أخبار العباس بن مرداس ونسبه

أخبار العباس بن مرداس ونسبه

نسبه

العباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد قيس بن رفاعة بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، ويكنىأبا الهيثم، وإياه يعني أخوه سراقة بقوله يرثيه:

أعين ألا أبكي أبا الهـيثـم

 

وأذري الدموع ولا تسأمي

وهي أبيات تذكر في أخباره، وأمه الخنساء الشاعرة بنت عمرو بن الشريد، وكان العباس فارساً شاعراً شديد العارضة والبيان، سيداً في قومه من كلا طرفيه، وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام، ووفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أعطى المؤلفة قلوبهم فضل عليه عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، فقام وأنشده شعراً قاله في ذلك، فأمر بلالاً فأعطاه حتى رضي، وخبره في ذلك يأتي بعد هذا الموضع؛ والله أعلم.

خبره مع صنم كان لهم

أخبرني محمد بن جرير الطبري قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن محمد بن إسحاق عن منصور بن المعتمر، عن قبيصة، عن عمرو والخزاعي عن العباس بن مرداس بن أبي عامر أنه قال: كان لأبي صنم اسمه ضمار ، فلما حضره الموت أوصاني به وبعبادته والقيام عليه، فعمدت إلى ذلك الصنم فجعلته في بيت، وجعلت آتيه في كل يوم وليلة مرة، فلما ظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت صوتاً في جوف الليل راعني، فوثبت إلى ضمار، فغذا الصوت في جوفه يقول:

قل للقبائل من سلـيم كـلـهـا

 

هلك الأنيس وعاش أهل المسجد

إن الذي ورث النبوة والـهـدى

 

بعد ابن مريم من قريش مهتدي

أودى الضمار وكان يعبد مـرة

 

قبل الكتاب إلى النبي محـمـد

قال: فكتمت الناس ذلك، فلم أحدث به أحداً حتى انقضت غزوة الأحزاب، فبينا أنا في إبلي في طرف العقيق وأنا نائم، إذ سمعت صوتاً شديداً، فرفعت رأسي فإذا أنا برجل على حيالي بعمامة يقول: إن النور الذي وقع بين الأثنين وليلة الثلاثاء، مع صاحب الناقة العضباء ، في ديار بني أخي العنقاء ، فأجابه طائف عن شماله لا أبصره فقال: بشر الجن وأجناسها، أن وضعت المطي أحلاسها ، وكفت السماء أحراسها، وأن يغص السوق أنفاسها ، قال: فوثبت مذعوراً وعرفت أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم مصطفى، فركبت فرسي وسرت حتى انتهيت إليه فبايعته وأسلمت، وانصرفت إلى ضمار فأحرقته بالنار.

خروجه إلى النبي وإسلامه

وقال أبو عبيدة: كانت تحت العباس بن مرداس حبيبة بنت الضحاك بن سفيان السلمي أحد بني رعل بن مالك، فخرج عباس حتى انتهى إلى إبله وهو يريد النبي صلى الله عليه وسلم، فبات بها، فلما أصبح دعا براعيه فأوصاه بإبله، وقال له: من سألك عني فحدثه أني لحقت بيثرب، ولا أحسبني إن شاء الله تعالى إلا آتياً محمداً وكائناً معه، فإني أرجو أن نكون برحمة من الله ونور، فإن كان خيراً لم أسبق إليه، وإن كان شراً نصرته لخئولته، على أني قد رأيت الفضل البين وكرامة الدنيا والآخرة في طاعته ومؤازرته، واتباعه ومبايعته، وإيثار أمره على جميع الأمور، فإن مناهج سبيله واضحة، وأعلام ما يجيء به من الحق نيرة، ولا أرى أحداً من العرب ينصب له إلا أعطي عليه الظفر والعلو، وأراني قد ألقيت علي محبة له، وأنا باذل نفسي دون نفسه أريد بذلك رضا إله السماء والأرض، قال: ثم سار نحو النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهى الراعي نحو إبله، فأتى امرأته فأخبرها بالذي كان من أمره ومسيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقامت فقوضت بيتها، ولحقت بأهلها، فذلك حيث يقول عباس بن مرداس، حين أحرق ضماراً ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم:

