أخبار العديل ونسبه

أخبار العديل ونسبه

اسمه ونسبه العديل بن الفرخ بن معن بن الأسود بن عمرو بن عوف بن ربيعة بن جابر بن ثعلبة بن سمى بن الحارث – وهو العكابة – بن ربيعة بن عجل بن لجيم بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار.

وقال أبو عبيدة: كان العكابة اسم كلب للحارث بن ربيعة بن عجل، فلقب باسم كلبه، وغلب عليه. قال: وكان عجل من محمقي العرب، قيل له: إن لكل فرس جواد اسماً وإن فرسك هذا سابق جواد، فسمه، ففقأ إحدى عينيه وقال: قد سميته الأعور، وفيه يقول الشاعر:

رمتني بنـو عـجـل بـداء أبـيهـم

 

وهل أحد في الناس أحمق من عجل؟

أليس أبـوهـم عـار عـين جـواده

 

فصارت به الأمثال تضرب بالجهـل

هو ودابع والعديل شاعر مقل من شعراء الدولة الأموية، وكان له ثمانية إخوة، وأمهم جميعاً امرأة من بني شيبان، ومنهم من كان شاعراً فارساً: أسود وسوادة وشملة – وقيل سلمة – والحارث، وكان يقال لأمهم درماء.

وكان للعديل وإخوته ابن عم يسمى عمراً، فتزوج بنت عم لهم بغير أمرهم، فغضبوا ورصدوه ليضربوه، وخرج عمرو ومعه عبد له يسمى دابغاً، فوثب العديل وإخوته، فأخذوا سيوفهم، فقالت أمهم: إني أعوذ بالله من شركم، فقال لها ابنها الأسود: وأي شيء تخافين علينا؟ فوالله لو حملنا بأسيافنا على هذا الحنو حنو قراقر لما قاموا لنا فانطلقوا حتى لقوا عمراً، فلما رآهم ذعر منهم وناشدهم، فأبوا، فحمل عليه سوادة فضرب عمراً ضربة بالسيف، وضربه عمرو فقطع رجله فقال سوادة:

ألا من يشتري رجلا برجل

 

تأبى للقيام فـلا تـقـوم

وقال عمرو لدابغ: اضرب وأنت حر، فحمل دابغ، فقتل منهم رجلا، وحمل عمرو، فقتل آخر، وتداولاهم، فقتلا منهم أربعة، وضرب العديل على رأسه، ثم تفرقوا، وهرب دابغ، حتى أتى الشأم، فداوى ربضة بن النعمان الشيباني للعديل ضربته، ومكث مدة.

ثم خرج العديل بعد ذلك حاجاً، فقيل له إن دابغاً قد جاء حاجاً، وهو يرتحل، فيأخذ طريق الشأم، وقد اكترى. فجعل العديل عليه الرصد، حتى إذا خرج دابغ ركب العديل راحلته وهو متلثم، وانطلق يتبعه، حتى لقيه خلف الركاب يحدو بشعر العديل ويقول:

يا دار سلمى أقفرت من ذي قار

 

وهل بإقفار الديار مـن عـار

وقد كسين عرقاً مثـل الـقـار

 

يخرجن من تحت خلال الأوبار

فلحقه العديل، فحبس عليه بعيره، وهو لا يعرفه، ويسير رويداً، ودابغ يمشي رويداً، وتقدمت إبله فذهبت، وإنما يريد أن يباعده عنها بوادي حنين، ثم قال له العديل: والله لقد استرخى حقب رحلي، أنزل فأغير الرحل، وتعينني. فنزل فغير الرحل، وجعل دابغ يعينه، حتى إذا شد الرحل أخرج العديل السيف، فضربه حتى برد، ثم ركب راحلته فنجا، وأنشأ يقول:

ألم ترني جللت بالسيف دابغـا

 

وإن كان ثأراً لم يصبه غليلي

بوادي حنين ليلة البدر رعتـه

 

بأبيض من ماء الحديد صقيل

وقلت لهم: هذا الطريق أمامكم

 

ولم أك إذ صاروا لهم بدلـيل

جرثومة العنزي يعير العديل وقال أبو اليقطان: كان العديل هجا جرثومة العنزي الجلاني فقال فيه:

أهاجي بني جلان إذ لم يكن لها

 

