أخبار العرجي ونسبه

أخبار العرجي ونسبه

نسب العرجي من قبل أبويه

هو عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس. وقد شرح هذا النسب في نسب أبي قطيفة. وأم عفان وجميع بني أبي العاص آمنة بنت عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كعب. وأم عثمان أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس. وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهي أخت عبد الله بن عبد المطلب أبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لأمه “وأبيه” ولدا في بطنٍ واحدٍ. وأم عمرو بن عثمان أم أبان بنت جندب الدوسية.

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء والطوسي قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني علي بن صالح عن يعقوب بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال حدثني محرز بن جعفر عن أبيه عن جده قال: قدم جندب بن عمرو بن حممة الدوسي المدينة مهاجراً في خلافة عمر بن الخطاب، ثم مضى إلى الشأم وخلف ابنته أم أبان عند عمر، وقال له: يا أمير المؤمنين، إن وجدت لها كفئاً فزوجه بها ولو بشراك نعله، وإلا فأمسكها حتى تلحقها بدار قومها بالسراة. فكانت عند عمر، واستشهد أبوها، فكانت تدعوا عمر أباها ويدعوها ابنته. قال: فإن عمر على المنبر يوماً يكلم الناس في بعض الأمر إذ خطر على قلبه ذكرها، فقال: من له في الجميلة الحسيبة بنت جندب بن عمرو بن حممة، وليعلم امرؤٌ من هو! فقام عثمان فقال: إنا يا أمير المؤمنين. فقال أنت لعمر الله! كم سقت إليها؟ قال: كذا وكذا. قال: قد زوجتكها، فعجله؛ فإنها معدة. قال: ونزل عن المنبر. فجاء عثمان رضي الله عنه بمهرها، فأخذه عمر في ردنه فدخل به عليها، فقال: يا بنية، مدي حجرك، ففتحت حجرها، فألقى فيه المال، ثم قال: يا بنية، قولي اللهم بارك لي فيه. فقالت: اللهم بارك لي فيه، وما هذا يا أبتاه؟ قال: مهرك. فنفحت به وقالت: واسوأتاه! فقال: احتسبي منه لنفسك ووسعي منه لأهلك، وقال لحفصة: يا بنتاه، أصلحي من شأنها وغيري بدنها واصبغي ثوبها، ففعلت. ثم أرسل بها مع نسوةٍ إلى عثمان. فقال عمر لما فارقته: إنها أمانةٌ في عنقي أخشى أن تضيع بيني وبين عثمان، فلحقهن فضرب على عثمان بابه، ثم قال: خذ أهلك بارك الله لك فيهم. فدخلت على عثمان، فأقام عندها مقاماً طويلاً لا يخرج إلى حاجة. فدخل عليه سعيد بن العاص فقال له: يا أبا عبد الله، لقد أقمت عند أهل الدوسية مقاماً ما كنت تقيمه عند النساء. فقال: أما إنه ما بقيت خصلةٌ كنت أحب أن تكون في امرأة إلا صادفتها فيها ما خلا خصلةً واحدةً. قال: وما هي؟ قال: إني رجل قد دخلت في السن، وحاجتي في النساء الولد، وأحسبها حديثةً لا ولد فيها اليوم. قال: فتبسمت. فلما خرج سعيدٌ من عنده قال لها عثمان: ما أضحكك. قالت: قد سمعت قولك في الولد، وإني لمن نسوةٍ ما دخلت امرأةٌ منهن على سيد قط فرأت حمراء حتى تلد سيد من هو منه. قال: فما رأت حمراء حتى ولدت عمرو بن عثمان. وأم عمر بن عمرو بن عثمان وأم ولدٍ. وأم العرجي آمنة بنت عمر بن عثمان؛ وقال إسحاق: بنت سعيد بن عثمان، وهي لأم ولد.

سبب تلقبه بالعرجي

ونحوه نحو عمر بن أبي ربيعة في شعره

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي: أنه إنما لقب العرجي لأنه كان يسكن عرج الطائف. وقيل: بل سمي بذلك لماءٍ كان له ومالٍ عليه بالعرج. وكان من شعراء قريش، ومن شهر بالغزل منها، ونحا نحو عمر بن أبي ربيعة في ذلك وتشبه به فأجاد. وكان مشغوفاً باللهو والصيد حريصاً عليهما قليل المحاشاة لأحدٍ فيهما. ولم يكن له نباهةٌ في أهله، وكان أشقر أزرق جميل الوجه. وجيداء التي شبب بها هي أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان ينسب بها ليفضح ابنها لا لمحبةٍ كانت بينهما؛ فكان ذلك سبب حبس محمد إياه وضربه له، حتى مات في السجن.

وأخبرني محمد بن مزيد إجازةً عن حماد بن إسحاق فذكر أن حماداً حدثه عن إسحاق عن أبيه عن بعض شيوخه: أن العرجي كان أزرق كوسجاً ناتىء الحنجرة، وكان صاحب غزلٍ وفتوةٍ، وكان يسكن بمالٍ له في الطائف يسمى العرج؛ فقيل له العرجي ونسب إلى ماله. وكان من الفرسان المعدودين مع مسلمة بن عبد الملك بأرض الروم، وكان له معه بلاءٌ ونفقة كثيرة.

قال إسحاق: قد ذكر عتبة بن إبراهيم اللهبي: أن العرجي فيما بلغه باع أموالاً عظاماً كانت له وأطعم ثمنها في سبيل الله حتى نفد ذلك كله. وكان قد اتخذ غلامين، فإذا كان الليل نصب قدره وقام الغلامان يوقدان، فإذا نام واحد قام الآخر، فلا يزالان كذلك حتى يصحبا، يقول: لعل طارقاً يطرق.

