أخبار المؤمل ونسبه

أخبار المؤمل ونسبه

اسمه ونسبه  المؤمل بن أميل بن أسيد المحاربي. من محارب بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر، شاعر كوفي من مخضرمي شعراء الدولتين الأموية والعباسية، وكانت شهرته في العباسية أكثر، لأنه كان من الجند المرتزقة معهم ومن يخصهم، ويخدمهم من أوليائهم، وانقطع إلى المهدي في حياة أبيه وبعده. وهو صالح المذهب في شعره ليس من المبرزين الفحول ولا المرذولين، وفي شعره لين، وله طبع صالح.

يتمنى العمى فيستجاب له وكان يهوى امرأة من أهل الحيرة يقال لها هند، وفيها يقول قصيدته المشهورة:

شف المؤمل يوم الحيرة النظر

 

ليت المؤمل لم يخلق له بصر

يقال: إنه رأى في منامه رجلاً أدخل أصبعيه في عينيه، وقال: هذا ما تمنيت، فأصبح أعمى.
المهدي يغدق والمنصور ينتقص أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا عبد الله بن الحسن الحراني، قال: حدثني أبو قدامة، قال: حدثني المؤمل قال: قدمت على المهدي وهو بالري، وهو إذ ذاك ولي عهد، فامتدحته بأبيات، فأمر لي بعشرين ألف درهم، فكتب بذلك صاحب البريد إلى أبي جعفر المنصور، وهو بمدينة السلام يخبره أن الأمير المهدي أمر لشاعر بعشرين ألف درهم، فكتب إليه يعذله ويلومه، ويقول له: إنما ينبغي أن تعطي لشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم، وكتب إلى كاتب المهدي أن يوجه إليه بالشاعر، فطلب، ولم يقدر عليه، وكتب إلى أبي جعفر أنه قد توجه إلى مدينة السلام، فأجلس قائداً من قواده على جسر النهروان، وأمره أن يتصفح الناس رجلاً رجلاً، فجعل لا يمر به قافلة، إلا تصفح من فيها، حتى مرت به القافلة التي فيها المؤمل، فتصفحهم، فلما سأله من أنت؟ قال: أ،ا المؤمل بن أميل المحاربي الشاعر، أحد زوار الأمير المهدي، فقال: إياك طلبت، قال المؤمل: فكاد قلبي ينصدع خوفاً من أبي جعفر.
فقبض علي، وأسلمني إلى الربيع، فأدخلني إلى أبي جعفر، وقال: هذا الشاعر الذي أخذ من المهدي عشرين ألفاً، قد ظفرنا به، فقال: أدخلوه إلي، فأدخلت إليه، فسلمت تسليم فزع، مروع، فرد السلام، وقال: ليس لك ها هنا إلا خير، أنت المؤمل بن أميل؟ قلت: نعم، أصلح الله أمير المؤمنين أنا المؤمل بن أميل، قال: أتيت غلاماً غراً، فخدعته فانخدع؟ قلت: نعم، أصلح الله الأمير، أتيت غلاماً غراً كريماً، فخدعته فانخدع قال: فكأن ذلك أعجبه، فقال: أنشدني ما قلت فيه فأنشدته:

هو الـمـهـدي إلا أن فـيه

 

مشابهة من القمر المـنـير

تشابه ذا وذا فهـمـا إذا مـا

 

أنارا مشكلان على البصـير

فهذا في الظلام سراج لـيل

 

وهذا في النهار ضياء نـور

ولكن فضل الرحمـن هـذا

 

على ذا بالمنابر والـسـري

وبالملك العـزيز فـذا أمـير

 

وماذا بالأمـير ولا الـوزير

وبعض الشهر ينقص ذا وهذا

 

منير عند نقصان الشـهـور

فيا بن خليفة الله المصـفـى

 

به تعلو مفاخرة الفـخـور

لئن فت الملوك وقد تـوافـوا

 

إليك من السهولة والوعـور

لقد سبق الملوك أبوك حتـى

 

بقوا من بين كاب أو حسـير

وجئت مصلياً تجري حثـيثـاً

 

وما بك حين تجري من فتور

فقال النـاس مـا هـذان إلا

 

