أخبار العباس بن الأحنف ونسبه

أخبار العباس بن الأحنف ونسبه

هو- فيما ذكر ابن النطاح- العثاص بن الأحنف بن الأسود بن طفحة ابن جدان بن كلدة من بني عدي بن حنيفة.

وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني القاسم بن إسماعيل قال سمعت إبراهيم بن العباس يقول: العباس بن الأحنف بن الأسود بن قدامة بن هفيان من بني هفان بن الحارث بن الذهل بن الدول بن حنيفة. قال: وكان حاجب بن قدامة عم العباس من رجال الدولة.
قال محمد بن يحيى وحدثني أبو عبد الله الكندي قال حدثني محمد بن بكر الحنفي الشاعر قال حدثني أبي قال: سمعت العباس بن الأحنف يذكر أن هوذة بن علي الحنفي قد ولده من قبل بعض أمهاته.

وكان العباس شاعراً غزلاً ظريفاً مطبوعاً، من شعراء الدولة العباسية، وله مذهب حسن، ولديباجة شعره رونق، ولمعانيه عذوبة ولطف. ولم يكن يتجاوز الغزل إلى مديح ولا هجاء، ولا يتصرف في شيء من هذه المعاني. وقدمه أبو العباس المبرد في كتاب الروضة على نظرائه، وأطنب في وصفه، وقال: رأيت جماعة من الرواة للشعر يقدمونه. قال: وكان العباس من الظرفاء، ولم يكن من الخلعاء، وكان غزلاً ولم يكن فاسقاً، وكان ظاهر النعمة ملوكي المذهب شديد التترف، وذلك بين في شعره. وكان قصده الغزل وشغله النسيب، وكان حلواً مقبولاً غزلاً غزير الفكر واسع الكلام كثير التصرف في الغزل وحده، ولم يكن هجاء ولا مداحاً.

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا أبو ذكوان قال: سمعت إبراهيم بن العباس يصف العباس بن الأحنف، فقال: كان والله ممن إذا تكلم لم يحب سامعه أن يسكت، وكان فصيحاً جميلاً ظريف اللسان، لو شئت أن تقول كلامه كله شعر لقلت.

حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبيد الله بن عبد الله بن طاهر قال: رأيت نسخاً من شعر العباس بن الأحنف بخراسان، وكان عليها مكتوب: “شعر الأمير أبي الفضل العباس “. أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا محمد بن يزيد قال حدثني صالح بن عبد الوهاب: أن العباس بن الأحنف كان من عرب خراسان، ومنشؤه ببغداد، ولم تزل العلماء تقدمه على كثير من المحدثين، ولا تزال قد ترى له الشيء البارع جداً حتى تلحقه بالمحسنين.

أخبرني محمد بن يحيى قال حدثنا يموت بن المزرع قال: سمعت خالي “يعني الجاحظ” يقول: لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم وأوسعهم كلاماً وخاطراً ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه، لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعراً لزم فناً واحداً لزومه فأحسن فيه وكثر.

حدثني محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن القاسم بن خلاد قال: أنشد الحرمازي أبو علي وأنا حاضر للعباس بن الأحنف:

لا جزى الله دمع عيني خيراً

 

وجزى الله كل خير لساني

نم دمعي فليس يكتـم شـيئاً

 

ورأيت اللسان ذا كتـمـان

كنت مثل الكتاب أخفاه طي

 

فاستدلوا عليه بالعـنـوان

– الغناء لعريب رمل- ثم قال الحرمازي: هذا والله طراز يطلب الشعراء مثله فلا يقدرون عليه.
أخبرني محمد قال حدثني حسين بن فهم قال سمعت العطوي يقول: كان العباس بن الأحنف شاعراً مجيداً غزلاً، وكان أبو الهذيل العلاف يبغضه ويلعنه لقوله:

إذا أردت سلواً كان ناصركـم

 

قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر

فأكثروا أو أقلوا من إساءتكـم

 

فكل ذلك محمول على القدر

قال: فكان أبو الهذيل يلعنه لهذا ويقول: يعقد الكفر والفجور في شعره.
قال محمد بن يحيى: وأنشدني محمد بن العباس اليزيدي شعراً للعباس أظنه يهجو به أبا الهذيل- وما، سمعت للعباس هجاء غيره:

يا من يكذب أخبار الرسول لقـد

 

أخطأت في كل ما تأتي وما تذر

كذبت بالقدر الجاري عليك فقـد

 

أتاك مني بما لا تشتهي القـدر

حدثني محمد بن يحيى قال حدثني محمد بن سعيد عن الرياشي قال: قيل للأصمعي- أو قلت له- ما أحسن ما تحفظ للمحدثين؟ قال: قول العباس بن الأحنف:

لو كنت عاتبة لسكـن روعـتـي

 

أملي رضاك وزرت غير مراقب

لكن مللت فلم تكـن لـي حـيلة

 

صد الملول خلاف صد العاتـب

الغناء للعباس أخي بحر رمل.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي ومحمد بن العباس اليزيدي قالا، واللفظ لهاشم، قال حدثنا عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي قال: دخل عمي على الرشيد والعباس بن الأحنف عنده، فقال العباسي للرشيد: دعني أعبث بالأصمعي. قال له الرشيد: إنه ليس ممن يحتمل العبث. فقال: لست أعبث به عبثاً يشق عليه. قال: أنت أعلم. فلما دخل عمي قال له: يا أبا سعيد، من الذي يقول:

إذا أحببت أن تـص

 

نع شيئاً يعجب الناسا

فصور هاهنا فـوزاً

 

وصور ثم عبـاسـا

فإن لم يدنوا حـتـى

 

ترى رأسيهما راسا

كذب بها بما قاسـت

 

وكذبه بما قـاسـى

فقال له عمي يعرض بأنه نبطي: قاله الذي يقول:

إذا أحببت أن تبـص

 

ر شيئاً يعجب الخلقا

فصور هاهنـا دوراً

 

وصور هاهنا فلقـا

فإن لم يدنوا حـتـى

 

ترى خلقيهما خلقـا

فكذبها بمـا لاقـت

 

وكذبه بما يلـقـى

قال: فخجل العباس، وقال له الرشيد: قد نهيتك فلم تقبل.
حدثني الحسن بن علي قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال أنشدني إبراهيم بن العباسي للعباس بن الأحنف:

قالت ظلوم سمية الظلـم

 

مالي رأيتك ناحل الجسم

يا من رمى قلبي فاقصده

 

أنت العليم بموضع السهم

فقلت له: إن أبا حاتم السجستاني حكى عن الأصمعي أنه أنشد للعباس بن الأحنف:

أتأذنون لـصـب فـي زيارتـكـم

 

فعندكم شهوات السمع والبـصـر

لا يضمر السوء إن طال الجلوس به

 

عف الضمير ولكن فاسق النظـر

فقال الأصمعي: ما زال هذا الفتى يدخل يده في جرابه فلا يخرج شيئاً، حتى أدخلها فأخرج هذا، ومن أدمن طلب شيء ظفر ببعضه. فقال إبراهيم بن العباس: أنا لا أدري ما قال الأصمعي، ولكن أنشدك للعباس ما لا تدفع أنت ولا غيرك فضله، ثم أنشدني قوله:

والله لو أن القلوب كقلبهـا

 

مارق للولد الضعيف الوالد

وقوله:

لكن مللت فلم تكن لـي حـيلة

 

صد الملول خلاف صد العاتب

وقوله:

حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى

 

جائت أمور لا تطاق كـبـار

ثم قال: هذا والله ما لا يقدر أحد على أن يقول مثله أبداً.
حدثني عمي قال حدثني ميمون بن هارون قال: كنا عند الحسن بن وهب فقال لبنان: غنيني:

أتأذنون لـصـب فـي زيارتـكـم

 

فعندكم شهوات السمع والبـصـر

لا يضمر السوء إن طال الجلوس به

 

عف الضمير ولكن فاسق النظـر

قال: فضحكت ثم قالت: فأي خير فيه إن كان كذا أو أي معنى! فخجل الحسن من نادرتها عليه، وعجبنا من حدة جوابها وفطنتها.
حدثني الصولي قال: أخبرنا أحمد بن إسماعيل النصيبيني قال سمعت سعيد بن جنيد يقول: ما أعرف أحسن من شعر العباس في إخفاء أمره حيث يقول:

أريدك بالسلام فأتقـيهـم

 

فأعمد بالسلام إلى سواك

وأكثر فيهم ضحكي ليخفى

 

فسني ضاحك والقلب باك

حدثني الصولي قال حدثني علي بن محمد بن نصر قال حدثني خالي أحمد بن حمدون قال: كان بين الواثق وبين بعض جواريه شر فخرج كسلان، فلم أزل أنا والفتح بن خاقان نحتال لنشاطه، فراني أضاحك الفتح فقال: قاتل الله أبن الأحنف حيث يقول:

عدل من الله أبكاني وأضحكها

 

فالحمد لله عدل كل ما صنعا

اليوم أبكي على قلبي وأندبـه

 

قلب ألح عليه الحب فانصدعا

فقال الفتح: أنت والله يا أمير المؤمنين في وضع التمثل موضعه أشعر منه وأعلم وأظرف.

أخبرني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي عن أبيه قال: قالت للواثق جارية له كان يهواها وقد جرى بينهما عتب: إن كنت تستطيل بعز الخلافة فأنا أدل بعز الحب. أتراك لم تسمع بخليفة عشق قبلك قط فاستوفى من معشوقه حقه، ولكني لا أرى لي نظيراً في طاعتك. فقال الواثق: لله در ابن الأحنف حيث يقول:

أما تحسبيني أرى للعاشقـين

 

بلى، ثم لست أرى لي نظيرا

لعـل الـذي بـيديه الأمـور

 

سيجعل في الكره خيراً كثيرا

حدثني الصولي قال حدثني المغيرة بن محمد المهلبي قال: سمعت الزبير يقول: ابن الأحنف أشعر الناس في قوله:

تعتل بالشغل عنا ما تكلمـنـا

 

الشغل للقلب ليس الشغل للبدن

ويقول: لا أعلم شيئاً من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه بهذا النصف الأخير.
حدثني الصولي قال حدثني محمد بن سعيد عن حماد بن إسحاق قال: كان أبي يقول: لقد ظرف ابن الأحنف في قوله يصف طول عهده بالنوم:

قفا خبرانـي أيهـا الـرجـلان

 

عن النوم إن الهجر نـهـانـي

وكيف يكون النوم أم كيف طعمه

 

صفا النوم لي إن كنتما تصفان

قال: على قلة إعجابه بمثل هذه الأشعار.
حدثني الصولي قال حدثني ميمون بن هارون بن مخلد قال حدثنا أحمد بن إبراهيم قال: رأيت سلمة بن عاصم ومعه شعر العباس بن الأحنف، فعجبت منه وقلت: مثلك- أعزك الله- يحمل هذا! فقال: ألا أحمل شعر من يقول:

أسأت أن أحسـنـت ظـنـي

 

بكم والحزم سوء الظن بالناس

يقلقني الـشـوق فـآتـيكـم

 

والقلب مملوء مـن الـيأس

غنى هذين البيتين حسين بن محرز خفيف رمل بالوسطى. وأول الصوت:

يا فوز يا منية عـبـاس

 

واحربا من قلبك القاسي

وروى أحمد بن إبراهيم قال: أتاني أعرابي فصيح ظريف، فجعلت أكتب عنه أشياء حساناً، ثم قال: أتشدني لأصحابكم الحضريين. فأنشدته للعباس بن الأخنف:

ذكرتك بالتفاح لما شمـمـتـه

 

وبالراح لما قابلت أوجه الشرب

تذكرت بالتفاح منك سـوالـفـاً

 

وبالراح طعماً من مقبلك العذب

فقال: هذا عندك وأنت تكتب عني! لا أنشدك حرفاً بعد هذا.
فضل العباس بن الفضل بعض شعره على قول أهل العراق: وحدثني الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى الكاتب قال سمعت عبد الله بن العباس بن الفضل يقول:

سبحان رب العلا ما كان أغفلني

 

عما رمتني به الأيام والـزمـن

من لم يذق فرقة الأحباب ثم يرى

 

آثارهم بعدهم لم يدر ما الحرن

قال أبو بكر: وقد غنى عبد الله بن العباس فيه صوتاً خفيف رمل.
حدثني الصولي قال! حدثنا ميمون بن هارون قال: سمعت حسين بن الضحاك يقول: لو جاء العباس بن الأحنف بقوله ما قاله في بيتين في أبيات لعذر، وهو قوله:

لعمرك ما يستريح المحب

 

