أخبار القتال ونسبه

أخبار القتال ونسبه

القتال لقب غلب عليه، لتمرده وفتكه. واسمه: عبد الله بن المضرحي بن عامر الهصان ابن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ويكنى أبا المسيب، وأمه عمرة بنت حرقة بن عوف بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر ابن كلاب.

وقد ذكرها في شعرها وفخر بها، فقال:

لقـد ولـدتـنـي حـرة ربـعـية

 

من اللاء لم يحضرن في القيظ ذبذبا

نسخت من كتاب لمحمد بن داود ن الجراح خبره، وذكر أن عبد الله بن سليمان السجستاني دفعه إليه وأخبره أنه سمعه من عمر بن شبة وأجاز له روايته، وأخبرني بأكثر رواية عمر بن شبة هذه الأخفش عن السكري عنه في أخبار اللصوص وجمعت ذلك أجمع.

قال عمر بن شبة: حدثني حميد بن مالك بن يسار المسمعي قال: حدثني شداد بن عقبة ابن رافع بن زمل بن شعيب بن الحارث بن عامر بن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب. وكانت أم رافع جنوب بنت القتال. وحدثني شيخ من بني أبي بكر بن كلاب، يكنى أبا خالد، أيضاً بحديث القتال ، قال أبو خالد:  

كان القتال قتال ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، يتحدث إلى ابنة عم يقال لها العالية بنت عبيد الله ، وكان لها أخ غائب يقال له: زياد بن عبيد الله . فلما قدم رأى القتال يتحدث إلى أخته، فنهاه وحلف: لئن رآه ثانية ليقتلنه. فلما كان بعد ذلك بأيام رآه عندها ، فأخذ السيف وبصر به القتال، فخرج هارباً، وخرج في إثره، فلما دنا منه ناشده القتال بالله والرحم، فلم يلتفت إليه فبينا هو يسعى، وقد كاد يلحقه، وجد زمحاً مركوزاً – وقال للسكري : وجد سيفاً – فأخذه وعطف على زياد فقتله، وقال:

نهيت زياداً والمقامة بيننـا

 

وذكرته أرحام سعر وهيثم

فلما رأيت أنه غير منتـه

 

أملت له كفي بلدن مقـوم

ولما رأيت أنني قد قتلتـه

 

ندمت عليه أي ساعة مندم

وقال أيضاً :

نهيت زياداً والمقـامة بـينـنـا

 

وذكرته بالله حـولاً مـجـرمـا

فلما رأيت أنـه غـير مـنـتـه

 

ومولاي لا يزداد إلا تـقـدمـا

أملت له كفي بـأبـيض صـارم

 

حسام إذا ما صادف العظم صمما

بكف امرئ لم تخدم الحـي أمـه

 

أخي نجدات لم يكن متهضـمـا

ثم خرج هارباً، وأصحاب القتيل يطلبونه، فمر بابنة عم له تدعى: زينب، متنحية عن الماء، فدخل عليها، فقالت له: ويحك! ما دهاك؟ قال: ألقي علي ثيابك، فألقت عليه ثيابها، وألبسته برقعها ، وكانت تمس حناء، فأخذ الحناء فلطخ بها يديه وتنحت عنه، ومر الطلب له ، فلما أتوا البيت قالوا وهم يظنون أنه زينب… أين الخبيث؟ فقال لهم : أخذ ها هنا ، لغير الوجه الذي أراد أن يأخذه. فلما عرف أن قد بعدوا أخذ في وجه آخر، فلحق بعماية، وعماية جبل، فاستتر فيه، وقال في ذلك:

فمن مبلغ فتيان قومي أنـنـي

 

تسميت لما شبت الحرب زينبـا

وأرخيت جلبابي على نبت لحيتي

 

وأبديت للناس البنان المخضبـا

وقال أيضاً :

جزى الله عنا والجزاء بكفـه

 

عماية خيراً أم كـل طـريد

فما يزدهيها القوم ن نزلوا بها

 

وإن أرسل السلطان كل بريد

حمتني منها كل عنقاء عيطل

 

وكل صفاً جم القلات كؤود

فمكث بعماية زماناً يأتيه أخ له بما يحتاج إليه، وألفه نمر في الجبل كان يأوي معه في شعب .