كما بين الخليق إلى الجـدير

لئن سبق الكبير لأهل سبـق

 

له فضل الكبير على الصغير

وإن بلغ الصغير مدى كبـير

 

فقد خلق الصغير من الكبير

فقال: والله لقد أحسنت، ولكن هذا لا يساوي عشرين ألف درهم، فأين المال؟ قلت: هو هذا، قال: يا ربيع، امض معه، فأعطه أربعة آلاف درهم، وخذ الباقي. قال المؤمل: فخرج معي الربيع، وحط ثقلي، ووزن لي من المال أربعة آلاف درهم، وأخذ الباقي. فلما ولي المهدي الخلافة ولى ابن ثوبان المظالم، فكان يجلس للناس بالرصافة، فإذا ملأ كساءه رقاعاً رفعها إلى المهدي، فرفعت إليه رقعة، فلما دخل بها ابن ثوبان جعل المهدي ينظر في الرقاع، حتى إذا وصل إلى رقعتي ضحك، فقال له ابن ثوبان: أصلح الله أمير المؤمنين! ما رأيتك ضحكت من شيء من هذه الرقاع إلا من هذه الرقعة، فقال: هذه الرقعة، فقال: هذه رقعة أعرف سببها، ردوا إليه عشرين ألف درهم، فردوها إلي وانصرفت.

يبايع موسى وهارون فيأخذ بدرة ونصفا أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن سعد بن أبي سعد قال: حدثني الحكم بن موسى السلولي، قال: حدثني سعد بن أخي العوفي قال: قدم على المهدي في بيعة ابن ابنيه موسى وهارون المؤمل بن أميل المحاربي والحسين بن يزيد بن أبي الحكم السلولي وقد أوفدهما هاشم بن سعد الحميري من الكوفة، فقدما على المهدي في عسكره، فأنشده المؤمل:

هاك بـــياعـــنـــا يا خــــــير وال

 

فقـد جـدنـا بـه لـك طـــائعـــينـــا

فإن تـفـعـل فــأنـــت لـــذاك أهـــل

 

ففـصـلـك يا بـن خـير الـنـاس فـينـــا

وعـد لـك يا بـن وارث خــير خـــلـــق

 

نبـي الـلـه خـير الـمـرســـلـــينـــا

فإن أبـــا أبـــيك وأنـــت مـــنـــه

 

هو الـعــبـــاس وارثـــه يقـــينـــا

أبـان بـه الـــكـــتـــاب وذاك حـــق

 

ولـسـنـا لـلـكـتـاب مـكــذبـــينـــا

بكـم فـتـحـت وأنـتـــم غـــير شـــك

 

لهـا بـالـعـدل أكـرم خـاتــمـــينـــا

فدونـكـهـا فـأنـت لـهـــا مـــحـــل

 

حبـاك بـهـا إلـه الـعـالـــمـــينـــا

ولو قيدت لغيركم اشمأزت وأعيت أن تطيع القائدينا

 

 

فأمر لهما بثلاثين ألف درهم، فجيء بالمال، فألقي بينهما، فأخذ كل واحد منهما بدرة، وصدع الأخرى بينهما، فأخذ هذا نصفاً وهذا نصفا.

يتلف في ضحكه كل مال أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن عبد الله بن أمين عن أبي محمد اليزيدي، عن المؤمل بن أميل قال: صرت إلى المهدي بجرجان فمدحته بقولي:

تعز ودع عنك سلمـى وسـر

 

حثيثاً على سائرات البـغـال

وكـل جـواد لـه مـــيعة

 

يخب بسرحك بعد الـكـلال

إلى الشمس شمس بني هاشـم

 

وما الشمس كالبدر أو كالهلال

ويضحكـه أن يدوم الـسـؤال

 

ويتلف في ضحكه كل مـال

فاستحسنها المهدي، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، وشاع الشعر وكان في عسكره رجل يعرف بأبي الهوسات، يغني، فغنى في الشعر لرفقائه، وبلغ ذلك المهدي فبعث إليه سراً، فدخل عليه، فغناه، فأمر له بخمسة آلاف درهم، وأمر لي بعشرة آلاف درهم أخرى، وكتب بذلك صاحب البريد إلى المنصور.