لعمري إني يوم أجـعـل جـاهـداً

 

ضماراً لرب العالمين مـشـاركـا

وتركي رسول الله والأوس حـولـه

 

أولئك أنصار لـه، مـا أولـئكـا؟

كتارك سهل الأرض، والحزن يبتغي

 

ليسلك في عيب الأمور المسالـكـا

فآمنت بالـلـه الـذي أنـا عـبـده

 

وخالفت من أمسى يريد الممالـكـا

ووجهت وجهي نحو مكة قـاصـداً

 

وتابعت بين الأخشبين المـبـاركـا

نبي أتانا بعد عـيسـى بـنـاطـق

 

من الحق فيه الفصل منه كذلـكـا

أميناً على الفـرقـان أول شـافـع

 

وآخر مبعوث يجيب الـمـلائكـا

تلافى عرا الإسلام بعد انفصامـهـا

 

فأحكمها حتى أقام المـنـاسـكـا

رأيت يا خـير الـبـرية كـلـهـا

 

توسطت في القربى من المجد مالكا

سبقتهم بالمجد والـجـود والـعـلا

 

وبالغاية القصوى تفوت السنابـكـا

فأنت المصفى من قريش إذا سمت

 

غلاصمها تبغي القروم الفواركـا      

قال: فقدم عباس على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة حيث أراد المسير إلىمكة عام الفتح، فواعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قديداً ، وقال: القنى أنت وقومك بقديد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قديداً وهو ذاهب، لقيه عباس في ألف من بني سليم، ففي ذلك يقول عباس بن مرداس:

بلغ عباد الـلـه أن مـحـمـداً

 

رسول الإله راشد أين يمـمـا

دعا قومه واستنصر اللـه ربـه

 

فأصبح قد وافى الإله وأنعمـا

عشية واعدنا قديداً مـحـمـداً

 

يؤم بنا أمراً من الله محكـمـا

حلفت يميناً بـرة لـمـحـمـد

 

فأوفيته ألفاً من الخيل معلـمـا

سرايا يراها الله وهو أمـيرهـا

 

يؤم بها في الدين من كان أظلما

على الخيل مشدوداً علينا دروعنا

 

وخيلاً كدفاع الأتي عرمرمـا

أطعناك حتى أسلم الناس كلهـم

 

وحتى صبحنا الخيل أهل يلملما

وهي قصيدة طويلة.

زوجته تؤنبه على إسلامه

قال: ولما عرف راعي العباس بن مرداس زوجته بنت الضحاك بن سفيان خبره وإسلامه قوضت بيتها، وارتحلت إلى قومها، وقالت تؤنبه:

ألم ينه عباس بن مرداس أنـنـي

 

رأيت الورى مخصوصة بالفجائع

أتاهم من النصار كـل سـمـيذع

 

من القوم يحمي قومه في الوقائع

بكل شديد الوقع عضـب، يقـوده

 

إلى الموت هام المقربات البرائع

لعمري لئن تابعت دين مـحـمـد

 

وفارقت إخوان الصفا والصنائع

لبدلت تلك النـفـس ذلا بـعـزة

 

غداة اختلاف المرهفات القواطع

وقوم هم الرأس المقدم في الوغى

 

وأهل الحجا فينا وأهل الدسـائع

سيوفهم عز الذلـيل وخـيلـهـم

 