أخبرني حبيب بن نصر قال حدثنا أحمد بن أبي خيثمة قال حدثني مصعب، وأخبرنا الحرمي عن الزبير عن عمه مصعب، وعن محمد بن الضحاك بن عثمان عن أبيه قال، دخل حديث بعضهم في بعضٍ، وأخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن مصعب قال:

العرجي خليفة عمر بن أبي ربيعة

كانت حبشيةٌ من مولدات مكة ظريفةٌ صارت إلى المدينة، فلما أتاهم موت عمر بن أبي ربيعة اشتد جزعها وجعلت تبكي وتقول: من لمكة وشعابها وأباطحها ونزهها ووصف نسائها وحسنهن وجمالهن ووصف ما فيها! فقيل لها: خفضي عليك؛ فقد نشأ فتى من ولد عثمان رضي الله عنه يأخذ مأخذه ويسلك مسلكه. فقالت: أنشدوني من شعره، فأنشدوها؛ فمسحت عينها وضحكت وقالت: الحمد لله الذي لم يضيع حرمه.

العرجي وكلابة مولاة العبلى

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثني الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عوركٍ اللهبي: أن مولاةً لثقيف يقال لها كلابة كانت عند عبد الله بن القاسم الأموي العبلي، وكان يبلغها تشبيب العرجي بالنساء وذكره لهن في شعره، وكانت كلابة تكثر أن تقول: لشد ما اجترأ العرجي على نساء قريش حين يذكرهن في شعره! ولعمري ما لقي أحداً فيه خير، ولئن لقيته لأسودن وجهه! فبلغه ذلك عنها. قال إسحاق في خبره: وكان العبلى نازلاً على ماء لبني نصر بن معاوية يقال له الفتق على ثلاثة أميال من مكة على طريق من جاء من نجران أنو تبالة إلى مكة، والعرج أعلاها قليلاً مما يلي الطائف. فبلغ العرجي أنه خرج إلى مكة، فأتى قصره فأطاف به، فخرجت إليه كلابة وكان خلفها في أهله، فصاحت به: إليك، ويلك! وجعلت ترميه بالحجارة وتمنعه أن يدنو من القصر. فاستسقاها ماءً فأبت أن تسقيه، وقالت: لا يوجد والله أثرك عندي أبداً فيلصق بي منك شر. فانصرف وقال: ستعلمين! وقال:

صوت

حورٌ بعثن رسولاً فـي مـلاطـفةٍ

 

ثقفاً إذا غفل الـنـسـاءة الـوهـم

إلي أن إيتـنـا هـدأً إذا غـفـلـت

 

أحراسنا وافتضحنا إن هم علـمـوا

فجئت أمشي على هولٍ أجـشـمـه

 

تجشم المرء هولاً في الهوى كـرم

إذا تخوفت مـن شـيءٍ أقـول لـه

 

قد جف فامض بشيءٍ قدر القـلـم

أمشي كما حـركـت ريحٌ يمـانـيةٌ

 

غصناً من البان رطباً طلـه الـديم

في حلةٍ من طراز السوس مشـربةٍ

 

تعفو بهدابـهـا مـا أثـرت قـدم

خلت سبيلي كما خـلـيت ذا عـذرٍ

 

إذا رأته عتاق الـخـيل ينـتـجـم

وهن في مجلسٍ خـالٍ ولـيس لـه

 

عين عليهـن أخـشـاهـا ولا نـدم

حتى جلست إزاء الباب مكتـتـمـاً

 

وطالب الحاج تحت الليل مكـتـتـم

أبدين لي أعيناً نجلاً كمـا نـظـرت

 

أدمٌ هجانٌ أتاها مصـعـبٌ قـطـم

قالت كلابة من هذا؟ فقلـت لـهـا

 

أنا الذي أنت من أعـدائه زعـمـوا

أنا امرؤٌ جد بي حبٌّ فأحـرضـنـي

 

حتى بليت وحتى شفنـي الـسـقـم

لا تكلينـي إلـى قـومٍ لـو أنـهـم

 

من بغضنا أطعموا الحمى إذاً طعموا

وأنعمي نعمةً تجزي بأحـسـنـهـا

 

فطالما مسني من أهلـك الـنـعـم

ستر المحبين في الدنـيا لـعـلـهـم

 

أن يحدثوا توبةً فـيهـا إذا أثـمـوا

هذي يميني رهنٌ بالـوفـاء لـكـم

 

فارضي بها ولأنف الكاشح الرغـم

قالت رضيت ولكن جئت في قـمـرٍ

 

هلا تلبثت حتى تدخـل الـظـلـم

فبت أسقي بـأكـواسٍ أعـل بـهـا

 

من باردٍ طاب منها الطعم والنـسـم

حتى بدا ساطعٌ للفجر نـحـسـبـه

 

سنى حريقٍ بليلٍ حـين يضـطـرم

كغرة الفرس المنسوب قد حسـرت

 

عنه الجلال تلالا وهـو يلـتـجـم

ودعتهـن ولا شـيءٌ يراجـعـنـي

 

إلا البنان وإلا الأعـين الـسـجـم

إذا أردن كلامي عنده اعتـرضـت

 

من دونه عبراتٌ فانثنـى الـكـلـم

تكاد إذ رمن نهضاً للـقـيام مـعـي

 

أعجازهن من الأنصاف تنـقـصـم

 

قال: فسمع ابن القاسم العبلي بالشعر يغنى به، وكان العرجي قد أعطاه جماعةً من المغنين وسألهم أن يغنوا فيه، فصنعوا في أبياتٍ منه عدة ألحان، وقال: والله لا أجد لهذه الأمة شيئاً أبلغ من إيقاعها تحت التهمة عند ابن القاسم ليقطع مأكلتها من ماله. قال: فلما سمع العبلي بالشعر يغنى به أخرج كلابة واتهمها، ثم أرسل بها بعد زمانٍ على بعير بين غرارتي بعرٍ، فأحلفها بمكة بين الركن والمقام إن العرجي كذب فيما قاله. فحلفت سبعين يميناً، فرضي عنها وردها. فكان بعد ذلك إذا سمع قول العرجي:

فطالما مسني من أهلم النعم

 

