أخبار العطوي

أخبار العطوي

هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي عطية مولى بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ويكنى أبا عبد الرحمن بصري المولد والمنشأ.
وكان شاعراً كاتباً من شعراء الدولة العباسية، واتصل بأحمد بن أبي داود، وتقرب إليه بمذهبه وتقدمه فيه بقوة جداله عليه، فلما توفي أحمد نقصت حاله، وله فيه مدائح يسيرة، ومرات كثيرة.

منها ما أنشدنيه الأخفش عن كوثرة أخي العطوي:  

حنطته يا نصـر بـالـكـافـور

 

وزففته للمنزل الـمـهـجـور

هلا ببعض خصاله حـنـطـتـه

 

فيضوع أفق منـازل وقـبـور؟

تالله لو من نـشـر أخـلاق لـه

 

يعزى إلى التقديس والتطـهـير

حنطت من سكن الثرى وعلا الربا

 

لتـزودوه عـدة لـنـشـــور

فاذهب كما ذهب الوفـاء فـإنـه

 

ذهبت به ريحاً صـبـاً ودبـور

واذهب كما ذهب الشباب فـإنـه

 

قد كان خير مصاحب وعـشـير

والـلـه مـا أبـنـتــه لأزيده

 

شرفاً ولكن نفثة الـمـصـدور

وأنشدني الأخفش للعطوي أيضاً يرثي أحمد بن أبي داود قال:

وليس صرير النعش ما تسمعونه

 

ولكنه أصلاب قوم تقـصـف

وليس نسيم المسك رياً حنوطـه

 

ولكنه ذاك الثناء المـخـلـف

وذكر محمد بن داود في كتاب الشعراء ،فقال: كان له فن من الشعر لم يسبق إليه، ذهب فيه إلى مذهب أصحاب الكلام، ففاق جميع نظرائه، وخف شعره على كل لسان، وروي، واستعمله الكتاب، واحتذوا معانيه، وجعلوه إماماً.

قال ابن داود :وحدثني المبرد: قال: كان العطوي – وهو عندنا بالبصرة – لا ينطق بالشعر، ثم ورد علينا شعره لما صار إلى سر من رأى، وكنا نتهاداه، وكان مقتراً عليه رزقه، دفراً وسخاً، منهوماً بالنبيذ، وله فيه في وصف الصبوح وذكر الندامى والمجالس أحسن قول، وليس له قول يسقط، فمن ذلك قوله:

فيئي إلى أهدى السبل

 

قولاً وعلماً وعـمـل

قاتلهـا الـلـه لـقـد

 

سامتكما إحدى العضل

تقول هـلا رحـلـه

 

تنقلنـا خـير نـقـل

أخشى علـى حـائلة

 

الآمال جوال الأجـل

أخبرني علي بن سليمان الأخفش: قال: حدثني محمد بن يزيد: قال: سمع العطوي رجلاً يحدث أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب: إن فلاناً قد جمع مالاً، فقال عمر بن الخطاب: فهل جمع له أياماً؟ فأخذ العطوي هذا المعنى فقال:

أرفه بعيش فتىً يغدو على ثـقة

 

إن الذي قسم الأرزاق يرزقـه

فالعرض منه مصون لا يدنسـه

 

والوجه منه جديد ليس يخلقـه

جمعت مالاً ففكر هل جمعت له

 

يا جامع المال أياماً تفـرقـه؟

المال عندك مخزون لـوارثـه

 

ما المال مالك إلا حين تنفقـه

ومن قوله في الندمان والنبيذ مما يغني فيه ما أنشدنيه الأخفش وغيره من شيوخنا:

فكم قالوا تمن فقلـت كـأس

 

يطوف بها قضيب في كثيب

وندمان تساقطـنـي حـديثـاً

 

كلحظ الحب أو غض الرقيب

الغناء في هذين البيتين لذكاء وجه الززة خفيف رمل.

أخبرني عمي: قال: حدثني كوثرة أخو العطوي قال: كان أخي أبو عبد الرحمن يشرب مع أصدقاء له من الكتاب، ومعهم قينة يقال لها: مصباح، من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم غناء، فما زالوا في قصف وعزف إلى أن انقطع نبيذهم، فبقوا حيارى، وكانوا قريباً من منزل أبي العباس أحمد بن الحسين بن موسى بن جعفر بن محمد العلوي، وكان صديقاً لأبي عبد الرحمن فكتب إليه:

يا بن من طاب في المواليد مذ آ

 

دم جراً إلى الحـسـين أبـيه

أنا بالقرب منك عـنـد كـريم

 

قد ألحت عليه شهب سـنـيه

عنده قـينة إذا مـا تـغـنـت

 

عاد منا الفقيه غـير فـقـيه

تزدهيني وأين مثلي في الـف

 

هم تغنيه ثـم لا تـزدهـيه؟

مجلس كالرياض حسناً ولكـن

 

ليس قطب السرور واللهو فيه

فأقمه بما بـه يمـتـري دن ع

 

جوز خـمـارة مـمـتـريه

وبأشياخك الكرام إلى الـسـؤ

 

دد موسى بن جعفـر وأبـيه

إن تحشمتـنـي وإن كـان إلا

 

مثل ما يأنس الفتـى بـأخـيه

قال: فلما وصلت الرقعة إلى أبي العباس أرسل إليهم براوية شراب، فلم يزالوا يشربون مجتمعين، حتى نفدت في أخفض عيش.
حدثني أبو يعقوب إسحاق بن الضحاك بن الخصيب الكاتب: قال:  