وأخبرني عبد الله بن مالك، قال: حدثني محمد بن حبيب، عن ابن الكلبي، قال: كان القتال الكلابي أصاب دماً، فطلب به، فهرب إلى جبل يقال له عماية، فأقام في شعب من شعابه، وكان يأوي إلى ذلك الشعب نمر، فراح إليه كعادته، فلما رأى القتال كشر عن أنيابه، ودلع لسانه فجرد القتال سيفه من جفنه، فرد النمر لسانه، فشام القتال سيفه ، فربض بإزائه، وأخرج براثنه، فسل القتال سهامه من كنانته ، فضرب بيده وزأر، فأوتر القتال قوسه، وأنبض وترها ، فسكن النمر وألفه.

فقال ابن الكلبي في هذا الخبر، ووافقه عمر بن شبة في روايته: كان النمر يصطاد الأروى ، فيجيء بما يصطاده، فيلقيه بين يدي القتال، فيأخذ منه ما يقوته ، ويلقي الباقي للنمر فيأكله، وكان القتال يخرج إلى الوحش فيرمي بنبله ، فيصيب منه الشيء بعد الشيء، فيأتي به الكهف، فيأخذ لقوته بعضه، ويلقي الباقي للنمر. وكان القتال إذا ورد الماء قام عليه النمر حتى يشرب، ثم يتنحى القتال عنه ويرد النمر، فيقوم عليه القتال حتى يشرب، فقال القتال في ذلك من قصيدة له:

ولي صاحب في الغار يعدل صاحباً

 

أبا الـجـون إلا أنـه لا يعـلـل

أبو الجون: صديق كان يأنس به، فشبهه به . وفي رواية عمر بن شبة : أخي الجون، فإن القتال كان له أخ اسمه الجون، فشبهه به:

كلانا عدو لا يرى فـي عـدوه

 

مهزاً وكل في العداوة مجمـل

إذا ما التقينا كان أنس حديثـنـا

 

صماتاً وطرف كالمعابل أطحل

لنا مورد قلت بأرض مـضـلة

 

شريعتـنـا: لأينـا جـاء أول

تضمنت الأروى لنا بشـوائنـا

 

كلانا له منها شديف مخـردل

فأغلبه في صنعة الزاد إنـنـي

 

أميط الأذى عنه وما إن يهلـل

أي ما يسمي الله تعالى عند صيده .

أخبرني اليزيدي قال: حدثني عمي الفضل عن إسحاق الموصلي، وأخبرني به محمد بن جعفر الصيدلاني، عن الفضل، عن إسحاق. وأخبرني به وسواسة بن الموصلي عن حماد، عن أبيه، قال: قال أبو المجيب أبو شداد بن عقبة: دعا رجل من الحي يقال له أبو سفيان، القتال الكلابي إلى وليمة، فجلس القتال ينتظر رسوله ولا يأكل حتى انتصف النهار، وكانت عنده فقرة من حوار، فقال لامرأته:

فإن أبا سفيان لـيس بـمـولـم

 

فقومي فهاتي فقرة من حوارك

قال إسحاق: فقلت له: ثم مه؟ قال: لم يأت بعده بشيء، إنما أرسله يتيماً. فقلت له: لمه ؟ أفلا أزيدك إليه بيتاً آخر ليس بدونه؟ قال؟: بلى، قلت:

فبيتك خير من بيوت كـثـيرة

 

وقدرك خير من وليمة جارك

فقال: بأبي أنت وأمي، والله لقد أرسلته مثلاً ، وما انتظرت به العرب، وإنك لبز طراز ما رأيت بالعراق مثله، وما يلام الخليفة أن يدنيك ويؤثرك ويتملح بك، ولو كان الشباب يشترى لابتعته لك بإحدى يدي، ويمنى عيني، وعلى أن فيك بحمد الله بقية تسر الودود، وترغم الحسود.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال: حدثني عمر بن شبة قال: كان للقتال ابنان، يقال لأحدهما المسيب، وللآخر عبد السلام، ولعبد السلام يقول:

عبد السلام تأمل هل ترى ظعناً

 

أني كبرت وأنت اليوم ذو بصر

لا يبعد الله فتياناً أقـول لـهـم

 