حديث ولا في الأولـين قـديم

فأجابه جرثومة فقال:

وإن امرأ يهجو الكرام ولم ينل

 

من الثأر إلا دابغـاً لـلـئيم

أتطلب في جلان وتراً ترومه

 

وفاتك بالأوتار شـر غـريم

العديل يهرب من الحجاج قالوا: وساتعدى مولى دابغ على العديل الحجاج بن يوسف، وطالبه بالقود فيه، فهرب العديل من الحجاج إلى بلد الروم، فلما صار إلى بلد الروم لجأ إلى قيصر، فأمنه، فقال في الحجاج:

أخوف بالحجاج حتى كـأنـمـا

 

يحرك عظم في الفؤاد مهيض

ودون يد الحجاج من أن تنالنـي

 

بساط لأيدي الناعجات عريض

مهامه أشباه كـأن سـرابـهـا

 

ملاء بأيدي الراحضات رحيض

فبلغ شعره الحجاج، فكتب إلى قيصر: لتبعثن به أو لأغزينك جيشاً يكون أوله عندك وآخره عندي، فبعث به قيصر إلى الحجاج، فقال له الحجاج لما أدخل عليه: أأنت القائل: ودون يد الحجاج من أن تنالني… فكيف رأيت الله أمكن منك؟ قال: بل أنا القائل أيها الأمير:

فلو كنت في سلمى أجا وشعابـهـا

 

لكان لحـجـاج عـلـي سـبـيل

خليل أمير المؤمـنـين وسـيفـه

 

لكل إمام مصطـفـى وخـلـيل

بنى قبة الإسلام حتـى كـأنـمـا

 

هدى الناس من بعد الضلال رسول

فخلى سبيله، وتحمل دية دابغ في ماله.

الحجاج يعفو عن العديل أخبرني عمي وحبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن منصور بن عطية الغنوي قال: أخبرني جعفر بن عبيد الله بن جعفر عن أبي عثمان البقطري قال: خرج العديل بن الفرخ يريد الحجاج، فلما صار ببابه حجبه الحاجب، فوثب عليه العديل، وقال: إنه لن يدخل على الأمير بعد رجالات قريش أكبر مني ولا أولى بهذا الباب، فنازعه الحاجب الكلام، فأحفظه، وانصرف العديل عن باب الحجاج إلى يزيد بن المهلب، فلما دخل إليه أنشأ يقول:

لئن أرتج الحجاج بالبـخـل بـابـه

 

فباب الفتى الأزدي بالعرف يفتـح

فتى لا يبالي الدهر ما قـل مـالـه

 

إذا جعلت أيدي المكارم تـسـنـح

يداه يد بالعرف تنهـب مـا حـوت

 

وأخرى على الأعداء تسطو وتجرح

إذا ما أتاه المرمـلـون تـيقـنـوا

 

بأن الغنى فيهم وشيكـاً سـيسـرح

أقام على العافـين حـراس بـابـه

 

ينادونهم والحر بالـحـري يفـرح

هلموا إلى سيب الأمـير وعـرفـه

 

فإن عطاياه على النـاس تـنـفـح

وليس كعلج من ثـمـود بـكـفـه

 

من الجود والمعروف حزم مطوح

فقال له يزيد: عرضت بنا وخاطرت بدمك، وبالله لا يصل إليك وأنت في حيزي، فأمر له بخمسين ألف درهم، وحمله على أفراس، وقال له: الحق بعلياء نجد، واحذر أن تعلقك حبائل الحجاج أو تحتجنك محاجنه، وابعث إلي في كل عام، فلك علي مثل هذا، فارتحل. وبلغ الحجاج خبره، فأحفظه ذلك على يزيد، وطلب العديل، ففاته، وقال لما نجا:

ودون يد الحجاج من أن تنالني

 

بساط لأيدي الناعجات عريض

قال: ثم ظفر به الحجاج بعد ذلك، فقال: إيه، أنشدني قولك:

ودون يد الحجاج من أن تنالني

فقال: لم أقل هذا أيها الأمير، ولكني قلت:

إذا ذكر الحجاج أضمرت خيفة

 

لها بين أحناء الضلوع نفيض

فتبسم الحجاج، وقال: أولى لك! وعفا عنه، وفرض له.