سهام الأعادي في الأمور الفظائع

شعره حين فضل غيره عليه في الغنائم

فأخبرني أحمد بن محمد بن الجعد قال: حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأخبرني عمر بن إسمعيل بن أبي غيلان الثقفي قال: حدثنا داود بن عمرو الضبي قال: حدثنا محمد بن راشد عن ابن إسحاق، وحدثنيه محمد بن جرير قال: حدثنا محمد بن حميد قال: حدثنا سلمة عن ابن إسحاق وقد دخل حديث بعضهم في حديث بعض أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم غنائم هوزان ، فأكثر العطايا لأهل مكة، وأجزال القسم لهم ولغيرهم ممن خرج إلى حنين، حتى إنه كان يعطي الرجل الواحد مائة ناقة، والآخر ألف شاة، وزوى كثيراً من القسم عن أصحابه، فأعطى الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن والعباس بن مرداس عطايا فضل فيها عيينة والأقرع على العباس، فجاءه العباس فأنشده:

وكانت نهابـاً تـلافـيتـهـا

 

بكري على المهر في الأجرع

وإيقاظي الـحـي أن يرقـدوا

 

إذا هجع القوم لـم أهـجـع

فأصبح نهبي ونهب العـبـي

 

د بـين عـيينة والأقـــرع

وقد كنت في الحرب ذا تـدرإ

 

فلم أعط شـيئاً ولـم أمـنـع

وما كان حصن ولا حـابـس

 

يفوقان مرداس في مجـمـع

وما كنت دون امرىء منهمـا

 

ومن تضع الـيوم لا يرفـع

فبلغ قوله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه فقال له: أنت القائل: “أصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينه”؟ فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لم يقل كذلك، ولا والله ما أنت بشاعر، ولا ينبغي لك الشعر، وما أنت براوية، قال: فكيف قال؟ فأنشده أبو بكر رضي الله عنه، فقال: هما سواء، لا يضرك بأيهما بدأت: بالأقرع أم بعيينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقطعوا عني لسانه، وأمر بأن يعطوه من الشاء والنعم ما يرضيه ليمسك، فأعطي، قال: فوجدت الأنصار في أنفسها، وقالوا: نحن أصحاب موطن وشدة، فآثر قومه علينا، وقسم قسماً لم يقسمه لنا، وما نراه فعل هذا إلا وهو يريد الإقامة بين أظهرهم، فلما بلغ قولهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في منزلهم فجمعهم، وقال: من كان ها هنا من غير الأنصار فليرجع إلى أهله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا معشر الأنصار، قد بلغتني مقالة قلتموها، وموجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله؟ قالوا: بلى. قال: ألم آتكم قليلاً فكثركم الله؟ قالوا: بلى. قال: ألم آتكم أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى.

قال محمد بن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عيينة أنه قال: ألم آتكم وأنتم لا تركبون الخيل فركبتموها؟ قالوا: بلى. قال: أفلا تجيبون يا معشر الأنصار؟ قالوا: لله ولرسوله علينا المن والفضل، جئتنا يارسول الله ونحن في الظلمات، فأخرجنا الله بك إلى النور، وجئتنا يا رسول الله ونحن على شفا حفرة من النار، فأنقذنا الله، وجئتنا يا رسول الله ونحن أذلة قليلون فأعزنا الله بك، فرضينا الله رباً، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. فقال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لأجبتموني بغير هذا، فقلتم: جئتنا طريداً فآويناك، ومخذولاً فنصرناك، وعائلاً فأغنيناك، ومكذباً فصدقناك، وقبلنا منك ما رده عليك الناس، لقد صدقتم. فقال الأنصار: لله ولرسوله علينا المن والفضل ، ثم بكوا حتى كثر بكاؤهم، وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا معشر الأنصار وجدتم في أنفسكم في الغنائم أن آثرت بها ناساً أتألفهم على الإسلام ليسلموا، ووكلتكم إلى الإسلام، أو لا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ والذي نفس محمد بيده لو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت أمرأ من الأنصار، ثم بكى القوم ثانية حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا يا رسول الله بالله وبرسوله حظا وقسماً، وتفرق القوم راضين، وكانوا بما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد اغتباطاً من المال.