فقد يكتم المرء أسـراره

حتى يبـوح بـأسـراره

 

فتظهر في بعض أشعاره

ثم قال: أما قوله في هذا المعنى الذي لم يتقدمه فيه أحد فهو:

الحب أملك للفؤاد بـقـهـره

 

من أن يرى للستر فيه نصيب

وإذا بدا سر اللبـيب فـإنـه

 

لم يبد إلا والفتى مغـلـوب

أخبرني الصولي قال حدثني الغلابي قال حدثني الزبير بن مجار قال قال أبو العتاهية: ما حسدت أحداً إلا العباس بن الأحنف في قوله:

إذا امتنع القريب فلم تنلـه

 

على قرب فذاك هو البعيد

فإني كنت أولى به منه وهو بشعري أشبه منه بشعره. فقلت له: صدقت، هو يشبه شعرك.
أخبرني الصولي فال حدثني أبو الحسن الأنصاري قال: سمعت الكندي يقول: العباس بن الأحنف مليح ظريف حكيم جزل في شعره، وكان قليلاً ما يرضيني الشعر. فكان ينشد له كثيراً:

ألا تعجبون كما أعـجـب

 

حبيب يسيء ولا يعـتـب

وأبغي رضاه على سخطه

 

فيأبى علي ويستصـعـب

فيا ليت حظي إذا ما أسـأ

 

ت أنك ترضى ولا تغضب

كان إبراهيم الموصلي مشغوفاً بشعره كثير الغناء فيه: أخبرني الصولي قال حدثنا محمد بن الفضل قال حدثني حماد بن إسحاق قال: كان جدي إبراهيم مشغوفاً بشعر العباس، فتغنى في كثير من شعره، فذكر أشعاراً كثيرة حفظت منها:

وقد ملئت ماء الشباب كـأنـهـا

 

قضيب من الريحان ريان أخضر

هم كتموني سيرهم حين أزمعـوا

 

وقالوا أتعدنا للرواح وبـكـروا

ذكر الهشامي أن اللحن في هذين البيتين لعلوية رمل، وفي كتاب ابن المكي أنه لابن سريح، وهو غلط.
وقد أخبرني الحسن بن علي عن الحسين بن فهم قال: أنشد المأمون قول عباس بن الأحنف:

هم كتموني سيرهم حين أزمعوا

 

وقالوا أتعدنا للرواح وبكـروا

فقال المأمون: سخروا بأبي الفضل.
قال: وحفظت منها:

تمنى رجال ما أحـبـوا وإنـمـا

 

تمنيت أن أشكو إليك وتسمـعـا

أرى كل معشوقين غيري وغيرها

 

قد أستعذبا طول الهوى وتمتعـا

الغناء لإبراهيم ثقيل أول بالبنصر. وفيه ثقيل أول بالوسطى ينسب إلى يزيد حوراء وإلى سليم بن سلام.
قال وحفظت منها:

بكت عـينـي لأنـواع

 

من الحـزن وأوجـاع

وأنـي كـل يوم عـن

 

دكم يحظى بي الساعي

أعيش الدهر إن عشت

 

بقلب منـك مـرتـاع

وإن حل بي الـبـعـد

 

سينعاني لك النـاعـي

الغناء لإبراهيم الموصلي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو. وفي كتاب إبراهيم بن المهدي الذي رواه الهشامي عنه أن لإبراهيم بن المهدي فيه لحنين: ثقيلاً أول وماخورياً. وفيه هزج محدث.

أخبرني الصولي قال حدثنا أصحابنا عن محمد بن الفضل عن حماد بن إسحاق قال: ما غنى جدي في شعر أحد من الشعراء أكثر مما غنى في شعر ذي الرمة وعباس بن الأحنف.

أخبرني الصولي قال! حدثني محمد بن عبد الله التميمي قال: كنا في مجلس ابن الأعرابي، إذ أقبل رجل من ولد سعيد بن سالم كان يلزم ابن الأعرابي، وكان يحبه ويأنس به، فقال له: ما أخرك عني؟ فاعتذر بأشياء ثم قال: كنت مع مخارق عند بعض بني الرشيد فوهب له مائة ألف درهم على صوت غناه به، فاستكثر ذلك ابن الأعرابي واستهاله وعجب منه، وقال: ما هو؟ قال: غناه بشعر عباس بن الأحنف:

بكت عـينـي لأنـواع

 

من الحـزن وأوجـاع

وأنـي كـل يوم عـن

 

دكم يحظى بي الساعي

فقال ابن الأعرابي: أما الغناء فما أدري ما هو، ولكن هذا والله كلام قريب مليح.

حدثني الصولي قال حدثنا محمد بن الهيثم قال حدثني محمد بن عمرو الرومي قال: كنا عند الواثق فقال: أريد أن أصنع لحناً في شعر معناه أن الإنسان كائناً من كان لا يقدر على الاحتراس من عدوه، فهل تعرفون في هذا شيئاً؟ فأنشدنا ضروباً من الأشعار فقال: ما جئتم بشيء مثل قول عباس بن الأحنف:

قلبي إلى ما ضرني داعـي

 

يكثر أسقامي وأوجـاعـي

كيف احتراسي من عـدوي

 

إذا كان عدوي بين أضلاعي

أسلمني للحـب أشـياعـي

 

لما سعى بي عندها الساعي

لقلما أبقى عـلـى كـل ذا

 

يوشك أن ينعاني النـاعـي

قال: فعمل فيه الواثق لحنه الثقيل الأول، النشيد بالوسطى حدثني الصولي قال حدثني محمد بن موسى أو حدثت به عنه عن علي بن الجهم قال: انصرفت ليلة من عند المتوكل، فلما دخلت منزلي جاءني رسوله يطلبني، فراعني ذلك وقلت: بل تتبعت به بعد انصرافي، فرجعت إليه وجلاً، فأدخلت عليه وهو في مرقده. فلما رآني ضحك، فأيقنت بالسلامة، فقال: يا علي، أنا مذ فارقتك ساهر، خطر على قلبي هذا الشعر الذي يغني فيه أخي، قول الشاعر:

قلبي إلى ما ضرني داعي

الأبيات. فحرصت أن أعمل مثل هذا فلم يجئني، أو أن أعمل مثل اللحن فما أمكنني؟ فوجدت في نفسي نقصاً، فقلت: يا سيدي، كان أخوك خليفة يغني وأنت خليفة لا تغنى، فقال: قد والله أهديت إلى عيني نوماً، أعطوه ألف دينار، فأخذتها وانصرفت.
وجدت في كتاب الشاهيني بغير إسناد: أنشد أبو الحارث جميز قول العباس بن الأحنف.

قلبي إلى ما ضرني داعي

الأبيات. فبكى ثم قال: هذا شعر رجل جائع في جارية طباخة مليحة، فقلت له: من أين قلت ذاك؟ قال: لأنه بدأ فقال: قلبي إلى ما ضرني داعي وكذلك الإنسان يدعوه قلبه وشهوته إلى ما يضره من الطعام والشراب فيأكله، فتكثر علله وأوجاعه، وهذا تعريض، ثم صرح فقال:

كيف احتراسي من عـدوي

 

إذا كان عدوي بين أضلاعي

وليس للإنسان عدو بين أضلاعه إلا معدته، فهي تتلف ماله، وهي سبب أسقامه، وهي مفتاح كل بلاء عليه-، ثم قال:

إن دام لي هجرك يا مالكي

 

أوشك أن ينعاني الناعـي

فعلمت أن الطباخة كانت صديقته، وأنها هجرته ففقدها وفقد الطعام، فلو دام ذلك عليه لمات جوعا ونعاه الناعي.

وحدثني الصولي قال حدثني محمد بن عيسى قال: جاء عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع إلى الحسن بن وهب، وعنده بنان جارية محمد بن حماد، وهي نائمة سكرى وهو يبكي عندها. فقال له: مالك؟ قال: قد كنت نائما فجاءتني فأنبهتني وقالت: اجلس حتى تشرب فجلست، فوالله ما غنت عشرة أصوات حتى نامت وما شربت إلا قليلاً، فذكرت قول أشعر الناس وأظرفهم، العباس بن الأحنف.

أبكى الذين أذاقوني مودتـهـم

 

حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا

فأنا أبكي وأنشد هذا البيت.
وحدثني الصولي قال حدثني القاسم بن إسماعيل قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول: ما رأيت كلاماً محدثاً أجزل في رقة، ولا أصعب في سهولة، ولا أبلغ في إيجاز، من قول العباس بن الأحنف:

تعالي نجدد دارس العهد بيننا

 

كلانا على طول الجفاء ملوم

قال الصولي: ووجدت بخط عبد الله بن الحسن: أنشد أبو محمد الحسن بن مخلد قال: أنشدني إبراهيم بن العباس بن الأحنف:

إن قال لم يفعل وإن سيل لـم

 

يبذل وإن عوتب لم يعـتـب

صب بعصياني ولو قال لـي

 

لا تشرب البارد لـم أشـرب

إليك أشكو رب ما حـل بـي

 

من صد هذا المذنب المغضب

غنى في هذه الأبيات أحمد بن صدقة هزجاً بالوسطى. وفيها لحن آخر لغيره- قال الحسن بن مخلد: ثم قال لي إبراهيم بن العباس: هذا والله الكلام الحسن المعنى، السهل المورد، القريب المتناول، المليح اللفظ، العذب المستمع.

حدثني الصولي قال حدثني أحمد بن يزيد المهلبي قال: سمعت علي بن يحيى يقول: من الشعر المرزوق من المغنين خاصة شعر العباس بن الأحنف، وخاصة قوله:

نائم من أهدى لي الأرقا

 

مستريحاً سامني قلقـا

فإنه غنى فيه جماعة من المغنين، منهم إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق وغيرهما. قال: وكان يستحسن هذا الشعر، وأظن استحسانه إياه حمله على أن قال في رويه وقافيته:

بأبي والله من طرقـا

 

كابتسام البرق إذ خفقا

وعمل فيه لحناً من خفيف الثقيل في الإصبع الوسطى. هكذا رواه الصولي.

وأخبرني جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق قال: قال أبي: هذا الصوت:

نام من أهدى لي الأرقا

من الأشعار المحظوظة في الغناء لكثرة ما فيه من الصنعة واشتراك المغنين في ألحانه. وذكر محمد بن الحسن الكاتب عن علي بن محمد بن نصر عن جده حمدون أنه قال ذلك ولم يذكره عن إسحاق.

نام من أهدى لي الأرقـا

 

مستريحاً زادني قلـقـا

لو يبيت الناس كـلـهـم

 

بسهادي بيض الحـدقـا

كان لي قلب أعيش بـه

 

فاصطلى بالحب فاحترقا

أنا لم أرزق مـودتـكـم

 

إنما للعبـد مـا رزقـا

لإسحاق في هذا الشعر خفيف بالوسطى في مجراها. ولأبيه إبراهيم أيضاً فيه خفيف ثقيل آخر. ولابن جامع فيه لحنان: رمل مطلق في مجرى الوسطى في الأول والثالث، وخفيف رمل مطلق في مجرى الوسطى أيضاُ في الأبيات كلها. وفيه لسليم هزج، وفيه لعلويه ثقيل أول.

بأبي والله من طـرقـا

 

كابتسام البرق إذ خفقـا

زادني شوقاً بـزورتـه

 

وملا قلبي به حـرقـا

من لقلـب هـائم دنـف

 

كلما سليتـه قـلـقـا

زارني طيف الحبيب فما

 

زاد أن أغرى بي الأرقا

الشعر لعلي بن يحيى، وذكر الصولي أن الغناء له خفيف ثقيل أول بالوسطى.
وذكر أبو العبيس بن حمدون أن هذا الخفيف الثقيل من صنعته. وفيه لعريب ثاني ثقيل بالوسطى أيضاً.
حدثني الصولي قال: سمعت عبد الله بن المعتز يقول: لو قيل: ما أحسن شيء تعرفه؟ قلت: شعر العباس بن الأحنف:

قد سحب الناس أذيال الظنون بنا

 

وفرق الناس فينا قولهم فرقـا

فكاذب قد رمي بالحب غيركـم

 

وصادق ليس يدري أنه صدقا

قال: وللمسدود في هذا الشعر لحن. قال: ولم يغن المسدود أحسن من غنائه في شعر العباس بن الأحنف. هكذا ذكر الصولي، ولم يأت بغير هذا. ولإسحاق في هذين البيتين ثقيل أول بالبنصر من نسخة عمرو بن بانة الثانية. ولابن جامع ثقيل أول بالوسطى عن الهشامي. وليزيد حوراء خفيف ثقيل عنه. وللمسدود رمل. ولعبد الله بن العباس الربيعي خفيف رمل.