سادات بكر يشفعون له عند الحجاج وقال أبو عمرو الشيباني: لما لج الحجاج في طلب العديل لفظته الأرض، ونبا به كل مكان هرب إليه، فأتى بكر بن وائل، وهم يومئذ بادون جميع، منهم بنو شيبان وبنو عجل وبنو يشكر، فشكا إليهم أمره، وقال لهم: أنا مقتول، أفتسلمونني، هكذا وأنتم أعز العرب؟ قالوا: لا والله، ولكن الحجاج لا يراغ، ونحن نستوهبك منه، فإن أجابنا فقد كفيت، وأن حادنا في أمرك منعناك، وسألنا أمير المؤمنين أن يهبك لنا. فأقام فيهم، واجتمعت وجوه بكر ابن وائل إلى الحجاج، فقالوا له: أيها الأمير، إنا قد جنينا جميعاً عليك جناية لا يغفر مثلها، وها نحن قد استسلمنا، وألقينا بأيدينا إليك، فإما وهبت فأهل ذلك أنت، وإما عاقبت، فكنت المسلط الملك العادل. فتبسم، وقال: قد عفوت عن كل جرم إلا جرم الفاسق العديل، فقاموا على أرجلهم، فقالوا: مثلك أيها الأمير لا يستثني على أهل طاعته وأوليائه في شيء فإن رأيت ألا تكد رمننك باستثناء، وأن تهب لنا العديل في أول من تهب! قال: قد فعلت فهاتوه قبحه الله، فأتوه به، فلما مثل بين يديه أنشأ يقول:

فلو كنت في سلمى أجاً وشعابـهـا

 

لكان لـحـجـاج عـلـي دلـيل

بني قبة الإسلام حتـى كـأنـمـا

 

هدى الناس من بعد الضلال رسول

إذا جار حكم الناس ألجأ حـكـمـه

 

إلى الله قاض بالكتـاب عـقـول

خليل أمير المؤمـنـين وسـيفـه

 

لكل إمـام صـاحـب وخـلـيل

به نصر الله الخـلـيفة مـنـهـم

 

وثبت ملـكـاً كـاد عـنـه يزول

ويروى: به نصر الله الإمام عليهم

فأنت كسيف الله في الأرض خالد

 

تصول بعون الله حين تـصـول

وجازيت أصحاب البلاد بلاءهـم

 

فما منهم عما تحـب نـكـول

وصلت بمران العراق فأصحبت

 

مناكبها للـوطء وهـي ذلـول

أقام الواحد مقام الجمع في قوله: ذلول

أذقت الحمام ابني عباد فأصبحوا

 

بمنزل موهون الجناح ثـكـول

ومن قطري نلت ذاك وحـولـه

 

كتـائب مـن رجـالة وخـيول

إذا ما أتت باب ابن يوسف ناقتي

 

أتت خير منـزول بـه ونـزيل

وما خفت شيئاً غير ربي وحـده

 

إذا ما انتحيت النفس كيف أقول؟

ترى الثقلين الجن والأنس أصبحا

 

على طاعة الحجاج حين يقـول

فقال له الحجاج: أولى لك فقد نجوت! وفرض له، وأعطاه عطاءه، فقال يمدح سائر قبائل وائل، ويذكر دفعها عنه، ويفتخر بها:

صرم الغواني واستراح عواذلي

 

وصحوت بعد صبابة وتمـايل

وذكرت يوم لوى عتيق نسـوة

 

يخطرن بين أكلة ومـراحـل

لعب النعيم بهن في أظـلالـه

 

حتى لبسن زمان عيش غافـل

صوت

يأخذن زينتهن أحسن ما ترى

 

وإذا عطلن فهن غير عواطل

وإذا خبأن خدودهن أرينـنـا

 

حدق المها وأجدن سهم القاتل

ورمينني لا يستترن بـجـنة

 

إلا الصبا وعلمن أين مقاتلي

يلبسن أردية الشباب لأهلهـا

 

ويرج باطلهن حبل الباطـل

الغناء في هذه الأبيات الأربعة لابن سريج ثاني ثقيل بالوسطي من رواية يحيى المكي، وذكر الهشامي أنه من منحول يحيى المكي إلى ابن سريج.