وقال أبو عمرو الشيباني في هذا الخبر: أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أشراف العرب عطايا يتألف بها قلوبهم وقومهم على الإسلام، فأعطى كل رجل من هؤلاء النفر وهم: أبو سفيان بن حرب، وابنه معاوية، وحكيم بن حزام، والحرث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، وصفوان بن أمية، والعلاء بن حارثة الثقفي حليف بني زهرة، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى كل واحد من مخرمة بن نوفل وعمير بن وهب أحد بني عامر بن لؤي وسعيد بن يربوع، ورجلاً من بني سهم دون ذلك ما بين الخمسين وأكثر وأقل، وأعطى العباس بن مرداس أبا عر، فتسخطها وقال الأبيات المذكورة، فأعطاه حتى رضي.

كتب عبد الملك لابن الزبير يتوعده

حدثنا وكيع قال:حدثنا الكراني قال:حدثنا عطاء بن مصعب،عن عاصم بن الحدثان قال:كتب عبد الملك بن مروان إلى عبد الله بن الزبير كتاباً يتوعده فيه وكتب فيه:

إني لعند الحرب تحمل شكـتـي

 

إلى الروع جرداء السيالة ضامر

والشعر للعباس بن مرادس.فقال ابن الزبير :أبا لشعر يقوى عليّ؟والله لا أجيبه إلا بشعر هذا الرجل؛فكتب إليه:

إذا فرس العوالي لم يخالـج

 

همومي غير نصر واقتراب

وإنا والسوابـح يوم جـمـع

 

وما يتلو الرسول من الكتاب

هزمنا الجمع جمع بني قسي

 

وحكت بركها ببنـي رئاب

هذه الأبيات من قصيدة يفخر فيها العباس برسول الله صلى الله عليه وسلم ونصره له،وفيها يقول:

بذي لجب رسول الله فيه

 

كتيبته تعرض للضراب

ولو أدركن صرم بني هلالٍ

 

لآم نساؤهم والنقع كابـي

خبر قتل أخيه هريم

قال أبو عبيدة:وكان هريم بن مرادس مجاوراً في خزاعة في جوار رجل منهم يقال له عامر،فقتله رجل من خزاعة يقال له خويلد،وبلغ ذلك أخاه العباس بن مرادس،فقال يحض عامراً على الطلب بثأر جاره،فقال:

إذا كان باغٍ منك نال ظـلامةً

 

فإن شفاء البغي سيفك فافصل

ونبئت أن قد عوضوك أباعراً

 

وذلك للجيران غزل بمغـزل

فخذها فليست للغزيزبنصـرةٍ

 

وفيها متاع لا مرىء متدلـل

وهذا البيت الأخير كتب به الوليد بن عقبة إلى معاوية لما دعاه علي عليه السلام إلى البيعة،وتحدث الناس أنه وعده أن يوليه الشأم إذا بايعه.قال:فلما بلغته هذه الأبيات آلى لا يصيب رأسه ولا جسده ماء بغسل حتى يثأربهريم،ثم إن أبا حليس النصري لقي خويلداً قاتل هريم فقتله،فقال بنو نصر:بؤ بدم فلان النصري-رجل كانت خزاعة قتلته-فقال أبو الحليس:لا،بل هو بؤ بدم هريم بن مرادس،وبلغ العباس،فقال يمدحه بقوله:

أتاني من الأنباء أن ابن مالـك

 

كفى ثائراً من قومه من تغببا

ويلقاك ما بين الخميس خويلـدٌ

 

أرى عجباً بل قتله كان أعجبا

فدى لك أمي إذ ظفرت بقتلـه

 

وأقسم أبغي عنك أماً ولا أبـا

فمثلك أدى نصرة القوم عنـوةً

 

ومثلك أعيا ذا السلاح المجربا

خروجه لحرب بني نصر

قال أبو عبيدة:أغارت بنو نصر بن معاوية على ناحية من أرض بني سليم،فبلغ ذلك العباس بن مرداس، فخرج إليهم في جمع من قومه، فقاتلهم حتى أكثر فيهم القتل، وظهرت عليهم بنو سليم، وأسروا ثلاثين رجلاً منهم، وأخذت بنو نصر فرساً للعباس عائرة يقال لها زرة ، فانطلق بها عطية بن سفيان النصري وهو يؤمئذ رئيس القوم فقال في ذلك العباس:

أبى قومنا إلا الفرار ومـن تـكـن

 

هوازن مولاه من النـاس يظـلـم

أغار علينا جمعهـم بـين ظـالـم

 

وبين ابن عم كـاذب الـود أيهـم

كلاب وما تفعل كـلاب فـإنـهـا

 

وكعب سراة البيت ما لـم تـهـدم

فإن كان هذا صنعكم فـتـجـردوا

 

لألفـين مـنـا حـاسـر ومـلأم

وحرب إذا المرء السمين تمرسـت

 

بأعطافه بالسـيف لـم يتـرمـرم

ولم أحتسب سفيان حتـى لـقـيتـه

 

على مأقط إذ بيننا عطر مـنـشـم

فقلت وقد صاح النساء خـلالـهـم

 

لخيلي شدي إنـهـم قـوم لـهـذم

فما كان تهليل لدن أن رمـيتـهـم

 

بزرة ركضاً حاسراً غير ملـجـم

إذا هي صدت نحرها عن رماحهـم

 

أقدمها حتـى تـنـعـل بـالـدم

ومازال منهم رائغ عن سبـيلـهـا

 

وآخر يهوي لـلـيدين ولـلـفـم

لدن غدوة حتى استبيحـوا عـشـية

 

وذلوا فكانوا لحمة الـمـتـلـحـم

فآبوا بها عرفاً وألقيت كلـكـلـي

 

على بطل شاكي السلاح مكـلـم

ولن يمنـع الأقـوام إلا مـشـايح

 

يطارد في الأرض الفضاء ويرتمي

قال: ثم إن العباس بن مرداس جمع الأسارى من بني نصر وكانوا ثلاثين رجلاً فأطلقهم، وظن أنهم سيثيبونه بفعله، وأن سفيان سيرد عليه فرسه زرة، فلم يفعلوا، فقال في ذلك:

أزرة خير أم ثلاثون منكم

 

طليقاً رددناه إليكم مسلما

قال: وجعل العباس يهجو بني نصر، فبلغه أن سفيان بن عبد يغوث يتوعده في ذلك، فلقيه عباس في المواسم، فقال له سفيان: والله لتنتهين أو لأصرمنك، فقال عباس:

أتوعدني بالصرم إن قلت اوفـنـي

 

فأوف وزد في الصرم لهزمة النتن

وقال العباس أيضا فيه:

ألا من مبلغ سفيان عـنـي

 

وظني أن سيلغه الرسـول

ومولاه عـطـية أن قـيلا

 

خلا مني وأن قد بات قـيل

سئمتم ربكم وكفـرتـمـوه

 

وذلكم بأرضكـم جـمـيل

ألا توفي كما أوفى شبـيب

 

فحل له الولاية والشمـول

أبوه كان خـيركـم وفـاء

 

وخيركم إذا حمد الجمـيل

ألام على الهجاء وكـل يوم

 

تلاقيني من الجيران غـول

سأجعلها لأجمعكم شـعـارا

 

وقد يمضي اللسان بما يقول

وهذه الأبيات من شعر العباس بن مرداس التي ذكرنا أخباره بذكرها، وفيه الغناء المنسوب من قصيدة قالها في غزاة غزاها بني زبيد باليمن.

حربه مع بني زبيد

قال أبو عمرو وأبو عبيدة: جمع العباس بن مرداس بن أبي عامر- وكان يقال للعباس: مقطع الأوتاد جمعا من بني سليم فيه من جميع بطونها، ثم خرج بهم حتى صبح بني زبيد بتثليث من أرض اليمن بعد تسع وعشرين ليلة، فقتل فيها عدداً كثيراً، وغنم حتى ملأ يديه، فقال في ذلك:

لأسماء رسم أصبح اليوم دارسا

 

وقفت به يوماً إلى الليل حابسا

يقول فيها:

فدع ذا ولكن هل أتاك مـقـادنـا

 