بالأبرق الفرد لما فاتني نظري

ألا ترون بأعلى عاسم ظعـنـاً

 

نكبنا فحلين واستقبلنا ذا بـقـر

وقال أبو زيد عمر بن شبة من رواية ابن داود عنه: حدثني سعيد بن مالك قال: حدثني شداد بن عقبة قال: اقتتل بنو جعفر بنو كلاب وبنو العجلان بن كعب بن ربيعة بن صعصعة، فقتلت بنو جعفر بن كلاب رجلاً من بني العجلان، قال شداد، وكان جدة القتال أم أبيه عجلانية، وهي خولة بنت قيس بن زياد بن مالك بن العجلان، فاستبطأ القتال أخواله بني العجلان في الطلب بثأرهم من بني جعفر، وجعل يحضهم ويحرضهم، فقال في ذلك ، وقد بلغه أنهم أخذوا من بني جعفر دية المقتول، فعيرهم بما فعلوا وقال:

لعمري لحي من عقيل لقيتهـم

 

بخطمة أو لاقيتهم بالمنـاسـك

عليهم من الحوك اليماني بـزة

 

على أرحبيات طوال الحوارك

أحب إلى نفسي وأملح عندهـا

 

من السروات آل قيس بن مالك

إذا ما لقيت عصبة جعـفـرية

 

كرهتم بني اللكعاء وقع النيازك

فلستم بأخوالي فلا تصلـبـنـى

 

ولكنما أمي لإحدى العـواتـك

قصار العماد لا ترى سرواتهـم

 

مع الوفد جثامون عند المبارك

قتلتم فلما أن طلبتم عـقـلـتـم

 

كذلك يؤتى بالذلـيل كـذلـك

وقال ابن حبيب: خرج ابن هبار القرشي إلى الشام في تجارة أو إلى بعض بني أمية، فاعترضته جماعة فيهم القتال الكلابي وغيره، فقتلوه وأخذوا ماله. وشاع خبره، فاتهم به جماعة من بني كلاب وغيرهم من فتاك العرب، فأخذوا وحبسوا، أخذهم عامل مروان بن الحكم، فوجههم إليه وهو بالمدينة، فحبسهم ليبحث عن الأمر، ثم يقتل، قتله ابن هبار، فلما خشي القتال أن يعلم أمره، ورأى أصحابه ليس فيهم من غناء – اغتال السجان فقتله، وخرج هو ومن كان معه من السجن فهربوا ، فقال يذكر ذلك:

أميم أثيبي قبـل جـد الـتـزيل

 

أثيبي بوصل أو بصرم معجـل

أميم وقد حملت ما حمل امـرؤ

 

وفي الصرم إحسان إذا لم تنولي

وهي قصيدة طويلة يقول فيها:

وإني وذكر أم حسـان كـالـفـتـى

 

متى ما يذق طعم المـدامة يجـهـل

ألا حبذا تلـك الـبـلاد وأهـلـهـا

 

لو أن عذابي بالـمـدينة ينـجـلـي

برزت لها من سجن مـروان غـدوة

 

فآنستـهـا بـالأيم لـم تـتـحـول

وآنست حياً بالمـطـالـي وجـامـلاً

 

أبابيل هطلى بـين راع ومـهـمـل

نظرت وقد جل الدجى طامس الصوى

 

بسلع وقرن الشمـس لـم يتـرجـل

وشبت لنا نار للـيلـى صـبـاحـه

 

يذكى بعود جمـرهـا وقـرنـفـل

يضيء سناها وجه ليلـى كـأنـمـا

 

يضيء سناها وجه أدمـاء مـغـزل

علا عظمها واستعجلت عن لداتها

 

وشبت شباباً وهي لما تسـربـل

ولما رأيت الباب قد حيل دونـه

 

وخفت لحاقاً من كتاب مؤجـل

حملت علي المكروه نفساً شريفة

 

إذا وطئت لم تستقد للـتـذلـل

وكالئ باب السجن ليس بمنـتـه

 

وكان فراري منه ليس بمؤتلـي

إذا قلت رفهني من السجن ساعة

 

وتمم بها النعمى علي وأفضـل

يشد وثاقاً عابـسـاً ويغـلـنـي

 

إلى حلقات من عمود موصـل

فقلت له والسيف يعضب رأسـه

 