قال: كذب والله ما مسه ذلك قط. وقال إسحاق: وقد قيل: إن صاحب هذه القصيدة “والقصة” أبو حراب العبلي، وإن كلابة كانت أمةً لسعدة بنت عبد الله بن عمرو بن عثمان، وكان العرجي قد خطبها وسميت به، ثم خطبها يزيد بن عبد الملك أو الوليد بن يزيد فزوجته، فقال العرجي هذا الشعر فيها. غنى في قوله:

أمشي كما حركت ريحٌ يمانيةٌ

 

علي بن هشام هزجاً مطلقاً بالبنصر، وفيه للمسدود هزجٌ آخر طنبوريٌ، ذكر ذلك جحظة. وفي:

لا تكليني إلى قومٍ لو أنهم

 

رملٌ لابن سريج عن ابن المكي وإسحاق بالسبابة في مجرى الوسطى. وفي “قالت كلابة” والذي بعده لعبيد الله بن أبي غسان لحنٌ من خفيف الرمل. ولنبيه في “أنا امرؤ جد بي” وما بعده، هزجٌ بالوسطى. ولدحمان في “حورٌ بعثن” وما بعده، هزجٌ بالوسطى، وروى عنه الهشامي فيه ثقيلاً أول. ولأبي عيسى بن المتوكل في “وأنعمي نعمةً” وبيتين بعده، ثقيل أول.

وأخبرني بخبر العرجي وكلابة هذه الحرمي بن أبي العلاء عن الزبير بن بكار عن عمه مصعب، وأخبرني به وكيعٌ عن أبي أيوب المديني عن مصعب وذكر نحواً مما ذكره إسحاق؛ وزعما أن كلابة كانت قيمةً لأبي حراب العبلي وهو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر بن عبد شمس.

أيوب بن مسلمة وأشعب يتذكران شعره

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال أخبرني مسلمة بن إبراهيم بن هشام قال: كنت عند أيوب بن مسلمة ومعنا أشعب، فذكر قول العرجي:

أين ما قلت مت قـبـلـك أينـا

 

أين تصديق ما وعـدت إلـينـا

فلقد خفت منك أن تصرمي الحب

 

ل وأن تجمعي مع الصرم بينـا

ما تقولين في فتىً هـام إذ هـا

 

م بمن لا ينال جهـلاً وحـينـا

فاجعلي بينـنـا وبـينـك عـدلاً

 

لا تحيفي ولا يحـيف عـلـينـا

واعلمي أن في القضاء شهـوداً

 

أو يميناً فأحضري شـاهـدينـا

خلتي لو قدرت منك علـى مـا

 

قلت لي في الخلاء حين التقينـا

ما تحرجت من دمي علـم الـل

 

ه ولو كنت قد شهدت حـنـينـا

 

قال فقال أيوب لأشعب: ما تظن أنها وعدته؟ قال: أخبرك يقيناً لا ظناً أنها وعدته أن تأتيه في شعب من شعاب العرج يوم الجمعة إذا نزل الرجال إلى الطائف للصلاة، فعرض لها عارض شغلٍ فقطعها عن موعده. قال: فمن كان الشاهدان؟ قال: كسيرٌ وعوير، وكل غيرٍ خيرٌ: فندٌ أبو زيد مولى عائشة بنت سعد، وزور الفرق مولى الأنصار. قال: فمن العدل الحكم؟ قال: حصين بن غرير الحميري. قال: فما حكم به؟ قال: أدت إليه حقه وسقطت المؤنة عنه. قال: يا أشعب، لقد أحكمت صناعتك! قال: سل علامةً عن علمه.

شعره في عاتكة زوجة طريح الثقفي

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن عورك اللهبي قال: قال العرجي في امرأة من بني حبيب “بطنٍ من بني نصر بن معاوية” يقال لها عاتكة، وكانت زوجة طريح بن إسماعيل الثقفي:

يا دار عاتكة التي بالأزهـر

 

أو فوقه بقفا الكثيب الأحمر

لم ألق أهلك بعد عام لقيتهم

 

يا ليت أن لقاءهم لم يقـدر

صوت

بفناء بيتك وابن مشعب حاضـرٌ

 

في سامرٍ عطرٍ وليلٍ مقمـر

مستشعرين ملاحـفـاً هـرويةً

 

بالزعفران صباغها والعصفر

فتلازما عند الفراق صـبـابةً

 

أخذ الغريم بفضل ثوب المعسر

 

الأزهر: على ثلاثة أميال من الطائف. وابن مشعبٍ الذي عناه مغنٍّ من أهل مكة كان في زمن ابن سريج. والغناء في هذه الأبيات له رملٌ بالوسطى. قال إسحاق: كان ابن مشعب من أحسن الناس وجهاً وغناء، ومات في تلك الأيام، فأدخل الناس غناءه في غناء ابن سريج والغريض. قال: وهذا الصوت ينسبه من لا يعلم إلى ابن محرزٍ، يعني:

بفناء بيتك وابن مشعب حاضر

 

قال: وهو الذي غنى:

أقفر ممن يحله الـسـنـد

 

فالمنحنى فالعقيق فالجمـد

ويحي غداً إن غدا علي بما

 

أحذر من فرقة الحبيب غد

 

والناس ينسبونه إلى ابن سريج.

حكاية يرويها ابن مخارق عن العرجي

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن ثابت بن إبراهيم الأنصاري قال حدثني ابن مخارق قال: واعد العرجي هوىً له شعباً من شعاب عرج الطائف إذا نزل رجالها يوم الجمعة إلى مسجد الطائف. فجاءت على أتانٍ لها معها جاريةٌ لها، وجاء العرجي على حمار معه غلام له، فواقع المرأة، وواقع الغلام الجارية، ونزا الحمار على الأتان. فقال العرجي: هذا يومٌ قد غاب عذاله:

غنى العرجي

أخبرني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا النضر بن عمرو عن ابن داحة قال: كان العرجي يستقي على إبله في شملتين، ثم يغتسل ويلبس حلتين بخمسمائة دينارٍ، ثم يقول:

يوماً لأصحابي ويوماً للمال

 

مدرعةٌ يوماً ويوماً سربال

 

أخبرني محمد بن مزبد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن بعض رجاله: أن العرجي كان غازياً فأصابت الناس مجاعةٌ، فقال للتجار: أعطوا الناس وعلي ما تعطون، فلم يزل يعطيهم ويطعم الناس حتى أخصبوا، فبلغ ذلك عشرين ألف دينار، فألزمها العرجي نفسه. وبلغ الخبر عمر بن عبد العزيز فقال: بيت المال أحق بهذا، فقضى التجار ذلك المال من بيت المال.