لأعدائنا نزجي الثقال الكـوادسـا

سمونا لهم تسعاً وعـشـرين لـيلة

 

نجيز من الأعراض وحشاً بسابسا

فلم أر مثل الحي حياً مصـبـحـا

 

ولا مثلنا يوم التقـينـا فـوارسـا

إذا ما شددنا شدة نصـبـوا لـنـا

 

صدور المذاكى والرماح المداعسا

وأحصننا منهم فما يبـلـغـونـنـا

 

فوارس منا يحبسون المحابـسـا

وجرد كأن الأسد فوق متـونـهـا

 

من القوم مرءوسا كمـيا ورائسـا

وكنت أمام الـقـوم أول ضـارب

 

وطاعنت إذ كان الطعان مخالسـا

ولو مات منهم من جرحنا لأصبحت

 

ضياع بأكناف الأراك عـرائسـا

فأجابه عمرو بن معد يكرب عن من هذه القصيدة بقصيدة أولها:

لمن طلل بالخيف أصبح دراسا

 

تبدل آراما وعينا كـوانـسـا

وهي طويلة، لم يكن في ذكرها مع أخبار العباس فائدة، وإنما ذكرت هذه الأبيات من قصيدة العباس لأن الغناء المذكور في أولها.

شعره في جلاء بني النضير وجواب خوات له

أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال: حدثنا الزبير بن بكار قال: حدثنا أبو غزية عن فليح بن سليمان قال: قال العباس يذكر جلاء بني النضير ويبكيهم بقوله:

لو أن قطين الدار لم يتحمـلـوا

 

وجدت خلال الدار ملهى وملعبا

فإنك عمري هل رأيت ظعائنـا

 

سلكن على ركن الشظاة فميثنـا

عليهن عين من ظبـاء تـبـالة

 

أوانس يصبين الحليم المجـربـا

إذا جاء باغي الخير قلن بشـاشة

 

له بوجوه كالدنانير: مـرحـبـا

وأهلاً فلا ممنوع خير طلبـتـه

 

ولا أنت تخشى عندنا أن تؤنبـا

فلا تحسبني كنت مولى ابن مشكم

 

سلام ولا مولى حيي بن أخطبـا

فقال خوات بن جبير يجيب العباس:

اتبكي على قتلى يهـود وقـد تـرى

 

من الشجو لو تبكي أحق وأقـربـا

فهلا على قتلـى بـبـطـن أوارة

 

بكيت وما تبكي من الشجو مغضبـا

إذا السلم دارت في الصديق رددتهـا

 

وفي اليدين صداداً وفي الحرب ثعلبا

وإنك لمـا أن كـلـفـت بـمـدحة

 

لمن كان ميناً مـدحـه وتـكـذبـا

وجئت بأمر كنت أهلاً لـمـثـلـه

 

ولم تلف فيهم قائلاً لك مـرحـبـا

فهلا إلى قوم ملوك مـدحـتـهـم

 

بنوا من ذرا المجد المقدم منصـبـا

إلى معشر سادوا الملوك وكـرمـوا

 

ولم يلف فيهم طالب الحق مجـدبـاً

أولئك أولى مـن يهـود بـمـدحة

 

تراهم وفيهم عزة المجد تـرتـبـا

فقال عباس بن مرداس يجيبه:

هجوت صريح الكاهنين وفيكـم

 

لهم نعم كانت من الدهر ترتبـا

أولئك أحرى إن بكيت علـيهـم

 

وقومك لو أدوا من الحق موجبا

من الشكر إن الشكر خير مغبة

 

وأوافق فعلا للذي كان أصوبـا

فصرت كمن أمسى يقطع رأسه

 

ليبلغ عزاً كان فيه مـركـبـا

فبك بني هارون وأذكر فعالهـم

 