أنا ابن أبي تيماء غير المنحـل

عرفت ناديا من نداه وشيمـتـي

 

وريحاً تغشاني إذا اشتد مسحلي

تركت عتاق الطير تحجل حولـه

 

على عدواء كالحوار المـجـدل

وقال أبو زيد في خبره: وأنشدني شداد للقتال الكلابي يذكر قتل ابن هبار:

تركت ابن هبار لدى الباب مسنداً

 

وأصبح دوني شابة وأرومـهـا

بسيف امرئ ما إن أخبر باسمه

 

وإن حقرت نفسي إلي همومها

وهكذا روى ابن حبيب وعمر بن شبة.

ونسخت من كتاب للشاهيني بخطه في شعر للقتال وأخبار من أخباره قال: حبس القتال في دم ابن عمه الذي قتله، فحبس زماناً في السجن ، ثم كان بين ابن هبار القرشي وبين ابن عم له من قريش إحنة ، فبلغ ابن عمه أن القتال محبوس في سجن المدينة ، فأتاه فقال له: أرأيت أن أنا أخرجتك أتقتل ابن عمي المعروف بابن هبار؟ قال: نعم ، قال: سأرسل إليك بحديدة في طعامك، فعالج بها قيدك حتى تفكه ثم البسه حتى لا تنكر، فإذا خرجت من الوضوء فاهرب من الحرس، فإني جالس لك ومخلصك ومعطيك فرساً تنجو عليه، وسيفاً تمتنع به، فإن خلصك ذلك وإلا فأبعدك الله، فقال: قد رضيت.

قال: وكان أهل المدينة يخرجون المحتبسين ، إذا أمسوا للوضوء، ومعهم الحرس، ففعل ما أمره به ، وأتاه القرشي فخلصه وآواه ، وحتى أمسك عنه الطلب، ثم جاء به وأعطاه سيفاً، فقتل ابن عمه المعروف بابن هبار، ووهب له نجيباً، فنجا عليه وقال:

تركت ابن هبار لدى الباب مسنداً

 

وأصبح دوني شابة وأرومـهـا

بسيف امرئ لا أخبر الناس باسمه

 

ولو أجهشت نفسي إلي همومها

وقال أبو زيد: عمر بن شبة فيما رواه عن أصحابه: مر القتال بعلية بنت شيبة بن عامر بن ربيعة بن كعب بن عمرو بن عبد بن أبي بكر وأخويها: جهم وأويس، فسألها زماماً فأبت أن تعطيه، وكانت جدتهم أم أبيهم أمة يقال لها، أم حدير وكانت لقريظة بن حذيفة بن عمار بن ربيعة بن كعب بن عبد بن أبي بكر، فولدت له أم هؤلاء ، واسمها نجيبة، فولدت له علية هذه، فقال القتال يهجوهم:

يا قبح الله صبياناً تـجـيء بـهـم

 

أم الهنيبر من زنـد لـهـا واري

من كل أعلم منشـق مـشـافـره

 

ومؤذن ما وفى شبراً بمـشـبـار

يا ويح شيماء لم تنـبـذ بـأحـرار

 

مثلي إذا ما اعتراني بعض زواري

إن القريظين لم يدعوك كنـتـهـم

 

فأقصري آل مـسـعـود ودينـار

أما الإماء فما يدعـونـنـي ولـداً

 

إذا تحدث عن نقضـي وأمـراري

يا بنت أم حذير لو وهـبـت لـنـا

 

ثنتين من محكم بالـقـد أوتـاري

أما جديداً وإمـا بـالـياً خـلـقـاً

 

عاد العذارى لقطـيعة بـأسـيار

لكان ردءاً قليلاً واعتجـنـت لـه

 

صهباء مقعها حاجي وأسـفـاري

أنا ابن أسماء أعمامي لهـا وأبـي

 

إذا ترامى بنو الإموان بـالـعـار

قد جرب الناس عودي يقرعون بـه

 

وأقصروا عن صليب غير خـوار

ما أرضع الدهر إلا ثدي واضـحة

 

لواضح الوجه يحمي حوزة الجار

يستلب القرن مهريه وصـعـدتـه

 

حقاً وينـزع عـنـه ذات أزرار

من آل سفيان أو ورقاء يمنـعـهـا

 