العرجي وأم الأوقص وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي

أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير عن عمه، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري وغيره: أن العرجي خرج إلى جنبات الطائف متنزهاً، فمر ببطن النقيع فنظر إلى أم الأوقص، وهو محمد بن عبد الرحمن المخزومي القاضي، وكان يتعرض لها، فإذا رآها رمت بنفسها وتسترت منه، وهي امرأة من بني تميم، فبصر بها في نسوةٍ جالسةً وهن يتحدثن، فعرفها وأحب أن يتأملها من قرب، فعدل عنها ولقي أعرابياً من بني نصر على بكرٍ له ومعه وطبا لبنٍ، فدفع إليه دابته وثيابه وأخذ قعوده ولبنه ولبس ثيابه، ثم أقبل على النسوة فصحن به: يا أعرابي، أمعك لبنٌ؟ قال: نعم، ومال إليهن وجلس يتأمل أم الأوقص، وتواثب من معها إلى الوطبين، وجعل العرجي يلحظها وينظر أحياناً إلى الأرض كأنه يطلب شيئاً وهن يشربن من اللبن. فقالت له امرأةٌ منهن: أي شيء تطلب يا أعرابي في الأرض؟ أضاع منك شيء؟ قال: نعم قلبي. فلما سمعت التميمية كلامه نظرت إليه وكان أزرق فعرفته، فقالت: العرجي بن عمر ورب الكعبة! ووثبت وسترها نساؤها وقلن: انصرف عنا لا حاجة بنا إلى لبنك. فمضى منصرفاً، وقال في ذلك:

أقول لصاحبي ومثل ما بي

 

شكاه المرء ذو الوجد الأليم

إلى الأخوين مثلهما إذا مـا

 

تأوبه مؤرقه الـهـمـوم

لحيني والبلاء لقيت ظهـراً

 

بأعلى النقع أخت بني تميم

فلما أن رأت عيناني منهـا

 

أسيل الخد في خلقٍ عمـيم

وعيني جؤذرٍ خرقٍ وثغراً

 

كلون الأقحوان وجـيد ريم

حنا أترابها دوني علـيهـا

 

حنو العائدات على السقـيم

قال إسحاق في خبره: فقال رجل من بني جمع يقال له ابن عامر للأوقص وقضى عليه بقضية فتظلم منه: والله لو كنت أنا عبد الله بن عمر العرجي لكنت قد أسرفت علي. فضربه الأوقص سبعين سوطاً.

ابو السائب المخزومي وشعر العرجي

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثنا مصعب بن عبد الله عن أبيه قال: أتاني أبو السائب المخزومي ليلةً بعد ما رقد السامر فأشرفت عليه. فقال: سهرت وذكرت أخاً لي أستمتع به، فلم أجد سواك. فلو مضينا إلى العقيق فتناشدنا وتحدثنا! فمضينا، فأنشدته في بعض ذلك بيتين للعرجي:

سرت ناقتي حتى إذا ملت السـرى

 

وعارضها عرج الجبانة والخصـب

طواها الكرى بعد السرى بمعـرسٍ

 

جديبٍ وشيخٍ بئس مستعرض الركب

وهمت بتعريسٍ فحلـت قـيودهـا

 

إلى رجلٍ بالعرج ألأم من كـلـب

تمطى قلـيلاً ثـم جـاء بـصـربةٍ

 

وقرص شعيرٍ مثل كركرة السقـب

فقلت لـه أردد قـراك مـذمـمـاً

 

فلست إليه بالفقير ولا صـحـبـي

جزى الله خيراً خيرنا عنـد بـيتـه

 

وأنحرنا للكوم في اليوم ذي السغب

لقد علمت فهـرٌ بـأنـك شـرهـا

 

وآكل فهرٍ للخبيث من الـكـسـب

وتلبس للجـارات إتـبـاً ومـئزراً

 

ومرطاً فبئس الشيخ يرفل في الإتب

يدخن بالعـد الـيلـنـجـوج مـرةً

 

وبالضرو والسوداء والمائع الرطب

فإن قلت عثمان بن عفـان والـدي

 

فقد كان عثمانٌ بريئاً من الـوشـب

وقدماً يجيء الحي بالنسـل مـيتـاً

 

ويأتي كريم الناس بالوكل الثـلـب

له لحيةٌ قد مـزقـت فـكـأنـهـا

 

مقمةٌ حشاشٍ محالـفة الـعـشـب

 

فلما بلغ ذلك العرجي أتى عمه علي بن عبد الله بن علي العبلي فشق قميصه بين يديه وشكاه إليه. فبعث إلى ابن عدي فنهاه عنه وقال: لئن عدت لا كلمتك أبداً فكف عنه.

كان العرجي من أفرس الناس وأرماهم وأبراهم لسهم

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن سليمان بن عثمان بن يسار: رجلٍ من أهل مكة وكان هيباً أديباً قال: كان للعرجي حائطٌ يقال له العرج في وسط بلاد بني نصر بن معاوية، فكانت إبلهم وغنمهم تدخل فيه فيعقر كل ما دخل منها، فكانت تضر به ويضر بأهلها ويشكونه ويشكوهم. وكان من أفرس الناس وأرماهم وأبراهم لسهم، فكان ربما برى مائة سهمٍ من الرمان، ثم يقول: والله لا أنقلب حتى أقتل بها مائة خلفةٍ من إبل بني نصر، فيفعل ذلك.