وقتلهم للجوع إذ كنت مسغبـا

قال الزبير: فحدثني محمد بن الحسن عن محرز بن جعفر قال: التقى عباس بن مرداس وخوات بن خبير يوماً عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال خوات: يا عباس أأنت الذي رثيت اليهود، وقد كان منهم في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان! فقال عباس: إنهم كانوا أخلائي في الجاهلية، وكانوا أقواماً أنزل بهم فيكرمونني، ومثلي يشكر ما صنع إليه من الجميل، وكان بينهما قول حتى تجاذبا، فقال له خوات: أما والله لئن استقبلت غرب شبابي، وشبا أنيابي، وخشن جوابي، لتكرهن عتابي. فقال عباس: والله يا خوات، لئن استقبلت عني وفني وذكاء سني، لتفرن مني، إياي تتوعد يا خوات، يا عاني السوآت! والله لقد استقبلك اللؤم فردعك ، واستدبرك فكسعك ، وعلاك فوضعك، فما أنت بمهجوم عليك من ناحية إلا عن فضل لؤم؛ إياي ثكلتك أمك تروم؟ وعلي تقوم؟ والله ما نصبت سوقك، ولأظهرن عليك بعد؛ فقال عمر لهما: إما أن تسكتا وإما أن أوجعكما ضرباً، فصمتا وكفا، أخبرني بذلك علي بن نصر قال: حدثني الحسن بن محمد بن جرير، وحدثني الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الحسن عن أبيه مثل ذلك. وللعباس مع خوات مناقصات أخر في هذا المعنى، كرهت الإطالة بذكرها.

رثاه أخوه بشعر

قال أبو عبيدة: وكان العباس وسراقة وحزن وعمرو بنو مرداس كلهم من الخنساء بنت عمرو بن الشريد، وكلهم كان شاعراً، وعباس أشعرهم، وأشهرهم وأفرسهم وأسودهم، ومات في الإسلام، فقال أخوه سراقة يرثيه:

أعين ألا أبكي أبا الهـيثـم

 

وأذري الدموع ولا تسأمي

وأثـنـي عـلـيه بـآلائه

 

بقول امرىء موجع مؤلم

فما كنت بائعه بـامـرىء

 

أراه ببـدو ولا مـوسـم

أشد على رجـل ظـالـم

 

وأدهى لداهـية مـيثـم

وقالت أخته عمرة ترثيه:

لتبك ابن مرداس على ما عراهم

 

عشيرته إذ حم أمس زوالـهـا

لدى الخصم إذ عند الأمير كفاهم

 

فكان إليه فصلها وجـدالـهـا

ومعضلة للحاملين كـفـيتـهـا

 

إذا أنهلت هوج الرياح طلالها

وقد روى العباس بن مرداس عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونقل عنه الحديث.

دعاء النبي عليه السلام لأمته

حدثنا الحسين بن الطيب الشجاعي البلخي بالكوفة قال: حدثنا أيوب بن محمد الطلحي قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي قال: حدثنا عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي أن أباه حدثه عن جده عباس بن مرداس أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لأمته عشية عرفة قال: فأجيب لهم بالمغفرة إلا ما كان من مظالم العباد بعضهم لبعض، قال: فإني آخذ للمظلوم من الظالم، قال: أي رب إن شئت أعطيت للمظلوم من الجنة، وغفرت للظالم، فلم يجب في حينه، فلما أصبح في المزدلفة أعاد الدعاء، فأجيب لهم بما سأل، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم أو تبسم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي! إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها أو تبسم، فقال: إن إبليس لما علم أن الله غفر لأمتي جعل يحثو التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثبور، فضحكت من جزعه. تمت أخبار العباس .

صوت

أرجوك بعد أبي العباس إذ بـانـا

 

يا أكرم الناس أعراقاً وعـيدانـا

أرجوك من بعده إذ بان سـيدنـا

 

عنا ولولاك لاستسلمت إذ بـانـا

فأنت أكرم من يمشي على قـدم

 

وأنضر الناس عند المحل أغصانا

لو مج عود على قوم عصارتـه

 

لمج عودك فينا المسك والبـانـا

الشعر لحماد عجرد، والغناء لحكم الوادي، ولحنه من القدر الأوسط من الثقيل الأول بالبنصر في مجراها.