جاءني يوماً أبو عبد الرحمن العطوي بعد وفاة عمي أحمد بن الخصيب بسنتين، وكان صديقه وصنيعته ،فجلس عندي يحادثني حديثه، ويبكي ساعة طويلة، ثم تغيمت السماء وهطلت، فسألته أن يقيم عندي، فحلف ألا يفعل إلا بعد أن أحضره من وقتي ما راج من الطعام، وأتكلف له شيئاً، ففعلت وجئته بما حضر، فقال لي: ما فعلت عقد؟ قلت: باقية، وهي في يومنا هذا مقيمة عندي، والساعة تسمع غناءها، فقال لي: عجل إذن فإن النهار قصير، ثم أنشأ يقول:

أدر الكأس قد تعالى النهار

 

ما يميت الهموم إلا العقار

صاح هذا الشتاء فاغد عليها

 

إن أيامه لـذاذ قـصـار

أي شيء ألذ من يوم دجـن

 

فيه كأس على الندامى تدار

وقيان كـأنـهـن ظـبـاء

 

فإذا قلن قـالـت الأوتـار

حدثني عمي: قال: حدثني كوثرة: قال: كان لأبي عبد الحمن صديق من الأدباء، وكان يتعشق جارية من جواري القيان يقال لها: عثعث، وكان لا يقدر عليها إلا على لقاء عسير، واجتماع يسير، فأرسل إليها يوماً، فأحضرها وأصلح جميع ما يحتاج إليه، واتفق أن كان ذلك في يوم رذاذ به من الطيب والحسن ما الله به عليم، فكتب إليه صديقه يعرفه الخبر، ويسأله المصير إليه ووصف له القصة بشعر، فقال:

يوم مـطــير وعـــيش نـــضـــير

 

وكـأس تــدور وقـــدر تـــفـــور

وعـثـعـث تـأتـي إذا جــئتـــنـــا

 

فتـسـمـع مـنـهـا غـنـاء يصـــور

وعندي وعندك ما تشتهيه شعر يمر وعلم يدور

 

 

وإذا كان هذا كما قد وصفت

 

فإن الـتـفـرق خـطــب كـــبـــير

فقم نـصـطـبـح قـبـل فـوت الـزمـان

 

فإن زمـان الـتـلـهـي قـــصـــير

قال: فسار إليه صاحبه فمر لهما أحسن يوم وأطيبه.
وهذا الشعر أخذه العطوي من كلام إسحاق، أخبرني به وسواسة بن الموصلي عن حماد عن أبيه: قال: كان يألفني بعض الأعراب وكان طيباً، فجاءني يوماً، فقلت له: لم أرك أمس، فقال: دعاني صديق لي، فقلت: صف لي ما كنتم فيه، فقال لي: كنا في مجلس نظامه سرور بين قدور تفور، وكأس تدور، وغناء يصور، وحديث لا يحور وندامى كأنهن البدور.

قال إسحاق: وقلت لأعرابي: كان يألفني: أين كنت بالأمس؟ قال: كنت عند بعض ملوك سر من رأى، فأدخلني إلى قبة كإيوان كسرى، وأطعمني في قصار تترى، وغنتني جارية سكرى، تلعب بالمضراب كأنه مدري، فيا ليتني لقيتها مرة أخرى.

قال إسحاق: وقلت لبعض الأعراب: طلبتك أمس فلم أجدك فأين كنت؟ قال: كنت عند صديق لي، فأطعمني بنات التنانير، وأطعمني أمهات الأبازيز وحلواء الطناجير ، وسقاني زعاف القوارير، وأسمعني غناء الشادن الغرير، على العيدان والطنابير، قد ملكت بأوقار الدراهم والدنانير.

قرأت في بعض الكتب بغير إسناد: أن العطوي كان يوماً جالساً في منزله، وطرقه صديق له ممن كان يغني بسر من رأى، فقال له: قد أهديت إليك جواري اليوم ونبيذاً يكفيك، وحسبك بالكفاية. وأقام عنده، فدخل عليه غلام أمرد أحسن من القمر، فاحتبسوه وكتب العطوي إلى صديق له من أهل الأدب:

يومنا طيب بـه حـسـن الـق

 

صف وحث الأرطال والكاسات

ما ترى البرق كيف يلمع فـيه

 

ورشاشاً يبل في الـسـاعـات

ولدينا ظبـي غـرير ظـريف

 

قد غنينا به عـن الـقـينـات

إن تخلفت بعد ما تصل الـرق

 

عة عنا فأنت فـي الأمـوات

فأجابه الرجل فقال:

أنا في إثر رقعتي فاعـلـمـن ذا

 

ك على أنـنـي مـن الـبـيات

فأفهم الشرط بيننا لا تـقـل لـي

 

قد تثاقلت فانصرف بـحـياتـي

لا لسوء لكن لأمتـع نـفـسـي

 

بحديث الظبي الغرير المـواتـي

أيا بيت ليلى إن ليلـى مـريضة

 

برادان لا خال لديها ولا ابن عـم

ويا بيت ليلى لو سهدتك أعولـت

 

عليك رجال من فصيح ومن عجم

ويا بيت ليلى لا يبسـت ولا تـزل

 

بلادك سقياها من الواكف الـديم

الشعر لمرة بن عبد الله النهدي، والغناء لأحمد النصيبي ثقيل أول بالوسطى، يقال إنه لحنين.