وأخبرني الصولي قال حدثني محمد بن سعيد قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غضب الفضل بن الربيع على جارية له كانت أحب الناس إليه، فتأخرت عن استرضائه، فغمه ذلك، فوجه إلى أبي يعلمه ويشكوها إليه. فكتب إليه أبي: لك العزة والشرف، ولأعدائك الذل والرغم. واستعمل قول العباس بن الأحنف:

تحمل عظيم الذنب ممن تحبـه

 

وإن كنت مظلوماً فقل أنا ظالم

فإنك إلا تغفر الذنب في الهوى

 

يفارقك من تهوى وأنفك راغم

فقال: صدقت، وبعث إليها فترضاها.
أخبرني الصولي قال حدثني أبو بكر بن أبي خيثمة قال: قيل لمصعب الزبيري: إن الناس يستبردون شعر العباس بن الأحنف. فقال: لقد ظلموه، أليس الذي يقول:

قالت ظلوم سمية الظلـم

 

مالي رأيتك ناحل الجسم

يا من رمى قلبي فأقصده

 

أنت العليم بموقع السهم

أخبرني الصولي قال حدثنا ميمون بن هارون قال حدثني أبو عبد الله الهشامي الحسن بن أحمد قال حدثنا عمرو بن بانة قال: كنا في دار أم جعفر جماعة من الشعراء والمغنين، فخرجت جارية لها وكمها مملوء دراهم، فقالت: أيكم القائل:

من ذا يعيرك عينة تبكي بها

 

أرأيت عيناً للبكاء تـعـار

فأومئ إلى العباس بن الأحنف، فنثرت الدراهم في حجره فنفضها فلقطها الفراشون، ثم دخلت ومعها ثلاثة نفر من الفراشين على عنق كل فراش بدرة فيها دراهم، فمضوا بها إلى منزل العباس بن الأحنف: أخبرني الحسن بن علي قال حدثني محمد بن موسى قال: أنشد الرشيد قول العباس بن الأحنف:

من ذا يعيرك عينه تبكي بها

فقال: من لا صحبه الله ولا حاطه.
حدثني الصولي قال حدثني عون بن محقد الكندي قال: كنا مع مخلد الموصلي في مجلس وكان معنا عبد الله بن ربيعة الزقي، فأنشد مخلد الموصلي قصيدة له يقول

كل شيء أقوى عليه ولكن

 

ليس لي بالفراق منك يدان

فجعل يستحسنه ويردده، فقال له عبد الله: أنت الفداء لمن ابتدأ هذا المعنى فأحسن فيه حيث يقول:

سلبتني من الشرور ثيابـاً

 

وكستني من الهموم ثيابـا

كلما أغلقت من الوصل باباً

 

فتحت لي إلى المنية بابـا

عذبيني بكل شيء سوى الص

 

د فما ذقت كالصدود عذابـا

قال: فضحك الموصلي. والشعر للعباس بن الأحنف.
وأخبرني الصولي قال حدثني أبو الحسن الأسدي قال: سمع الرياشي يقول، وقد ذكر عنده العباس بن الأحنف: والله لو لم يقل من الشعر إلا هذين البيتين لكفيا:

أحرم منكم بما أقـول وقـد

 

نال به العاشقون من عشقوا

صرت كأني ذبالة نصبـت

 

تضيء للناس وهي تحترق

وفي هذين البيتين لحن لعبد الله بن العباس من الثقيل الثاني بالبنصر. وفيه لخزرج رمل أول عن عبد الله بن العباس:

أنت لا تعلمين ما الهم والحزن

 

ولا تعـلـمـين مـا الأرق

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثني محمد بن يزيد المبرد قال حدثني بعض مشايخ الأزد عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي قال: كان الرشيد يقدم أبا العتاهية حتى يجوز الحد في تقديمه، وكنت أقدم العباس بن الأحنف؟ فاغتابني بعض الناس عند الرشيد وعابني عنده، وقال عقب ذلك: وبحسبك يا أمير المؤمنين أنه يخالفك في العباس بن الأحنف على حداثة سنه وقلة حذقه وتجريبه، ويقدمه على أبي العتاهية مع ميلك إليه. وبلغني الخبر فدخلت على الرشيد، فقال لي ابتداء: أيما أشعر عندك: العباس بن الأحنف أو أبو العتاهية؟ فعلمت الذي يريد، فأطرقت كأني مستثبت ثم قلت: أبو العتاهية أشعر. قال: أنشدني لهذا ولهذا، قلت: فبأيهما أبدأ؟ قال: بالعباس. قال: فأنشدته أجود ما أرويه للعباس، وهو قوله:

أحرم منكم بما أقـول وقـد

 

نال به العاشقون من عشقوا

فقال لي: أحسن، فأنشدني لأبي العتاهية، فأنشدته أضعف ما أقدر عليه، وهو قوله:

كأن عتابة من حسـنـهـا

 

دمية قس فتنت قـسـهـا

يا رب لو أنسيتنيها بـمـا

 

في جنة الفردوس لم أنسها

إني إذاً مثل التي لم تـزل

 

دائبة في طحنها كدسهـا

حتى إذا لم يبق منها سوى

 

حفنة بر قتلت نفـسـهـا

قال: أتعيره هذا! فأين أنت عن قوله:

قال لي أحمد ولم يدر مـا بـي

 

أتحب الغـداة عـتـبة حـقـا

فتنفست ثم قلـت نـعـم حـب

 

اً جرى في العروق عرقاً فعرقا

ويحك! أتعرف لأحد مثل هذا، أو تعرف أحداً سبقه إلى قوله: “فتنفست ثم قلت كذا وكذا”! اذهب ويحك فاحفظها، فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ولو كنت سمعت بها لحفظتها. قال إسحاق: وما أشك إني كنت أحفظ لها حينئذ من أبي العتاهية، ولكني إنما أنشدت ما أنشدت تعصباً.

قال محمد بن يزيد: وحدثت من غير وجه أن الرشيد ألف العباس بن الأحنف؟ فلما خرج إلى خراسان طال مقامه بها، ثم خرج إلى أرمينية والعباس معه ماشياً إلى بغداد، فعارضه في طريقه فأنشده:

قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا

 

ثم القفول فقد جئنا خراسـانـا

ما أقدر الله أن يدني على شحط

 

سكان دجلة من سكان جيحـان

متى الذي كنت أرجوه وآملـه

 

أما الذي كنت أخشاه فقد كانـا

عين الزمان أصابتنا فلا نظرت

 

وعذبت بصنوف الهجر ألوانـا

في هذين البيتين الأخيرين رمل بالوسطى ينسب إلى مخارق وإلى غيره- قال فقال له الرشيد: قد أشتقت يا عباس وأذنت لك خاصة، وأمر له بثلاثين ألف درهم.

أخبرني الصولي قال حدثنا محمد بن القاسم قال: سمعت مصعباً الزبيري يقول: العباس بن الأحنف وعمرو العراف ما ابتدلا شعرهما في رغبة ولا رهبة، ولكن فيما أحباه، فلزما فناً واحداً لو لزمه غيرهما ممن يكثر إكثارهما لضعف فيه.

توهمت بالخيف رسماً محيلا

 

لعزة تعرف منه الطلـولا

تبذل بالحي صوت الصـدى

 

ونوح الحمامة تدعو هديلا

عروضه من المتقارب. الخيف الذي عناه كثير ليس بخيف مني، بل هو موضع آخر في بلاد ضمرة. والطلول: جمع طلل، وهو ما كان له شخص وجسم عال من آثار الديار. والرسم ما لم يكن له شخص أو جسم، والصدى هاهنا: طائر، وفي موضع آخر: العطش. ويزعم أهل الجاهلية أن الصدى طائر يخرج من رأس المقتول فلا يزال يصيح أسقوني، حتى يدرك بثأره. قال طرفة:

كريم يروي نفسه في حـياتـه

 

ستعلم إن متنا صدى أينا الصدي

والحمام: القماري ونحوها من الطير. والهديل: أصواتها.

الشعر لكثير والغناء لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر، ونسبه إلى جاريته وكنى عنها، فذكر أن الصنعة لبعض من كثرت دربته بالغناء وعظم علمه وأتعب نفسه حتى جمع النغم العشر في هذا الصوت، وذكر أن طريقته من الثقيل الأول، وأنه ليس يجوز أن ينسبه إلى موضع إصبع مفردة، لأن ابتداءه على المثنى مطلقاً، ثم بسبابة المثنى، ثم وسطى المثنى، ثم بنصر المثنى، ثم خنصر المثنى، ثم سبابة الزير، ثم وسطاه، ثم بنصره، ثم خنصره، ثم النغمة الحادة، وهي العاشرة. وفيه لابن محرز ثاني ثقيل مطلق في مجرى البنصر. وفيه لابن الهزبذ رمل بالوسطى عن عمرو، وهذا الصوت من الثقيل الثاني، وهو الذي ذكر إسحاق في كتاب النغم وعللها أن لحن ابن محرز فيه يجمع ثمانياً من النغم العشر، وأنه لا يعرف صوتاً يجمعها غيره، وأنه يمكن من كان له علم ثاقب بالصناعة أن يأتي في صوت واحد بالنغم العشر، بعد تعب طويل ومعاناة شديدة. وذكر عبيد الله أن صانع هذا الصوت الذي كنى عنه فعل ذلك وتلطف له حتى أتى بالنغم العشر في هذا متوالية من أولها إلى آخرها، وأتى بها في الصوت الذي بعده متفرقة على غير توال إلا أنها كلها فيه، وذكر أن ذلك الصوت أحسن مسموعاً وأحلى. وحكى ذلك أيضاً عنه يحيى بن علي بن يحيى في كتاب النغم. وإذ فرغت من حكاية ما ذكره وحكاه عبيد الله في نسبة هذا الصوت فقد ينبغي أخرى الأمر فيه على التقليد دون القول الصحيح فيما ذكره وحكاه. والذي وصفه من جهة النغم العشر متوالية في صوت واحد محال لا حقيقة له، ولا يمكن أحداً بتة أن يفعله. وأنا أبين العلة في ذلك على تقريب، إذ كان استقصاء شرحها طويلاً. وقد ذكرته في رسالة إلى بعض إخواني في علل النغم، وشرحت هناك العلة في أن قسم الغناء قسمين وجعل على مجريين: الوسطى والبنصر دون غيرهما، حتى لا يدخل واحدة منهما على صاحبتها في مجراها قرب مخرج الصوت، إذا كان على الوسطى منه أو إذا كان على البنصر وشبهه به. فإذا أراد مريد إلحاق هذا بهذا لم يمكنه بتة على وجه ولا سبب، ولا يوجد في استطاعة حيوان أن يتلو إحداهما بالأخرى. وإذا أتبعت إحداهما بالأخرى في ناي أو آلة من آلات الزمر تفضلت إحداهما بالأخرى. وإنما قلت النغم في غناء الأوائل لأنهم قسموها قسمين بين هاتين الإصبعين، فوجدوهما إذا دخلت إحداهما مع الأخرى في طريقتها لم يكن ذلك إلا بعد أن يفصل بينهما بنغم أخرى للسبابة والخنصر يدخل بينهما حتى تتباعد المسافة بينهما، ثم لا يكون. لذلك الغناء ملاحة ولا طيب للمضادة في المجريين، فتركوه ولم يستعملوه، فإن كان صح لعبيد الله عمل في النغم العشر في صوت، فلعله صح له في الصوت الذي ذكر أنه فرقها فيه؟ فأما المتوالية- على ما ذكره هاهنا- فمحال، ولست أقدر في هذا الموضع على شرح أكثر من هذا، وهو في الرسالة التي ذكرتها مشروح.

يا دار عبلة من مشارق مأسـل

 

درس الشؤون وعهدها لم ينجل

واستبدلت عفر الظباء كأنـمـا

 

أبعارها في الصيف حب الفلفل

ذكر يحيى بن علي أن الشعر لعنترة بن شداد، وليس ذلك بصحيح. وذكر غيره من الرواة أنه لعبد قيس بن خفاف البرجمي، وليس ذلك بصحيح أيضاً، والشعر لحارثة بن بدر الغداني من قصيدة له طويلة يفتخر فيها ويذكر سالف أيامه. وقد ذكرت المختار منها بعقب أخبار حارثة وبعد انقضائها. والغناء المختار لأبي دلف العجلي، ولحنه في المختار ثقيل أول، وفيه ألحان كثيرة.
حارثة بن بدر بن حصين بن قطن بن غدانة بن يربوع.

وقال خالد بن حبل: حارثة بن بدر بن مالك بن كليب بن غدانة بن يربوع.