حبس العرجي

قال إسحاق: فحدثني ابن غرير قال: لما حبس العرجي وضرب وأقيم على البلس قال:

معي ابن غريرٍ واقفاً في عبـاءةٍ

 

لعمري لقد قرت عيون بني نصر

 

فقال فتى من بني نصر يجيبه – وكان حاضراً لضربه وإقامته -:

أجل قد أقر اللـه فـيك عـيونـنـا

 

فبئس الفتى والجار في سالف الدهر

 

وقال إسحاق في خبره: قال رجلٌ للعرجي: جئتك أخطب إليك مودتك. قال: بل خذها زناً، فإنها أحلى وألذ!

تمثل امرأة بشعره في الحج

أخبرني محمد بن خلفٍ وكيعٌ قال حدثنا إسماعيل بن مجمع عن المدائني عن عبد الله بن سلم قال: قال عبد الله بن عمر العمري: خرجت حاجاً، فرأيت امرأةً جميلةً تتكلم بكلام أرفثت فيه، فأدنيت ناقتي منها، ثم قلت لها: يا أمة الله، ألست حاجةً! أما تخافين الله! فسفرت عن وجهٍ يبهر الشمس حسناً، ثم قالت: تأمل يا عم! فإنني ممن غنا العرجي بقوله:

صوت

أماطت كساء الخز عن حر وجهها

 

وأدنت على الخدين برداً مهلهـلا

من اللاء لم يحججن يبغين حسـبةً

 

ولكن ليقتلن البريء المـغـفـلا

 

قال فقلت لها: فإني أسأل الله ألا يعذب هذا الوجه بالنار. قال: وبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال: أما والله لو كان من بعض بغضاء العراق لقال لها: اغربي قبحك الله! ولكنه ظرف عباد أهل الحجاز. وقد رويت هذه الحكاية عن أبي حازم الأعرج وهو سلمة بن دينار، وقد روى أبو حازم عن أبي هريرة وسهل بن سعد وغيرهما، وروى عنه مالك وابن أبي أيوب. والحكاية عنه في هذا أصح منها عن عبد الله العمري، حدثنا بهذا وكيعٌ. والغناء في هذه الأبيات لعرارٍ المكي ثاني ثقيلٍ. وفيه خفيف ثقيلٍ لمعبدٍ، وفيها لعبد الله بن العباس الربيعي ثقيلٌ أول، ويقال إن خفيف الثقيل لابن سريج، ويقال للغريض.

غناء عبد الله بن العباس الربيعي بشعره

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني ابو ثوبة قال: قال عبد الله بن العباس: دعاني المتوكل، فلما جلست مجلس المنادمة قال لي: يا عبد الله، تغن، فغنيته في شعرٍ مدحته به، فقال: أين هذا من غنائك في:

أماطت كساء الخز عن حر وجهها

 

ومن صنعتك في:

أقفر ممن يحله سرف

 

فقلت: يا أمير المؤمنين، إن صنعتي حينئذٍ كانت وأنا شاب عاشقٌ، فإن استطعت رد شبابي وعشقي صنعت مثل تلك الصنعة. فقال هيهات! وقد لعمري صدقت، ووصلني. والأبيات التي فيها الغناء المذكور من شعر العرجي يقوله في جيداء أم محمد بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وكان يهجوه ويشبب بأمه وبامرأته، وكان محمد تياهاً شديد الكبر جباراً، فلم يزل يتطلب عليه العلل حتى حبسه وقيده بعد أن ضربه بالسوط وأقامه على البلس للناس. واختلف الرواة في السبب الذي اعتل به عليه، وقد ذكرت ذلك في رواياتهم:

هجاؤه محمد بن هشام المخزومي وتشبيبه بأمه

أخبرني بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة، وأخبرنا أحمد بن محمد بن إسحاق قال أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب ومحمد بن الضحاك الحزامي عن الضحاك بن عثمان، وذكره حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية، ونسخته أيضاً من رواية محمد بن حبيب قالوا: كان محمد بن هشام خال هشام بن عبد الملك، فلما ولي الخلافة ولاه مكة، وكتب إليه يحج بالناس، فهجاه العرجي بأشعارٍ كثيرةٍ.
منها قوله فيه:

كأن العام ليس بـعـام حـجٍّ

 

تغيرت المواسم والشكـول

إلى جيداء قد بعثوا رسـولاً

 

ليخبرها فلا صحب الرسول

ويروى: ليحزنها وهكذا يغني.

ومنها قوله:

ألا قل لمن أمسى بمكة قاطـنـاً

 

ومن جاء من عمقٍ ونقب المشلل

دعوا الحج لا تستهلكوا نفقاتـكـم

 

فما حج هذا العام بالمـتـقـبـل

وكيف يزكي حج من لم يكن لـه

 

إمامٌ لدى تجمـيره غـير دلـدل

يظل يرائي بالـصـيام نـهـاره

 

ويلبس في الظلماء سمطى قرنفل

 

فلم يزل محمدٌ يطلب عليه العلل حتى وجدها فحبسه.