بيض الأنوق كأنهن، ومـن يرد

 

بيض الأنوق فوكرها بمعاقـل

زعم الغواني أن جهلك قد صحا

 

وسواد رأسك فضل شيب شامل

ورآك أهلك منهـم ورأيتـهـم

 

ولقد تكون مع الشباب الخـاذل

وإذا تطاولت الجبـال رأيتـنـا

 

بفروع أرعن… فوقها متطاول

وإذا سألت ابنـى نـزار بـينـا

 

مجدي ومنزلتي من ابني وائل

حدبت بنو بكر علـي وفـيهـم

 

كل المكارم والعديد الكـامـل

خطروا ورائي بالقنا وتجمعـت

 

منهم قبائل أردفوا بـقـبـائل

إن الفوارس من لجيم لم تـزل

 

فيهم مهابة كل أبيض نـاعـل

متعمم بالتاج يسـجـد حـولـه

 

من آل هوذة للمكارم حـامـل

أو رهط حنظلة الذين رماحهـم

 

سم الفوارس حتف موت عاجل

قوم إذا شهروا السيوف رأوا لها

 

حقاً ولم يك سلها للـبـاطـل

ولئن فخرت بهم لمثل قديمهـم

 

بسط المفاخر للسان الـقـائل

أولاد ثعلبة الذين لمـثـلـهـم

 

حلم الحليم ورد جهل الجاهـل

ولمجد يشكـر سـورة عـادية

 

وأب إذا ذكروه ليس بخـامـل

وبنو القدار إذا عددت صنيعهـم

 

وضح القديم لهم بكل محافـل

وإذا فخرت بتغلـب ابـنة وائل

 

فاذكر مكارم من ندى وشمائل

ولتغلب الغلبـاء عـز بـينـن

 

عادية ويزيد فوق الـكـاهـل

تسطو على النعمان وابن محرق

 

وابني قطام بعـزة وتـنـاول

بالمقربات يبتن حول رحالـهـم

 

كالقد بعد آجـلة وصـواهـل

أولاد أعوج والصريح كأنـهـا

 

عقبان يوم دجـنة ومـخـايل

يلقطن بعد أزومهن على الشبـا

 

علق الشكيم بألسن وجحـافـل

قوم هم قتلوا ابن هنـد عـنـوة

 

وقنا الرماح تذود ورد الناهـل

منهم أبو حنش وكان بـكـفـه

 

ري السنان وري صدر العامل

ومهلهل الشعراء إن فخروا بـه

 

وندى كليب عند فضل النـائل

حجب المنية دون واحـد أمـه

 

من أن تبيت وصدرها ببلابـل

كفى مجالسة الشباب فلم يكـن

 

يستب مجلسه وحق الـنـازل

حتى أجار على الملوك فلم يدع

 

حرباً ولا صعراً لرأس مـائل

في كل حي للهذيل ورهـطـه

 

نعم وأخذ كـريمةٍ بـتـنـاول

بيض كرائم ردهـن لـعـنـوة

 

أسل القنا وأخذن غير أرامـل

أبناؤهن من الهذيل ورهـطـه

 

مثل الملوك وعشن غير عوامل

وقال أبو عمرو أيضاً: قال: العديل لرجل من موالي الحجاج كان وجهه في جيش إلى بني عجل يطلب العديل حين هرب منه، فلم يقدر عليه، فاستاق إبله، وأحرق بته، وسلب امرأته وبناته وأخذ حليهن، فدخل العديل يوماً على الحجاج ومولاه هذا بين يديه واقف فتعلق بثوبه وأقبل عليه وأنشأ يقول: صوت

سلبت بناني حليهـن فـلـم تـدع

 

سواراً ولا طوقاً على النحر مذهبا

هكذا في الشعر: سلبت بناتي، والغناء فيه: سلبت الجواري حليهن

وما عز في الآذان حتى كأنمـا

 

تعطل بالبيض الأوانس ربربـا

عواطل إلا أن ترى بخـدودهـا

 

قسامة عتق أو بنانا مخضـبـاً

فككت الـبـرين عـن خـدال

 

كأنها برادي غيل ماؤه قد تنضبا

من الدر والياقوت عن كل حرة

 

ترى سمطها بين الجمان مثقبـا

دعون أمير المؤمنين فلم يجـب

 