تحت العجاجة طعن غـير عـوار

يمنعها كل مذرور، بـصـعـدتـه

 

نضح الدباء، على عريان مغـوار

تسمع فيهم إذا استسمعـت واعـية

 

عزف القيان وقولا يال عـرعـار

طوال أنضية الأعنـاق لـم يجـدوا

 

ريح الإماء إذا راحـت بـأزفـار

والقوم أعلـم أنـا مـن خـيارهـم

 

إذا تقلدت عضبـاً غـير مـيشـار

فرا بسيري وبرد الليل يضـربـنـي

 

عرض الفـلاة يبـنـيان وأكـوار

أما الرواسم أطلاحاً فتـعـرفـنـي

 

إذا اعتصبت على رأسي بأطـمـار

ولم أنازع بني الـسـوداء فـيئهـم

 

والعظلميات مـن يعـر وأمـهـار

فكل سوداء لم تحلق عقـيقـتـهـا

 

كأن أصداغها يطـلـين بـالـقـار

لقد شرتني بنو بكر فمـا ربـحـت

 

ولا رأيت عليها جـزأة الـشـاري

إن العروق إذا استنزعتها نـزعـت

 

والعرق يسري إذا ما عرس الساري        

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: أنشدني الأصمعي للقتال رائية يقول فيها:

إن العروق إذا استنزعتها نزعـت

 

العرق يسري إذا ما عرس الساري

قد جرب الناس عودي يقرعون بـه

 

فأقصروا عن صليب غير خـوار

فقال: لقد أحسن وأجاد، لولا أنه أفسدها بقوله إنه طلب جعلاً فلم يعطه، وكان في دناءة نفسه يشبه الحطيئة، وكان فارساً شاعراً شجاعاً .

وقال السكري في روايته: زوج القتال ابنته أم قيس – واسمها قطاة – رذاذ بن الأخرم بن مالك بن مطرف بن كعب بن عوف بن عبد بن أبي بكر، فمكثت عنده زماناً، و ولدت له أولاداً ثم أغارها فشكت إلى أبيها، فاستعدى عليه ورماه بخادمها، وجاء رذاذ بالبينة على قذفه إياه بالأمة فأقيم ليضرب، فلم تنتصر له عشيرته، وقامت عشيرة رذاذ فاستوهبوا حده من صاحبهم، فوهبه لهم، وكانت عشيرة القتال تبغضه لكثرة جناياته، وما يلحقها من أذاه، ولا تمنعه من مكروه، فقال يهجو قومه:

إذا ما لقيتم راكباً مـتـعـمـمـاً

 

فقولوا له: ما الراكب المتعـمـم؟

فإن يك من كعب بن عبـد فـإنـه

 

لئيم المحيا حالك الـلـون أدهـم

دعوت أبا كعـب ربـيعة دعـوة

 

وفوقي غواشي الموت تنحى وتنجم

ولـم أك أدري أنـه ثـكـل أمـه

 

إذا قيل للأحرار في الكربة اقدموا

فلو كنت من قـوم كـرام أعـزة

 

لحاميت عني حين أحمى وأضـرم

دعوت فكم أسمعت من كل مـؤذن

 

قبيح المحيا شانه الوجـه الـفـم

سوى أن آن الحارث الخير ذببـوا

 

بأعيط لا وغل ولا مـتـهـضـم

إلا إنهم قومي وقوم بـن مـالـك

 

بنو أم ذئب وابن كـبـشة خـيثـم

ولكنما قومي قـمـاشة حـاطـب

 

يجمعها بالكف، والليل مـظـلـم

قال أبو زيد: وحدثني ابن شداد بن عتبة قال: كانت عند القتال بنت ورقاء بن الهيثم به الهصان، وكان جاراً لبني الحصين بن الحويرث بن كعب بن عبد بن أبي بكر، وكانت لها ضرة عنده يقال لها أم رياح بنت ميسرة بن نفير بن الهصان، وهي أم جنوب بنت القتال فخرج القتال في سفر له فلما آب منه أقبل حين أناخ إلى أهله، فوجد عند بنت ورقاء جرير بن الحصين، فلما رأى جرير القتال نهض، فسأل القتال عنه، فقالت له امرأته أم رياح – وهو صفية ويقال ضفيفة بنت الحارث بن الهصان -: إن هذا البيت لبيت لا نزال نسمع فيه ما لا يعجبنا فطلق القتال بنت ورقاء، وهي حامل، فولدت له بعد طلاقها المسيب ابنه.
وقال السكري في خبره: فقال القتال في ذلك:

ولما أن رأيت بني حصـين

 

بهم جلف إلى الجارات بـاد

خلعت عذارها ولهيت عنهـا

 

كما خلع العذار من الجواد

وقلت لها: عليك بني حصين

 

فما بيني وبينك مـن عـواد

أناديهـا بـأسـفـل واردات

 

نكدت أبا المسيب من تنادي؟

وفي رواية السكري:

أنـاديهـا ومـا يوم كـيوم

 

قضى فيه امرؤ وطر الفؤاد

فرحت كأنني سيف صقـيل

 

وعزت الجارة بن أبي قراد

قال: ثم إن كلاب بن ورقاء بن حذيفة بن عمار بن ربيعة بن كعب بن عبد بن أبي بكر، نحر جزوراً وصنع طعاماً وجمع القوم عليه وقال: كلوا أيها الفتيان ، فإن الطعام فيكم خير منه في الشيوخ . فقال القتال: أنا والله خير للفتيان منك، أرى المرأة قد أعجبت أحدهم فأطلقها له . وفي القوم جرير بن الحصين الذي كان وجده عند امرأته فرفع جرير السوط فضرب به أنف القتال.
ثم إنهم أعطوا القتال حقه فلم يقبله حتى أدرك ابناه: المسيب وعبد السلام.

وقال السكري: حتى احتلم ولده الأربعة، وهم حبيب، وعبد الرحمن، وعبد الحي وعمير، وأمهم: ريا بنت نفر بن عامر بن كعب بن أبي بكر، فحملهم على الخيل حين أظلم الليل، ثم أتى بهم بني حصين فلقي لقاحاً لهم ثمانين ، فأشمرها وبات يسوقها، لا تتخلف ناقة إلا عقرها حتى حبسها على الحصى، حين طلعت الشمس، والحصى : ماء لعبد الله بن أبي بكر، فحبسها وزجرهم عنها، حتى جاء بنو حصين فعقلوا له من ضربته أربعين بكرة وأهدرت الضربة، وإنما أخذ الأربعين بكرة مكرهاً، لأن قومه أجبروه على ذلك.

قال شداد: وفي ابنه عبد السلام، يقول:

عبد السلام تأمل هل ترى ظعنـاً

 

إني كبرت وأنت اليوم ذو بصر

لا يبعد الله فتيانـاً أقـول لـهـم

 

بالأبرق الفرد لما فاتني نظري

يا هل ترون بأعلى عاصم ظعناً

 

نكبن فحلين واستقبلن ذا بـقـر

صلى على عمرة الرحمن وابنتها

 

ليلى وصلى على جاراتها الأخر

هن الحرائر لا ربات أحـمـرة

 

سود المحاجر لا يقرأن بالسور

قال أبو زيد: وحدثني شداد بن عقبة قال: أتى الأخرم بن مالك بن مطرف بن كعب بن عوف بن عبد بن أبي بكر ومحصن بن الحارث بن الهصان في نفر من بني أبي بكر القتال وهو محبوس، فشرطوا عليه ألا يذكر عالية في شعره، وهي التي ينسب بها في أشعاره، فضمن ذلك لهم، فأخرجوه من السجن عشاء، ثم راح القوم من السجن، وراح القتال معهم، حتى إذا كان في بعض الليل انحدر يسوق بهم، ويقول:

قلت له يا أخرم بن مال

إن كنت لم تزر على أوصالي

ولم تجدني فاحش الخلال

فارفع لنا من قلص عجال

مستوسقات كالقطا عبال

لعلنا نطرق أم عال

تخيري خيرت في الرجال

بين قصير باعه تنبال

وأمه راعية الجمال

تبيت بين القدر والجعال

أذاك أم منخرق السربال

كريم عم وكريم خال

متلف مال ومفيد مال

ولا تزال آخر الليالي

فلوصه تعثر في النقال

النقال: المناقلة .
قال شداد: فنزل القوم فربطوه، ثم آلوا ألا يحلوه حتى يوثق لهم بيمين ألا يذكرها أبداً، ففعل وحلوه . قال: وهي امرأة من بني نصر بن معاوية، وكانت زوجة رجل من أشراف الحي.