قال الزبير في خبره عن عمه ومحمد الضحاك، وقال إسحاق في خبره عن أيوب بن عباية: كان العرجي يشبب بأم محمد بن هشام، وهي من بني الحارث بن كعب، ويقال لها جيداء:

صوت

عوجي علينا ربة الـهـودج

 

إنك إن لا تفعلي تحـرجـي

إني أتيحـت لـي يمـانـيةٌ

 

إحدى بني الحارث من مذحج

نلبث حولاً كـامـلاً كـلـه

 

ما نلتقي إلا على مـنـهـج

في الحج إن حجت وماذا منىً

 

وأهله إن هي لم تـحـجـج

أيسر ما نال مـحـبٌ لـدى

 

بين حبـيبٍ قـولـه عـرج

نقض إليكم حاجةً أو نـقـل

 

هل لي مما بي من مخـرج

 

قال إسحاق في خبره: فحدثني حمزة بن عتبة اللهبي قال: أنشد عطاء بن أبي رباحٍ قول العرجي:

في الحج إن حجت وماذا مني

 

وأهله إن هي لم تحـجـج

 

فقال: الخير والله كله بمنىً وأهله حجت أو لم تحج. قال: ولقي ابن سريج عطاءً وهو راكب “بمنى” على بغلته، فقال له: سألتك بالله إلا وقفت لي حتى أسمعك شيئاً. قال: ويحك! دعني فإني عجلٌ. قال: امرأته طالقٌ لئن لم تقف مختاراً للوقوف لأمسكن بلجام بغلتك ثم لا أفارقها ولو قطعت يدي حتى أغنيك وأرفع صوتي لا أسره. قال: هات وعجل؛ فغناه:

في الحج إن حجت وماذا منىً

 

وأهله إن هي لم تحـجـج

 

قال: الخير كله والله بمنى، لاسيما وقد غيبها الله عن مشاعره! خل سبيل البغلة.

أخبرنا محمد بن خلفٍ وكيعٌ قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا إبراهيم بن المنذر قال حدثني حمزة بن عتبة اللهبي عن عبد الوهاب بن مجاهد أو غيره قال: كنت مع عطاء بن أبي رباح فجاءه رجلٌ فأنشده قول العرجي:

إني أتيحـت لـي يمـانـيةٌ

 

إحدى بني الحارث من مذحج

نلبث حولاً كـامـلاً كـلـه

 

لا نلتقي إلا على مـنـهـج

في الحج إن حجت وماذا منىً

 

وأهله إن هي لم تـحـجـج

 

فقال عطاءٌ: خيرٌ كثيرٌ بمنى إذ غيبها الله عن مشاعره.

تشبيبه بزوجة محمد بن هشام

قال: وقال في زوجته جبرة المخزومية “يعني زوجة محمد بن هشام”:

صوت

عوجي علي فسلمي جبـر

 

فيم الصدود وأنتم سـفـر

ما نلتقي إلا ثـلاث مـنـىً

 

حتى يفرق بيننا الـنـفـر

الحول بعد الحول يتبـعـه

 

ما الدهر إلا الحول والشهر

 

قال حماد بن إسحاق في خبره: حدثني ابن أبي الحويرث الثقفي عن ابن عمٍّ لعمارة ابن حمزة قال حدثنا سليمان الخشاب عن داود المكي قال: كنا في حلقة ابن جريج وهو يحدثنا وعنده جماعةٌ فيهم عبد الله بن المبارك وعدةٌ من العراقيين، إذ مر به ابن تيزن المغني وقد ائتزر بمئزر على صدره، وهي إزرة الشطار عندنا، فدعاه ابن جريج فقال له: أحب أن تسمعني. قال: إني مستعجلٌ، فألح عليه؛ فقال: امرأته طالقٌ إن غناك أكثر من ثلاثة أصوات. فقال له: ويحك! ما أعجلك إلى اليمين! غنني الصوت الذي غناه ابن سريج في اليوم الثاني من أيام منى على جمرة العقبة فقطع طريق الذاهب والجائي حتى تكسرت المحامل. فغناه:

عوجي علي فسلمي جبر

 

فقال له ابن جريج: أحسنت والله! “ثلاث مرات”، ويحك! أعده. قال: من الثلاثة فإني قد حلفت. قال: أعده، فأعاده. فقال: أحسنت! فأعده من الثلاثة، فأعاده وقام ومضى، وقال: لولا مكان هؤلاء الثقلاء عندك لأطلت معك حتى تقضي وطرك. فالتفت ابن جريج إلى أصحابه فقال: لعلكم أنكرتم ما فعلت! فقالوا: إن لننكره عندنا بالعراق ونكرهه. قال: فما تقولون في الرجر؟ “يعني الحداء”. قالوا: لا بأس به عندنا: قال: فما الفرق بينه وبين الغناء؟!

اضطغان ابن هشام عليه وحبسه

قال إسحاق في خبره: بلغني أن محمد بن هشام كان يقول لأمه جيداء “بنت عفيف”: أنت غضضت مني بأنك أمي، وأهلكتني وقتلتني. فتقول له: ويحك! وكيف ذاك؟ قال: لو كانت أمي من قريش ما ولي الخلافة غيري. قالوا: فلم يزل محمد بن هشام مضطغناً على العرجي من هذه الأشعار التي يقولها فيه ومتطلباً سبيلاً عليه حتى وجده فيه، فأخذه وقيده وضربه وأقامه للناس، ثم حبسه وأقسم: لا يخرج من الحبس مادام لي سلطانٌ. فمكث في حبسه نحواً من تسع سنين حتى مات فيه.

روايات أخرى في سبب الخصومة بينهما وذكر إسحاق في خبره عن أيوب بن عباية ووافقه عمر بن شبة ومحمد بن حبيب: أن السبب في ذلك أن العرجي لاحى مولى كان لأبيه فأمضه العرجي، فأجابه المولى بمثل ما قاله له. فأمهله حتى إذا كان الليل أتاه مع جماعة من مواليه وعبيده فهجم عليه في منزله وأخذه وأوثقه كتافاً، ثم أمر عبيده أن ينكحوا امرأته بين يديه ففعلوا، ثم قتله وأحرقه بالنار. فاستعدت امرأته على العرجي محمد بن هشام فحبسه.

وذكر الزبير في خبره عن الضحاك بن عثمان: أن العرجي كان وكل بحرمه مولى له يقوم بأمورهن، فبلغه أنه يخالف إليهن، فلم يزل يرصده حتى وجده يحدث بعضهن، فقتله وأحرقه بالنار. فاستعدت عليه امرأة المولى محمد بن هشام المخزومي وكان والياً على مكة في خلافة هشام، وكان العرجي قد هجاه قبل ذلك هجاءً كثيراً لما ولاه هشامٌ الحج فأحفظه. فلما وجد عليه سبيلاً ضربه وأقامه على البلس للناس، وسجنه حتى مات في سجنه.