دعاء ولم يسمعن أمـاً ولا أبـا

غنى في الأول والرابع من هذه الأبيات أحمد النصيبي الهمذاني ثان ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وفيهما ثيل أول بالسبابة والوسطى، نسبه ابن المكي إلى عبد الرحيم الدفاف، ونسبه الهشامي إلى عبد الله ابن العباس.
أصاب رجل من رهط العديل أنف رجل من عجل فقال العديل في ذلك شعرا وقال أبو عمرو الشيباني: أصاب رجل من رهط العديل من بين العكابة أنف رجل من بني عجل يقال له جبار، فقال العديل في ذلك – وكان عدواً له:

ألم تر جبـاراً ومـارن أنـفـه

 

له ثلم يهـوين أن يتـنـخـعـا

ونحن جدعنا أنفـه فـكـأنـمـا

 

يرى الناس أعداء إذا هو أطلعا

كلوا أنف جبار بكاراً فـإنـمـا

 

تركناه عن فرط من الشر أجدعا

معاقد من أيديهـم وأنـوفـهـم

 

بكارا ونيباً تركب الحزن ظلعـا

قال: وكان رجل من رهط العديل أيضاً ضرب يد وكيع أحد بني الطاغية، وهما يشربان، فقطعها وافترقا، ثم هرب العديل وأبوه إلى بني قيس بن سعد لما قال الشعر الأول يفخر بقطع أنف جبار ويد وكيع؛ لأنهم حلفوا أن يقطعوا أنفه ويده دون من فعل ذلك بهم، فلجأ إلى عفير بن جبير بن هلال بن مرة بن عبد الله بن معاوية بن عبد بن سعد بن جشم بن قيس بن عجل، فقال العديل في ذلك:

تركت وكيعاً بعدما شاب رأسهأشل اليمين مستقيم الأخادع

 

فشرب بها ورق الإفال وكل بها

 

طعـام الـذلـيل وانـجـحـر فـي الـمـخـــادع

فقالت بنو قيس بن سعد للفرخ أبي العديل: يا فرخ؛ أنصف قومك، وأعطهم حقهم، فركب إليهم اعلفرخ، ومعه حسان بن وقاف ودينار (رجلان من بني الحارث) فأسرته بنو الطاغية، وانتزعوه من الرجلين، وتوجهوا به نحو البصرة، فرجع حسان ودينار إلى قومهما مستنفرين لهم، فركب النفير في طلب بني الطاغية، فأدركوا منهم رجلاً فأسروه بدل الفرخ. ثم إن عفيراً لحق بهم، فاشترى منهم الجراحة بسبعين بعيراً، وأخذ الفرخ منهم فأطلقه، فقال العديل في ذلك:

مازال في قيس بن سعد لجارهـم

 

على عهد ذي القرنين معط ومانع

هم استنقذوا حسان قسراً وأنـتـم

 

لئام المقام والـرمـاح شـوارع

غدرتم بدينـار وحـسـان غـردة

 

وبالفرخ لما جاءكم وهو طـائع

فلولا بنو قيس بن سعد لأصبحـت

 

علي شداداً قبضهـن الأصـابـع

ألا تسألون ابن المشتـم عـنـهـم

 

جعامة والجيران واف وظـالـع

أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال: قال أبو النجم للعديل بن الفرخ: أرأيت قولك:

فإن تك من شيبان أمي فإنـنـي

 

لأبيض عجلي عريض المفارق؟

أكنت شاكاً في نسبك حين قلت هذا؟ فقال له العديل: أفشككت في نفسك أو شعرك حين قلت:

أنا أبو النجم وشعري شعري

 

لله دري ما يجن صـدري

فأمسك أبو النجم واستحيا العديل ومالك بن مسمع أخبرني أبو دلف هاشم بن محمد الخزاعي قال: حدثنا الرياشي عن العتبي قال: حمل زياد إلى معاوية مالاً من البصرة، ففزعت تميم والأزد وربية إلى مالك بن مسمع، وكانت ربيعة مجتمعة عليه كاجتماعها على كليب في حياته، واستغاثوا به، وقالوا: يحمل المال، ونبقى بلا عطاء فركب مالك بن ربيعة، واجتمع الناس إليه، فلحق بالمال فرده، وضرب فسطاطاً بالمربد، وأنفق المال في الناس حتى وفاهم عطاءهم، ثم قال: إن شئتم الآن أن تحملوا فاحملوا، فما راجعه زياد في ذلك بحرف، فلما ولي حمزة بن عبد الله بن الزبير البصرة جمع مالاً؛ ليحمله إلى أبيه، فاجتمع الناس إلى مالك، واستغاثوا به، ففعل مثل فعله بزياد، فقال العديل بن الفرخ في ذلك:

إذا مـا خــشـــينـــا مـــن أمـــير ظـــلامة

 

دعـونـا أبـا غـسـان يومـا فـــعـــســـكـــرا

ترى الناس أفواجاً إلى باب داره إذا شاء جاءوا دار عين وحسرا

 

 

أمن منزل من أم سكن عشية

 

ظلـلـت بـه أبـكـى حـزينـــا مـــفـــكـــراً

معـي كـل مـســتـــرخـــي الإزار كـــأنـــه

 

إذا مـا مـشـى مـن جـن غــيل وعـــبـــقـــرا

يزجـي الـمـطـايا لا يبـالـي كـلــينـــهـــمـــا

 

مقـلـصة خــوصـــا مـــن الأين ضـــمـــرا

العديل شاعر بكر بن وائل أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني علي بن الحسن الشيباني قال: حدثني عبدة بن عصمة بن معبد القيسي قال: حدثني جدي أبو أمي فراس بن خندف، عن أبيه، عن جده علي بن شفيع قال: لقيت الفرزدق منصرفه عن بكر بن وائل؛ فقلت له: يا أبا فراس: من شاعر بكر بن وائل ممن خلفته خلفك؟ قال: أميم بني عجل – يعني العديل بن الفرخ – على أنه ضائع الشعر، سروق للبيوت.

مدح أو تحريض أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي عن إسحاق عن الهيثم بن عدي، عن حماد الراوية قال: لما قدم الحجاج العراق قال العديل بن الفرخ:

دعوا الجبن يا أهل العراق فإنما

 

يهان ويسبى كل من لا يقاتـل

لقد جرد الحجاج للحق سـيفـه

 

ألا فاستقيموا لا يميلـن مـائل

وخافوه حتى القوم بين ضلوعهم

 

كنزو القطا ضمت عليه الحبائل

وأصبح كالبازي يقلب طـرفـه

 

على مرقب والطير منه دواحل

قال: فقال الحجاج – وقد بلغته – لأصحابه: ما تقولون؟ قالوا: نقول: إنه مدحك، فقال: كلا ولكنه حرض علي أهل العراق، وأمر بطلبه فهرب وقال:

أخوف بالحجاج حتى كأنما يحرك عظم في الفؤاد مهيض

 

ودون يدي الحجاج من أن تنالني

 

بسـاط لأيدي الـنـــاعـــجـــات عـــريض

مهامه أشباه كأن سـرابـهـا

 

ملاء بأيدي الغاسلات رحيض

             

فجد الحجاج في طلبه حتى ضاقت عليه الأرض، فأتى واسطاُ، وتنكر، وأخذ رقعة بيده، ودخل إلى الحجاج في أصحاب المظالم، فلما وقف بين يديه أنشأ يقول:

هأنذا ضاقت بي الأرض كلهـا

 

إليك وقد جولت كـل مـكـان

فلو كنت في ثهلان أو شعبتي أجاً

 

لخلتك إلا أن تـصـد تـرانـي

فقال له الحجاج: العديل أنت؟ قال: نعم، أيها الأمير، فلوى قضيب خيزران كان في يده في عنقه، وجعل يقول: إيه