قال: وحدثني أبو خالد، قال: كانت لعم القتال سرية، فقال له القتال: لا تطأها ، فإنا قوم نبغض أن تلد فينا الإماء، فعصاه عمه، فضربها القتال بسيفه فقتلها، فادعى عمه أنه قتلها وفي بطنها جنين منه، فمشى القتال إليها فأخرجها من قبرها، وذهب معه بقوم عدول، وشق بطنها وأخرج رحمها حتى رأوه ر حمل فيه، فكذبوا عمه، فقال ، في ذلك:

أنا الذي انتشلتها انتشـالاً

 

ثم دعوت غلـمة أزوالا

فصدعوا وكذبوا ما قالا

 

 

وقال وأنشدني أيضاً:

أنا الذي ضربتها بالمنصل

 

عند القرين السائل المضل

ضرباً بكفي بطل لم ينكل

 

 

وقال السكري في روايته: أراد القتال أن يتزوج بنت المحلق بن حنتم، فتزوجها عبد الرحمن بن صاغر البكائي، فلقي مولاة لها يقال لها: جون، فقال لها: ما فعلت؟ قالت: تزوجها عبد الرحمن بن صاغر؛ فقال: ما لها ولعبد الرحمن؟ فقالت له: ذاك ابن فارس عراد. قال: فأنا بن فارس ذي الرحل، وأنا ابن فارس العوجاء ، ثم انصرف وأنشأ يقول:

يا بنت جون أبانت بـنـت شـداد؟

 

نعم لعمري لغور بعـد إنـجـاد

لمطلع الشمس ما هذا بمنـحـدر

 

نحو الربيع ولا هذا بـإصـعـاد

قالت فوارس عراد، فقلت لـهـا:

 

وفيم أمي من فـرسـان عـراد

فرسان ذي الرحل والعوجاء وابنتها

 

فدى لهـم رهـط رداد وشـداد

والقصيدة التي في أولها الغناء المذكور، يقولها القتال يحض أخاه وعشيرته على تخلصه من المطالبة التي يطالب بها في قتل زياد بن عبيد الله، واحتمال العقل عنه، ويلومهم في قعودهم عن المطالبة بثأر لهم قبل بني جعفر بن كلاب.
وكان السبب في ذلك فيما ذكره عمر بن شبة، عن حميد بن مالك عن أبي خالد الكلابي، قال: كان عمرو بن سلمة بن سكن بن قريظ بن عبد بن أبي بكر، أسلم فحسن إسلامه و وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستقطعه حمى بين الشقراء ، والسعدية، والسعدية: ماء لعمرو بن سلمة، والشقراء: ماء لبني قتادة بن سكن بن قريظ، وهي رحبة طولها تسعة أميال في ستة أميال، فأقطعه إياها، فأحمها ابنه جحوش، فاسترعاه نفر من بني جعفر بن كلاب خيلهم وفيهم أحدر بن بشر بن عامر بن مالك بن جعفر، فأرعاهم فحملوا نعمهم مع خيلهم بغير إذنه، فأخبر بذلك فغضب وأراد إخراجهم منه، فقاتلوه، فكانت بينهم شجاج بالعصي والحجارة، من غير رمي ولا طعان ولا تسايف، فظهر عليهم جحوش، ثم تداعوا إلى الصلح ومشت السفراء بينهم على أن يدعوا جميعاً الجراحات، فتواعدوا للصلح بالغداة، وأخ لجحوش يقال له سعيد في حلقه سلعة، وهو شنج متنح عن الحي عند امرأة من بني أبي بكر ترقبه، فرجع إلى أخيه ومعه رجلان من قومه، يقال لأحدهما: محرز بن يزيد، وللآخر: الأخدر بن الحارث، فلقيهم قراد بن الأخدر بن بشر بن عامر بن مالك، وابن عمه أبو ذر بن أشهل، ورجل آخر من الجعفريين، فحمل قراد على سعيد فطعنه فقتله، فحذف محرز بن يزيد فرس قراد فعقرها، فأردفه أبو ذر خلفه، ولحفوا بأصحابهم الجعفريين، وأوقد جحوش بن عمرو نار الحرب في رأس جرعاء طويلة، فاجتمعت إليه بنو أبي بكر، وخرج قراد هارباً إلى بشر بن مروان، وهو ابن عمته، حتى إذا كان بالقنان ، حميت عليه الشمس، فأناخ إلى بيت امرأة من بني أسد، فقال في بيتها، فبينا هو نائم إذ نبهته الأسدية فقالت له : ما دهاك ويحك؟ انظر إلى الطير تحوم حول ناقتك، فخرج يمشي إلى ناقته، فإذا هي قد خدجت، والطير تمزق ولدها، فجاء فأخبرها، فقالت: إن لك لخبراً فأصدقني عنه، فلعله أن يكون لك فيه فائدة، فأخبرها أنه مطلوب بدم، فهو هارب طريد، قالت: فهل وراءك أحد تشفق عليه؟ فقال: أخ لي يقال له جبأة وهو أحب الناس إلي. قالت: إنه في أيدي أعداءك، فارجع أو امض، فخرج لوجهه إلى بشر.