وذكر الزبير أيضاً في خبره عن عمه وغيره أن أشعب كان حاضراً للعرجي وهو يشتم مولاه هذا، وأنه طال شتمه إياه. فلما أكثر رد المولى عليه، فاختلط من ذلك، فقال لأشعب: اشهد على ما سمعت. قال أشعب: وعلام أشهد، قد شتمته ألفاً وشتمك واحدةً. والله لو أن أمك أم الكتاب، وأمه حمالة الحطب ما زاد على هذا! تعذيب محمد بن هشام للعرجي

وما كان يقوله العرجي من الشعر في ذلك

قال الزبير وحدثني حمزة بن عتبة اللهبي قال: لما أخذ محمد بن هشام المخزومي العرجي أخذه وأخذ معه الحصين بن غرير الحميري، فجلدهما، وصب على رءوسهما الزيت، وأقامهما في الشمس على البلس في الحناطين بمكة؛ فجعل العرجي ينشد:

سينصرني الخليفة بعـد ربـي

 

ويغضب حين يخبر عن مساقي

علي عباءةٌ بلـقـاء لـيسـت

 

مع البلوى تغيب نصف ساقي

وتغضب لي بأجمعها قـصـي

 

قطين البيت والدمث الرقـاق

ثم يصيح: يا غرير أجياد، يا غرير أجياد! فيقول له الحميري المجلود معه: ألا تدعنا! ألا ترى ما نحن فيه من البلاء! يعني بقوله: يا غرير، الحصين بن غرير الحميري المجلود معه، وكان صديقاً للعرجي وخليطاً. وذكر إسحاق تمام هذه الأبيات وأولها:

وكم من كاعبٍ حوراء بكـرٍ

 

ألوف الستر واضحة التراقي

بكت جزعاً وقد سمرت كبولٌ

 

وجامعةٌ يشد بها خـنـاقـي

على دهماء مشرفةٍ سـمـوقٍ

 

ثناها القمح مزلقة التـراقـي

علي عباءةٌ بلـقـاء لـيسـت

 

مع البلوى تغيب نصف ساقي

كأن على الخدود وهن شعـث

 

سجال الماء يبعث في السواقي

فقلت تجلداً وحلفـت صـبـراً

 

أبالي اليوم ما دفعت مـآقـي

سينصرني الخليفة بعـد ربـي

 

ويغضب حين يخبر عن مساقي

وتغضب لي بأجمعها قـصـي

 

قطين البيت والدمث الرقـاق

بمجتمع السـيول إذ تـنـحـى

 

لئام الناس في الشعب العمـاق

قال: فكان إذا أنشد هذا البيت التفت إلى ابن غرير فصاح به: يا غرير أجياد، يا غرير أجياد! يعني بني مخزوم، وكانت منازلهم في أجياد، فعيرهم بأنهم ليسوا من أهل الأبطح.

وقال الزبير في خبره ووافقه إسحاق فذكر أن رجلاً مر بالعرجي وهو واقفٌ على البلس ومعه ابن غرر وقد جلدا وحلقا وصب الزيت على رءوسهما وألبسا عباءتين واجتمع الناس ينظرون إليهما. قال: وكان الرجل صديقاً للعرجي، وكان فأفاءً، فوقف عليه فأراد أن يتوجع لما ناله ويدعو له، فلجلج لما كان في لسانه كما يفعل الفأفاء. فقال له ابن غرير: عني، لا خرجت من فيك أبداً! فقال له الرجل: فمكانك إذاً لا برحت منه أبداً.

قال: ومر به صبيانٌ يلقطون النوى، فوقفوا ينظرون إليه، فالتفت إلى ابن غرير وقال له: ما أعرف في الدنيا سخلين أشأم مني ومنك! إن هؤلاء الصبيان لأهلهم عليهم في كل يومٍ على كل واحدٍ منهم مد نوى، فقد تركوا لقطهم للنوى، وقد وقفوا ينظرون إلي وإليك وينصرفون بغير شيءٍ فيضربون، فيكون شؤمنا قد لحقهم.
قال: وقال العرجي في حبسه:

صوت

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا

 

ليوم كريهة وسداد ثـغـر

وصبرٍ عند معترك المنـايا

 

وقد شرعت أسنتها بنحري

أجرر في الجوامع كـل يومٍ

 

فيا لله مظلمتي وصـبـري

كأني لم أكن فيهم وسـيطـاً

 

ولم تك نسبتي في آل عمرو

أبو حنيفة وجار له كان يغني بشعره

أخبرني محمد بن زكريا الصحاف قال حدثنا قعنب بن المحرز الباهلي عن الأصمعي قال: كان لأبي حنيفة جارٌ بالكوفة يغني، فكان إذا انصرف وقد سكر يغني في غرفته، ويسمع أبو حنيفة غناءه فيعجبه. وكان كثيراً ما يغني:

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا

 

ليوم كريهةٍ وسداد ثـغـر

فلقيه العسس ليلةً فأخذوه وحبس، ففقد أبو حنيفة صوته تلك الليلة، فسأل عنه من غدٍ فأخبر، فدعا بسواده وطويلته فلبسهما، وركب إلى عيسى بن موسى فقال له: إن لي جاراً أخذه عسسك البارحة فحبس، وما علمت منه إلا خيراً. فقال عيسى: سلموا إلى أبي حنيفة كل من أخذه العسس البارحة، فأطلقوا جميعاً. فلما خرج الفتى دعا به أبو حنيفة وقال له سراً: ألست كنت تغني يا فتىً كل ليلةٍ:

أضاعوني واي فتىً أضاعوا

فهل أضعناك؟ قال: لا والله أيها القاضي، ولكن أحسنت وتكرمت، أحسن الله جزاءك. قال: فعد إلى ما كنت تغنيه، فإني كنت آنس به، ولم أر به باساً. قال: أفعل.