وأم حارثة بن بدر امرأة من بني صريم بن الحارث، يقال لها: الصدوف، بنت صدى.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية المنقري، قال: مر عمرو بن الأهتم بحارثة بن بدر، والأحنف بن قيس، وزيد بن جبلة، وهم مجتمعون، فسلم عليهم، ثم بقي مفكراً، فقالوا: مالك؟ فقال: ما في الأرض ثلاثة أنجب من آبائكم، حيث جاؤوا بأمثالكم من أمثال أمهاتكم فضحكوا منه.

قال: وأم الأحنف: الزافرية، واسمها حبى، من باهلة، وأم زيد بن جبلة: عمرة بنت حذلم، من بني الشعيراء. وأم حارثة: الصدوف بنت صدى، من بني صريم بن الحارث. وقد مضى نسب بني يربوع في نسب جرير وغيره أمن عشيرته، من هذا الكتاب.
وفي بني غدانة يقول الفرزدق:

أبني غدانة إنني حررتكـم

 

فوهبتكم لعطيه بن جعـال

لولا عطية لاجتدعت أنوفكم

 

من بين الأم أعين وسبـال

وكان عطية استوهب منه أعراضهم لصهر كان بينه ويبنهم، وكان عطية سيداً من سادات بني تميم. فلما سمع هذا الشعر قال: والله لقد أمتن علي أبو فراس بهذه الهبة وما تممها حتى ارتجعها، ووصل الامتنان بتحريرهم بأقبح هجاء لهم.
قال: وكان عطية هذا جواداً وفيه يقول جرير:

إن الجواد على المواطن كلها

 

وابن الجواد عطية بن جعال

يهب النجائب لا يمل عطاءها

 

والمقربات كأنهن سعالـى

وحارثة بن بدر من فرسان بني تميم ووجوهها وساداتها أو جودائها، وأحسب أنه قد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم في حال صباه وحداثته. وهو من ولد بني الأحنف بن قيس، وليس بمعدود في فحول الشعراء، ولكنه كان يعارض نظراءه الشعر، وله من ذلك أشياء كثيرة ليست مما يلحقه بالمتقدمين في الشعر والمتصرفين في فنونه.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري،، قال: أنبأنا عمر بن شبة، قال: أنبأنا المدائني، قال: كان زياد مكرماً لحارثة بن بدر، قابلاً لرأيه، محتملاً لما يعلمه من تناوله الشراب. فلما ولي عبيد الله بن زياد أخر حارثة بعض التأخير، فعاتبه على ذلك. فقال له عبيد الله: إنك تتناول الشراب،. فقال له: قد كان أبوك يعلم هذا مني، ويقربني ويكرمني. فقال له: إن أبي كان لا يخاف من القالة في تقريبك ما أخاف، وإن اللسان إلي فيك لأسرع منه إلى أبي. فقال حارثة:

وكم من أمير قد تجبـر بـعـدمـا

 

مريت له الدنيا بسـيفـي فـدرت

إذا ما هي احلولت نفى حق مقسمي

 

وتقسم لي منهـا إذا مـا أمـرت

إذا زبـنـتـه عـن فـواق يريده

 

دعيت ولا أدعـى إذا مـا أقـرت

وقال حارثة بن بدر أيضاً، وقد شاوره عبيد الله في بعض الأمر:

أهان وأقصى ثم ينتصحـونـنـي

 

ومن ذا الذي يعطى نصيحته قسرا

رأيت أكف المصلتـين عـلـيكـم

 

ملاء وكفي من عطاياكم صفـرا

متى تسألوني ما علي وتمـنـعـوا

 

الذي لي لم أسطع على ذلكم صبرا

فقال له عبيد الله: فإني معوضك وموليك، فولاه.
أخبرني يحيى بن علي إجازة، قال: أنبأنا أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، قال: قال لي أبو اليقظان: حول زياد دعوة حارثة بن بدر وديوانه في قريش، لمكانه منه، فقال فيه، رجل من بني كليب يهجوه بذلك:

شهدت بأن حارثة بن بدر

 

غداني اللهازم والكـلام

سجاح في كتاب الله أدنى

 

له من نوفل وبني هشام

يعني سجاح، التي ادعت النبوة وهي امرأة من بني تميمٍ قال أحمد بن يحيى: وقال المدائني: احترقت دار حارثة بن بدر بالبصرة، أحرقها بعض أعدائه من بني عمه، فقال في ذلك:

رأيت المنايا بادئات وعـوداً

 

إلى دارنا سهلا إليها طريقها

لها نبعة كانت تقينا فروعهـا

 

فقد تلفت إلا قليلا عروقهـا

قال: وكان لحارثة أخ يقال له: دارع، فأحرق مع ابن الحضرمي البصرة وقال أحمد يحيى أيضاً: كان عطية بن جعال يهاجي حارثة بن بدر، ثم اصطلحا. وكان أيضاُ يهاجيه من قومه العكمص، وكانت بنو سليط تروي هجاءه لحارثة بن بدر، فقال حارثة يهجوهم:

أراوية علي بنو سـلـيط

 

هجاء الناس يا لبني سليط

فما لحمي لتأكله سـلـيط

 

شبيهاً بالذكي ولا العبيط

أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الله بن صالح بن سمح بن عمرة الأسدي أبو الحسن، قال: أنبأنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: قال: روح بن السكن: كان أنس بن زنيم الليثي صديقاً لعبيد الله بن زياد، فرأى منه جفوة وأثرة لحارثة بن بدر الغداني، فقال:

أهان وأقصى ثم ترجى نصيحتـي

 

وأي امرئ يعطي نصيحته قسرا

رأيت أكف المصلتين عـلـيكـم

 

ملاء وكفي من عطاياكم صفـرا

فإن تسألوني ما علي وتمنعـوا ال

 

ذي لي لم أسطع على ذلكم صبرا

رأيتكم تعطون من ترهبـونـه

 

زربية قد وشحت حلقاً صفـرا

وإني مع الساعي عليكم بسيفـه

 

إذا عظمكم يوماً رأيت به كسرا

فقال عبيد الله بن زياد لحارثة بن بدر: أجبه. فاستعفاه لمودة كانت بينهما، فأكرمه على ذلك وأقسم عليه ليجيبنه، فقال:

تبدلت مـن أنـس إنـه

 

كذوب المودة خوانهـا

أراه بصيراً بضر الخليل

 

وخير الأخلاء عورانها

فأجابه أنس فقال:

إن الخيانة شر الخـلـيل

 

والكفر عندك ديوانـهـا

بصرت به في قديم الزمان

 

كما بصر العين إنسانهـا

فأجابه حارثة بن بدر فقال:

ألـكـنـي إلـى أنـس إنــه

 

عظيم الحواشة عندي مـهـيب

فما أبتغي عثـرات الـخـلـيل

 

ولا أبغين عـلـيه الـوثـوب

وما إن أرى ماله مـغـنـمـاً

 

من الدهر إن أعوزتني الكسوب

فقال أنس:

أحار بـن بـدر وأنـت أمـرؤ

 

لعمري المتاع إلي الـحـبـيب

متى كان مالك لي مـغـنـمـاً

 

من الدهر إن أعوزتني الكسوب

وشر الأخلاء عـنـد الـبـلاء

 

وعنـد الـرزية خـل كـذوب

قال: فتهادى أنس وحارثة الشعر عند عبيد الله زماناً، ووقع بينهما شر حتى قدم سلم بن زياد من عند يزيد بن معاوية عاملاً على خراسان وسجستان، فجعل ينتخب ناساً من أهل البصرة والكوفة، وكان الذي بين عبيد الله وبين سلم شيئاً، فأرسل سلم إلى أنس يعرض عليه صحبته وجعل له أن يستعمله على كورة، فقال له أنس: أمهلني حتى أنظر في أمري، وكتب إلى عبيد الله بن زياد.

ألم ترنـي خـيرت والأمـر واقـع

 

فما كنت لما قلت بـالـمـتـخـير

رضاك على شيء سواه ومـن يكـن

 

إذا اختار ذا حزم من الأمر يظـفـر

فعدت لترضى عن جهاد وصـاحـب

 

شفيق قديم الـود كـان مـوقـري

على أحد الثـغـرين ثـم تـركـتـه

 

وقد كنت في تأميره غير ممـتـري

فأمسكت عن سلم عناني وصحبـتـي

 

ليعرف وجه العذر قبل الـتـعـذر

فان كنت لما تدر ما هي شـيمـتـي

 

فسل بي أكفائي وسل بي معشـري

ألست مع الإحسان والجود ذا غـنـى

 

وبأس إذا ما كفروا في التـسـتـر

ورأي وقد أعصى الهوى خشية الردى

 

وأعرف غب الأمر قبل الـتـدبـر

وما كنت لولا ذاك ترتد بـغـبـتـي

 

على ارتداد المظلم الـمـتـجـبـر

قال: ودفعها إلى عبيدالله بن زياد، في صحيفة، فقرأها ثم دفعها إلى حارثة بن بدر، وقال له: أردد على أنس صحيفته فلا حاجة لنا فيها. فقال حارثة:

ألكني إلى من قال هـذا وقـل لـه

 

كذبت فما إن أنت بالـمـتـخـير

وإنك لو صاحبت سلمـاً وجـدتـه

 

كعهدك عهد السـوء لـم يتـغـير

أتنصح لي يوماً ولست بـنـاصـح

 

لنفسك فاغشش ما بـدا لـك أو ذر

كذبت ولكن أنت رهـن بـخـزية

 

ويوم كـأيام عـبـوس مـذكــر

كأشقر أضحى بين رمحين إن مضى

 

على الرمح ينحر أو تأخر يعـقـر

قال: وأعجبت عبيد الله، وقال: لعمري لقد أجبته. على إرادتي وأمسك عبيد الله في يده الصحيفة، فلما دخل عليه أنس دفعها إليه، فنظر فيها، ثم قال لعبيد الله: لقد رد علي من لا أستطيع جوابه. وظن أن عبيد الله قالها، وخرح أنس والصحيفة في يده، فلقيه عبد الرحمن بن رألان فدفعها إليه أنس، فلما قرأها قال: هذا شعر حارثة بن بدر، أعرفه. فقال له أنس: صدقت والله، ثم قال لحارثة:

عجبت لهرج من زمان مضلـل

 

ورأي لألباب الرجال مـغـير

 

ومن حقبه عوجاء غول تلبسـت

 

على الناس جلد الأربد المتنمـر

 

فلا يعرف المعروف فيه لأهله

 

وإن قيل فيه منكر لم ينـكـر

 

لحارثة الهدي الخنى لي ظالمـاً

 

ولم أر مثل مدر صيد مـدري

 

لحار بن بدر قد أتتني مـقـالة

 

فما بال نكر منك من غير منكر

 

أيروي عليك الناس ما لا تقولـه

 

فتعذر أم أنت أمرؤ غير معذر

 

فإن يك حقـاً مـا يقـال فـلا يكـن

 

دبيباً وجاهرني فمـا مـن تـسـتـر

أقلدك إن كنت امرءً خان عـرضـه

 

قوافي من باقي الكلام المـشـهـر

وقد كنت قبل اليوم جـزبـت أنـنـي

 

أشق على ذي الشعر والمتـشـعـر

وأن لساني بـالـقـصـائد مـاهـر

 

تعن له غر القـوافـي وتـنـبـري

أصادفها حـينـاً يسـيراً وأبـتـغـي

 

لهـا مـرة شـزراً إذا لـم تـيسـر

تناولني بالشتم فـي غـير كـنـهـه

 

فمهلاً أبا الخيماء وابـن الـمـعـذر

هجوت وقد ساماك في الشعر خطة ال

 

ذ ليل ولم يفعل كأفعـال مـنـكـر          

قال: وقال أنس بن زنيم لعبيد الله بن زياد، وفيه غناء:

سل أميري ما الـذي غـيره

 

عن وصالي اليوم حتى ودعه

لا تهني بعد إكـرامـك لـي

 

فشديد عادة مـنـتـزعـه

لا يكن وغدك برقاً خـلـبـاً

 

إن خير البرق ما الغيث معه

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: زعم عاصم بن الحدثان أن حارثة بن بدر قال لعبيد الله بن ظبيان، وكانا في عرس لابن مسمع: هل لك في شراب؟ قال: نعم، فأتيا بنبيذ من زبيب وعسل، فأخذ ابن ظبيان العس فكرع فيه حتى كاد يأتي عليه، ثم ناوله حارثة. فقال له حارثة: يا بن ظبيان، إنك لطب بحسوها. فقال: أجل، والله إني لأشربها حلالاً وأجاهر بها إذا أخفى غيري شرب الحرام. فقال له حارثة: من غيرك هذا؟ قال: سائلي عن هذا الأمر. فقال حارثة:

إذا كنت ندماني فخذهـا وسـقـنـي

 

ودع عنك من رآك تكرع في الخمر

فإني امرؤ ولا أشرب الخمر في الدجا

 

ولكنني أحسو النبيذ مـن الـتـمـر

حيا وتـقـاً لـلـه والـلـه عـالـم

 

بكل الذي نأتيه في السر والجـهـر

ومثلك قـد جـربـتـه وخـبـرتـه

 

أبا مطر والحين أسبـابـه تـجـري

حساها كمستدمى الغـزال عـتـيقة

 

إذا شعشعت بالماء طيبة الـنـشـر

أقـام عـلـيهـا دهـره كـل لـيلة

 

يشافهها حتى يرى وضح الـفـجـر

فأصبح ميتاً ميتة الكلـب صـحـكة

 

لأصحابه حتى يدهده في الـقـبـر

فما إن بـكـاه غـير دن ومـزهـر

 

وغانية كالبدر واضـحة الـثـغـر

وباطـية كـانـت لـه خـدن زنـية

 

يعاقرها والليل معتكـر الـسـتـر

أخبرني عمي، قال: حدثنا الكراني، قال: حدثنا العمري عن عاصم بن الحدثان، قال: عاتب الأحنف بن قيس حارثة بن بدر على معاقرة الشراب وقال له: قد فضحت نفسك وأسقطت قدرك، وأوجعه عتاباً. فقال له: إني سأعتبك. فانصرف الأحنف طامعاً في صلاحه، فلما أمسى راح إليه فقال له: اسمع يا أبا بحر ما قلت لك. فقال: هات، فأنشده:

يذم أبـو بـحـر أمـوراً يريدهـا

 

ويكرهها للأريحـي الـمـسـود

فإن كنت عياباً فـقـل مـا تـريده

 

ودع عنك شربي لست فيه بأوحـد

سأشربها صهباء كالمسك ريحـهـا

 

وأشربها في كل نـاد ومـشـهـد

فنفسك فانصح يا بن قيس وخلـنـي

 

ورأيي فما رأيي بـرأي مـفـنـد

وقائلة يا حار هل أنت ممسك عليك

 

من التبذير قلت لـهـا اقـصـدي

ولا تأمريني بالـشـداد فـإنـنـي

 

رأيت الكثير المال غير مـخـلـد

ولا عيب لي إلا اصطباحي قـهـوة

 

متى يمزجها الماء في الكأس تزبد

معتقة صهباء كالمسـك ريحـهـا

 

إذا هي فاحت أذهبت غلة الصـدي

ألا إنما الرشد المـبـين طـريقـه

 

خلاف الذي قد قلت إذ أنت مرشدي

سأشربها مـا حـج لـلـه راكـب

 

مجاهرة وحدي ومع كل مسـعـد

وأسعد ندماني وأتبـع شـهـوتـي

 

وأبذل عفواً كل ما مـلـكـت يدي

كذا العيش لا عيش ابن قيس وصحبه

 

من الشرب للماء القراح المصـرد

فقال له الأحنف: حسبك، فإني أراك غير مقلع عن غيك، ولن أعاتبك بعدها أبداً. قال عاصم: ثم كان بعد ذلك بن الأحنف وحارثة كلام وخصومة، فافترقا عن مجلسهما متغاضبين، فبلغ حارثة أن الأحنف قال: أما والله لولا ما يعلم لقلت فيه ما هو أهله. فقال حارثة: وهل يقدر على أن يذمني بأكثر من الشراب وحبي له؟ وذلك أمر لست أعتذر منه إلى أحد، ثم قال في ذلك:

وكم لائم لي في الشراب زجـرتـه

 

فقلت له دعني ومـا أنـا شـارب

فلست عن الصهباء ما عشت مقصراً

 

وإن لامني فيها الـلـئام الأشـائب

أأتـرك لـذاتـي وآتـي هـواكـم

 

ألا ليس مثلي يابن قـيس يخـالـب

أنا الليث مـعـدواً عـلـيه وعـاديا

 

إذا سلت البيض الرقاق القواضـب

فأنت حليم تزجر الناس عـن هـوى

 

نفوسهم جهلاً وحلـمـك عـازب

فحلمك صنه لا تـذلـه وخـلـنـي

 

وشأني وأركب كل ما أنت راكـب

فإني امرؤ عودت نفـسـي عـادة

 

وكل امرئ لا شك ما اعتاد طالـب

أجود بمالي مـا حـييت سـمـاحة

 

وأنت بخيل يجتويك المـصـاحـب

فما أنت أو ما غي من ثـان غـاوياً

 

إذا أنت لم تسدد عليك المـذاهـب

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: أنبأنا أبو الأسود الخليل بن أسد، قال: أنبأنا العمري عن العتبي، قال: أجرى الوليد بن عبد الملك الخيل وعنده حارثة بن بدر الغداني، وهو حينئذ في ألف وستمائة من العطاء، فسبق الولد، فقال حارثة: هذه فرصة. فقام فهناه ودعا له، ثم قال:

إلى الألفين مطلع قريب

 

زيادة أربع لي قد بقينـا

فإن أهلك فهن لكـم وإلا

 

فهن من المتاع لكم سنينا

فقال له الوليد: فتشاطرني ذلك: لك مائتان ولي مائتان. فصير عطاءه ألفا وثمانمائة. ثم أجرى الوليد الخيل، فسبق أيضاً، فقال حارثة: هذه فرصة أخرى. فقام فهنأه ودعا له، ثم فال:

وما أحتجب الألفان إلا بهـين

 

هما الآن أدنى منهما فبل ذالكا

فجد بهما تفديك نفسي فإننـي

 

معلق آمالي ببعض حبالـكـا

فأمر الوليد له بالمائتين، فانصرف وعطاؤه ألفان.

أخبرني محمد بن يحيى، أنبأنا محمد بن زكريا، قال: أنبأنا مهدي بن سابق، قال: أنبأنا عبد الرحمن بن شبيب بن شيبة، عن أبيه، قال: قال زياد يوماً لحارثة بن بدر: من أخطب الناس، أنا أو أنت؟ فقال: الأمير أخطب مني إذا توعد ووعد، وأعطى ومنع، وبرق ورعد، وأنا أخطب منه في الوفادة وفي الثناء والتحبير، وأنا أكذب إذا خطبت، فأحشو كلامي بزيادة مليحة شهية، والأمير يقصد إلى الحق وميزان العدل ولا يزيد فيه شعيرة ولا ينقص منه. فقال له زياد: قاتلك الله! فلقد أجدت تخليص صفتك وصفتي، من حيث أعطيت نفسك الخطابة كلها وأرضيتني وتخلصت. ثم التفت إلى أولاده فقال: هذا لعمركم البيان الصريح.

أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا عن الحرمازي، قال: شرب حارثة بن بدر مع بني زياد ليلة إلى الصبح فأكثر، وصرف ومزجوا، فلما أن غدا على زياد كان وجهه شديد الحمرة، ففطن له زياد، فقال: مالك يا حارثة؟ فقال: أكلت البارحة رماناً فأكثرت. قال: قد عرفت مع من أكلته، ولكنهم قشروه وأكلته بقشره فأصارك إلى ما ترى.

قال الحرمازي: قال بعض أهل العلم: إن زياداً استعمل حارثة على سرق. فمات زياد وهو بها، ثم إنه بلغه موته، فقال حارثة يرثيه:

إن الرزية في قبـر بـمـنـزلة

 

تجري عليها بظهر الكوفة المور

أدت إليه قريش نعـش سـيدهـا

 

ففيه ضافي الندى والحزم مقبـور

أبا المغـيرة والـدنـيا مـغـيرة

 

وإن من غر بالدنيا لـمـغـرور

قد كان عندك للمعروف مـعـرفة

 

وكان عندك للنكـراء تـنـكـير

وكنت تؤتى فتعطي الخير عن سعة

 

فاليوم بابك دون الهجر مهجـور

ولا تلين إذا عوسرت مقـتـسـراً

 

وكل أمرك ما يوسرت مـيسـور

قال: وكان الذي أتاه بنعيه مسعود بن عمرو الأزدي، فقال حارثة:

لقد جاء مسعود أخو الأزد غدوة

 

بداهية غراء باد حجـولـهـا

من الشر ظل الناس فيها كأنهم

 

وقد جاء بالأخبار من لا يحيلها

أخبرني الحسن بن علي، قال: أنبأنا العمري عن أحمد بن خالد بن منجوف، عن مؤرج السدوسي، قال: دخل حارثة بن بدر على عبيد الله بن زياد وعنده سعد الرابية أحد بني عمرو بن يربوع بن حنظلة، وكان شريراً يضحك ابن زياد ويلهيه، وله يقول الفرزدق:

إني لأبغض سعداً أن أجـاوره

 

ولا أحب بني عمرو بن يربوع

قوم إذا حاربوا لم يخشهم أحـد

 

والجار فيهم ذليل غير ممنوع

فلما جلس حارثة قال له سعد: يا حارثة، أينع الكرم؟ فال: نعم، واستودع ماءه الأصيص، فمه؟ قال: إني لم أرد بأساً. قال: أجل! ولست من أهل البأس: ولكن هل لك علم بالأتان إذا اعتاص رحمها، كيف يسطى عليها، أكما يسطى على الفرس، أم كيف؟ قال: واحدة بواحدة، والبادي أظلم، سألتني عما لا علم لي به، وسألتك عما تعلم و. قال: أنت بما سألتك عنه أعلم مني بما سألتني عنه، ولكن من شاء جهل نفسه وأنكر ما يعرف. وقال حارثة يهجو سعداً:

لا ترج مني يابـن سـعـد هـوادة

 

ولا صحبة ما أرزمـت أم حـائل

أعند الأمير ابن الأمير تعـيبـنـي

 

وأنت ابن عمرو مضحك في القبائل

ولو غيرنا يا سعد رمت حـريمـه

 

بخسف لقد غودرت لحمـاً لآكـل

فشالت بك العنقاء أو صرت لحـمة

 

لأغبس عواء العشـيات عـاسـل

أخبرني هاشم بن محمد، قال: أنبأنا الرياشي عن الأصمعي وأبي عبيدة، قالا: كان حارثة بن بدر يجالس مالك بن مسمع فإذا جاء وقت يشرب فيه قام، فأراد مالك أن يعلم من حضره أنه قام ليشرب، فقال له: إلى أين تمضي يا أبا العنبس؟ قال، أجيء بعباد بن الحصين يفقأ عينك الأخرى – وقال الأصمعي: “مضي فأفقأ عين عباد بن الحصين لآخذ لك بثأرك – وكان عباد فقأ عين مالك يوم المرب.

قال: وذكر المدائني أن حارثة بن بدر كان يومئذ – وهو يوم فتنة مسعود – على خيل حنظلة بإزاء بكر بن وائل، فجعل عبس بن مطلق بن ربيعة الصريمي على الخيل بحيال الأزد، ومعه سعد والرباب والأساورة، وقال حارثة بن بدر:

سيكفيك عبس أخو كهمس

 

مقارعة الأزد بالمـربـد

ويكفيك عمرو وأشـياعـه

 

لكيز بن أفصى وما عددوا

وأكفيك بكراً إذا أقبـلـت

 

بطعن يشيب له الأمـرد

فلما اصطف الناس، أرسل مالك بن مسمع إلى ضرار بن القعقاع يسأله الصلح على أن يعطيه ما أحب، فقال له حارثة: إنه والله ما أرسل إليك نظراً لك ولا إبقاء عليك، ولكنه أراد أن يغري بينك وبين سعد. فمضى ضرار إلى راية الأحنف فحملها وحمل على مالك فهزمه، وفقئت عينه يومئذ.

أخبرني محمد بن يحيى قال: أنبأنا محمد بن زكريا، عن محمد بن سلام، عن أبي اليقظان قال: مر حارثة بن بدر بالمسجد الذي يقال له مسجد الأحامرة بالبصرة فرأى مشيخة قد خضبوا لحاهم بالحناء فقال: ما هذه الأحامرة؟ فالمسجد الآن يلقب مسجد الأحامرة منذ يوم قال حارثة هذا القول.

أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا، عن القحذمي، قال: عرض لحارثة بن بدر رجل من الخلج في أمر كرهه عند زياد، فقال فيه حارثة:

لقد عجبت وكم للدهر من عجب

 

ما تزيد في أنسابها الـخـلـج

كانوا خساً أو زكاً من دون أربعة

 

لم يخلقوا وجدود الناس تعتلـج

أخبرني الحسن بن علي، قال: أنبأنا أحمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن عمر بن زياد الكندي، قال: أنبأنا يحيى بن آدم، عن أبي زائدة، عن مجالد، عن الشعبي، قال: كنت عند عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. فأنشدته لحارثة. بن بدر:

وكان لنا نبع تقـينـا عـروقـه

 

فقد بلغت إلا قليلاً حلـوقـهـا

وشيب رأسي واستخف حلومنـا

 

رعود المنايا فوقنا وبروقـهـا

وإنا لتستحلي المنايا نفـوسـنـا

 

ونترك أخرى مرة ما تذوقهـا

رأيت المنـايا بـادئات وعـوداً

 

إلى دارنا سهلاً إليها طريقهـا

فقد قسمت نفسي فريقين منهمـا

 

فريق مع الموتى وعندي فريقها

قال الشعبي: فقال لي ابن جعفر: نحن كنا أحق بهذا الشعر. وجاءه غلامه بدراهم في منديل، فقال له: هذه غلة أرضك بمكان كذا وكذا. فقال: ألقها في حجر الشعبي. فألقاها في حجري. أخبرني الحسن بن علي، قال: أنبأنا أحمد بن الحارث الخراز، عن المدائني، عن مسلمة بن محارب: أن زياداً استعمل حارثة بن بدر على كوار، وهو إذ ذاك عامل علي بن أبي طالب رضي الله عنه على فارس، وكان حارثة بن بدر صاحب شراب، فكتب زياد إلى حارثة يحثه على جباية الخراج، فكتب إليه علقمة بن معبد المازني:

ألم تر أن حارثة بـن بـدر

 

يصلي وهو أكفر من حمار

وأن المال يعرف من حواه

 

ويعرف بالزواني والعقـار

وقال المدائني في خبره هذا: حمل زياد بن أبيه حارثة بن بدر على بغلة يقال لها أطلال كان خرزاذ بن الهربد ابتاعها بأربعة آلاف درهم وأهداها له، فركبها حارثة، وكان فيها نفار، فصرعته عن ظهرها، فقام فركبها، وقال:

ما هاج أطلال بجني حرمه

 

تحمل وضاحاً رفيع الحكمه

قرماً إذا زاحم قرماً زحمه

 

 

أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا، قال: أنبأنا إبراهيم بن عمر عن أبي عبيدة وعبد الله بن محمد، قالا: مر سليمان بن عمرو بن مرثد بحارثة بن بدر وهو بفارس يريد خراسان، فأنزله وقراه وقرى أصحابه، وحملهم وإياه، فلما ركبوا للمسير قال سليمان:

قريت فأحسنت القرى وسـقـيتـنـا

 

معتقة صهباء كالعنبـر الـرطـب

وواسيتنا فيما مـلـكـت تـبـرعـاً

 

وكنت ابن بدر نعم منزل الـركـب

وأنت لعمري في تمـيم عـمـادهـا

 

إذا ما تداعت للعلى موضع القطـب

وفارسـهـا فـي كـل يوم كـريهة

 

وملجؤها إن حمل خطب من الخطب

وعندكم نـال الـغـنـى مـن أراده

 

إذا ما خطرتم كالضراغمة الغـلـب

يرى الحلق الماذي فوق حمـاتـهـم

 

إذا الحرب شبت بالمهندة القـضـب

وعند الرخا والأمن غـيث ورحـمة

 

لمن يعتريهم خائفاً صولة الـحـرب

وجدتهم جوداً صباحـاً وجـوهـهـم

 

كراماً على العلات في فادح الخطب

كأن دنانيراً علـى قـسـمـاتـهـم

 

إذا جئتهم قد خفت نكباً من النـكـب

فمن مبلغ عني تميمـاً فـخـيركـم

 

غدانة حقاً قالـه غـير ذي لـعـب

فقال حارثة يجيبه:

وأسحم ملآن جررت لـفـتـية

 

كراماً أبوهم خير بكر بن وائل

وأطولهم كفاً وأصدقـهـم حـيا

 

وأكرمهم عند اختلاف المناصل

من المرثديين الذين إذا انـتـدوا

 

رأيت ندياً جده غـير خـامـل

فعالهم زين لهم ووجـوهـهـم

 

تزين الذي يأتونه في المحافـل

فسقياً ورعياً لابن عمرو بن مرثد

 

سليمان ذي المجد التليد الحلاحل

فتى لم يزل يسمو إلى كل نجـدة

 

فيدرك ما أعيت يد المتـنـاول

فحسبك بي علماً به وبفضـلـه

 

إذا ذكر الأقوام أهل الفضـائل

أخبرني عمي، قال: أنبأنا الكراني، قال: أنبأنا العمري، عن عطاء بن مصعب، عن عاصم بن الحدثان، قال: دخل أنس بن زنيم على عبيد الله بن زياد، وعنده حارثة بن بدر، وكان بينهما تعارض ومقارضة قبل ذلك، فلما خرج أنس قال عبيد الله لحارثة: أي رجل هو أنس عندك؟ قال: هو عندي- أصلح الله الأمير- كما قلت فيه:

يبيت بطيناً من لـحـوم صـديقـه

 

خميصاً من التقوى ومن طلب الحمد

ينام إذا ما الـلـيل جـن ظـلامـه

 

ويسري إلى حاجاته نومة الفـهـد

يراعي عذارى قومه كلـمـا دجـا

 

له الليل والسوات كالأسـد الـورد

جريئاً على أكل الحرام وفـعـلـه

 

جباناً عن الأقران معترم الـكـرد

فلما كان من الغد، دخل أنس على عبيد الله، فقال له عبيد الله، بحضرة حارثة: إني سألت هذا عنك فأخبرني بما كرهته لك، ولم أكن إخالك كما نعت لي- فقال: أصلح الله الأمير، إن يكن قال خيراً فأنا أهله، وإن قال غير ذلك فلم يعد ما هو أولى به مني، أما والله لو كان- أصلح الله الأمير- حقاً، لحفظ غيبتي، فلقد أوليته حسن الثناء بما ليس أهله، والله يعلم أني كنت كاذباً، وما إخال ما قاله في إلا عقوبة، فإن عقوبة الكذب حاضرة، وثمرة الكذب الندامة، فقد لعمري أجنيتها بكذبي وقولي فيه ما ليس فيه. وهو عندي كما أقول- أصلح الله الأمير- وأنشد:

يحلي لي الطرف ابن بـدر وإنـنـي

 

لأعرف في وجه ابن بدر لي البغضـا

رآني شجاً في حلـقـه مـا يسـيغـه

 

فما إن يزال الدهر يجرض بي جرضا

ومالي من ذنـب إلـيه عـلـمـتـه

 

سوى أن راني في عشيرته محـضـا

وإن ابن بدر في تمـيم مـكـركـس

 

إذا سيم خسفاً أو مشنـعة أغـضـى

فعش يابن بدر ما بقـيت كـمـا أرى

 

كثير الخنا لا تسأم الـذل والـغـضـا

تعيب الرجال الصالحين وفـعـلـهـم

 

وتبذل بخلاً دون ما نلته الـعـرضـا

وترضى بما لا يرتضي الحر مثـلـه

 

وذو الحلم بالتخييس والذل لا يرضـى

قال: وقال أنس في حارثة بن بدر ينسبه إلى الخمر والفجور:

أحـار بـن بـدر بـاكـر الــراح

 

إنها تنسيك ما قدمت في سالف الدهـر

تنسيك أسباباً عظـامـاً ركـبـتـهـا

 

وأنت على عمياء في سنـن تـجـري

أتذكر ما أسديت واختـرت فـعـلـه

 

وجئت من المكروه والشر والنـكـر

إذا قلت مهلاً نلت عـرضـي فـمـا

 

الذي تعيب على مثلي هبلت أبا عمرو

ألـيس عـظـيمـاً أن تـكـايد حـرة

 

مهفهفة الكشحـين طـيبة الـنـشـر

فإن كنت قد أزمعت بشـرك بـالـذي

 

عرفت به إذ أنت تخـزي ولا تـدري

فدغ عنك شرب الخمر وارجع إلى التي

 

بها يرتضي أهل النبـاهة والـذكـر

عليك نبيذ التمـر إن كـنـت شـاربـاً

 

فإن نبيذ التمر خير مـن الـخـمـر

ألا إن شرب الخمر يزري بذي الحجى

 

ويذهب بالمال الـتـلاد وبـالـوفـر

فصبراً عن الصهباء وأعلـم بـأنـنـي

 

نصيح وأني قد كبرت عـن الـزجـر

وأنك إن كفكفتـنـي عـن نـصـيحة

 

تركتك يا حار بن بدر إلى الـحـشـر

أأبذل نصحي ثم تعصي نصـيحـتـي

 

وتهجرني عنها هـبـلـت أبـا بـدر

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن حكيم.، عن خالد بن سعيد، عن أبيه، قال: لما ولي حارثة بن بدر سوق خرج معه المشيعون من البصرة وفيهم أبو الأسود الدؤلي، فلما انصرف المشيعون دنا منه أبو الأسود فقال له:

أحار بـن بـدر قـد ولـيت إمـارة

 

فكن جرذاً فيها تخـون وتـسـرق

ولا تحقرن يا حار شـيئاً تـصـيبـه

 

فحظك من ملك العراقـين سـرق

فإن جميع الـنـاس إمـا مـكـذب

 

يقول بما يهـوى وإمـا مـصـدق

يقولون أقـوالاً بـظـن وشـبـهـه

 

فإن قيل هاتوا حققوا لم يحـقـقـوا

فلا تعجزن فالعجز أبطـأ مـركـب

 

وما كل من يدعي إلى الرزق يرزق

وكاثر تميماً بالغنى إن لـلـغـنـى

 

لساناً به يطسو إلى العيي وينـطـق

فقال له حارثة:

جزاك مليك الناس خير جـزائه

 

فقد قلت معروفاً وأوصيت كافياً

أمرت بحزم لو أمرت بـغـيره

 

لألفيتني فيه لـرأيك عـاصـيا

ستلقى أخاً يصيفيك بالود حاضراً

 

ويوليك حفظ الغيب إن كنت نائيا

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن عاصم ابن الحدثان، قال: لما ندب حارثة بن بدر لقتال الأزارقة بدولاب لقيهم، فلما حميت الحرب بينهم واشتدت، قال حارثة لأصحابه:

كرنبوا ودولـبـوا

 

وحيث شئتم فاذهبوا

ثم انهزم، فقال غوث بن الحباب يهجوه ويعيره بالفرار، ويعيره بشرب الخمر أو معاقرتها

أحار بن بدر دونك الكـأس إنـهـا

 

بمثلك أولى من قراع الـكـتـائب

عليك بها صهباء كالمسك ريحـهـا

 

يظل أخوها للعـدا غـير هـائب

فدع عنك أقواماً وليت قـتـالـهـم

 

فلست صبوراً عند وقع القواضب

وخذها كعين الديك تشفي من الجوى

 

وتترك ذا الهمات حصر المذاهب

إذا شعشعت بالماء خلت حبابـهـا

 

نظائم در أو عـيون الـجـنـادب

كأنك إذ تحـسـو ثـلاثة أكـؤس

 

من التيه قرم من قروم المـرازب

ودع عنك أبناء الحروب وشـدهـم

 

إذا خطروا مثل الجمال المصاعب

خبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا العلاء بن الفضل بن أبي سوية، قال: حدثني أبي، قال: كانت في تميم حمالتان، فاجتمعوا في مقبرة بني شيبان، فقال لهم الأحنف: لا تعجلوا حتى يحضر سيدكم. فقالوا: من سيدنا غيرك؟ قال: حارثة بن بدر. قال: وقدم حارثة من الأهواز بمال كثير فبلغه ما قال الأحنف، فقال: اغرمنيها والله ابن الزافرية! ثم أتاهم كأنه لم يعلم فيما اجتمعوا، فقال فيم اجتمعتم؟ فأخبروه،. فقال: لا تلقوا فيهما أحداً فهما علي،، ثم أتى منزله فقال:

خلت الديار فسدت غير مسود

 

ومن الشقاء تفردي بالسودد

أخبرني أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا أحمد بن سليمان بن أبي شيخ عن أبيه، قال: خرج أصحاب الحديث إلى سفيان بن عيينة فازدحموا، فقال: لقد هممت ألا أحدثكم شهراً. فقام إليه شاب من أهل العراق، فقال له: يا أبا محمد، ألن جانبك، وحسن قولك، وتأس بصالحي سلفك، وأجمل مجالسة جلسائك، فقد أصبحت بقية الناس، وأميناً لله ورسوله على العلم، والله إن الرجل ليريد الحج فتتعاظمه مشقته حتى يكاد أن يقيم، فيكون لقاؤه إياك وطمعه فيك كثر ما يحركه عليه. قال: فخضع سفيان أو تواضع، ورق وبكى، ثم تمثل بقول حارثة:

خلت الديار فسدت غير مسود

 

ومن الشقاء تفردي بالسودد

ثم حدثهم بعد ذلك بكل ما أرادوا إلى أن رحلوا.
أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي ومحمد بن الحسين الكندي، قالا: حدثنا الخليل بن أسد، قال: حدثنا العمري، عن الهيثم بن عدي، عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة: أن حارثة بن بدر الغداني كان سعى في الأرض فسادا، فأهدر علي ابن أبي طالب عليه السلام دمه، فهرب فاستجار بأشراف الناس، فلم يجره أحد، فقيل له: عليك بسعيد بن قيس الهمداني فلعله أن يجيرك. فطلب سعيداً فلم يجده، فجلس في طلبه حتى جاء، فأخذ بلجام فرسه فقال: أجرني أجارك الله، قال: ويحك، مالك؟ قال: أهدر أمير المؤمنين دمي. قال: وفيم ذاك؟ قال: سعيت في الأرض فساداً. قال: ومن أنت؟ قال: حارثة بن بدر الغداني. قال: أقنم. وانصرف إلى علي عليه السلام فوجده قائماً على المنبر يخطب، فقال: يا أمير المؤمنين، ما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً؟ قال: أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض. قال: يا أمير المؤمنين، إلا من؟ قال: إلا من تاب. قال: فهذا حارثة بن بدر قد جاء تائباً، وقد أجرته. قال: أنت رجل من المسلمين وقد أجرنا من أجرت. ثم قال علي عليه السلام وهو على المنبر: أيها الناس، إني كنت نذرت دم حارثة بن بدر، فمن لقيه فلا يعرض له. فانصرف إليه سعيد بن قيس فأعلمه وحمله وكساه، وأجازه بجائزة سنية،، فقال فيه حارثة:

الله يجزي سعيد الخير نـافـلة

 

أعني سعيد بن قيس قرم همدان

أنقدني من شفا غبراء مظلـمة

 

لولا شفاعته ألبست أكفـانـي

قالت تميم بن مر لا نخاطـبـه

 

وقد أبت ذلكم قيس بن عـيلان

فال الهيثم: لم يكن الحسن بن عمارة يروي من هذا الشعر غير هذه الثلاثة الأبيات، وأخذت الشعر كله من حماد الراوية، فقلت له: ممن أخذته قال: من سماك ابن حرب. وهو:

أساغ في الحلق ريقا كان يجرضني

 

وأظهر الله سري بعد كـتـمـان

إني تداركنـي عـف شـمـائلـه

 

آباؤه حين ينمى خير قـحـطـان

ينميه قيس وزيد والفـتـى كـرب

 

وذو جبائر من أولاد عـثـمـان

وذو رعين وسيف وابن ذي يزن

 

وعلقم قبلهم أعني ابن نبهـان

قال: فلما أراد الانصراف إلى البصرة شيعه سعيد بن قيس إلى نهر البصريين في ألف راكب، وحمله وجهزه، فقال حارثة:

لقد سررت غداة النهر إذ بـرزت

 

أشياخ همدان فيها المجد والخـير

يقودهم ملك جـزل مـواهـبـه

 

واري الزناد لدى الخيرات مذكور

أعني سعيد بن قيس خير ذي يزن

 

سامي العماد لدى السلطان محبور

ما إن يلين إذا ما سيم مـنـقـصة

 

لكن له غضب فيها وتـنـكـير

أغر أبلج يستسقى الغـمـام بـه

 

جنابه الدهر يضحي وهو ممطور

أخبرني محمد بن يحيى، فال: حدثنا محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد ابن معاوية الزيادي، عن القحذمي، قال: كان حارثة بن بدر فصيحاً بليغاً عارفاً بأخبار الناس وأيامهم، حلواً شاعراً ذا فكاهة، فكان زياد يأنس به طول حياته، فلما مات وولي عبيد الله ابنه، كان يجفوه، فدخل إليه في جمهور الناس، فجلس متوارياً منه حتى خف الناس، ثم قام فأذكره بحقوقه على زياد وأنسه به. فقال له: ما أعرفني بما قلت! غير أن أبي كان قد عرفه الناس وعرفوا سيرته، فلم يكن يلصق به من أهل الريبة مثل ما يلحقني، مع الشباب وقرب العهد بالإمارة، فأما إن قلت ما قلت فاختر مجالستي إن شئت ليلاً وإن شئت نهاراً. فقال: الليل أحب إلي. فكان يدعوه ليلاً فيسامره، فلما عرفه استحلاه، فغلب عليه ليله ونهاره حتى كان يغيب فيبعث من يحضره، فجاءه ليلة وبوجهه آثار، فقال له: ما هذا يا حار؟ قال: ركبت فرسي الأشقر فلجج بي مضيقاً فسحجني. قال: لكنك لو ركبت أحد الأشهبين لم يصبك شيء من هذا. يعني: اللبن والماء.

أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا، قال: أنبأنا محمد ابن معاوية الزيادي، عن القحذمي، عن عمه، قال: خرج حارثة بن بدر إلى سلم بن زياد بخراسان فأوصى رجلاً من غدانة أن يتعاهد امرأته الشماء ويقوم بأمرها، فكان الغداني يأتيها فيتحدث عندها ويطيل، حتى أحبها وصبا بها، فكتب إلى حارثة يخبره أنها فسدت عليه وتغيرت، ويشير عليه بفراقها، ويقول له: إنها قد فضحتك من تلعب الرجال بها. فكتب إليها بطلاقها، وكتب في آخر كتابه:

ألا آذنا شماء بالبين إنـه

 

أبى أود الشماء أن يتقوما

قال: فلما طلقها وقضت عدتها، خطبها الغداني فتزوجها، وكان حارثة شديد الحب لها، وبلغه ذلك، وما صنعت، فقال:

لعمرك ما فارقت شماء عن قلى

 

ولكن أطلت النأي عنها فملـت

مقيماً بمروروذ لا أنـا قـافـل

 

إليها ولا تدنو إذا هي حـلـت

أخبرني محمد بن يحيى، قال: أنبأنا محمد بن زكريا، قال: أنبأنا مهدي بن سابق، قال: أنبأنا عطاء، عن عاصم بن الحدثان، قال: تزوج حارثة بن بدر ميسة بنت جابر، وكانت تذكر بجمال وعقل ولسان، فلما هلك حارثة تزوجها بشر بن شعاف بعده فلم تحمده، فقالت ترثي حارثة:

بدلت بشراً شقاء أو معـاقـبة

 

من فارس كان قدماً غير خوار

يا ليتني قبل بشر كان عاجلنـي

 

داع من الله أو داع من النـار

وقالت أيضاً فيه:

ما خار لي ذو العرش لما استخرته

 

وعذبني أن صرت لابن شعـاف

فما كان لي بغلاً وما كان مثـلـه

 

يكون حلـيفـاً أو ينـال إلافـي

فيا رب قد أوقعتني فـي بـلـية

 

فكن لي حضناً منه رب وكـاف

ونح إلهي ربقتي مـن يد امـرئ

 

شتيم محياه لـكـل مـصـافـي

هو السوأة السوأة لا خير عـنـده

 

لطالب خـير أو أحـذ قـوافـي

يرى أكلة إن نلتها قلع ضـرسـه

 

وما تلك زلفى يا آل عبد منـاف

وإن حادث عض الشعافي لم يكـن

 

صلـيبـاً ولا ذا تـدرأ وقـذاف

أخبرني محمد بن مزيد، قال: أنبأنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن عاصم ابن الحدثان، قال: لقي أنس بن زنيم الدئلي حارثة بن بدر فقال له: يا حارثة، قد قفت لك أبياتاً فاسمعها. فقال: هاتها، فأنشده:

فحتى متى أنت ابن بـدر مـخـيم

 

وصحبك يحسون الحليب من الكرم

فإن كان شراً فاله عنـه وخـلـه

 

لغيرك من أهل التخبط والظـلـم

وإن كنت ذا علم بها واحـتـسـائهـا

 

فما لك تأتي ما يشينك عـن عـلـم

تق الله وأقبل يابن بـدر مـحـلـلاً

 

وقلت لي اتركها لأوضعت في الحكم

وأيقنت أن القول ما قلت فانـتـفـع

 

بقولي ولا تجعل كلامي من الجـرم

فرب نصيح الجيب رد انتـصـاحـه

 

عليه بلا ذنب وعوجل بـالـشـتـم        

فقال له حارثة: لقد قلت فأحسنت، ونصحت فبالغت، جزيت الخير أبا زنيم. فلما رجع إلى منزله، أتاه ندماؤه فذكر لهم ما قال ابن زنيم، فقالوا: والله ما نرى ذلك إلا حسداً. ثم قال حارثة بن بدر لابن زنيم:

يعيب علي الراح مـن لـو يذوقـهـا

 

لجن بها حتى يغيب فـي الـقـبـر

فدعها أو امدحها فـإنـا نـحـبـهـا

 

صراحاً كما أغراك ربك بالـهـجـر

علام تذم الراح والراح كـاسـمـهـا

 

تريح الفتى من همه آخـر الـدهـر

فلمني فإن الـلـوم فـيهـا يزيدنـي

 

غراماً بها إن الملامة قـد تـغـرى

وبالله أولي صادقاً لـو شـربـتـهـا

 

لأقصرت عن عذلي وملت إلى عذري

وإن شئت جربهـا وذقـهـا عـتـيقة

 

لها أرج كالمسك محمودة الـخـبـر

فإن أنت لم تخلع عذارك فانـحـنـي

 

وقل لي لحاك الله من عاجز غـمـر

وقبلك ما قد لامني في اصطباحـهـا

 

وفي شربها بدر فأعرضت عن بـدر

وحاسيتها قومـاً كـأن وجـوهـهـم

 

دنانير في اللأواء والزمن الـنـكـر

فدعني من التغذل فـيهـا فـإنـنـي

 

خلقت أبياً لا ألين عـدى الـقـسـر

أجود وأعطي المتفسـات تـبـرعـاً

 

وأغلي بها عند اليسارة والـعـسـر

وأشربـهـا حـتـى أخـر مـجـدلاً

 

معتقة صهـبـاء طـيبة الـنـشـر

ولولا النهى لم أضح ما عشت سـاعة

 

ولكنني نهنهت نفسي عن الـهـجـر

فقصرت عنها بعـد طـول لـجـاجة

 

وحب لها في سر أمري وفي الهجـر

وحق لمثلي أن يكف عـن الـخـنـى

 

ويقصر عن بعض الغواية والنـكـر

أخبرني الحسين بن يحيى، عن حماد عن أبيه، عن أبي عبيدة: أن عبيد الله بن زياد استعمل حارثة بن بدر على نيسابور فغاب عنه أشهراً، ثم قدم فدخل عليه، فقال له: ما جاء بك ولم أكتب إليك؟ قال: استنظفت خراجك وجئت به وليس لي بها عمل، فما مقامي؟ قال: أو بذلك أمرتك؟ ارجع فاردد عليهم الخراج وخذه منهم نجوماً حتى تنقضي السنة وقد فرغت من ذلك، فإنه أرفق بالرعية وبك، واحذر أن تحملهم على بيع غلاتهم ومواشيهم ولا التعنيف عليهم. فرجع فرد الخراج عليهم، وأقام يستخرجه منهم نجوماً حتى مضت السنة.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثنا الرياشي عن الأصمعي، قال: قال الأحنف بن قيس: ما غبت عن أمر قط فحضره حارثة بن بدر إلا وثقت بإحكامه إياه وجودة عقده له، وكان حارثة بن بدر من الدهاة.
أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن ابن الأعرابي، قال: كان حارثة بن بدر يصيب من الشراب، وكان حظياً عند زياد، فعوتب زياد على رأيه فيه. فقال: أتلومونني على حارثة؟ فوالله ما تفل في مجلسي قط، ولا حك ركابه ركابي، ولا سار معي في علاوة الريح فغبر علي، ولا دعوته قط فاحتجت إلى تجشم الالتفات إليه حتى يوازيني، ولا شاورته في شيء إلا نصحني، ولا سألته عن شيء من أمر العرب وأخبارها إلا وجدته به بصيراً.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري، وأحمد بن عبيد الله بن عمار، قالا: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا الأصمعي، قال: لما كان يوم دولاب وأفضت الحرب إلى حارثة بن بدر صاح: من جاءنا من الموالي فله فريضة العرب، ومن جاءنا من الأعراب فله فريضة المهاجر. فلما رأى ما يلقى أصحابه من الأزارقة قال:

أير الحمار فريضة لشبابكـم

 

والخصيتان فريضة الأعراب

عض الموالي جلد أير أبيهـم

 

إن الموالي معشر الخـياب

ثم قال:

كرنبـوا ودولـبـوا

 

وشرقوا وغـربـوا

وحيث شئتم فاذهبوا

 

 

يعني بقوله كرنبوا أي خذوا طريق كرنبى، و دولبوا: خذوا طريق دولاب. أخبرني. محمد بن زكريا الصحاف، قال: حدثنا قعنب بن محرز، قال: حدثنا الهيثم بن عدي، عن ابن عياش، عن المغيرة بن المنتشر، قال: إنا عند عبيد الله بن زياد، وعنده الأحنف ابن قيس، وحارثة بن بدر، وكان حارثة يتهم بالشراب. فقال له عبيد الله: يا حارثة، أي الشراب أطيب؟ قال: برة طبريه بأقطة عنزبة، بسمنة عربية، بسكرة سوسية فتبسم عبيد الله، ثم قال للأحنف: يا أبا بحر، أي الشراب أطيب؟ قال: الخمر. فقال له عبيد الله: وما يدريك ولست من أهلها؟ قال: من يستحلها لا يعدوها إلى غيرها، ومن يحرمها يتأول فيها حتى يشربها. قال: فضحك عبيد الله.

