل

وأحمد بن خصـيب فـي إمـارتـه

 

كالقاسم بن الرشيد الجامع السـبـل

أصبحت لا ناصحٌ يأتيك مستتـرا

 

ولا علانيةً خوفاً مـن الـحـيل

سل بيت مالك أين المال تعرفـه

 

وسل خراجك عن أموالك الجمل

كم في حبوسك ممن لا ذنوب لهم

 

أسرى التكذب في الأقياد والكبل

سميت باسم الرشيد المرتضى فبه

 

قس الأمور التي تنجي من الزلل

عث فيهم ما عاثـت يداه مـعـاً

 

على البرامك بالتهديم للـقـلـل        

فلما قرأ الواثق غاظه وبلغ منه، ونكب سليمان بن وهب وأحمد بن الخصيب، وأخذ منهما ومن أسبابهما ألف ألف دينار، فجعلها في بيت المال، فقال أحمد بن أبي فنن:

نزلت بالخائنين سـنـه

 

سنةٌ للناس ممتحـنـه

سوغت ذا النصح بغيته

 

وأزالت دولة الخونـه

فترى أهل العفاف بهـا

 

وهم في دولةٍ حسنـه

وترى من جار همتـه

 

أن يؤدي كل ما احتجنه

وقال إبراهيم بن العباس لابن الزيات:

إيهاً أبا جعفر وللدهر كـر

 

راتٌ وعما يريب متسـع

أرسلت ليثاً على فرائسـه

 

وأنت منها فانظر متى تقع

لكنه قـوتـه وفـيك لـه

 

وقد تقضت أقواته شبـع

وهي أبيات، وقد كان أحمد بن أبي داود حمل الواثق على الإيقاع بابن الزيات وأمر علي بن الجهم فقال فيه:

لعـائن الـلـه مـوفــرات

 

مصبحـاتٍ ومـهـجـرات

على ابن عبد الملـك الـزيات

 

عرض شمل الملك للشتـات

يرمي الدواوين بتـوقـيعـات

 

معقدات غير مفـتـوحـات

أشبه شيء برقـي الـحـيات

 

كأنها بالزيت مـدهـونـات

بعد ركوب الطوف في الفرات

 

وبعد بيع الزيت بالـحـبـات

سبحان من جل عن الصفـات

 

هارون يا بن سيد الـسـادات

أما ترى الأمور مـهـمـلات

 

تشكو إليك عـدم الـكـفـاة

وهي أبيات، فهم الواثق بالقبض على ابن الزيات، وقال: لقد صدق، قائل هذا الشعر، ما بقي لنا كاتب. فطرح نفسه على إسحاق بن إبراهيم، وكانا مجتمعين على عداوة بن أبي داود، فقال للواثق: أمثل ابن الزيات -مع خدمته وكفايته- يفعل به هذا، وما جنى عليك وما خانك، وإنما دلك على خونة أخذت ما اختانوه، فهذا ذنبه!.

وبعد، فلا ينبغي لك أن تعزل أحداً أو تعد مكانه جماعةً يقومون مقامه، فمن لك بمن يقوم مقامه؟ فمحا ما كان في نفسه عليه ورجه له.

وكان إيتاخ صديقاً لابن أبي داود، فكان يغشاه كثيراً، فقال له بعض كتابه: إن هذا بينه وبين الوزير ما تعلم، وهو يجيئك دائماً، ولا تأمن أن يظن الوزير بك ممالأة عليه؛ فعرفه ذلك، فلما دخل ابن أبي داود إليه خاطبه في هذا المعنى، فقال: إني والله ما أجيئك متعززاً بك من ذلة، ولا متكثراً من قلة، ولكن أمير المؤمنين رتبك رتبة أوجبت لقاءك، فإن لقيناك فله، وإن تأخرنا عنه فلنفسك، ثم خرج من عنده فلم يعد إليه.

وفي هذه القصة أخبار كثيرة يطول ذكرها، ليس هذا موضعها، وإنما ذكرنا ها هنا هذا القدر منها كما يذكر الشيء بقرائنه.

صوت

عش فحبيك سريعاً قـاتـلـي

 

والضنى إن لم تصلني واصلي

ظفر الشوق بـقـلـب دنـف

 

فيك والسقم بجسـم نـاحـل

فهما بين اكتـئابٍ وضـنـى

 

تركاني كالقضـيب الـذابـل

الشعر لخالد الكاتب، والغناء للمسدود، رمل مطلق في مجرى الوسطى، وذكر جحظة أن هذا الرمل أخذ عنه، وأنه صوت سمعه فكتبه.