قال: ولما حرض القتال قومه على الطلب بثأرهم في الجعفريين وعيرهم بالقعود عنهم مضى جميعهم لقتال بني جعفر، فقال لهم الجعفريون: يا قومنا، ما لنا في قتالكم حاجة ، وقاتل صاحبكم قد هرب وهذا أخوه جبأة، فاقتلوه ، فرضوا بذلك فأخذوا جبأة ، فلما صاروا بأسود العين قدمه جحوش فضرب عنقه بأخيه سعيد .
ومما قاله القتال في تحريضهم في قصيدة طويلة:

فيا لأبي بكـر ويا لـجـحـوش

 

ولله مولى دعوة لا يجـابـهـا

أفي كل عام لا تـزال كـتـيبة

 

ذؤيبية تهفو عليكم عقـابـهـا؟

لهم جزر منكم عـبـيط كـأنـه

 

وقاع الملوك فتكها واغتصابهـا

وأنتم عديد فـي حـديد وشـكة

 

وغاب رماح يجوف القلب غابها

يسقى بن بشر ثم يمسح بطـنـه

 

وحولي رجال ما يسوغ شرابها

فما الشر كل الشر لا خير بعـده

 

على الناس إلا أن تذل رقابهـا

نساء بن بشر بـدن ونـسـاؤنـا

 

بلايا عليها كل يوم سـلابـهـا

تنام فتقضي نومة الليل عرسـه

 

وأم سعيد ما تنـام كـلابـهـا

فإن نحن لم نغضب لهم فنثيبهـم

 

وكل يد موف إلينـا ثـوابـهـا

فنحن بنو اللائي زعمتم وأنـتـم

 

بنو محصنات لم تدنس ثيابـهـا

ألا لـــلـــه درك مـــن

 

فتـى قـوم إذا رهــبـــوا

وقالوا: مـن فـتـى لـلـحـر

 

ب يرقـبـنـا ويرتـقـــب

فكـنـت فـتـاهـم فـيهــا

 

إذا يدعـى لـهــا يثـــب

ذكـرت أخـي فـعـاودنــي

 

صداع الـرأس الـوصـــب

كمـا يعـتـاد ذات الـبـــو

 

بعـد سـلـوهـا الـطــرب

فدمـع الـعـين مـن بـرحـا

 

ء ما في الصـدر ينـسـكـب

كما أودى بماء الشـنة

 

المخروزة الـسـرب

على عبد بن زهرة طو

 

ل هذا الليل أكـتـئب

الشعر لأبي العيال الهذلي والغناء لمعبد ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق وابن المكي وغيرهما مما لا يشك فيه من صنعته، وفي الثالث والرابع من الأبيات لمالك خفيف ثقيل عن الهشامي، ومن الناس من ينسبه إلى معبد أيضاً، وفي الأول والثاني والثالث لمعبد أيضاً خفيف رمل بالوسطى، عن عمرو بن بانة، وذكر الهشامي وحماد بن إسحاق أنه لابن عائشة، وفيه لمالك هزج بالبنصر فيما ذكر حبش.