ثم ذكر باقي الخبر على ما تقدم قبله، وزاد فيه: أن المنصور قال له: جئت إلى غلام حدث، فخدعته، حتى أعطاك من مال الله عشرين ألف درهم لشعر قلته فيه، غير جيد وأعطاك من رقيق المسلمين ما لا يملكه، وأعطاك من الكراع والأثاث ما أسرف فيه، يا ربيع خذ منه ثمانية عشر ألف درهم، وأعطه ألفين، ولا تعرض لشيء من الأثاث والدواب والرقيق، ففي ذلك غناؤه. فأخذت والله مني بخواتمها، ووضعت في الخزائن، فلما ولي المهدي دخلت إليه في المتظلمين. فلما رآني ضحك وقال: مظلمة أعرفها، ولا أحتاج إلى بينة عليها، وجعل يضحك، وأمر بالمال فرد إلي بعينه، وزاد فيه عشرة آلاف.

لا لحم فيه ولا دم أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال: حدثني حذيفة بن محمد الطائي قال: حدثني أبي قال: رأيت المؤمل شيخاً مصفراً نحيفاً أعمى، فقلت له: لقد صدقت في قولك:

وقد زعموا لي أنها نذرت دمي

 

ومالي بحمد الله لحـم ولا دم

فقال: نعم – فديتك – وما كنت أقول إلا حقاً.

قال محمد بن القاسم: وحدثني عبد الله بن طاهر أن أول هذا الشعر:

حلمت بكم في نومتي فغضـبـتـم

 

ولا ذنب لي إن كنت في النوم أحلم

سأطرد عني النـوم كـيلا أراكـم

 

إذا ما أتاني النوم والـنـاس نـوم

تصارمني واللـه يعـلـم أنـنـي

 

أبر بها مـن والـديهـا وأرحـم

صوت

وقد زعموا لي أنها نذرت دمي

 

ومالي بحمد الله لحـم ولا دم

برى حبها لحمي ولم يبق لي دمـا

 

وإن زعموا أني صحيح مسـلـم

فلم أر مثل الحب صح سقـيمـه

 

ولا مثل من لا يعرف الحب يسقم

ستقتل جلداً بالياً فـوق أعـظـم

 

وليس يبالي القتل جلد وأعـظـم

في هذه الأبيات التي أولها:

وقد زعموا لي أنها نذرت دمي

لنبيه لحن من خفيف الثقيل المطلق في مجرى الوسطى عن ابن المكي.

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني محمد بن أحمد بن علي، قال: لما قال المؤمل:

شف المؤمل يوم الحيرة النظر

 

ليت المؤمل لم يخلق له بصر

عمي، وأري في منامه: هذا ما تمنيت.

أخبرني حبيب بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال حدثني علي بن الحسن الشيباني: قال: رأى المؤمل في منامه قائلا يقول: أنت المتألي على الله ألا يعذب المحبين حيث تقول:

يكفي المحبين في الدنيا عذابهم

 

والله لا عذبتهم بعدها سقـر

فقال له: نعم، فقال: كذبت يا عدو الله، ثم أدخل إصبعيه في عينيه وقال له: أنت القائل:

شف المؤمل يوم الحيرة النظر

 

ليت المؤمل لم يخلق له بصر

هذا ما تمنيت، فانتبه فزعاً، فإذا هو قد عمي.
لا ترضى مضر بقتله أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا أحمد بن زهير قال: حدثنا مصعب الزبيري قال: أنشد المهدي قول المؤمل:

قتلت شاعر هذا الحي من مضر

 

والله يعلم ما ترضى بذا مضر

فضحك، وقال: لو علمنا أنها فعلت ما رضينا، ولغضبنا له وأنكرنا.

صوت

بكيت حذار البين علما بمـا الـذي

 

إليه فؤادي عـنـد ذلـك صـائر

وقال أناس لو صبـرت وإنـنـي

 

على كل مكروه سوى البين صابر

الشعر لأبي مالك الأعرج؛ والغناء لإبراهيم الموصلي خفيف ثقيل بالوسطى من جامع صنعته ورواية الهشامي.
قال الهشامي: وفيه ليزيد حوراء ثاني ثقيل، ولسليم ثقيل أول.