بساط لأيدي الناعجات عريض

فقال: لا بساط إلا عفوك، قال: اذهب حيث شئت: حوشب بن يزيد وعكرمة بن ربعي يتنازعان الشرف أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي، عن ابن عياش قال: كان حوشب بن يزيد بن الحويرث بن رويم الشيباني وعكرمة بن ربعي البكري، يتنازعان الشرف، ويتباريان في إطعام الطعام ونحر الجزر في عسكر مصعب، وكاد حوشب يغلب عكرمة لسعة يده. قال: وقدم عبد العزيز بن يسار مولى بجير – قال؛ وهو زوج أم شعبة الفقيه – بسفائن دقيق، فأتاه عكرمة فقال له؛ الله الله في، قد كاد حوشب أن يستعليني، ويغلبني بماله، فبعني هذا الدقيق بتأخير، ولك فيه مثل ثمنه ربحاً، فقال: خذه، وأعطاه إياه فدفعه إلى قومه، وفرقه بينهم، وأمرهم بعجنه كله، فعجنوه كله، ثم جاء بالعجين كله، فجمعه في هوة عظيمة، وأمر به، فغطي بالحشيش، وجار برمكة، فقربوها إلى فرس حوشب، حتى طلبها، وأفلت، ثم ركضوها بين يديه وهو يتبعها، حتى ألقوها في ذلك العجين وتبعها الفرس، حتى تورطا في العجين وبقيا فيه جميعا، وخرج قوم عكرمة؛ يصيحون في العسكر: يا معشر المسلمين ادركوا فرس حوشب، فقد غرق في خميرة عكرمة فخرج الناس تعجباً من ذلك أن تكون خميرة يغرق فيها فرس، فلم يبق في العسكر أحد إلا ركب ينظر، وجاءوا إلى الفرس – وهو غريق في العجين ما يبين منه إلا رأسه وعنقه – فما أخرج إلا بالعمد والحبال، وغلب عليه عكرمة، وافتضح حوشب، فقال العديل بن الفرخ يمدحهما، ويفخر بهما:

وعكرمة الفياض فينا وحوشـب

 

هما فتيا الناس اللذا لم يغمـرا

هما فتيا الناس اللذا لم ينلهـمـا

 

رئيس ولا الأقيال من آل حميرا

قال: وفي حوشب يقول الشاعر:

وأجود بالمال من حـاتـم

 

وأ،حر للجزر من حوشب

شعر العديل بين السهل والفحل أخبرني محمد بن يونس الكاتب قال: حدثنا أحمد بن عبيد، عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد يوماً وهو محموم فقال: أنشدني يا أصمعي شعراً مليحاً، فقلت: أرصيناً فحلاً تريده يا أمير المؤمنين أم شجياً سهلاً؟ فقال: بل غزلاً بين الفحل والسهل، فأنشدته للعديل بن الفرخ العجلي:

صحا عن طلاب البيض قبل مشيبه

 

وراجع غض الطرف فهو خفيض

كأني لم أرع الصبـا ويروقـنـي

 

من الحي أحوى المقلتين غضيض

دعاني له يوما هـوى فـأجـابـه

 

فؤاد إذا يلقى المـراض مـريض

لمستأنسات بـالـحـديث كـأنـه

 

تهلل غـر بـرقـهـن ومـيض

فقال لي: أعدها، فمازلت أكررها عليه، حتى حفظها.
أخبرني أبو الحسن الأسدي قال: حدثني الرياشي، عن محمد بن سلام، قال: موته ورثاء الفرزدق له قدم العديل بن الفرخ البصرة، ومدح مالك بن مسمع الجحدري، فوصله، فأقام بالبصرة، واستطابها، وكان مقيماً عند مالك، فلم يزل بها إلى أن مات، وكان ينادم الفرزدق، ويصطحبان فقال الفرزدق يرثيه:

وما ولدت مثل العديل حلـيلة

 

قديما ولا مستحدثات الحلائل

ومازال مذ شـدت يداه إزاره

 

به تفتح الأبواب بكر بن وائل

صوت

إني بدهماء عز ما أجـد

 

عاودني من حبابها زود

عاودني حبها وقد شحطت

 

صرف نواها فإنني كمد

قوله: “عز ما أجد” أي. شد ما أجد. وحبابها: حبها، وهو واحد ليس بجمع؛ والؤد: الفزع والذعر. وصرف نواها: الوجه الذي تصرف إليه قصدها إذا نأت. والكمد: شدة الحزن. الشعر لصخر الغي الهذلي، هكذا ذكر الأصمعي وأبو عمرو الشيباني، وذكر إسحاق عن أبي عبيدة أنه رأى جماعة من شعراء هذيل يختلفون في هذه القصيدة فيرويها بعضهم لصخر الغي، ويرويها بعضهم لعمرو ذي الكلب، وأن الهيثم بن عدي حدثه عن حماد الراوية أنها لعمرو ذي الكلب.