تمثل عبد الله بن علي بقوله أضاعوني

وقال إسحاق في خبره: لما حبس المنصور عبد الله بن علي، كان يكثر التمثل بقول العرجي:

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا

 

ليوم كريهةٍ وسداد ثـغـر

فبلغ ذلك المنصور، فقال: هو أضاع نفسه بسوء فعله، فكانت أنفسنا عندنا آثر من نفسه.

حكاية كناس بالبصرة كان يتمثل بهذا البيت

قال إسحاق: وقال الأصمعي: مررت بكناسٍ بالبصرة يكنس كنيفاً ويغني:

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا

 

ليوم كريهةٍ وسداد ثـغـر

فقلت له: أما سداد الكنيف فأنت ملىءٌ به. وأما الثغر فلا علم لي بك كيف أنت فيه – وكنت حديث السن فأردت العبث به – فأعرض عني ملياً، ثم أقبل علي فأنشد متمثلاً:

وأكرم نفسي إنني إن أهنتهـا

 

وحقك لم تكرم على أحدٍ بعدي

قال فقلت له: والله ما يكون من الهوان شيءٌ أكثر مما بذلتها له، فبأي شيءٍ أكرمتها؟ فقال: بلى! والله إن من الهوان لشراً مما أنا فيه. فقلت: وما هو؟ فقال: الحاجة إليك وإلى أمثالك من الناس. فانصرفت عنه أخزى الناس. قال محمد بن مزيد: فحدثني حمادٌ قال قال لي أبي: اختصر الأصمعي – فيما أرى – الجواب، وستر أقبحه على نفسه، وإلا فكناس كنيفٍ قائمٌ يكنسه ويعبث به هذا العبث، فيرضى بهذا الجواب الذي لا يجيب بمثله الأحنف بن قيس لو كانت المخاطبة له!.
اقتصاص الوليد من محمد بن هشام

وأخيه وإبراهيم بن هشام

وقال إسحاق في خبره: كان الوليد بن يزيد مضطغناً على محمد بن هشام لأشياء كانت تبلغه عنه في حياة هشام، فلما ولي الخلافة قبض عليه وعلى أخيه إبراهيم بن هشام وأشخصا إليه إلى الشأم، ثم دعا بالسياط. فقال له محمدٌ: أسألك بالقرابة. قال: وأي قرابةٍ بيني وبينك! وهل أنت إلا من أشجع! قال: فأسألك بصهر عبد الملك. قال: لم تحفظه. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضرب قرشي بالسياط إلا في حد. قال: ففي حد أضربك وقودٍ، أنت أول من سن ذلك على العرجي، وهو ابن عمي وابن أمير المؤمنين عثمان، فما رعيت حق جده ولا نسبه بهشام، ولا ذكرت حينئذ هذا الخبر، وأنا ولي ثأره، اضرب يا غلام، فضربهما ضرباً مبرحاً، وأثقلا بالحديد، ووجه بهما إلى يوسف بن عمر بالكوفة، وأمره باستصفائهما وتعذيبهما حتى يتلفا، وكتب إليه: احبسهما مع ابن النصرانية – يعني خالداً القسري – ونفسك نفسك إن عاش أحدٌ منهم. فعذبهم عذاباً شديداً، وأخذ منهم مالاً عظيماً حتى لم يبق فيهم موضعٌ للضرب. فكان محمد بن هشام مطروحاً، فإن أرادوا أن يقيموه أخذوا بلحيته فجذبوه بها. ولما اشتدت عليهما الحال، تحامل إبراهيم لينظر في وجه محمد، فوقع عليه فماتا جميعا، ومات خالدٌ القسري معهما في يومٍ واحدٍ. فقال الوليد بن يزيد لما حملهما إلى يوسف بن عمر:

قد راح نحو العراق مشخلبه

 

قصاره السجن بعده الخشبه

يركبها صاغراً بلا قـتـبٍ

 

ولا خطامٍ وحوله جلـبـه

فقل لدعجاء إن مررت بها

 

لن يعجز الله هاربٌ طلبـه

قد جعل الله بعد غلبـتـكـم

 

لنا عليكم يا دلدل الغلـبـه

لست إلى هاشـمٍ ولا أسـدٍ

 

ولا إلى نوفلٍ ولا الحجبـه

لكنما أشجعٌ أبوك سـل ال

 

كلبي لا ما يزوق الكذبـه

الرشيد وإسحاق حين غناه بيت العرجي

أضاعوني

قال إسحاق في خبره: غنيت الرشيد يوماً في عرض الغناء:

أضاعوني وأي فتىً أضاعوا

 

ليوم كريهةٍ وسداد ثـغـر

فقال لي: ما كان سبب هذا الشعر حتى قاله العرجي؟ فأخبرته بخبره من أوله إلى أن مات، فرأيته يتغيظ كلما مر منه شيءٌ. فأتبعته بحديث مقتل ابني هشام، فجعل وجهه يسفر وغيظه يسكن. فلما انقضى الحديث، قال لي: يا إسحاق! والله لولا ما حدثتني به من فعل الوليد لما تركت أحداً من أماثل بني مخزومٍ إلا قتلته بالعرجي.
والصوت الآخر من رواية جحظة عن أصحابه:

صوت

إذا ما طواك الدهر يا أم مالكٍ

 

فشأن المنايا القاضيات وشانـيا

تمر الليالي والشهور وتنقضي

 

وحبك مـا يزداد إلا تـمـاديا

خليلي إن دارت على أم مالـكٍ

 

صروف الليالي فابغيا لي ناعيا

ولا تتركاني لا لخيرٍ معـجـلٍ

 

ولا لبقاء تنـظـران بـقـائيا

الشعر للمجنون، ومن الناس من يروي البيت الأول منها لقيس بن الحدادية وهو جاهلي. والغناء لابن محرز ثاني ثقيلٍ بالوسطى. وذكر حبشٌ وابن المكي أن فيه لإسحاق لحناً آخر من الثقيل الثاني بالخنصر والبنصر.