أخبرني أحمد بن محمد أبو الحسن الأسدي وعمرو بن عبد الله العتكي، قالا: حدثنا الرياشي. وقال العتكي في خبره: “عن أبي عبيدة”، ولم تقله الأسدي ولا تجاوز الرياشي به: إن حارثة كان بكوار من أردشير خره يتنزه فقال:

ألم تر أن حارثة بن بدر

 

أقام بدير أبلق من كوارا

ثم قال لجند كانوا معه: من أجاز هذا البيت فله حكمه. فقال له رجل منهم: أنا أجيزه على أن تجعل لي الأمان من غضبك، وتجعلني رسولك إلى البصرة، وتطلب لي القفل من الأمير. قال: ذلك لك. قال: ثم رد عليه نشيد البيت، فقال الرجل:

مقيما يشرب الصهباء صرفاً

 

إذا ما قلت تصرعه استدارا

فقال له حارثة: لك شرطك، ولو كنت قلت لنا شيئاً يسرنا لسررناك.
كتب إلي أبو خليفة الفضل بن الحباب، أخبرنا محمد بن سلام، قال: قدم الأبيرد الرياحي على حارثة بن بدر فقال له: اكسني ثوبين أدخل بهما على الأمير. فكساه ثوبين لم يرضهما، فقال فيه:

أحارث أمسك فضل برديك إنما

 

أجاع وأعرى الله من كنت كاسيا

وكنت إذا استمطرت منك سحابة

 

لتمطرني عادت عجاجاً وسافـيا

أحارث عاود شربك الخمر إنني

 

رأيت زياداً عنك أصبح لاهـيا

فبلغت زياداً، وبلغت حارثة، فقال: قبحه الله! لقد شهد علي، بما لم يعلم، ولم أدع جوابه إلا لما أخبرني محمد بن مزيد، قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن عاصم ابن الحدثان، قال: كان الحكم بن المنذر بن الجارود يشرب الشراب، فقيل له في ذلك وعوتب، وعرف أن الصلتان العبدي هجاه فقال فيه:

ترك الأشياء طراً وانحنى يشرب الصهباء من ماء العنب

 

لا يخاف الناس قد أدمنها

 

وفـي تـزري بـالـلـئيم الـمـــؤتـــشـــب

وهـــي بـــالأشـــراف أزرى وإلــــــى

 

غاية الـتـأنـيب تـدعـو ذا الـــحـــســـب

فدع الـخـــمـــر أبـــا حـــرب وســـذ

 

قومـك الأذنـين مـــن بـــين الـــعـــرب

فقال: لعنه الله! والله ما ترك للصلح موضعاً، ولقد صدق، ولولا الشرب لكنت الرجل الكامل، وما يخفي علي قبيحه وسوء القالة فيه، ولكني سمعت حارثة بن بدر الغداني أنشد أبياتاً يوماً فحملتني على المجاهرة الشراب، وإن كان ذلك إلي بغيضاً. قيل له: وما الأبيات؟ قال: سمعته ينشد:

أذهب عني الغم والهـم والـذي

 

به تطرد الأحداث شرب المروق

فوالله ما أنفك بالراح مـهـتـراً

 

ولولا لام فيها كل حر مـوفـق

فما لائمي فيها وإن كان ناصحـاً

 

بأعلم مني بالرحيق المـعـتـق

ولكن قلبي مستهام بـحـبـهـا

 

وحب القيان رأي كل محـمـق

سأشربها صرفاً وأسقي صحابتي

 

وأطلب غرات الغزال المنطـق

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، عن عاصم بن الحدثان، قال: كان لحارثة بن بدر نديم من قريش يصيب معه الشراب، ولا يفارقه إذا شرب، وقال فيه.

وأبيض من أولاد سعد بن مـالـك

 

سقيت من الصهباء حتى تقطـرا

وحتى رأى الشخص القريب بسكره

 

شخوصاً فنادى يا آل سعد وكبـرا

فقلت أسكران؟ فقـال مـكـابـراً

 

أبى الله لي أن أستخف وأسـكـرا

فقلت له أشـرب هـذه بـابـلـية

 

تخال بها مسكاً ذكـياً وعـنـبـراً

فلما حساهـا هـرهـا ثـم إنـه

 

تماسك شيئاً واجما مـتـفـكـرا

وقال أعدها قلت صبـراً سـويعة

 

فهوم شيئاً ثـم قـام فـبـربـراً

فقلت له نم سـاعة عـل مـا أرى

 

من السكر يبدي منك صرماً مذكرا

قال إسحاق: قال عاصم بن الحدثان: كان أبو صخر مخارق بن صخر أحد بني ربيعة بن مالك شاعراً، وهو خال أبي حزانة، أو خال أبي جميعة، وكان صديقاً لحارثة بن بدر، فدخل عليه يوماً. وهو مصطبح، فعاتبه حارثة بن بدر، وقال له،: قد أسقطت الخمر قدرك ومروءتك. قال له: دع عنك هذا الجنون وهلم نتساعد واسمع ما قلت.

قال: هاته، فأنشده:

غدانا ناصحاً لم يأل جهداً مخـارق

 

يلوم على شرب السلاف المعتـق

فقلت أبا صخر دع الناس يجهلـوا

 

ودونكها صهـبـاء ذات تـألـق

تراها إذا ما الماء خالط جسمـهـا

 

تخايل في كف الوصيف المنطق

لها أرج كالمسك تذهب ريحـهـا

 

عماية حاسيها بحسـن تـرفـق

وكم لائم فيها بصير بفضـلـهـا

 

رمته بسهم صـائب مـتـزلـق

فظـل لـرياهـا يعـض نـدامة

 

يديه وأرغى بعد طول تمـطـق

وقال لك العذر ابن بدر على التي

 

تسلي هموم المستهام المـشـوق

فلست ابن صخر تاركاً شرب قهوة

 

لقول لئيم جاهـل مـتـحـذلـق

يعيب علي الشرب والشرب همـه

 

ليحسب ذا رأي أصيل مـصـدق

فما أنا بالغر ابن صخر ولا الـذي

 

يصمم في شيء من الأمر موبق

فقال له مخارق بن صخر: إنما عاتبتك لأن الناس قد كثروا فيك، ورأيت النصيحة لله واجبة علي، وكرهت أن تضع لذتك قدرك، فإن أطعتني في تركها وإلا فلا تجاهر بها، فإنك قادر على أن تبلغ حاجتك في ستر. فقال حارثة: ما عندي غير ما سمعت، فتركه وانصرف.

أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: أأجأنا الرياشي عن محمد بن سلام، عن يونسى بن حبيب، قال: لما بنى فيل مولى زياد داره بالسبابجة، صنع طعاماً ودعا أصحاب زياد، فدخلوا الحمام المعروف بحمام فيل وخرجوا فتغدوا عنده وركب فيل وأصحابه الهمايج والمقاريف والبغال، واجتاز بهم معه على حارثة بن دبر وأبي الأسود الدؤلي وهما جالسان، فقال أبو الأسود:

لعمر أبيك ما حمام كسرى

 

على الثلثين من حمام فيل

فقال حارثة:

وما إيجافنا خلف الموالي

 

بسنتنا على عهد الرسول

أخبرني محمد بن مزيد، قال: أنبأنا حماد عن أبيه، عن عاصم بن الحدثان، قال: حدثني عمي عن الحارث الهجيمي، قال: ذكر حلم الأحنف بن قيس عند عبيد الله بن زياد وعنده حارثة بن بدر، فنفس عليه حارثة ذلك، فقال لعبيد الله: أيها الأمير، ما يبلغ حلم من لا قدرة له ولا يملك لعدوه ضراً ولا لصديقه نفعاً. وإنما يتكلف الدخول فيما لا يعنيه؟ فبلغ ذلك من قوله. الأحنف فقال: أهون بحارثة وكلامه؟ وما حارثة ومقداره؟ أليس الذي يقوك- قبح الله رأيه- في قوله:

إذا ما شربت الراح أبدت مكارمي

 

وجدت بما حازت يداي من الوفر

وإن سبني جهلاً نديمـي لـم أزد

 

على أشرب سقاك الله طيبة النشر

أرى ذاك حقاً واجباً لمـنـادمـي

 

إذا قال لي غير الجميل من النكر

أخبرني عمي، قال: أنبأنا الكراني، قال: أنبأنا الرياشي عن الأصمعي، قال: كان لحارثة بن بدر جارية يقال لها ميسة وكان بها مشغوفاً، فلما مات تزوجت بعده بشر بن شغاف. فهؤلاء الشغافيون من ولدها، وفيها يقول حارثة:

خليلي لولا حب ميسة لم أبـل

 

أفي اليوم لاقيت المنية أم غدا

خليلي إن أفشيت سري إليكما

 

فلا تجعلا سري حديثاً مبـددا

وإن أنتما أفشيتماه فـلا رأت

 

عيونكما يوم الحساب محمـدا

ولا زلتما في شقوة ما بقيتمـا

 

تذوقان عيشاً سيء الحال أنكدا

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: أنبأنا الحسين بن عليل، قال: أنبأنا مسعود بن بشر عن أبي عبيدة، قال: اجتاز حارثة بن بدر الغداني بمجلسي من مجالس قومه من بني تميم ومعه كعب مولاه، فكلما اجتاز بقوم قاموا إليه وقالوا: مرحباً بسيدنا، فلما ولى قال له كعب: ما سمعت كلاماً قط أقر لعيني ولا ألذ بسمعي من هذا الكلام الذي لسمعته اليوم. فقال له حارثة: لكني لم أسمع كلاماً قط أكره لنفسي وأبغض إلي مما سمعته. قال: ولم قال: ويحك يا كعب! إنما سودني قومي حين ذهب خيارهم وأماثلهم، فاحفظ عني هذا البيت:

خلت الديار فسدت غير مسود

 

ومن الشقاء تفردي بالسودد

قال: واشتكى حارثة ابن بدر، وأشرف على الموت، فجعل قومه يعودونه فقالوا له: هل لك من حاجة أو شيء تريده؟ قال: نعم، اكسروا رجل مولاي كعب لئلا يبرح من عندي فإنه يؤنسني. ففعلوا، وأنشد يقول:

يا كعب مهلاً فلا تجزع على أحـد

 

يا كعب لم يبق منا غير أجـسـاد

يا كعب ما راح من قوم ولا بكروا

 

إلا وللموت في آثـارهـم حـادي

يا كعب ما طلعت شمس ولا غربت

 

إلا تـقـرب آجـالاً لـمـيعـاد

يا كعب كم من حمى قوم نزلت به

 

على صواعق من زجـر وإيعـاد

فإن لـقـيت بـواد حـية ذكـرا

 

فأذهب ودعني أمارس حية الوادي

جاء بعقب هذه الترجمة في الجزء الحادي والعشرين:

عش فحبيك سريعاً قـاتـلـي

 

والضنى إن لم تصلني واصلي

ظفر الشوق بـقـلـب دنـف

 

فيك والسقم بجسـم نـاحـل

فهما بين اكتـئاب وضـنـى

 

تركاني كالقضـيب الـذابـل

الشعر لخالد الكاتب، والغناء للمسدود، رمل مطلق في مجرى الوسطى. وذكر جحظة أن هذا الرمل أخذ عنه، وأنه أول صوت سمعه فكتبه.
ثم جاءت بعد هذا أخبار خالد الكاتب.